التطيب قبل الإحرام
وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ» [مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ] (١).
حديث عائشة - ﵂ - فيه في قولها: (كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لِإحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ) يعني أنها طيبت النبي - ﷺ - بيديها لإحرامه يعني أن الطيب عند عقد الإحرام سنة؛ لأنها قالت: لإحرامه أي: لأجل إحرامه قبل أن يحرم يعني قبل أن يدخل في النسك.
(وَلحِلِّهِ): أي بعد إحرامه.
(قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ) أي: بعد أن رمى ثم ذبح ثم حلق طيبته، ويأتي الخلاف متى يحصل التحلل الأول في آخر الكتاب إن شاء الله تعالى.
في الحديث سنية التطيب عند الإحرام، فهل يكون الطيب في البدن والثياب؟
قال بعض أهل العلم: نعم. والإجابة عن حديث «.. وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الوَرْسُ» الذي ذكره المؤلف سابقًا كان في الابتداء، فالمحرم ممنوع من ابتداء الثياب الملبوسة المطيبة، أما استدامة الثوب المطيب فإنه لا بأس، وعندنا قاعدة أن أحكام الاستدامة أقوى من أحكام الابتداء، فقد يجوز استدامة الشيء ولكن لا يجوز ابتداؤه.
فالمحرم له أن يراجع زوجته إذا طلقها؛ لأن المراجعة من قبيل الاستدامة وليس من باب الابتداء؛ لأنها فرع عن النكاح كما قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾: فهو بعل لا يزال بعلًا في مدة العدة، وأما النكاح ابتداءً فإنه ممنوع كما سيأتي في الحديث الذي يليه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٥٣٩)، ومسلم (١١٨٩) (٣٣).
[ ٩٠ ]
فما سبق قد يفهم منه القول بأن الإزار والرداء يطيبان، ولكن القول الصحيح أن الإزار والرداء لا يطيبان، وأن هذا الطيب في البدن على القول الراجح، وأن المحرم يتطيب في بدنه ورأسه ولحيته، ولكن لا يلبس ثوبًا مسه طيب، سواء كان لا بسًا له قبل الإحرام، أو بعد الإحرام على القول الراجح في المسألة.
ومنهم: من أجاز أن يكون ابتدأه مطيبًا، فإذا خلعه أو أراد لبسه مرة ثانية فإنه ليس له ذلك، ولكن هذا القول ضعيف.
فالخلاصة: أن الصحيح في المسألة أن الطيب يكون في البدن، وعلى هذا من طيب ثوبه أو رداءه قبل الإحرام فإنه يجب عليه أن يغسله أو يستبدله.
وفيه من الفوائد:
أن استدامة الطيب تبقى، وفي الحديث الآخر عنها - ﵂ - قالت: «كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله مفرق الرأس» (١) فكان يفرق رأسه من وسطها ويضع مسكًا كثيرًا - ﷺ -؛ لأن المسك أطيب الطيب.
وكانت تقول: (كان يسيل على إحدانا) فلا ينكره النبي - ﷺ - فاستدامة الطيب في البدن جائزة.
فإن قال قائل: من المعلوم أن الطيب إذا كان كثيرًا في الرأس واللحية فإنه سيعلق باليدين بسبب الحك أو بسبب الوضوء وما أشبه ذلك.
نقول: انتقال الطيب في البدن له ثلاثة أحوال:
١ - أن يتعمد نقله إلى بقعة أخرى من البدن لتتسع مساحة الطيب، وهذا ما يجوز وحكمه حكم المتطيب بعد الإحرام.
_________________
(١) رواه البخاري (٢٦٨، ومواضع)، ومسلم (١١٩٠).
[ ٩١ ]
٢ - أن يسيل الطيب بنفسه؛ لأجل الحَر أو ما أشبه ذلك فيسيل من اللحية على الصدر مثلًا، فهذا لا بأس به وجاء به النص.
٣ - أن ينتقل الطيب بمقتضى ما يسوغ شرعًا (كالوضوء)، فلو مسح رأسه ثم غسل رجليه فانتقل الطيب لهما، فهذا بمقتضى أمر الشارع بالوضوء، وكذلك انتقل بما يسوغ عادة كحك رأسه فيعلق بيده فلا بأس.
وفيه أن التطيب عند التحلل الأول سنة قد يغفل عنها كثير من الناس، فإذا رمى وحلق فإنه يتطيب وهذا سنة، وقد كان النبي - ﷺ - يتطيب وهي - ﵂ - عبَّرت بقولها: (كُنْتُ) مع أن هذا لم يقع إلا مرة واحدة، والأصل في لفظ: (كان، يكون، كنت) أنها تدل على الشيء الأغلبي لا الشيء الدائم، ولا على الشيء الذي يقع مرة أو مرتين ما لم يقيد بقرائن وهنا مقيد بالواقع.
[ ٩٢ ]