بعض مستحبات الطواف- جواز الطواف راكبًا – ركنية السعي بين الصفا والمروة
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا يقول: سؤال يهمني كثيرًا؛ ويتعلق بأحد أقاربي؛ حيث أصيب بحادث تسبب في إصابته بحروق، مما جعل الأطباء يبترون أصابع قدمه وإحدى يديه، وأجرى عدة عمليات تجميل، وهو إلى الآن لم يحج الفريضة، ولا يستطيع الحج إلا محمولًا، ولا يطيق الزحام إلا إذا حمل على عربة خاصة، فهل له أن يدفع مالًا لمن يحج عنه أم لا؟ علمًا بأنه سبق له أن دفع لمن يحج عنه، إلا أنه لا يزال يخشى أن فعله ذلك لا يجزئ عنه فما قولكم؟
في الحديث الصحيح من حديث ابن عباس -﵄- في الصحيحين وغيرهما: أن امرأة من خثعم سألت النبي -﵊-: "إن فريضة الحج أدركت أبي، قائلة: "إن فريضة الله في الحج على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة، وإن شددته خفت عليه"، يعني إن ربطته على الراحلة خافت عليه وفي رواية: "خفت أن أقتله، فهل يجزئ عنه؟ أو فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟ " قال: «نعم».
فالذي لا يستطيع الحج بنفسه، بمعنى أنه لا يثبت على الراحلة والشد يؤثر عليه، فإنه في هذه الحالة يُحج عنه إذا قرر الأطباء أنه ميؤوس منه، سوف يستمر على هذه الحالة، أما إذا كان ممن يرجى برؤه فلا يحج عنه، وإذا كان يثبت على الراحلة بنفسه فلا يُحج عنه، وإذا كان الشد لا يضره فأيضًا لا يحج عنه؛ لأن هذه أوصاف معتبرة رتب عليها الجواب النبوي، لما ذكرت هذه الأوصاف ..، وأقرها النبي -﵊- رتب عليها الجواب صارت أوصاف مؤثرة في الحكم، شيخ كبير لا يثبت على الراحلة، وإن شددته خفت عليه، لكن هل الشيخوخة وصف معتبر؟ والكبر وصف معتبر؟ أو أن المعتبر أنه لا يثبت على الراحلة ولا بالشد؟
[ ١٤ / ١ ]
يعني لو افترضنا أن شخصًا ليس بشيخ عمره عشرين سنة مثلًا، لكنه لا يثبت على الراحلة، ولا يمكن شده؛ لأن الشد لا سيما على الرواحل ما هو مثل ما تتصورنه مثل رباط حزام الأمان؟ لا، يعني حزام الأمان هذا ينفع في الراحلة؟ ما ينفع في الراحلة، إنما لا بد أن يشد مثل ما يشد العفش، يربط تربيط، وهذا لا شك أنه يقتله.
فالوصف بالكبير -شيخًا كبيرًا- هذا أغلبي، الغالب أن الشيخ الكبير يكون هذا وصفه، وإلا لو وجد شاب، لكنه لا يثبت على الراحلة، والرواحل ليس الركوب فيها مثل الركوب في السيارات، والركوب في السيارات في أول الأمر ليس مثل الركوب لما اعتاد الناس عليها، كان الناس أول ما جاءت السيارات إذا ركبوا لمدة ساعة يدوخون ويتقيئون، نعم، كبار السن أدركوا هذا، فمثل هذا الذي لا يستطيع أن يثبت على الراحلة يحج عنه.
أما بالنسبة للرواحل في هذه الأيام -ولله الحمد- من سيارات وطائرات ومراكب فخمة ومريحة، هذه قلَّ أن يوجد من لا يثبت عليها.
فمثل هذا لو انتظر حتى يغلب على ظنه أنه لا يستطيع الحج، ويقرر الأطباء أنه لا يستطيع ذلك يحج عنه، أما ما دفعه سابقًا -سبق له أن دفع لمن يحج عنه- فالمسألة خلافية بين أهل العلم، فيمن دفع مالًا ليحج عنه؛ لأنه ميؤوس منه، هذا إذا غلب على ظنه أنه لا يبرأ فيما بعد، ثم دفع مالًا لمن يحج عنه، ثم برئ بعد ذلك، هل يجزئ أو لا يجزئ؟ إذا برئ بعد ذلك، إذا برئ بعد إتمام النائب النسك؟
الإمام أحمد يقول: يجزئ؛ لئلا يجب الحج مرتين، لأنه إذا أوجبنا عليه أن ينيب هذه حجة، وإذا قلنا: يلزمه أن يحج بنفسه حجة ثانية، وقد ألزمناه بحجتين، والأكثر على أنه لا يجزؤه؛ لأنه تبين ببرئه أنه غير ميؤوس منه، والنيابة إنما تصح في الميؤوس منه، وعلى هذا مثل هذا ينتظر، إن برئ حج بنفسه، وإن لم يبرأ كفت الحجة التي دفعها.
هذا يقول: هل الراجح تقديم اليدين في السجود أم الركبتين؟
[ ١٤ / ٢ ]
في المسألة حديثان ظاهرهما التعارض، حديث أبي هريرة «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه» وفيه حديث وائل بن حجر: "رأيت النبي -﵊- إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه"، وظاهرهما التعارض، وحديث أبي هريرة -كما يقول الحافظ وغيره- أرجح من حديث وائل؛ لأن له شاهدًا من حديث ابن عمر.
طالب:. . . . . . . . .
إيه.
طالب:. . . . . . . . .
إذا برئ قبل إكمال النسك وأمكن إخباره، وقبل تلبسه بالإحرام؛ لأنه إذا تلبس بالإحرام يلزمه الإتمام، فنكون قد ألزمنا المنيب بدفع الأجرة -بدفع الجعل- وألزمنا النائب بإتمام الحج.
نعود إلى مسألة السجود على اليدين أو على الركبتين: فيه الحديثان وحديث أبي هريرة أرجح من حديث وائل.
ابن القيم -رحمه الله تعالى- يقرر أن حديث أبي هريرة مقلوب، انقلب على راويه، وأن صوابه: «وليضع ركبتيه قبل يديه»؛ لأنه لو قدم يديه قبل ركبتيه سجد كما يسجد البعير، هذا كلام ابن القيم، وتبعه جمع غفير ممن يقرأ كلامه يقتنع؛ لأنه أطال، والذي حال دون فهم ابن القيم -﵀- شيء رقيق جدًا، هو لو أن ابن القيم تنبه إلى معنى الوضع، ومعنى البروك، متى يقال: برك البعير؟
إذا نزل على الأرض بقوة، وفرق الحصى وأثار الغبار يقال: برك البعير، ما يبرك البعير بمجرد وضع اليدين، لا، فالذي يضع يديه قبل ركبتيه لا يشبه البعير في بروكه، بل يمتثل الأمر في قوله: «وليضع يديه قبل ركبتيه»، أما إذا نزل على الأرض على يديه -مقدمًا يديه على الأرض بقوة- نقول: أشبه البعير، وجاء النهي عن ذلك.
كما أنه في الحديث الثاني: "رأيت النبي -﵊- إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه": لو نزل على الأرض بقوة على ركبتيه، يشبه السجود النبوي أو يشبه بروك الحمار؟
المسألة مسألة وضع؛ لأن الصلاة عبادة، وتحتاج إلى طمأنينة، فبعض الناس يقدم ركبتيه ويزعم أنه فعل السنة، ويخلخل البلاط إذا نزل على ركبتيه، هل هذا فعل السنة؟ لا أبدًا، فإن نظرنا إلى الترجيح قلنا: حديث أبي هريرة أرجح من حديث وائل، فلنقدم اليدين قبل الركبتين، نضع اليدين قبل الركبتين.
[ ١٤ / ٣ ]
ومن نظر إلى مادة وضع وصحح الحديثين، قال: يضع يديه قبل ركبتيه، أو يضع ركبتيه قبل يديه، إنما الملاحظ الوضع -مجرد وضع- ولذا شيخ الإسلام يرى التخيير، سواءً قدمت يديك أو ركبتيك، المقصود أنك تنزل على الأرض برفق.
ما نحتاج إلى هذا كله، ما نحتاج إلى مثل هذا الكلام؛ إذا حررنا معنى البروك انتهى الإشكال، لا نحتاج إلى هذا كله، ولا ينحل الإشكال بقولنا: إن ركبتي البعير في يديه؛ ما ينحل أصلًا.
يقول: ما حكم الاستمناء بالحج قبل طواف الإفاضة؟
المسألة معلقة بالتحلل الأول، مع أن المبطل للحج قبل التحلل الأول هو الجماع، وهو الذي أفتى به الصحابة، أما إذا استمنى في الحج فإن كان قبل التحلل الأول فعليه بدنة، وإلا فشاة.
يقول: هل التأنيث لأذرع خاص بها أم لأنها جمع تكسير وهل يقاس عليها رغيف؟
الذراع والكتف والأصبع كلها تذكر وتؤنث، أما كونها جمع تكسير تؤنث من أجل جمع التكسير؟!
يقول: أريد الحج، وفي نفس الوقت أريد أن أضحي، فكيف أجمع بين عدم الحلق وقص الأظافر، وبين أحكام الأضحية؟
أحكام الأضحية هي عدم الحلق وقص الأظافر لمن أراد أن يضحي، لكن حلق الشعر نسك، لا يتعارض مع النهي، ولو انتظر في حلقه حتى يغلب على الظن أن أضحيته ذبحت كان أحوط.
هذا يقول: كثر في الآونة الأخيرة سماع أشرطة الأناشيد، وقدمت على المحاضرات والدروس العلمية، فهل من توجيه لذلك، وما الحكم الشرعي وهل هي على نفس ؟
أولًا جاء في الحديث الصحيح: «لأن يمتلأ جوف أحدكم قيحًا حتى يريه، خير له من أن يمتلئ شعرًا»، والأناشيد شعر من هذا النوع -من هذا الباب- فإذا قدمت -والحديث محمول عند أهل العلم أنه إذا كان هم الإنسان الشعر، - ولذا قال: «حتى يريه»: يعني يملأه، يعني حتى يملأه- فإذا قدمت على الدروس العلمية والمحاضرات، وقراءة القرآن، وقراءة السنة، وما ينفع، وما يقرب إلى الله دخل في الحديث.
[ ١٤ / ٤ ]
يبقى أنه إذا استعملت مع عدم مزاحمتها للأهم، وصارت ألفاظها مباحة، وأديت بلحون العرب لا بلحون الأعاجم، ولم يصحبها آلة، فالأصل الجواز؛ وقد أنشد بين يدي النبي -﵊-، وأراد عمر أن يمنع من أراد أن ينشد فقال: "أنشد بين يدي من هو خير منك"، ويبقى أنه لا بد من هذه القيود والضوابط -كما قرر أهل العلم-: تكون ألفاظها مباحة، وألا تصحبها آلة، وأن تؤدى بلحون العرب لا بلحون الأعاجم، أو لحون أهل الفسق.
إذا كان فعل الإسراع في السعي ليس تعبدًا فكيف شرع للرجال؟
إسراع أم إسماعيل ليس تعبدًا، إنما الحاجة دعتها إلى ذلك، وشرع للرجال اقتداءً بفعله -﵊-.
ما رأيكم بالمحسنات الصوتية التي توضع في المساجد التي قد ينتج عنها ترديد الصوت أو غير ذلك؟
أصل استعمال المحدثات في العبادات داخل في حيز البدع، وأفتى أهل العلم واستعملوا هذه المكبرات للحاجة الداعية إلى ذلك، ويبقى أن ما يفتى ..، أو ما يعمل به للحاجة -والحاجة تقدر بقدرها- فلا يزاد على الحاجة، ومع الأسف أن تجد مسجد عشرة في عشرة يكلف بنيانه –مثلًا- مائة ألف، والمكبرات بما يقرب من هذه القيمة، توجد مكبرات بأكثر من هذه القيمة، ومؤثرات وسماعات ولاقطات وإيش هو الفائدة؟ وبعض المساجد يصلي فيها نصف صف، مثل هذه لا تستعمل مكبرات .. لماذا؟ ما الداعي لهذه المكبرات والمأموم يسمع؟ فإنما استعملت للحاجة، والحاجة تقدر بقرها، فإذا ترتب على هذه الآلات تكرار حروف دخلت في حيز المنع بلا إشكال.
طالب:. . . . . . . . .
أي قاعدة؟
طالب:. . . . . . . . .
بلا شك، هذه تستعمل في عبادة، والأصل عدمه.
هل للحاج صلاة عيد؟
النبي -﵊- ما صلى العيد.
هل يوم التروية سنة؟
أيش لون يوم التروية؟ يعني لعله يريد المكث يوم التروية بمنى، النبي -﵊- صلى بها الخمسة الأوقات، فهو سنة قبل خروجه إلى عرفة.
هل الحج بدون إذن تصريح يجوز أو لا يجوز؟
[ ١٤ / ٥ ]
على كل حال الحج جاء الترغيب فيه «من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه»، لكن مع ذلك لا يُرتكب محظور؛ لأن ما عند الله لا ينال بسخطه، إن ترتب على الحج احتيال أو كذب، أو ارتكاب محظورات ما يلزم يا أخي، والمنع إنما هو للمصلحة، وهو مبني على فتوى.
إذا اجتمع العيد والجمعة؟
حضور الجمعة رخصة، من أراد أن يحضر فهو الأصل، ومن ترخص فلا شيء عليه، لكن يلزمه أن يصلي الظهر، تلزمه صلاة الظهر، وما يُذكر عن ابن الزبير فهو محتمل، يعني هل هو صلى ..، الصلاة التي صلاها بهم هل هي عيد أو جمعة؟ لكن صفتها تدل على أنها جمعة، واكتفى بها عن صلاة العيد.
يقول: هل يحفظ طالب العلم المبتدئ بعد الأربعين النووية الأصول الثلاثة، أم ينتقل إلى عمدة الأحكام؟
الأصل أن يحفظ الأصول الثلاثة مع الأربعين النووية، ومع ما يشابهها من متون المبتدئين، ثم بعد ذلك ينتقل إلى ما هو فوقها.
يقول: ما سبب منع "أبان" من الصرف؟
يعني عند من منعه كابن مالك؛ لأن فيه ألف ونون زائدتين؛ لأنه من الإباء، أما من صرفه قال: من الإبانة، ومثله حسان وعفان ..
يقول: سجلت في انتداب الحج، وأنا سوف أحج، فماذا أفعل بالمال رغم أني بينت لهم ذلك؟
إذا كان عملك الذي من أجله انتدبت لا يتنافى مع أدائك الحج فلا مانع من الجمع بينهما، لكن إذا كان حجك يعوق عن العمل الذي انتدبت من أجله فلا يجوز لك أن تحج، وإن كانت حجك الفريضة لا يجوز لك أن توافق على هذا الانتداب حتى تحج.
يقول: هل لطالب العلم نسخ الكتب المتوسطة اقتداءً بالسلف الصالح؟
كيف نسخ الكتب المتوسطة؟
طالب: نقلها باليد يا شيخ.
نقلها باليد والحاجة داعية إلى ذلك، وإلا مطبوعة ومتداولة؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ١٤ / ٦ ]
هذه طريقة لبعض الناس يتخذها وسيلة للحفظ، بعض الناس ما يحفظ ولو كرر الكلام مائة مرة، فإذا كتبه بيده حفظه، ولذا لما بدأت الطباعة، وأدرك العلماء أثرها على التحصيل أفتى شيوخ الأزهر بتحريم طباعة الكتب الشرعية، قالوا: لها أثر على التحصيل، طالب العلم إذا احتاج إلى كتاب لا بد أن ينسخه أو يستعيره فيضطر إلى قراءته ونقل ما يحتاج منه ويعيده إلى صاحبه، لكن الآن بعد الطباعة، يعني أشق ما يشق على الإنسان أن يذهب إلى المكتبة ويشتري ما يريد منها ويرصها في الدواليب، وهذا آخر علمه بها، ولا شك أنه صار لها أثر سلبي، مع أنها نعمة من نعم الله إذا استغلت، لكن يبقى أن لها أثر، يعني أثرها واضح، ليس عبثًا أن يفتي العلماء بمنع طباعة الكتب الشرعية، لا لذاتها وإنما لكونها تعوق عن تحصيل العلم، وقل مثل هذا في الإذن بالكتابة في أول الأمر، جاء النهي عنها من حديث أبي سعيد: «لا تكتبوا عني شيئًا سوى القرآن، ومن كتب شيئًا غير القرآن فليمحه» لماذا؟
لأن الناس إذا كتبوا اعتمدوا على الكتابة، وضعف الحفظ وأهمل، وهذا مر على الجميع؛ الإنسان الذي لا يكتب لا شك أنه يحفظ، وأنت إذا حفظت رقمًا من الأرقام أو جملةً من الجمل واعتنيت بها صارت معك أبد الدهر، لكن إذا سجلتها خلاص؛ اعتمدت على هذا التسجيل ولم تحفظه.
يقول: إذا كنت ذاهبًا إلى مكة بعد غد لزيارة قريب، ولو أني ذاهب إلى الحج لتأخرت أسبوعًا، فهل لي أن أمر على الميقات بدون إحرام، ثم بعد قضاء الأسبوع بمكة أحرم للحج من مكة؟
الآن إذا كانت هذه السفرة للحج فلا بد أن تحرم، ولو كان من مقاصدك زيارة القريب، أما أن تقول: أنا أريد أن أزور القريب في هذه السفرة وأعود، فإذا قرب الحج أذهب للحج لا يلزمك الإحرام؛ لأن النبي -﵊- يقول: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلن، لمن أراد الحج أو العمرة» وأنت في هذه السفرة لا تريد الحج.
على كل حال في مثل هذه الصورة يلزمك أن تحرم من الميقات، إلا إذا قلت أنه يشق علي أن أمكث هذه الأيام الطويلة بالإحرام، وأردت أن تزور قريبك ثم تعود إلى المحرم فتحرم منه لا بأس -إن شاء الله- على أن ترجع إلى المحرم.
[ ١٤ / ٧ ]
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا والسامعين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
قال الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-:
حدثنا يحيى بن يحيى قال: أخبرنا الليث ح وحدثنا قتيبة قال: حدثنا ليث عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر أنه قال: "لم أرَ رسول الله -ﷺ- يمسح من البيت إلا الركنين اليمانيين".
وحدثني أبو الطاهر وحرملة، قال أبو الطاهر: أخبرنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه قال: "لم يكن رسول الله -ﷺ- يستلم من أركان البيت إلا الركن الأسود والذي يليه من نحو دور الجمحيين".
وحدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا خالد بن الحارث عن عبيد الله عن نافع عن عبد الله ذكر أن رسول الله -ﷺ- كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني.
وحدثنا محمد بن المثنى وزهير بن حرب وعبيد الله بن سعيد جميعًا عن يحيى القطان قال ابن المثنى: حدثنا يحيى عن عبيد الله قال: حدثني نافع عن ابن عمر قال: "ما تركت استلام هذين الركنين -اليماني والحجر- مذ رأيت رسول الله -ﷺ- يستلمهما في شدة ولا رخاء".
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن نمير جميعًا عن أبي خالد قال أبو بكر: حدثنا أبو خالد الأحمر عن عبيد الله عن نافع قال: "رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده، ثم قبل يده، وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله -ﷺ- يفعل".
وحدثني أبو الطاهر قال: أخبرنا ابن وهب أخبرنا عمرو بن الحارث أن قتادة بن دعامة حدثه أن أبا الطفيل البكري حدثه أنه سمع ابن عباس يقول: "لم أرَ رسول الله -ﷺ- يستلم غير الركنين اليمانيين".
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
[ ١٤ / ٨ ]
حدثنا يحيى بن يحيى قال: أخبرنا الليث ح وحدثنا قتيبة قال: حدثنا ليث عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر أنه قال: "لم أر رسول الله -ﷺ- يمسح من البيت إلا الركنين اليمانيين": البيت بيت الله –الكعبة البيت الحرام- مبني على أركان أربعة، وكان على قواعد إبراهيم، ثم احتيج إلى بنائه -إعادة البناء- في الجاهلية قبل بعثة النبي -﵊- ففصرت بهم النفقة فقصروا في بنائه دون قواعد إبراهيم، فالحجر الأصل أنه من البيت، لكن لما قصرت بهم النفقة، قصروا دون قواعد إبراهيم، فصار البيت على قاعدتين من قواعد إبراهيم -﵇، وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام-، وهذا هو السبب الذي جعل النبي -﵊- يمسح ركنين ويترك ركنين، يمسح الركن الذي فيه الحجر، ويمسح الركن الذي يليه –اليماني- الذي قبله بالنسبة للطائف.
لم أر رسول الله -ﷺ- يمسح من البيت إلا الركنين اليمانيين: يعني اللذين بجهة اليمن، الجهة الجنوبية بخلاف الشاميين.
الآن اليمانيين تثنية يماني، والياء هذه ياء النسب، والأصل في ياء النسب التشديد؛ ياءٌ كيا الكرسي زيدت للنسب، هذا الأصل فيها، وهنا اليمانيين بالتخفيف؛ لأن الألف مزيدة، والنسبة على غير القياس، وجعلت بمثابة الياء الثانية من ياء النسب المشددة؛ لأن الحرف المشدد عبارة عن حرفين، فقامت الألف هذه مقام إحدى اليائين وبقيت ياء واحدة مخففة، ولذا تقول: هذه امرأة يمانية -بدون التشديد، هذا قول الأكثر- بينما لو نسبت على الأصل -على القاعدة- قلت: هذه امرأة يمنيَّة، لا بد من التشديد؛ لأن ياء النسب مشددة، وهذا رجل يمنيٌّ –بالتشديد- لكن الألف جعلت مقام إحدى اليائين فخففت، ومن أهل اللغة من يقول: يشدَّد ولو نسب على غير القياس؛ لأن الأصل في ياء النسب التشديد وهذه الألف مزيدة، كما زيد أكثر منها، في الرازي مثلًا الري، النسبة إليها رازي، زيد فيها ألف وزاي على غير القياس وهكذا، فتشدد ولو زيد فيها الألف، وهذا قول إمام النحاة سيبوية، لكن عامة أهل اللغة على أنها لا تشدد؛ لئلا يجمع بين العوض والمعوض، بين البدل والمبدل.
[ ١٤ / ٩ ]
كونه -﵊- يقتصر على مسح الركنين اليمانيين؛ لأنهما على قواعد إبراهيم، فالركن اليماني فيه هذه الخصيصة ولذا يمسح ولا يقبل، وأما بالنسبة للركن الذي يليه -الذي فيه الحجر الأسود- فإضافة إلى كونه على قواعد إبراهيم، كونه فيه الحجر الذي جاءت السنة بتقبيله واستلامه.
وحدثني أبو الطاهر وحرملة قال أبو الطاهر: أخبرنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه قال: "لم يكن رسول الله -ﷺ- يستلم من أركان البيت إلا الركن الأسود والذي يليه من نحو دور الجمحيين": نعم، لما كانت الدور ملاصقة للمسجد يوصف بها، وكانت دور الجمحيين في هذه الجهة، وهذا قول الجمهور، وعامة السلف والخلف عليه.
واستحب بعض الصحابة مسح الأركان الأربعة فتمسح الأركان الأربعة، ولو لم تكن على قواعد إبراهيم، ويقولون: ليس شيء من البيت مهجورًا؛ لأن عدم المسح يقتضي الهجر، لكن العبرة بما ثبت عن النبي -﵊- ولو لم يثبت عنه مسح ولا تقبيل ما مسحنا ولا قبلنا.
وحدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا خالد بن الحارث عن عبيد الله عن نافع عن عبد الله: ذكر أن رسول الله -ﷺ- كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني.
قال: وحدثنا محمد بن المثنى وزهير بن حرب وعبيد الله بن سعيد جميعًا عن يحيى القطان قال ابن المثنى: حدثنا يحيى عن عبيد الله.
حدثنا محمد بن المثنى وزهير بن حرب وعبيد الله بن سعيد جميعًا عن يحيى القطان قال ابن المثنى: أعاد الأول من هؤلاء الثلاثة؛ ومر بنا مرارًا أنه إذا روى الحديث عن جمع ثم أعاد واحدًا منهم أن الذي يغلب على اللفظ؛ لأنه صاحب اللفظ، الذي يغلب على الظن أنه صاحب اللفظ.
قال: حدثنا يحيى عن عبيد الله قال: حدثني نافع عن ابن عمر قال: "ما تركت استلام هذين الركنين اليمانيَ والحجر: مشددة عندكم وإلا؟
طالب: مخففة.
مخففه هذا الأصل.
اليماني والحجر مذ رأيت رسول الله -ﷺ- يستلمهما في شدة ولا رخاء"": من حرصه -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- أنه لا يترك الاستلام؛ اقتداءً بالنبي -﵊-.
[ ١٤ / ١٠ ]
في شدة ولا رخاء: بل كان يحرص على تطبيق السنة مهما كلفته، وكان يزاحم -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- مع أن هذا خلاف السنة، وقد جاء نهي عمر -رضي الله تعالى عنه- عن الزحام، وابن عمر يزاحم، وكان يرعف أنفه، ثم يعود ثانية؛ من شدة اتباعه -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-، لكن هذا لا يوافق عليه.
قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن نمير جميعًا عن أبي خالد قال أبو بكر: حدثنا أبو خالد الأحمر عن عبيد الله عن نافع قال: "رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده، ثم قبل يده: الأصل تقبيل الحجر، إذا لم يمكن تقبيله المسح –الاستلام-، ثم يقبل اليد، إن لم يتيسر له تقبيله باليد قبله بالمحجن كما سيأتي أو بأي شيء في يده، ثم قبل ما استلمه به، وإلا اكتفى بالإشارة على ما سيأتي. ثم قبل يده، وقال: "ما تركته منذ رأيت رسول الله -ﷺ-".
حدثني أبو الطاهر قال: أخبرنا ابن وهب قال أخبرنا عمرو بن الحارث أن قتادة بن دعامة حدثه أن أبا الطفيل البكري حدثه أنه سمع ابن عباس يقول: "لم أرَ رسول الله -ﷺ- يستلم غير الركنين اليمانيين": والسبب في هذا ما سمعتم، أنها ليست على قواعد إبراهيم، الركنان الآخران ليسا على قواعد إبراهيم، والنبي -﵊- قال: «لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأعدت بناءه على قواعد إبراهيم، ولجعلت له بابين وجعلت الباب لاطئًا بالأرض»: المقصود أنه تمنى هذا، ولما تولى ابن الزبير فعل، أعاده على قواعد إبراهيم، وطبق ما تمناه النبي -﵊-، ثم هدم بالمنجنيق -في القصة المعروفة- وأعيد كما كان عليه في عهد النبي -﵊-، ثم في عهد الإمام مالك استئذن من قبل أبي جعفر المنصور أن يعاد على قواعد إبراهيم، قال: "لا"؛ لئلا يصير ملعبة، كل ملك من الملوك يتولى يجتهد ليذكر اسمه، يصير ملعبة للملوك، كل يتمنى خدمة هذا البيت فتذهب هيبته من قلوب الناس، إذا كان هذا يهدم وهذا يعمر، الناس يتوقعون شيئًا عظيمًا إذا مس هذا البيت بسوء، لو نقض منه حجر كانوا يتوقعون أن ..، كما كان في عهد ابن الزبير، يتوقعون أن ينزل عليهم شيئًا من السماء.
[ ١٤ / ١١ ]
فلا يجرؤ على الإخلال به؛ لئلا يكون ملعبة، كل من جاء من الملوك قال:
وعندنا مستمسكان: إقرار النبي -﵊- لبناية العرب في جاهليتهم هذه حجة لمن أبقاه على ما هو عليه، وتمنيه -﵊- أن يبنى على قواعد إبراهيم حجة لمن نقضه وبناه على قواعد إبراهيم، فكل خليفة يأتي يريد أن يجدد، إن وجده على قواعد إبراهيم قال: لا، النبي -﵊- أقره على فعل الجاهلية نهدمه ونعمره ونبنيه كما كان عليه في عهد النبي -﵊-، ثم يأتي الذي بعده يقول: النبي -﵊- تمنى أن لو كان على قواعد إبراهيم، وهكذا المسألة ما تنتهي،
فالإمام مالك من فقهه -﵀- قال: "لا، لا يتعرض له بشيء، يبقى كما كان؛ لئلا يصير ملعبة للملوك"، وكل من أراد أن يتعرض له بهدم وبناء له مستمسك فيبقى كما هو؛ لأن كثرة التصرف فيه تذهب هيبته من القلوب.
طالب:. . . . . . . . .
بس تخوفوا أن ينزل عليهم شيئًا.
طالب:. . . . . . . . .
على كل حال المسألة اجتهادية، الخوف الذي تخوفه النبي -﵊- هو موجود في عهد ابن الزبير.
وحدثني حرملة بن يحيى قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني يونس وعمرو ح وحدثني هارون بن سعيد الأيلي قال: حدثني ابن وهب قال: أخبرني عمرو عن ابن شهاب، عن سالم أن أباه حدثه قال: قبل عمر بن الخطاب الحجر ثم قال: "أما والله لقد علمت أنك حجر، ولولا أني رأيت رسول الله -ﷺ- يقبلك ما قبلتك"، زاد هارون في روايته: قال عمرو: وحدثني بمثلها زيد بن أسلم عن أبيه أسلم.
وحدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي قال: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن عمر قبل الحجر وقال: "إني لأقبلك، وإني لأعلم أنك حجر؛ ولكني رأيت رسول الله -ﷺ- يقبلك".
[ ١٤ / ١٢ ]
حدثنا خلف بن هشام والمقدمي وأبو كامل وقتيبة بن سعيد كلهم عن حماد، قال خلف: حدثنا حماد بن زيد عن عاصم الأحول عن عبد الله بن سرجس قال: "رأيت الأصلع -يعني عمر بن الخطاب- يقبل الحجر ويقول: "والله إني لأقبلك، وإني أعلم أنك حجر، وأنك لا تضر ولا تنفع؛ ولولا أني رأيت رسول الله -ﷺ- قبلك ما قبلتك"، وفي رواية المقدمي وأبي كامل: "رأيت الأصيلع".
وحدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وابن نمير جميعًا عن أبي معاوية قال يحيى: أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن عابس بن ربيعة قال: "رأيت عمر يقبل الحجر ويقول: "إني لأقبلك وأعلم أنك حجر؛ ولولا أني رأيت رسول الله -ﷺ- يقبلك لم أقبلك".
وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب جميعًا عن وكيع، قال أبو بكر: حدثنا وكيع عن سفيان عن إبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد بن غَفَلَة قال: "رأيت عمر قبَّل الحجر والتزمه، وقال: رأيت رسول الله -ﷺ- بك حفيًا".
وحدثنيه محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان بهذا الإسناد قال: "ولكني رأيت أبا القاسم -ﷺ- بك حفيًا"، ولم يقل: والتزمه.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
وحدثني حرملة بن يحيى قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني يونس وعمرو ح وحدثني هارون بن سعيد الأيلي قال: حدثني ابن وهب قال: أخبرني عمرو عن ابن شهاب عن سالم أن أباه حدثه قال: "قبَّل عمر بن الخطاب الحجر، ثم قال: "أما والله لقد علمت أنك حجر: في الرواية الأخرى: "لا تضر ولا تنفع": قبَّله اقتداءً بالنبي -﵊-.
ولولا أني رأيت رسول الله -ﷺ- يقبلك ما قبلتك": فهو يقبل بتعبد، لا لأنه ينفع أو يضر، وأما ما يذكر من أن عليَّ بن أبي طالب قال لعمر -رضي الله تعالى عن الجميع-: "بلى إنه يضر وينفع"، وذكر خبرًا مفاده: أنه يكتب من قبَّله في بطاقة تجعل في ميزان المقبل فترجح بغيرها من الحسنات، هذا خبر موضوع.
[ ١٤ / ١٣ ]
والنافع والضار هو الله -جل وعلا-، ولا أحد غير الله -جل وعلا- يملك لنفسه نفعًا أو يدفع عنها ضرًا، وما ورد أيضًا من أن الحجر الأسود يمين الله في الأرض، هو –أيضًا- حديث ضعيف.
ويبقى أن يقتصر في العبادات على ما شرع، فشرع لنا تقبيل الحجر الأسود، مع اعتقادنا أنه لا ينفع ولا يضر، كما قال عمر -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-.
ولولا أني رأيت رسول الله -ﷺ- يقبلك ما قبلتك: فلا يقبل غير الحجر من أجزاء الكعبة، لا الركن اليماني ولا غيره، ولا يتمسح بها، ولا يتعلق بها أو بسترتها، إلا ما كان من أمر الملتزم الذي بين الركن والباب؛ فقد جاء فيه عن ابن عمر وابن عباس الالتزام، أما ما عدا ذلك فلا يتمسح به ولا يتعلق به.
بعضهم يستدل بحديث -الحديث الذي في الصحيح عام الفتح- وهو أن عبد الله بن خطل متعلق بأستار الكعبة ولم ينكر عليه، وهذا ليس فيه دليل؛ لأن عبد الله بن خطل ليس بمسلم، وهو بصدد أن يقتل فضلًا عن أن ينكر عليه، وقتل هو متعلق بأستار الكعبة، وبعضهم يتساهل في هذا، لكن سد الذرائع الموصلة إلى الشرك أمر لا بد منه، أمر مقرر في الشرع، وحماية جناب التوحيد أمر لا بد منه، فيقتصر في مثل هذا على الوارد، مع الاعتقاد الجازم أنه لا يضر ولا ينفع.
زاد هارون في روايته قال عمرو: وحدثني بمثلها زيد بن أسلم عن أبيه أسلم: يعني مولى عمر.
وحدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي قال: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن عمر قبل الحجر وقال: "إني لأقبلك، وإني لأعلم أنك حجر؛ ولكني رأيت رسول الله -ﷺ- يقبلك".
قال: حدثنا خلف بن هشام والمقدمي وأبو كامل وقتيبة بن سعيد كلهم عن حماد، قال خلف: حدثنا حماد بن زيد عن عاصم الأحول عن عبد الله بن سرجس قال: "رأيت الأصلع -يعني عمر بن الخطاب-: الأصلع الذي رأسه ليس عليه شعر، وهو الأقرع.
يقبل الحجر ويقول: "والله إني لأقبلك، وإني أعلم أنك حجر، وأنك لا تضر ولا تنفع؛ ولولا أني رأيت رسول الله -ﷺ- قبلك ما قبلتك"، وفي رواية المقدمي وأبي كامل: "رأيت الأصيلع": بالتصغير، التصغير تعظيم، ..، دويهية تصفر منها الأنامل
[ ١٤ / ١٤ ]
يعني مع الأسف أن يوجد الآن من المسلمين من يتمسح، ويدعي من ينتسب إلى الإسلام أن هذه الأحجار تنفع وتضر!! وقد رأيت امرأة تتمسح بالمقام، قلت: هذا حديد طارئ جديد، جيء به من المصنع، لا ينفع ولا يضر، قالت: "عندكم ما ينفع ولا يضر، لكن عندنا ينفع"، بالحرف تقول هذا الكلام!!
يقول: وحدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وابن نمير جميعًا عن أبي معاوية قال يحيى: أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن عابس بن ربيعة قال: "رأيت عمر يقبل الحجر ويقول: "إني لأقبلك وأعلم أنك حجر، ولولا أني رأيت رسول الله -ﷺ- يقبلك لم أقبلك": وهذا من تمام اقتدائه بالنبي -﵊- وتسليمه، فالإسلام والانتساب إليه هو الاستسلام لله -جل وعلا-، ولا بد من التسليم في مثل هذه المواطن إذا ثبت الخبر عن النبي -﵊-، وليس للإنسان أن يقول: لماذا .. ولأي شيء .. ومن أجل أي شيء؟
والآن مع الأسف الشديد كثر القيل والقال، والبحث عن العلل والحكم، وهذا معقول وهذا غير معقول، بحث في النصوص الصحيحة الصريحة الثابتة، وإذا أردت أن تعرف الشاهد على هذا الكلام فابحث في كتب التفسير للمتقدمين في قوله -جل وعلا-: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [(٢٨) سورة الحج] وقارن بينها وبين كتب المتأخرين، كتب المتقدمين يشيرون إليها إشارة بكلمة أو كلمتين؛ لأنه لا يوجد من يسأل عن العلة، إذا ثبت الدليل امتثل.
بينما المتأخرون من المفسرين -وقد عانوا مما نعاني منه الآن مما يكتب ويذكر في وسائل الإعلام- تجدهم يبسطون هذه المنافع، ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾، العلة ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾، المنافع أجملها المتقدمون؛ لأنه لا يوجد من يبحث عن مثل هذه الأمور، الحج واجب واجب، ركن ركن، بينما في كتب المتأخرين، وقد سمعوا ممن يطلب البحث في العلل ولا بد أن يقتنع، لا بد أن يقتنع على حد زعمه.
قدم الإسلام لا تثبت إلا على قنطرة التسليم، فإذا جاءك الخبر عن الله أو عن رسوله فقل: سمعنا وأطعنا.
[ ١٤ / ١٥ ]
وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب جميعًا عن وكيع قال أبو بكر: حدثنا وكيع عن سفيان عن إبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد بن غَفَلَة قال: "رأيت عمر قبَّل الحجر والتزمه: جاء تقبيل الحجر والسجود عليه، ومعلوم أن السجود لله -جل وعلا- في هذا الموضع، والتزمه، وقال: "رأيت رسول الله -ﷺ- بك حفيًا": يعني يعتني به الرسول -﵊-.
وحدثنيه محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان بهذا الإسناد قال: "ولكني رأيت أبا القاسم -ﷺ- بك حفيًا"، ولم يقل: والتزمه: على كل حال التقبيل ثابت، والمسح وتقبيل اليد، ومسحه والتزامه بالمحجن وتقبيل المحجن، والإشارة إليه إن لم يمكن هذا كله .. نعم.
حدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحيى قالا: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس -﵄- أن رسول الله -ﷺ- طاف في حجة الوداع على بعير، يستلم الركن بمحجن.
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا علي بن مسهر عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: "طاف رسول الله -ﷺ- بالبيت في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه؛ لأن يراه الناس، وليشرف وليسألوه؛ فإن الناس غشوه".
وحدثنا علي بن خشرم قال: أخبرنا عيسى بن يونس عن ابن جريج ح وحدثنا عبد بن حميد قال: أخبرنا محمد يعني ابن بكر قال: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "طاف النبي -ﷺ- في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة؛ ليراه الناس وليشرف وليسألوه، فإن الناس غشوه"، ولم يذكر ابن خشرم، وليسألوه فقط.
حدثني الحكم بن موسى القنطري قال: حدثنا شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة –﵂- قالت: "طاف النبي -ﷺ- في حجة الوداع حول الكعبة على بعيره يستلم الركن؛ كراهية أن يضرب عنه الناس".
[ ١٤ / ١٦ ]
وحدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا سليمان بن داود قال: حدثنا معروف بن خرَّبوذ قال: سمعت أبا الطفيل يقول: "رأيت رسول الله -ﷺ- يطوف بالبيت، ويستلم الركن بمحجن معه، ويقبل المحجن".
وحدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة أنها قالت: "شكوت إلى رسول الله -ﷺ- أني أشتكي"، فقال: «طوفي من وراء الناس وأنت راكبة» قالت: "فطفت ورسول الله -ﷺ- حينئذ يصلي إلى جنب البيت، وهو يقرأ بالطور، وكتاب مسطور".
نعم يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
حدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحيى قالا: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أن رسول الله -ﷺ- طاف في حجة الوداع على بعير، يستلم الركن بمحجن: عرفنا ما في طوافه -﵊- وهو راكب، وأنه جاء في بعض الروايات ما يدل على أنه كان شاكيًا.
ترجم عليه البخاري: باب المريض يطوف راكبًا، والرواية في الصحيحين ليس فيها قيد المرض، ولذا يرى جمع من أهل العلم أنه يجوز الطواف وكذلك السعي من الراكب، ومن يرى أنه لا بد من المشي -كما هو الأصل- يرى أنه لا يجوز الطواف إلا للمريض.
ومن الأسئلة التي وردت سائل يقول: لماذا لا يكون طوافه -﵊- على الدابة مثل صلاته -﵊- على المنبر؛ ليراه الناس ويتعلموا منه؟
[ ١٤ / ١٧ ]
هو مثل هذه المسألة، يعني إذا كان المشي شرط لصحة الطواف والسعي، فالتعليم ليس بمبرر لترك هذا الشرط، فالصلاة على المنبر جائزة؛ لأنها أرض مستوية، وإن ترتب على ذلك أن يكون الإمام أرفع من المأمومين، وقل مثل هذا: لو ارتفع جزء من المطاف عن مستوى البيت، كما هو الشأن الآن في الطواف من الدور الثاني أو من السطح هذا يجوز؛ لأن الهواء له حكم القرار، لكن فرق بين أن يرتفع الإنسان ويطوف بنفسه، وبين أن يطاف به محمولًا، فرق بين هذا وهذا، وأكثر العلماء على جواز الطواف، وإن كان خلاف الأولى، خلاف الأولى أن يطوف راكبًا، والأصل أن يطوف ماشيًا، وما كان في حيز خلاف الأولى أو الكراهية فإن مثله يزول بأدنى حاجة.
وكونه -﵊- ركب ليراه الناس أو لكون الناس حطموه وكثروا عليه ولا يُدعُّ الناس من عنده ومن أمامه ومن خلفه، مثل هذا يزول به ما ذكر، وفعله أيضًا لبيان الجواز، وما يفعله -﵊- للبيان يكون هو الأفضل في حقه -﵊-، لكن فعله يدل على أنه لا يشترط المشي على الأقدام، بل يجزئ لو طاف راكبًا أو محمولًا، ولو لم يكن مريضًا، مثله السعي.
المحجن: يستلم الركن بمحجن: هو العصا الذي طرفه معقوف، والعادة أن الراكب يستعمله؛ ليتناول به متاعه الذي لا يستطيع الوصول إليه إلا به.
يستلم الركن بمحجن كلما حاذاه، وعرفنا أنه يقبل إن لم يستطع مسح بيده وقبل اليد، إن لم يستطع مسحه بالمحجن وقبل المحجن، إن لم يستطع أشار إليه بيده أو بمحجنه، أو بأي شيء في يده، وحينئذ لا تقبيل.
طالب:. . . . . . . . .
الأصل أنه يستقبله، لكن إذا كان راكبًا أو في حكمه ماشيًا، فإنه يكفي أن يشير إليه وهو في طريقه وعن يساره، وإذا أشار إليه كبر، وكلما حاذى الركن كبر -كما جاء في الحديث عنه -﵊- كلما حاذى الركن كبر.
طالب:. . . . . . . . .
نعم، لا بدون وقوف ما يحتاج وقوف، كلما حاذى الركن كبر.
طالب. . . . . . . . .
يعني في نهايته، مقتضاه أنه يكبر كلما حاذى، في البداية والنهاية.
[ ١٤ / ١٨ ]
وفي حديث جابر عند الإمام أحمد -حسن الحافظ ابن حجر إسناده- قال: "كنا نطوف مع النبي -﵊- فنمسح الركن الفاتحة والخاتمة": فهذا مع هذا يدل على أنه يكبر في البداية والنهاية.
طالب. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
جاء سم الله وكبر عند البيهقي، لكن أصح منه الاقتصار على التكبير، لكن لو فعل لا بأس.
طالب:. . . . . . . . .
الذي يقف هذا يؤذي الناس ويعرقل، نعم ينكر عليه، بدون وقوف الأصل.
طالب:. . . . . . . . .
على كل حال إذا طاف على الكعبة من الحجر إلى الحجر سبع مرات طوافه صحيح؛ ولو لم يتكلم بكلمة كل هذا سنن.
يقول: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا علي بن مسهر عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: "طاف رسول الله -ﷺ- بالبيت في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه؛ لأن يراه الناس: هذه هي العلة في كونه طاف على الدابة، ولو كانت العلة المرض كما جاء في بعض الروايات لبينت.
ليراه الناس، وليشرف وليسألوه؛ فإن الناس غشوه: وهذا في حقه -﵊- أفضل، وفي حق من كان في حكمه ممن يقتدي به الناس يكون أفضل.
وحدثنا علي بن خشرم قال: أخبرنا عيسى بن يونس عن ابن جريج ح وحدثنا عبد بن حميد قال: أخبرنا محمد -يعني ابن بكر- قال: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "طاف النبي -ﷺ- في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة؛ ليراه الناس، وليشرف وليسألوه فإن الناس غشوه"، ولم يذكر ابن خشرم وليسألوه فقط.
قال: حدثني الحكم بن موسى القنطري قال: حدثنا شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة –﵂- قالت: "طاف النبي -ﷺ- في حجة الوداع حول الكعبة على بعيره يستلم الركن؛ كراهية أن يضرب عنه الناس: لأنه إذا كان على بعير ابتعد عنه الناس ولم يضايقوه.
لأن الناس لا يدعون عنه: ولا يدفعون؛ فهذه وسيلة لصرفهم عنه بدون دفع ولا إكراه، ولا كهر ولا نهر ولا زجر -﵊-.
[ ١٤ / ١٩ ]
وحدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا سليمان بن داود قال: حدثنا معروف بن خرَّبوذ قال: سمعت أبا الطفيل يقول: "رأيت رسول الله -ﷺ- يطوف بالبيت، ويستلم الركن بمحجن معه، ويقبل المحجن": يقبل الشيء الذي يمس به الحجر، أما ما يشير به مجرد إشارة فلا داعي لتقبيله، فلا يقبل.
قال: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة أنها قالت: "شكوت إلى رسول الله -ﷺ- أني أشتكي": يعني مريضة.
فقال: «طوفي من وراء الناس وأنت راكبة»: تطف من وراء الناس؛ لأنه أستر لها، وهي راكبة، والنبي -﵊- يصلي بهم صلاة الصبح: لئلا تشغل المصلين، وليكون أستر لها، تطوف من وراء الناس وهي راكبة.
قالت: "فطفت ورسول الله -ﷺ- حينئذ يصلي إلى جنب البيت، وهو يقرأ بالطور، وكتاب مسطور: قراءته -﵊- بالطور في صلاة الصبح في هذا الحديث، وقراءتها في صلاة المغرب في حديث جبير بن مطعم في الصحيح، أنه سمع النبي -﵊- يقرأ في المغرب بسورة الطور، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبه.
طالب:. . . . . . . . .
عموم النصوص يدل على أن مجرد التقبيل عبادة، أقول عموم النصوص لا ارتباط له –كالطواف- لا ارتباط له بالنسك.
طالب:. . . . . . . . .
هذا في الطواف.
طالب:. . . . . . . . .
لا، هذا ..، يعني ما جاء في هذا الحديث في الطواف.
طالب:. . . . . . . . .
أنهم قبلوا في غير الطواف؟
طالب:. . . . . . . . .
أهل العلم يستحبونه، أقول: أهل العلم يستحبونه، يقولون: ما دام ثبت أصله، وأن فيه فضل -لا سيما إن صح حديث الحجر الأسود يمين الله، مع أن بعضهم يحسنه- إن صح فلا مانع من تقبيله في أي وقت.
طالب: يا شيخ، خروج النبي -ﷺ- بعد ركعتي الطواف ثم العودة إلى الركن، ألا يعتبر هذا خارج الطواف؟
يعني كونه -﵊- عاد إليه بعد فراغه من الطواف واستلمه؟
طالب:. . . . . . . . .
بعد فراغه من الطواف وبعد الركعتين، يعني إذا فرغ من الركعتين فقد فرغ من الطواف.
طالب:. . . . . . . . .
[ ١٤ / ٢٠ ]
نعم، هذا من الأدلة على جواز ذلك -على استحبابه- نعم.
طالب:. . . . . . . . .
المقصود أنه يستوعب، يستوعب الحيز كله، لا بد من استيعابه، فإن بدأ قبله بحيث يرى الركنين، الركن الذي على يمينه وعلى يساره، هذه هي المحاذاة، والمسألة مفترضة أن الخط غير موجود، فينتهي بالمكان الذي بدأ منه.
حدثنا يحيى بن يحيى قال: حدثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة -﵂- قال: قلت لها: "إني لأظن رجلًا لو لم يطف بين الصفا والمروة ما ضره؟ " قالت: لِمَ؟ قلت: "لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ﴾ [(١٥٨) سورة البقرة] إلى آخر الآية"، فقالت: "ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة، ولو كان كما تقول لكان فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، وهل تدري فيمَ كان ذاك؟ إنما كان ذاك أن الأنصار كانوا يهلون في الجاهلية لصنمين على شط البحر، يقال لهما: إساف ونائلة، ثم يجيئون فيطوفون بين الصفا والمروة، ثم يحلقون، فلما جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما؛ للذي كانوا يصنعون في الجاهلية، قالت: فأنزل الله﷿-: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ الله﴾ إلى آخرها، قالت: فطافوا".
وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا هشام بن عروة قال: أخبرني أبي قال: قلت لعائشة: "ما أرى علي جناحًا أن لا أتطوف بين الصفا والمروة"، قالت: لمَ؟ قلت: "لأن الله -﷿- يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ الله﴾ .. الآية، فقالت: "لو كان كما تقول لكان فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، إنما أُنزل هذا في أناس من الأنصار؛ كانوا إذا أهلوا أهلوا لمناة في الجاهلية، فلا يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما قدموا مع النبي -ﷺ- للحج ذكروا ذلك له، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فلعمري، ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة".
[ ١٤ / ٢١ ]
حدثنا عمرو الناقد وابن أبي عمر جميعًا عن ابن عيينة، قال ابن أبي عمر حدثنا سفيان قال: سمعت الزهري يحدث عن عروة بن الزبير قال: "قلت لعائشة زوج النبي -ﷺ-: ما أرى على أحد لم يطف بين الصفا والمروة شيئًا، وما أبالي أن لا أطوف بينهما؟ " قالت: "بئس ما قلت يا ابن أخي؛ طاف رسول الله -ﷺ- وطاف المسلمون فكانت سنة، وإنما كان من أهل لمناة الطاغية التي بالمشلل لا يطوفون بين الصفا والمروة، فلما كان الإسلام سألنا النبي -ﷺ- عن ذلك فأنزل الله -﷿-: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [(١٥٨) سورة البقرة]، ولو كانت كما تقول لكانت: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما".
قال الزهري: فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فأعجبه ذلك وقال: "إن هذا العلم، ولقد سمعت رجالًا من أهل العلم يقولون: إنما كان من لا يطوف بين الصفا والمروة من العرب يقولون: إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية، وقال آخرون من الأنصار: إنما أمرنا بالطواف بالبيت، ولم نؤمر به بين الصفا والمروة، فأنزل الله -﷿-: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ﴾ "، قال أبو بكر بن عبد الرحمن: "فأراها قد نزلت في هؤلاء وهؤلاء".
وحدثني محمد بن رافع قال: حدثنا حجين بن المثنى قال: حدثنا ليث عن عقيل عن ابن شهاب أنه قال: أخبرني عروة بن الزبير قال: "سألت عائشة .. "، وساق الحديث بنحوه، وقال في الحديث: "فلما سألوا رسول الله -ﷺ- عن ذلك، فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة، فأنزل الله -﷿-: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [(١٥٨) سورة البقرة]، قالت عائشة: "قد سنَّ رسول الله -ﷺ- الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بهما".
[ ١٤ / ٢٢ ]
وحدثنا حرملة بن يحيى قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا هم وغسان يهلون لمناة، فتحرجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة، وكان ذلك سنةً في آبائهم، من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة، وإنهم سألوا رسول الله -ﷺ- عن ذلك حين أسلموا، فأنزل الله -﷿- في ذلك: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [(١٥٨) سورة البقرة].
وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو معاوية عن عاصم عن أنس قال: "كانت الأنصار يكرهون أن يطوفوا بين الصفا والمروة حتى نزلت: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
حدثنا يحيى بن يحيى قال: حدثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه: عروة بن الزبير.
عن عائشة، قال: الضمير يعود إلى من؟
طالب: عروة.
إلى عروة، الأصل أن يقول: عن هشام عن عروة عن أبيه قال: قلت لعائشة؛ لأنه قال: عن عائشة قال: قلت لها:
"إني لأظن رجلًا لو لم يطف بين الصفا والمروة ما ضره: لأن الأسلوب في رفع الجناح لا يدل على اللزوم، ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
قالت: لمَ؟ قلت: لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾: فمجرد رفع الإثم -رفع الجناح- الذي هو رفع الإثم لا يقتضي الوجوب، هذا ما يظهر من الآية، ولذا فالجمهور في آية القصر: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ﴾ [(١٠١) سورة النساء]، وهنا: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ .. هل الحكم واحد عند الجمهور؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ١٤ / ٢٣ ]
يعني فهموا من هذه الآية كما فهمت عائشة، إضافة إلى أدلة أخرى، ولم يفهموا من آية القصر أنها للوجوب؛ لأن الأصل في رفع الجناح رفع الإثم، ورفع الإثم يعني أكثر ما يقال فيه أنه مستوي الطرفين.
هنا دقيق علم عائشة، وثاقب فهما ردت عليه، فقالت: "ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة، ولو كان كما تقول لكان فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما": وهذا من دقيق فهمها؛ لأنها نظرت إلى السبب، سبب نزول الآية، وبينته، ونظير ذلك: إذا سئل عن أمر من أوجب الواجبات، لكنه يؤدى على هيئة أو في وقت يظن السامع أنه مؤثر، وهو في الحقيقة لا يؤثر يقال له: لا حرج، لا جناح عليك.
من تذكر فائتة، نام عن صلاة الصبح في أيام امتحانات، وقام مذهول، وركب سيارته إلى مدرسته، ونسي صلاة الفجر، فلما بقي من غروب الشمس من ذلك اليوم مقدار ربع ساعة، يسأل يقول: هل أصلي صلاة الصبح الفائتة في هذا الوقت؟
يقال: لا جناح عليك، لا حرج عليك، مع أنها لازمة، ويجب قضاء الفوائت فورًا، «من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها»، هل معنى هذا أننا نقول: لا إثم عليك إذا صليت مجرد رفع الإثم؟ بل يجب عليه أن يصلي في هذا الوقت، والسياق يدل على هذا.
ومن هذا الباب قول عائشة -رضي الله تعالى عنها-: "ولو كان كما تقول، لكان: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما": يعني لو قيل: لا حرج عليك ألا تصلي في هذا الوقت، قلنا: له أن يؤخر، لكن لما قيل له: لا حرج عليك أن تصلي في هذا الوقت دل على أنه يرتفع عنه الإثم الذي توقعه، الإثم الذي تحرج منه وتوقعه في إيقاع هذه الصلاة في الوقت الذي نهي عن الصلاة فيه، وهنا تقول: ولو كان كما تقول لكان: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، وهل تدري فيما كان ذاك؟ إنما كان ذاك أن الأنصار كانوا يهلون في الجاهلية لصنمين على شط البحر": يعني سبب النزول بين المراد ووضحه، لكن عامة أهل العلم في الألفاظ العامة -في النصوص العامة- ينظرون إلى السبب أو عندهم العبرة باللفظ؟
[ ١٤ / ٢٤ ]
عندهم العبرة بعموم باللفظ لا بخصوص السبب، لا بخصوص السبب؛ السبب ينفي صورة واحدة واقعة، نعم، فهل نقول: العبرة باللفظ، واللفظ يدل على ما ذكره عروة -كما يقرر أهل العلم، بل نقل جمع منهم الاتفاق على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب-، أو نقول: إن من الأحكام ما يلزم فيه الرجوع إلى السبب، لا سيما عند التعارض، كالمتفق على قولهم: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن قد يكون العموم معارض بما هو أقوى منه، فيلجأ إلى السبب.
نظير ذلك قوله -﵊- لعمران بن حصين: «صلِ قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب»، يدل على أن من صلى قاعدًا وهو يستطيع القيام فإن صلاته ليست بصحيحة –باطلة-، وعموم الحديث يشمل الفرض والنفل، لكن هذا العموم معارض بحديث آخر: «صلاة القاعد على النصف من أجر صلاة القائم»، وعموم الحديث الثاني يتناول الفرض والنفل، ويتناول المستطيع وغير المستطيع، ولو قيل: إنه ظاهر في المستطيع لما بعد؛ لأن غير المستطيع لا ينقص أجره، لأنه لا يكلف أكثر مما يستطيع «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، فعموم قوله -﵊-: «صلاة القاعد على النصف من أجر صلاة القائم» يتناول الفرض والنفل، لكن هذا العموم معارض بحديث عمران بن حصين، ومع هذا التعارض نحتاج إلى سبب الورود، وألغينا العموم، وقصرنا اللفظ العام على سببه؛ لأنه معارض بما هو أقوى منه.
وإذا نظرنا في السبب وجدنا أن النبي -﵊- دخل المدينة وهي محمَّة -وهذا أيضًا يدل على أن المحمى لم ترتفع عنها بالكلية- دخل المسجد والمدينة محمة، فوجدهم يصلون من قعود، فقال النبي -﵊-: «صلاة القاعد على النصف من أجر صلاة القائم»، فتجشم الناس الصلاة قيامًا، فدل سبب الورود على أن النص بالنسبة لصلاة النفل؛ لأنهم لا يصلون قبل حضوره -﵊- الفريضة فهم يتنفلون.
[ ١٤ / ٢٥ ]
الأمر الثاني: يدل على أنه بالنسبة لمن يستطيع القيام، من يستطيع القيام له نصف الأجر في النافلة، أما الذي لا يستطيع القيام أجره كامل، ويستوي في ذلك الفرض والنفل، فنحتاج إلى سبب الورود؛ لأن العموم معارض بما هو أقوى منه، وهنا رجعنا إلى سبب الورود، وإلا فالأصل أن العبرة بعموم اللفظ.
عائشة أحالت على سبب النزول، عائشة -رضي الله تعالى عنها- أحالت على سبب النزول؛ لأنه يوضح المراد، والمثال الذي ذكرناه فيمن نسي صلاة الصبح وصلاها حينما ضاق الوقت قبيل غروب الشمس يقال: لا حرج عليك، مع أنه يجب عليه، هل قولنا: لا حرج ينفي الوجوب؟ لا ينفي الوجوب.
إنما كان ذاك أن الأنصار كانوا يهلون في الجاهلية لصنمين على شط البحر: سيأتي في الرواية الأخرى أنهما بالمشلل، نعم، وجاء أيضًا في بعض الروايات قالت: "كانوا يهلون في الجاهلية لصنمين على شط البحر يقال لهما: إساف ونائلة"، جاء ما يدل على أن إساف كان رجلًا، ونائلة امرأة، وهذا ذكره ابن الكلبي في كتاب الأصنام وغيره، فزنيا في جوف الكعبة -نسأل الله السلامة والعافية- فمُسخا حجرين، ثم بعد ذلك أبقيا في المسجد -على قول ابن الكلبي- وعُبدا من دون الله ..
على كل حال لا يهمنا هذا، بقدر ما يهمنا الحكم الشرعي المأخوذ من الحديث.
ثم يجيئون فيطوفون: يقول: يهلون في الجاهلية لصنمين كانا على شط البحر يقال لهما أساف ونائلة، ثم يجيئون فيطوفون بين الصفا والمروة، ثم يحلقون، فلما جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما:
[ ١٤ / ٢٦ ]
كرهوا أن يطوفوا بينهما: يعني هذه الكراهية، يعني قد يستدل منها، أو يستنبط منها أن إساف على الصفا مثلًا، ونائلة على المروة أو العكس؛ لأن هذا المكان كان يطاف فيه لصنمين، يعني مثل ما تكره أن تأتي بكرتون كان مستعملًا لأمور محرمة -مثلًا كالدخان، كرتون الدخان- الآن أكثر ما يستعمل للكتب كراتين الدخان، نعم؛ لأنها على قياس الكتب، وهي متوفرة، يعني أعداد هائلة من الكراتين التي ترمى، وبدلًا من أن يذهب إلى المصنع ويصنع له كراتين بقدر الكتب هذه جاهزة، يعني بعض الناس يقول: بعد الدخان نحمل كتب العلم، قال الله وقال رسوله؟! هذا يوجد في النفس شيء، وإلا فالأصل أن هذه المادة كرتون طاهر ما فيه شيء، يعني مثلما يجد الإنسان من نفسه أن يضع المصحف مثلًا أو كتاب حديث على كرتون المناديل قبل استعمالها طاهرة، مثلًا افترض كرتون حفايظ مثلًا، الكرتون نظيف وما فيه نظيف، ما فيه إشكال، لكن تتقزز النفس عن مثل هذا، صح وإلا لا؟
نعم، الصحابة تأثموا أن يطوفوا في هذا المكان؛ وكان يطاف فيه لغير الله -جل وعلا- فأنزل الله -جل وعلا- الآية: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، نعم، يعني إذا خشينا من ضياع المال -الذي هو الكتب- ووجدنا كرتون كان للدخان، يعني ويسأل يقول: أضع فيه الكتب وكان فيه دخان؟، وأنت ترى أنه لو لم يضعه في هذا الظرف في هذا الحيز تلفت الكتب، وقد نهى عن إضاعة المال، تقول: لا حرج أن تضع الكتب في هذا الحيز -في هذا الكرتون- وقولك: لا حرج، هل يعني أن هذا مستوي الطرفين، إما أن يضيع المال أو تضعه في الكرتون؟
لا، ليس بمستوي، لا بد أن تضعه في الكرتون؛ لئلا يضيع المال، وإن تأثمت فالإثم مرتفع، كما فعل الصحابة.
فلما جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون في الجاهلية، قالت: "فأنزل الله -﷿-: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ﴾: إلى آخرها، قالت: فطافوا": ارتفع الإثم -الجناح والحرج والإثم- الذي هو التأثم من الطواف في هذا المكان.
[ ١٤ / ٢٧ ]
وعرفنا أنه لا مقارنة بين هذه الآية وبين قوله في القصر: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ﴾ [(١٠١) سورة النساء] وعرفنا السبب، أننا في هذه الآية احتجنا إلى سبب النزول، كما احتجنا إلى سبب الورود في حديث صلاة القاعد، وإلا فالأصل أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا هشام بن عروة قال: أخبرني أبي قال: قلت لعائشة: "ما أرى عليَّ جناحًا أن لا أتطوف بين الصفا والمروة"، قالت: لمَ؟ قلت: "لأن الله -﷿- يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ﴾ الآية"، فقالت: "لو كان كما تقول لكان: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، إنما أنزل هذا في أناس من الأنصار؛ كانوا إذا أهلوا أهلوا لمناة في الجاهلية فلا يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما قدموا مع النبي -﵊- للحج ذكروا ذلك له، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فلعمري": اللام موطئة لقسم محذوف، منهم من يقول للتأكيد، ولا مانع من استعمالها؛ وقد جاءت بها النصوص، استعملها الصحابة كثيرًا.
فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بينهما: ومثل هذا الحديث، مع سعيه -﵊- في جميع أنساكه، وقوله -﵊- «خذوا عني مناسككم» يستدل الجمهور على أن السعي ركن من أركان الحج.
طالب:. . . . . . . . .
إذا قلنا: إنها موطئة لقسم محذوف يكون القسم والله.
حدثنا عمرو الناقد وابن أبي عمر جميعًا عن ابن عيينة قال ابن أبي عمر حدثنا سفيان قال: سمعت الزهري يحدث عن عروة بن الزبير قال: قلت لعائشة -زوج النبي -ﷺ-: "ما أرى على أحد لم يطف بين الصفا والمروة شيئًا، وما أبالي أن لا أطوف بينهما؟ "، قالت: "فبئس ما قلت يا ابن أختي": وفي بعض الروايات يا ابن أخي، وهو في الحقيقة ابن أختها أسماء، ويقولون لمثله: يا ابن أخي.
طالب:. . . . . . . . .
لا، ما يمنع أن تقول: يا ابن أخي؛ كما قال ورقة بن نوفل للنبي -﵊- يا ابن أخي، وقالت عائشة له: يا عمِّ، يقولون هذا.
[ ١٤ / ٢٨ ]
بئس ما قلت يا ابن أختي؛ طاف رسول الله -ﷺ- وطاف المسلمون فكانت سنة: يعني سنة ثابتة من فعله -﵊-، وليس هذا الحكم الذي اصطلح عليه العلماء الذي لا يأثم تاركه، وإنما هو سنة باعتباره من فعله -﵊- فسنته أعم من أن تكون واجبة أو مندوبة أو ركنًا أو شرطًا، أعم من هذا كله.
وإنما كان من أهل لمناة الطاغية التي بالمشلل لا يطوفون بين الصفا والمروة، فلما كان الإسلام سألنا النبي -ﷺ- عن ذلك، فأنزل الله -﷿-: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [(١٥٨) سورة البقرة]، ولو كانت كما تقول لكانت: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما".
قال الزهري: فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أحد الفقهاء السبعة، وعروة منهم أيضًا.
فأعجبه ذلك، وقال: "إن هذا العلم": أسلوب حصر، يعني هذا العلم الكامل الدقيق والفهم الثاقب.
ولقد سمعت رجالًا من أهل العلم يقولون: إنما كان من لا يطوف بين الصفا والمروة من العرب يقولون: إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية، وقال آخرون من الأنصار: إنما أمرنا بالطواف بالبيت: يعني فقط، ولم نؤمر: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [(٢٩) سورة الحج].
إنما أمرنا بالطواف بالبيت ولم نؤمر به بين الصفا والمروة: إنما جاء فيها فلا جناح عليه أن يطوف بهما، فأنزل الله -﷿-: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ﴾، وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: فأراها قد نزلت في هؤلاء وهؤلاء: يعني الذين لا يرون وجوب أو ركنية السعي.
طالب:. . . . . . . . .
الحنفية يقولون بالوجوب، يجبر بدم.
طالب:. . . . . . . . .
عن الركنية.
طالب:. . . . . . . . .
وين؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ١٤ / ٢٩ ]
العجيب أنهم يستدلون بالآية -آية القصر- على وجوبه، مع أن سبب الورود واضح فيها، بخلاف سبب النزول هنا، نعم، يعني لو قارنا بين قول الجمهور وقول الحنفية، الجمهور يستدلون بهذه الآية على أن السعي ركن، والحنفية يقولون: ليس بركن من هذه الآية؛ لأنه مجرد رفع الإثم لا يقتضي الوجوب، فضلًا عن الركنية، لكنهم حفوا هذا بمداومته -﵊- وقوله: «خذوا عني مناسككم» فرأوا أنه ترك نسك يلزمه دم -عندهم- ولو نظرنا إلى رأيهم في القصر، وهو وجوب القصر –عندهم- وأنه عزيمة لا بد منها، من الآية وما عضدها من السنة، فيمكن أن يرد عليهم بمثل هذا الكلام أن مجرد رفع
طالب: بعكس استدلالاهم في آية القصر؟
إيه نعم، إيه نعم، إيه.
وحدثني محمد بن رافع قال: حدثنا حجين بن المثنى قال: حدثنا ليث عن عقيل عن ابن شهاب أنه قال: أخبرني عروة بن الزبير قال: سألت عائشة، وساق الحديث بنحوه، وقال في الحديث: فلما سألوا رسول الله -ﷺ- عن ذلك قالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة فأنزل الله -﷿-: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ﴾: التحرج هذا مبعثه ما ذكر من أنهم كانوا يطوفون بينهما إذا أهلوا للصنمين.
إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة فأنزل الله -﷿-: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾: يعني لو إنسان استغنى عن دورة مياة في بيته وألغاها تمامًا، ألغاها تمامًا، بلط المكان، وفرشه من جديد، وأزال كل ما فيه من معالم وصار غرفة، ثم قيل له لو جعلت هذه الغرفة مكتبة، ما يتحرج؟ يتحرج بلا شك، النفس تجد من هذا الشيء، نعم.
فقالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة، فأنزل الله -﷿-: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، قالت عائشة: "قد سن رسول الله -ﷺ- الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بهما":
[ ١٤ / ٣٠ ]
سن: يعني صار من فعله سنة، يعني مأثور عنه، وهو أعم من السنة الاصطلاحية.
وحدثنا حرملة بن يحيى قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا هم وغسان: فائدة الإتيان بضمير الفصل هنا هم وغسان نعم.
طالب: ماذا بعد الانتهاء من الطواف لو أخر السعي ..؟
يعني أنت مضطر لهذا التأخير للراحة مثلًا؟
طالب: مثلًا.
إذا كنت لا تستطيع السعي إلا بعد أخذ راحة لا بأس، لكن جمع من أهل العلم يشترطون أن يتقدم السعي طواف ولو مسنون، وأنه لا يطول الفصل بينهما.
طالب: مثلًا يروح يأكل .. يتغدى وإلا ؟
على كل حال إذا كان الفاصل قصير والحاجة داعية لا بأس.
طالب:. . . . . . . . .
خارج الحرم وإلا خارج المسجد؟
طالب: المسجد
سهل يعني لو كان الحاجة داعية إلى هذا، والفصل ليس بطويل، إن شاء الله لا بأس.
طالب:. . . . . . . . .
أما الفريضة فلا بأس بها، أما غيرها فلا ..، لا يطيل الفصل بينهما.
وحدثنا حرملة بن يحيى قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا هم وغسان: ضمير الفصل يؤتى به من أجل العطف؛ ليصح العطف، ولا يجوز الإتيان بالعاطف بغير ضمير الفصل، لا بد من الفاصل سواءً كان الضمير أو غير الضمير، لا بد من الفاصل؛ لأنه عطف على ضمير رفع متصل، لا يجوز العطف عليه إلا بفاصل:
وإن على ضمير رفع متصل عطفت فافصل بالضمير المنفصل
أو فاصل ما وبلا فصل يرد في النظم فاشيًا وضعفه اعتقد
أو فاصل ما -أي فاصل يكون.
قبل أن يسلموا هم وغسان يهلون لمناة، فتحرجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة، وكان ذلك سُنة في آبائهم، من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة، وإنهم سألوا رسول الله -ﷺ- عن ذلك حين أسلموا، فأنزل الله -﷿- في ذلك: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [(١٥٨) سورة البقرة].
[ ١٤ / ٣١ ]
ثم قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو معاوية عن عاصم عن أنس قال: "كانت الأنصار يكرهون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، حتى نزلت: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ": قد يقول قائل: ما الداعي لكثرة هذه الطرق والأسانيد وتكرارها، وتأخذ وقت في قراءتها وإعادتها، ولو اقتصرنا على المتون من غير تكرار؟ بعض الناس يشق عليه سماع الأسانيد بكثرة ولا خاطر له فيها، وكذلك التكرار يمله، لكن هذا مقصد لأهل العلم، أولًا الأسانيد هي العمد التي يعتمد عليها في قبول الأخبار وردها، وأما بالنسبة لتكرار المتون فلا يخلو تكرار من فائدة، والإمام البخاري كرر في الصحيح أكثر من الثلثين، كله مكرر، أكثر من الثلثين مكرر، ولا يخلوا تكرار من فائدة، فالبخاري لا يعيد الخبر بإسناده ومتنه في موضعين إلا نادرًا، يعني في نحو عشرين موضع فقط، وكل إعادة فيها فائدة زائدة.
أضف إلى ذلك أنه لو اكتفي، أو اقتصر على المختصرات فقد يحذف المختصر ما يرى أن طالب العلم ليس بحاجة إليه، مع أنه بأمس الحاجة إليه؛ لأن الحذف والاختصار وجهة نظر، قد يكون من وجهة نظر المختصر هذا الكلام لا داعي له، لكن قد يكون طالب العلم بأمس الحاجة إليه.
وهناك أمور وتنبيهات يشير إليها الأئمة في كتبهم التي فيها هذا التكرار لا توجد في المختصرات، فمن أراد الاختصار فلا يعتمد على اختصار غيره، يختصر بنفسه؛ ليكون علمه بما حذف كعلمه بما أبقى.
بعض الإخوان يشق عليه سماع هذا التكرار، وبعضهم يملّ، وبعضهم ينعس من أجله، لكن من كان فيه النفَس العلمي الحقيقي، المشرب بحب النبي -﵊- وحب سنته لا يبعد أن يطرب من هذا الكلام، والله المستعان.
يقول: نرجو تنبيه الأخوة إلى صلاة الاستسقاء غدًا وحثهم عليها؛ لأن الناس تساهلوا بها؟
الله المستعان، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١٤ / ٣٢ ]