١٨٦٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرَ عَنْ أَبِي سَلَمَهَ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لاَ يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لاَ يَصُومُ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهرٍ إِلاَّ رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ.
١٨٦٩ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَهَ أَنَّ عَائِشَةَ - ﵂ - حَدَّثَتْهُ قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - ﷺ - يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ وَكَانَ يَقُولُ: (خُذُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَإنَّ الله لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا) وَأَحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى النَّبِيَّ - ﷺ - مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّتْ: وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلًاة دَاوَمَ عَلَيْهَا. [٤٣]
الشرح:
نقول جاء في الطريق الثاني طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمه عن عائشة - ﵂ - (أن رسول الله) كان يصوم شعبان كله)، وأما الطريق الأول طريق أبي النضر عن أبي سلمه عن عائشة أنها قالت: (ما رأيته أكثر صيام منه في شعبان)، وهذا هو الصحيح المحفوظ، ولذلك اختلف أهل العلم هل السنة في شعبان أن يصام كله أم أكثره؟
الجواب: منهم من قال: يصومه كاملًا واستدلوا بالرواية الثانية وهي طريق يحيى عن أبي سلمه، ومنهم من قال: يصوم أكثره وأن قوله: (كله)
[ ١٦٨ ]
المقصود بها في العربية أغلبه أي أغلب الشهر؛ لأنه لما كان شعبان يصام أكثره عبَّر (بالكل) ولكن الصحيح أن شعبان يصام أكثره ولا يصام كله ومن الأدلة على ذلك حديث عائشة (ما رأيت رسول الله استكمل شهرًا إلا رمضان) فهي نفت استكمال الشهر إلاّ رمضان وأصرح منه أو مثله ما رواه مسلم من طريق عبد الله بن شقيق قال: قلت: لعائشة: هل كان النبي - ﷺ - يصوم شهرًا معلومًا سوى رمضان قالت: (ما رأيته صام شهرًا كاملًا منذ قدم المدينة إلا أن يكون رمضان) فهذا صريح أنه منذ قدم المدينة حتى توفاه الله لم يستكمل صيام شهر غير رمضان.
١٦٩
١٦١
وطريق أبي سلمه عن عائشة اختلف في ألفاظها والمحفوظ ما رواه ابن شقيق عنها في أن الصيام كان أكثر شعبان لا كله يعني يصوم عشرين أو خمسة وعشرين فالمهم أنه لا يتم الشهر كاملًا صائمًا فيفطر ولو يومًا واحدًا.
وفي هذا الحديث وشواهده عند مسلم من حديث عائشة من طريق عبد الله بن شقيق أن قول النبي - ﷺ -: «أفضل الصيام بعد الفرض صيام شهر الله المحرم» من الفوائد:
١ - أنه لا يفيد أن شهر محرم يصام كله والدليل قولها: (ما رأيته استكمل صيام شهر إلا رمضان) فعلى هذا فلا يصام شهر شعبان كله ولا شهر محرم كله بل لو كان هناك تفضيل بين أن يكثر من شعبان أو أن يكثر من صيام محرم لقلنا الأكثرية أن يصام شعبان لا محرم بل لم يبلغنا أن النبي - ﷺ - صام من محرم إلا عاشوراء على وجه التخصيص.
فالخلاصة: أن الصيام في الشهر المحرم فاضل ولكن المبالغة والكثرة تكون في شعبان بالنص الوارد عن رسول الله - ﷺ -.
[ ١٦٩ ]
٢ - قوله: «إن الله لا يملُّ حتى تملوا»، نقول؛ بعضهم أثبت صفة الملل لله - ﷿ - على الوجه الذي يليق به وقال بعضهم؛ نفسرها بمعنى؛ أن الله لا يقطع الثواب حتى تقطعوا العمل. وأنتم إذا أثقلتم على أنفسكم انقطاع عملكم فخذوا من الأعمال ما تطيقون حتى يستمر الثواب باستمرار العمل وقال بعضهم: ليس في هذا الحديث دلالة على صفة الملل لله؛ لأن قوله: «فإن الله لا يمل حتى تملُّوا» مثل قوله: «لا أقوم حتى تقوم» فأنت إذا قمت فالمفهوم لا يدل على أي سأقوم فإذا قلت: لا أقوم حتى يقوم زيد فإذا قام زيد ليس بالضرورة أن أقوم فهذا الحديث ليس فيه صراحة في إثبات هذه الصفة وشيخنا ابن باز يثبت هذه الصفة على وجه لا يماثل المخلوقين؛ لأن صفات الله لا نقص فيها، أما تفسيرها فليس من باب التأويل على قول بأنها صفة بل من باب التفسير باللازم والسلف إذا أثبتوا صفة ربما فسروها باللازم أحيانًا فالراجح عندي أنّه لا تثبت صفة الملل لله - ﷿ -.
٣ - الحكمة من صوم شهر شعبان.
المؤلف أشار إلى عدة من الحِكم منها ما ذكره بعضهم، أن صيام شعبان كالراتبة بين يدي رمضان، وقيل: لأجل أن يتمرن العبد على الصيام حتى يصوم الشهر الذي يجب صومه وهو رمضان، وقيل: لغفلة الناس عنه لأنه بين رجب ورمضان وهذا جاء في حديث أسامة بن زيد بإسناد لا بأس به وسنده قوي ففي حديث أسامة هذا التصريح بأنه تعرض فيه الأعمال حيث قال ﵊: «ذاك شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال».
[ ١٧٠ ]
٤ - وفي حديث عائشة بألفاظه دلالة على ضعف الحديث الذي رواه أهل السُّنن من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا»، وقد تقدم التنبيه على هذا الحديث وأنه من منكرات العلاء كما قال الإمام أحمد وأبو زُرعة وجماعة من الحفاظ: إن هذا الحديث منكر.
[ ١٧١ ]