الفائدة الثالثة: ألا يعلق الإنسان قلبه بأحد من أهل الدنيا، وهذا مبني على الحديث الذي قبله وهو قضية: يبتغي بذلك وجه الله، فلا يكون في القلب إلا الله، نعم أننا نحب الوالدين، ونحب مشايخنا، ونحب طلابنا، ونحب أبناءنا وجيراننا، لكن الإنسان يجعل عاطفته في كل شيء بقدر، ولا تعلق قلبك تعليقًا كليًا بأحد من الخلق؛ لأنك لابد من مفارقه، وكونك لا تتعلق به تعلقًا كليًا لا يمنع أن يكون صفيًا لك، فهذا أبو بكر رضي الله تعالى عنه سمى النبي ﵊ صفيًا له، وأبو هريرة يقول: (أوصاني خليلي)، لكن لا يعني ذلك أن أبا بكر أو أبا هريرة تعلقت قلوبهما برسول الله ﷺ.
فالمحبة الشرعية لها قدر تنتهي إليه، وأما الإطراء فيكون مع الرب ﵎، وحتى الإطراء مع الرب ﵎ فإنه يكون وفق نظرة شرعية، فالإنسان ينطلق في أفعاله وأقواله بالنظرة الشرعية.
وأما قبض الأصفياء فهذا أمر بديهي، فالنبي ﷺ فقد عمه حمزة وحزن عليه حزنًا شديدًا؛ لأن حمزة أبا عمارة ﵁ وأرضاه كان عم النبي ﷺ نسبًا، وأخوه رضاعةً، فـ حمزة والنبي ﵇ رضعا من ثويبة مولاة أبي لهب.
كما أنه ﷺ لما دفن ابنه إبراهيم قال: (إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا)، وهذا حاصل في كل دهر وعصر.
وعمر بن عبد العزيز رحمة الله تعالى عليه الخليفة العادل كان له ولد يقال له: عبد الملك، وكان فيه من الصلاح والتقوى والورع ما تقر به الأعين، فمات في حياة أبيه، فلما دفنه عمر قال: الحمد لله الذي جعلك في ميزاني ولم يجعلني في ميزانك؛ لأنه كان يرى أن ابنه أفضل منه، ولهذا ألمح بعض العلماء إلى أن من أعظم الناس أجرًا في الدنيا فاطمة بنت محمد ﷺ؛ لأنها فقدت سيد الخلق ﷺ، فأصبح النبي ﵊ في ميزانها، وأما أخواتها فهن في ميزان الرسول ﷺ.
وهو ﷺ بالنسبة لنا -باعتبار كونه نبينا- فهو ﷺ في ميزاننا بوصفه نبينا، وهو في ميزان فاطمة من جهتين: بوصفه نبي، وبوصفه أب صلوات الله وسلامه عليه، وقد قلت: إن هذا الأمر -أعني المفارقة- يقع لا محالة، قال جرير كما بينا: لا يلبث القرناء أن يتفرقوا ليل يفر عليهم ونهار لكن المؤمن يوطن نفسه على الصبر وعلى الاحتساب، وعلى عدم التعلق بالدنيا، وأنت ترى أيها الأخ المبارك أن أحاديث الباب مرتبطة بعضها ببعض، فبعض الأحاديث علقنا عليها بما لا يتجاوز الكلمتين؛ لأنها من الوضوح بمكان، ولو تكلمنا فيها كثيرًا لكنا كالمتهمين رسولنا ﷺ بالعجز، وما كان يجمل ويكمل أن نتوسع فيه توسعنا فيه، فكل بقدر، ولا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها.
هذا ما تيسر وتهيأ قوله في هذا المجلس المبارك، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
[ ١٦ ]