الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا والسامعين برحمتك يا أرحم الراحمين.
قال الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-: باب: ظهور الفتن:
حدثنا عياش بن الوليد قال: أخبرنا عبد الأعلى قال: حدثنا معمر عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «يتقارب الزمان، وينقص العلم، ويلقى الشح، وتظهر الفتن
العمل، العمل.
أحسن الله إليك: قال: «يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج» قالوا: يا رسول الله: أيم هو؟ قال: «القتل القتل»، وقال شعيب ويونس والليث وابن أخي الزهري عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ-.
حدثنا عبيد الله بن موسى عن الأعمش عن شقيق قال: كنت مع عبد الله وأبي موسى -﵄- فقالا: قال النبي -ﷺ-: «إن بين يدي الساعة لأيامًا ينزل فيها الجهل، ويرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهرج» والهرج: القتل.
حدثنا عمر بن حفص قال: حدثنا أبي قال: حدثنا الأعمش قال: حدثنا شقيق قال: جلس عبد الله وأبو موسى فتحدثا فقال أبو موسى: قال النبي -ﷺ-: «إن بين يدي الساعة أيامًا يرفع فيها العلم، وينزل فيها الجهل، ويكثر الهرج» والهرج: القتل.
حدثنا قتيبة قال: حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي وائل قال: إني لجالس مع عبد الله وأبي موسى -﵄- فقال أبو موسى: سمعت النبي -ﷺ- مثله، والهرج بلسان الحبشة: القتل.
حدثنا محمد قال: حدثنا غندر قال: حدثنا شعبة عن واصل عن أبي وائل عن عبد الله وأحسبه رفعه قال: «بين يدي الساعة أيام الهرج، يزول فيها العلم، ويظهر فيها الجهل» قال أبو موسى: والهرج القتل بلسان الحبشة.
[ ٢ / ٧ ]
وقال أبو عوانة عن عاصم عن أبي وائل عن الأشعري أنه قال لعبد الله: تعلم الأيام التي ذكر النبي -ﷺ- أيام الهرج نحوه؟ قال ابن مسعود: سمعت النبي -ﷺ- يقول: «من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء».
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يقول الإمام -رحمه الله تعالى-: "باب: ظهور الفتن" والمراد بظهورها كثرتها، وإلا وجودها فمتقدم منذ أن قتل الخليفة الراشد، بل كسر الباب بقتل عمر -﵁-، يعني أصل الوجود متقدم وجود الفتن، لكن المراد بظهورها يعني كثرتها، يعني كثرة الفتن نسأل الله السلامة والعافية من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.
[ ٢ / ٨ ]
يقول الإمام -رحمه الله تعالى-: "حدثنا عياش بن الوليد -البصري- قال: حدثنا عبد الأعلى" يعني ابن عبد الأعلى السامي، "قال: حدثنا معمر -بن راشد- عن الزهري -محمد بن مسلم بن شهاب- عن سعيد -بن المسيب- عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «يتقارب الزمان» " "يتقارب الزمان" يختلف أهل العلم في المراد بتقارب الزمان، فمنهم من يقول: باعتدال الليل والنهار، يتساوى الليل والنهار في آخر الزمان، لكن هذا فيه بعد، ومنهم من يقول: يتقارب يعني يدنو قرب قيام الساعة، ومثل هذا لا يحتاج إلى تنصيص، يعني كل ما تأخر الزمن قرب قيام الساعة، يعري الكلام عن الفائدة، منهم من يقول: تقصر الليالي والأيام، تقصر الليالي والأيام قصورًا حسيًا هذا قول، لكنه أيضًا ضعيف؛ لأن اليوم والليلة منذ أن خلق الله السماوات والأرض، منذ أن فصل بين الليل والنهار ووقتهما وزمناهما واحد المجموع (٢٤) ساعة، منهم من يقول: أن المراد بتقارب الزمان تسارع انقراض الدول، تنقرض دولة ويأتي بعدها أخرى، وتنقرض ثانية وثالثة وهكذا، نظرًا لكثرة الفتن، وهذا يتمثل في الانقلابات الحاصلة في كثير من الدول، ولكن أيضًا هذا القول ضعيف؛ لأنه لا يعني أن جيلًا ينتهي ويأتي جيل آخر، أو أمة تذهب ويخلفها غيرها أن هذا من تقارب الزمان، منهم من يقول: المراد قصر الأعمار، قصر الأعمار، لكن أعمار هذه الأمة منذ بعثة نبيها -﵊- إلى قيام الساعة متقاربة، معترك المنايا بين الستين والسبعين، قليلٌ من يجاوز ذلك، ولا وجد فرق بين عصره -﵊- إلى يومنا هذا، نعم في الأمم المتقدمة -القديمة جدًا- فيها طول في أعمارها، ولذا عوضت هذه الأمة عن طول الأعمار بليلة القدر.
[ ٢ / ٩ ]
روى الترمذي عن النبي -﵊- مرفوعًا من حديث أنس مرفوعًا، قال: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كإضرام النار أو كإحراق سعفة» وهذا أولى ما يفسر به حديث الباب؛ لأنه مرفوع وإن كان فيه ضعف؛ لأنه من رواية عبد الله بن عمر العمري المكبر، وهو ضعيف عند أهل العلم، في حفظه ضعف، لكن هذا أولى ما يفسر به الخبر، يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة -يعني الأسبوع- كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، والساعة كاحتراق سعفة، أو إضرام النار إيقادها، والمراد بذلك محق البركة من الأوقات، محق البركات من الأوقات، وإلا فالسنة: اثنا عشر شهرًا ما زالت، ولن تزال كذلك، والشهر: تسعة وعشرون يومًا، وقد يكون بعضها إلى الثلاثين، والجمعة التي هي عبارة عن أسبوع سبعة أيام، والأيام معروفة لا تتغير، لكن تقارب الزمان معنوي وليس بحقيقي، فتكون الفائدة التي يجنيها المسلم خلال سنة تعادل ما يجنيه المسلم قبل هذا الوقت -الذي هو آخر الزمان- في شهر، وما يكتسبه المسلم خلال شهر يعادل ما يعمله المسلم قبل ذلك الوقت في أسبوع وهكذا، وهذا أقرب ما يفسر به الحديث، وهذا هو الواقع، يعني لو نظرنا بعين البصيرة إلى تلاحق الأيام وجدنا أن اليوم يمر بدون فائدة بالنسبة لكثيرٍ من الناس، لكثيرٍ من الناس والحكم للغالب، تجد الساعة لمحة بصر، تجد اليوم ينتهي بمشوار، تجد الليلة تنتهي بجلسة قيل وقال ثم خلاص تنظر الساعة تعجب كيف مشت الليلة؟ وهكذا، لكن هذا بالنسبة للغالب، أما من منَّ الله عليه وهم الأقلون الزمان هو الزمان، الذي يُقرأ من القرآن في عهد الصحابة في الوقت يقرأه بعض الناس اليوم بنفس الوقت، الذي يُقرأ ..، وما يذكر عن بعض أهل العلم من قراءةٍ في كتب العلم في الصدر الأول يقرأ الآن عند بعض الناس ممن بورك له في الوقت، لكن غالب الناس تضيع أيامه سدى، اليوم نبدأ، لا غدًا، ما يمدينا اليوم، غدًا من رأس الشهر، من رأس الأسبوع، وتنتهي الأيام وهو ما هو بادي بشيء، هذا حال كثير من الناس لا سيما من ابتلي بالسهر مثلًا،
[ ٢ / ١٠ ]
ثم في وقت البكور ينام لا يستفيد من أول النهار، ثم يداوم إلى قرب العصر، ثم يحتاج إلى راحة بعد العصر، والمغرب يالله يمديه، هذه سالفة وهذا تلفون ينتهي، والعشاء مواعد الشلة والربع يبي يطلع يمين ويسار ويسهر، وهكذا تنقضي الأعمار دون جدوى عند كثيرٍ من المسلمين، هذا صورة، بل من أوضح الصور لمحق الأعمار، وهذا في المسلم الذي يمضي أوقاته في المباح، فكيف بمن يمضي أوقاته في المحرمات؟ نسأل الله السلامة والعافية.
لكن لو أراد المسلم أن يطبق العمل الذي شرحه ابن القيم -رحمه الله تعالى- في طريق الهجرتين للمقربين جدول يمشون عليه منذ استيقاظهم من النوم إلى أن يأتي النوم الثاني، جدول يمشون عليه، وهو في مقدور كل أحد، ما فيه يعني صعوبة، لكن يحتاج إلى توفيق، يحتاج إلى توفيق، أمرٌ في غاية اليسر والسهولة، لكن من يوفق لمثل هذا العمل، وابن القيم -﵀- يشرح هذا العمل، والمظنون به أنه يطبق، ومع ذلكم يقول: "والله ما شممنا لهم رائحة" هذا من تواضعه -﵀-، ولا يريد أن يبدي من عمله شيء وإلا هو معروف بالعمل المتعدي واللازم.
شباب الأمة تجدهم أكثر أوقاتهم في السيارات، وفي الاستراحات، والقيل والقال، ما تجد هناك إنتاج وعمل ينفع الشخص وينفع أمته إلا القليل النادر، يعني الخير موجود في أمة محمد، لكن أكثر الأمة على هذا -مع الأسف الشديد- فضلًا عن عوام الناس، فضلًا عن الفساق الذين يقضون أوقاتهم فيما يضرهم ويضر غيرهم، والله المستعان.
[ ٢ / ١١ ]
يعني البركة في العمر نزعها من تقارب الزمان، ووجودها من زيادة العمر، يعني كما قيل في قوله -﵊-: «من سره أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أجله فليصل رحمه» ينسأ له في أجله، تجد زيد من الناس واصل بار واصل ويموت عن ثلاثين خمسة وثلاثين بحادث، قد يقول قائل: أين مصداق الحديث؟ ما بسط، ما نسئ له في أجله عجل عليه وهو بار، نقول: نعم، عمل في هذه الثلاثين السنة ما يعمله غيره في ستين سبعين سنة، وفق لأعمالٍ تضاعف له الحسنات بحيث يساوي من عمر مائة سنة، على الخلاف بين أهل العلم هل هذه الزيادة حقيقية؟ يعني يزاد في سنيه أو هي معنوية بأن يبارك له فيما يعيشه من عمر، فينتج من الأعمال الصالحة، ويدخر من الحسنات ما يجنيه بعض الناس في أضعاف ما عاشه؟ النووي -﵀- مات عن خمسة وأربعين عامًا، خمسة وأربعين سنة عمره، يعني في مساجد الدنيا كلها يقال: قال -﵀-، ألف كتب البركة ظاهرة من عمره، البركة ظاهرة، ألف (رياض الصالحين) ألف (الأذكار) كل مسلم بحاجة إلى هذين الكتابين، ألف (شرح مسلم) ألف (شرح المهذب) الذي لا نظير له في كتب الفقه لا سيما القسم الذي تولى شرحه وإلا الكتاب ما هو بكامل، يعني لو كمل كان أعجوبة.
قد يقول قائل: هذه أمور ليست بأيدينا، البركة من الله -﷿-، لكن يا أخي ابذل السبب وتجد البركة، اجلس واقرأ وشوف، يتصورون أنه يعيش بيننا الآن من يقرأ في اليوم خمسة عشر ساعة، تصورون أنه يوجد من يختم كل ثلاث، ويداوم الدوام الرسمي، ويصل رحمه، ويزور المقابر، ويزور المرضى، يزاول الأعمال طبيعي جدًا، ويختم كل ثلاث، والإنسان إذا قيل له: يا أخي ما تقرأ قرآن، ما تعمل كذا، يقول: والله مشغولين، من يبي يشتغل معي، من يبي يقرأ، من يبي يرتاح، مشاغل الآن الحياة، يا أخي مشاغل الحياة، إيش مشاغل الحياة؟. . . . . . . . . تسوى، الحياة ممر وليست مقر، الحياة مزرعة ازرع يا أخي، والله المستعان.
[ ٢ / ١٢ ]
«يتقارب الزمان، وينقص العمل» ينقص العمل نعم، نسمع في سير الصالحين من الأعمال ما هو عند كثيرٍ من الناس أساطير، أساطير، بل صرح بعضهم أن هذه خرافات؛ لأنه ما جرب المسكين، لكن لو جرب وجاهد ثم تلذذ فيما بعد وجد أن الأمر حقيقي.
نقرأ في سيرة ابن المبارك الذي ضرب من كل سهمٍ من سهام الإسلام بنصيب وافر، ثم يقال: هذا العمل لا يطاق، ورأينا من شيوخنا من قرب من عمل ابن المبارك، صار حياته كلها لله، فالخير في أمة محمد، لكن على الإنسان أن يبذل السبب، ويصدق مع الله -﷿-، ويعينه الله -﷾- على أن تكون حياته كلها لله، ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ﴾ [(١٦٢) سورة الأنعام] تنقلب عاداته عبادات إذا صدق مع الله -﷿-، وبذل السبب، وليس معنى هذا أن الإنسان ينسى نصيبه من الدنيا، لا، لا ينس نصيبه من الدنيا، ولا يكون عالة يتكفف الناس لا، الإسلام دين التوازن، يعني أوجدك في هذه الدنيا لتزرع للآخرة، فما يعين على هذه الزراعة من الزراعة، كسب المال من وجهه، وإنفاقه في وجهه من خير ما يبذل الإنسان فيه جهده، لكن واقع كثير من الناس العكس، يوصى ألا ينسى نصيبه من الآخرة، كثير من الناس على هذه الحال، يعني تجده ما صرف من وقته إلا وقت الفريضة ويأتيها على وجهٍ -الله أعلم- أين قلبه بينما الأصل الآخرة، ولا يقول قائل: أن ديننا دين عبادة دون عمل، لا، عبادة وعمل، دين ودنيا، والدنيا تكون من أمور الآخرة إذا استغلت فيما يرضي الله -﷿-.
[ ٢ / ١٣ ]
«ينقص العمل» ولا نحتاج إلى أن نضرب شواهد نظرية على نقص العمل، تجد ممن ينتسب إلى العلم مع الأسف، بل ممن يعلم الناس، أو يدعو الناس، أو يحكم بين الناس تجده كثيرًا ما يقضون الصلاة، بينما المنتظر من مثل هؤلاء أن يكونوا قدوة وأسوة للناس، العلم موجود وكثير، لكن أين العلم النافع؟ «ينقص العمل» فإذا تلتفت إلى الصف الثاني والثالث الناس الذين فاتهم بعض الصلاة تجد مع الأسف الشديد منهم من ينتسب إلى العلم، وهذا مصداق قوله: «ينقص العمل» تجد الإنسان ممن ينتسب إلى طلب العلم ويسهر الليل ويأتي وقت النزول الإلهي ثم يصعب عليه أن يؤدي الوتر يصعب عليه، ما يعان، وإن كان يتمنى ذلك ويحرص عليه، ويعرف جميع ما ورد فيه نصوص، لكنه لا يعان على ذلك، والله المستعان.
«ويلقى الشح» والشح أشد من البخل، البخل مع الحرص، «ويلقى الشح» وعلى كافة المستويات تجد التاجر يبخل بما في يده، فإذا جيء وطلب منه الإنفاق اعتذر، بل تشبع قال: فعلنا وفعلنا وتركنا وأنتم ما تدرون عن شيء، يقول هذا وهو ما طلع شيء، ويبتلى بوجوه من وجوه الإنفاق لا تنفعه لا في دينه ولا في دنياه، يسلط عليه أمور تقضي على أمواله من غير فائدة، بينما لو أنفقها في سبيل الله، وفيما يرضي الله -﷿- زادت بإذن الله.
أيضًا الشح عند بعض أهل العلم، فتجده يبخل لا يعلم الناس، ولا يعظ الناس ويرشدهم، فلا يستفيد منه متعلم، ولا يستفيد منه عامي، وإذا سئل عن مسألة قال: الحمد لله، دار الإفتاء أبوابه مفتوحة، وجد من يقول هذا الكلام، لكن أين العهد والميثاق الذي أخذ عليك؟ هذا أيضًا مظهر من مظاهر الشح، «يلقى الشح» وهذا أشد من الشح بالمال، نعم الزكاة ركن من أركان الإسلام، لكن قد يوجد للإنسان إذا بخل بالمال الذي تعب عليه، وأيضًا ما عنده من العلم ما يجعله يقدم وينفق بسخاء لا يلام مثل ما يلام العالم الذي أعطاه الله من العلم ما يستطيع به أن ينفع الناس، هذا مظهر من مظاهر الشح، والأمثلة على ذلك كثيرة، تجد الصانع يبخل بصناعته يحتكر، يأخذ ما يسمونه براعة الاختراع، ولا يطلع الناس على كيفية هذه الصناعة، يبخل بها ويشح بها على الناس.
[ ٢ / ١٤ ]
«يلقى الشح، وتظهر الفتن» تكثر، وهذا هو الشاهد من الحديث للباب، «ويكثر الهرج»، «ويكثر الهرج» قالوا: يا رسول الله: أيم؟» " لأن الهرج في الأصل الاختلاط مع الاختلاف هذا هو الأصل فيه، فأي نوعٍ من أنواع الهرج؟ فأجاب -﵊- مفسرًا الهرج بالقتل، قال: «القتل، القتل» القتل، القتل هذا هو الهرج، طيب إذا كثر الهرج ماذا نصنع؟ هذا خبر لا بد من وقوعه، لكنه لا يقال: لا بد من إيقاعه، يعني المسألة كونية لا بد من أن يقع، لكن شرعًا؟ لا، هل للمسلم أن يسعى لإيقاع ما أخبر به النبي -﵊- في آخر الزمان؟ لا يجوز له ذلك، لكنه لا بد من وقوعه كونًا، فما الذي على المسلم إذا وجد مثل هذه العلامة من علامات قرب الساعة؟ يلزم العبادة، كما جاء في الحديث الصحيح: «العبادة في الهرج كهجرة إليّ» يترك القيل والقال؛ لأنه قد يكون له يد في مثل هذه الموبقة العظيمة التي هي القتل، يترك القيل والقال، ويقبل على العبادات الخاصة والنفع المتعدي بقدر المستطاع.
[ ٢ / ١٥ ]
"وقال شعيب -وهو ابن أبي حمزة- ويونس -بن يزيد الأيلي- والليث -بن سعد- وابن أخي الزهري" محمد بن عبد الله بن مسلم، "عن الزهري"، هؤلاء أربعة يرون عن الزهري "عن حميد" بينما معمر يروي عن الزهري عن سعيد، هذه فائدة إسنادية يشيرون بمثل هذا إلى التعليل، لكن الحديث في كتابٍ التزمت صحته، واعتمد البخاري الرواية الأولى فساقها بإسناده: حدثنا معمر عن الزهري عن سعيد، هنا قال: "وقال شعيبٌ ويونس والليث وابن أخي الزهري عن الزهري عن حميد"، وكلاهما صحيح لا سيما إذا وقع هذا من مثل الزهري، فالزهري مكثر من الرواية ومن الشيوخ، ولا يعني أن هذا باستمرار يحكم بالصحة للجميع ولو كانوا ثقات؛ لأن الأطباء أطباء الحديث أهل العلل يعلون بمثل هذا، فالأكثر على أنه عن الزهري عن حُميد، ومعمر عن الزهري عن سعيد، عن إيش؟ عن الزهري عن سعيد بن المسيب، فلما ذكر الرواية الأولى معتمدًا عليها مقررًا لها وأردفها برواية الأكثر لا يعني أنه يعل رواية الواحد برواية الجماعة، مثل هذه مردها إلى القرائن، والقرائن في مثل هذا السياق تدلنا على أن الكل صحيح، لا سيما من مثل الزهري، وهو مكثر من الرواية، ومكثر من الشيوخ.
[ ٢ / ١٦ ]
ثم قال بعد ذلك: "حدثنا عبيد الله بن موسى عن الأعمش -سليمان بن مهران- عن شقيق بن سلمة -أبي وائل- قال: كنت مع عبد الله -يعني ابن مسعود- وأبي موسى فقالا: قال النبي -ﷺ-: «إن بين يدي الساعة -يعني قبلها قريبٌ منها- لأيامًا ينزل فيها الجهل، ويرفع فيها العلم» وجاء بيان ذلك في الحديث الصحيح: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الرجال، وإنما يقبضه بقبض العلماء، فإذا لم يبقَ عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» يكثر الجهل، ويرفع العلم، يرفع بقبض أهله، ليس معناه أنه ينتزع من صدور الرجال، لا، إنما يرفع بقبض أهله، «ويرفع العلم -يعني بموت العلماء- ويكثر فيها الهرج» والهرج: القتل" هو في الرواية الأولى سئل النبي -﵊-: أيم هو؟ قال: «القتل القتل» فهو مرفوع، وهنا في هذا الحديث يحتمل الرفع والوقف، أنه من قول عبد الله بن مسعود وأبي موسى، وجاء مرفوعًا في حديث أبي هريرة.
ثم قال: "حدثنا عمر بن حفص قال: حدثنا أبي حفص بن غياث حدثنا الأعمش -سليمان بن مهران- قال: حدثنا شقيق -أبو وائل هذا سبق- قال: جلس عبد الله وأبو موسى فتحدثا فقال أبو موسى: قال النبي -ﷺ-: «إن بين يدي الساعة أيامًا يرفع فيها العلم، وينزل فيها الجهل، ويكثر الهرج» والهرج: القتل"، وهذا كسابقه يحتمل الرفع والوقف، وأنه من قول أبي موسى الراوي فقال أبو موسى.
[ ٢ / ١٧ ]
ثم قال: "حدثنا قتيبة -كلها بمعنىً واحد- يقول: حدثنا قتيبة -يعني ابن سعيد- قال: حدثنا جرير -يعني ابن عبد الحمد- عن الأعمش عن أبي وائل قال: إني لجالس مع عبد الله وأبي موسى -﵄- فقال أبو موسى: سمعت النبي -ﷺ- مثله"، والهرج بلسان الحبشة: القتل"، الهرج بلسان الحبشة: القتل، كيف يكون بلسان الحبشة والنبي -﵊- فسره بالقتل؟ يمنع أن ينطق النبي -﵊- باللغة الحبشية؟ نعم يكون من لسان الحبشة القتل معناه: الهرج، يعني تعريبه القتل وهو بالحبشية: الهرج، يعني كما قيل في بعض الألفاظ في القرآن الكريم بغير العربية على خلافٍ بين أهل العلم في وجود مثل هذا، هم أجمعوا على أنه لا يوجد تراكيب أعجمية بالقرآن هذا إجماع، ويوجد أعلام أعجمية إجماع، في القرآن أعلام، وما عدا ذلك من الكلمات المفردة مختلفٌ فيها، ومن أهل العلم من يرى أنه لا يمنع أن يوجد كلمات توافقت فيها اللغات، الرومية مع العربية، الفارسية مع العربية، الحبشية مع العربية وهكذا، وهنا فسر النبي -﵊- الهرج بالقتل، وهنا يقول: "الهرج بلسان الحبشة: القتل".
[ ٢ / ١٨ ]
قال القاضي عياض: "هذا وهمٌ من بعض الرواة، هذا وهمٌ من بعض الرواة فإنها عربية صحيحة" وكأنه استند إلى تفسير النبي -﵊- في القتل، والنبي -﵊- أفصح الخلق، إذًا تكون عربية، على كل حال الأصل أصل الهرج في اللغة: الاختلاط، يقال: هرج الناس اختلطوا واختلفوا، والقاضي عياض يقول: هذه وهم، بل الكلمة عربية، ولعله استند إلى تفسير النبي -﵊- لهذه الكلمة في القتل، والنبي -﵊- عربي، لكن يستقيم كلامه أو لا يستقيم؟ إذا قلنا: إنه وقع في القرآن المنصوص على كونه ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [(١٩٥) سورة الشعراء] أنه وجد فيه بعض الكلمات بغير العربية، فما المانع أن ينطق النبي -﵊- بغير العربية في بعض الكلمات؟ ووجد بالفعل، الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- في فتح الباري يقول: أخطأ من قال: إن الهرج القتل بلسان الحبشة، وهمٌ من بعض الرواة" أخطأ من قال: إن الهرج القتل بلسان الحبشة، وهمٌ من بعض الرواة -يعني القاضي عياض-، "ووجه الخطأ أنها لا تستعمل في اللغة العربية بمعنى القتل"، هي لا تستعمل في اللغة العربية بمعنى القتل، إنما تستعمل بمعنى الاختلاط مع الاختلاف، هذا أصلها في العربية، ولا مانع من تعريبها لكن يبقى أن أصلها حبشي، نعم الاختلاط والاختلاف طريق ووسيلة إلى القتل فيكون هذا من باب إطلاق السبب على المسبب، من باب إطلاق السبب على المسبب، وكثيرًا ما يسمى الشيء باسم ما يؤول إليه، واستعمالها في القتل بطريق الحقيقة إنما هو بلغة الحبشة، إنما هو بلغة الحبشة، فكيف يدعى على مثل أبي موسى أنه وهم في تفسير لفظة لغوية؟ بل الصواب معه، واستعمال العرب الهرج بمعنى القتل لا يمنع كونها لغةً حبشية، يعني تعريبها، وكون العرب يتداولون كلمة وفدت إليهم من غيرهم لا يمنع منه مانع.
[ ٢ / ١٩ ]
ثم قال: "حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة عن واصل -بن حيان الأحدب- عن أبي وائل -وهو شقيق المذكور في الطرق السابقة- عن عبد الله وأحسبه رفعه"، وأحسبه رفعه: هذه العبارة توحي بالتردد، لكن الروايات السابقة كلها بالجزم فلا أثر لمثل هذا التردد- أحسبه رفعه، قال: «بين يدي الساعة أيام الهرج، يزول العلم، ويظهر الجهل» قال أبو موسى: والهرج: القتل بلسان الحبشة" الهرج: القتل بلسان الحبشة، "وقال أبو عوانة -الوضاح بن عبد الله اليشكري- عن عاصم -هو ابن أبي النجود"، "قال أبو عوانة" هذا معلق، عن عاصم بن أبي النجود، عاصم بن بهدلة القارئ المشهور، وفيه كلام بالنسبة لحفظه، لكن البخاري لم يعتمد عليه، "عن أبي وائل عن الأشعري أنه قال لعبد الله: تعلم الأيام التي ذكر النبي -ﷺ- أيام الهرج نحوه" يعني نحو ما تقدم "قال ابن مسعود: سمعت النبي -ﷺ- يقول: «من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء» "، وعند مسلم: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس»، وفي الحديث: «لا تقام الساعة والأرض يقال فيها: لا إله إلا الله» ولا ينافي ذلك ما جاء من بقاء الطائفة المنصورة، من بقاء الطائفة المنصورة؛ لأنه أيضًا جاء في الحديث الصحيح أنه تأتي ريح من جهة اليمن تقبض أرواح المؤمنين، فالطائفة المنصورة تبقى إلى قبيل قيام الساعة حتى تأتي هذه الريح فتقبض أرواح المؤمنين، ولا يبقى في الأرض بعد ذلك إلا شرار الناس.
«من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء» نعم التدرج في انقراض الخير سنة إلهية، «لا يأتي زمان إلا والذي بعده شرٌ منه» كما في الباب اللاحق، نعم.
طالب:. . . . . . . . .
وين؟
طالب:. . . . . . . . .
من شرار الناس نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
لا، لا، على بيانية هذه؛ نعم لأن رواية مسلم: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس»، «لا تقوم الساعة والأرض يقال فيها: لا إله إلا الله» فكلهم شرار، نعم؟
طالب: الساعة. . . . . . . . .
الساعة نفسها، الساعة نفسها.