باب: قول النبي -ﷺ-: «هلاك أمتي على يدي أغيلمة سفهاء».
حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد قال: أخبرني جدي قال: كنت جالسًا مع أبي هريرة -﵁- في مسجد النبي -ﷺ- بالمدينة، ومعنا مروان، قال أبو هريرة: سمعت الصادق المصدوق يقول: «هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش» فقال مروان: لعنة الله عليهم غلمة، فقال أبو هريرة: لو شئت أن أقول: بني فلان وبني فلان لفعلت، فكنت أخرج مع جدي إلى بني مروان حين ملكوا بالشام، فإذا رآهم غلمانًا أحداثًا قال لنا: عسى هؤلاء أن يكونوا منهم قلنا: أنت أعلم.
[ ٢٣ ]
يقول الإمام -رحمة الله عليه-: "باب قول النبي -ﷺ-: «هلاك أمتي على يدي أغيلمة سفهاء» " أغيلمة: تصغير تحقير إما تصغيرًا لأسنانهم فهم صبيان، أو تصغير لعقولهم وأحلامهم فهم سفهاء وإن كانوا كبار السن، فمثل هؤلاء سواءٌ كانوا صغارًا في أسنانهم أو في عقولهم وأحلامهم لا شك أن مثل هؤلاء يهلكون الحرث والنسل، مثل هؤلاء يتصرفون التصرفات المهلكة الضارة.
[ ٢٤ ]
يقول: "حدثنا موسى بن إسماعيل –التبوذكي- قال: حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد، قال أخبرني جدي -سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص- قال: كنتُ جالسًا مع أبي هريرة في مسجد النبي -ﷺ- بالمدينة، ومعنا مروان" يعني ابن الحكم الذي تولى فيما بعد، "قال أبو هريرة: سمعت الصادق المصدوق" الصادق في نفسه، المصدوق عند الله -﷿-، "يقول: «هلكة أمتي على يدي غلمة» " في رواية أحمد والنسائي: «سفهاء من قريش»، "فقال مروان: لعنة الله عليهم" هؤلاء الذين يكونون هلاك الأمة على أيديهم ممن ولي أمر المسلمين لعنهم مروان، أبو هريرة لم يلعنهم ولم ينقل لعنهم عن النبي -﵊-، وقد اختلف أهل العلم في لعن من هذا وصفه ممن أشير إليه في هذا الحديث كيزيد بن معاوية والحجاج وأمثالهم، أهل العلم يختلفون في مثل هؤلاء، والإمام أحمد لما سأله ابنه عبد الله عن يزيد وذكر له أنه ممن يستحق اللعن، فقال له: لما لا تلعنه؟ فقال -رحمة الله عليه-: هل عرفت أباك لعانًا، الشخص قد يستحق وصف، لكن هل الناس ملزمون بأن يصفوه بهذا الوصف؟ ليسوا بملزمين، السلامة لا يعدلها شيء، اكفف لسانك، المسألة خلافية، وليس المسلم باللعان ولا بالطعان ولا بالفاحش البذيء، فعلى الإنسان أن يحفظ لسانه ولا يقع في فلان ولا علان، لا سيما مع عدم وجود مصلحة ترجى من هذا، النبي -﵊- لعن بأوصاف، «لعن الله السارق يسرق البيضة» ولعن أشخاص: "اللهم العن فلانًا وفلانًا" فأنزل عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [(١٢٨) سورة آل عمران] فينبغي للإنسان ألا يرسل ..، يسارع في هذه الأمور ويرسل لسانه، نعم إذا خشي من إنسان بعينه أن يتعدى شره وضرره على من لا يعرف حاله وأن يحذر منه؛ لئلا يتعدى شره وضرره لمن يغتر به.
[ ٢٥ ]
"فقال مروان: لعنة الله عليهم غلمة" منصوب على اختصاص، "فقال أبو هريرة: لو شئت أن أقول: بني فلان وبني فلان لفعلت" وكأن أبا هريرة -﵁- يعرف أسماءهم، فأبو هريرة حفظ من النبي -﵊- وعاءين، أما أحد الوعاءين فبثه في الناس، وهو ما يحتاجون إليه من أمور الدين، وأما الوعاء الثاني الذي لا يحتاجون إليه فكتمه؛ لأنه لو بثه في الناس لقطع منه هذا البلعوم يعني لقتل؛ لأنه فيه ذكر أشخاص من مثل هؤلاء الأغيلمة الذين يكون على أيديهم هلاك الأمة ودمارها، ولا مصلحة من التصريح بأسمائهم، وكان أبو هريرة -﵁- يتعوذ بالله -﷿- من الستين وإمارة الصبيان، يقول: "اللهم إني أعوذ بك من رأس الستين، وإمارة الصبيان"، رأس الستين توفي معاوية -﵁-، تولى بعده ابنه يزيد، فأجاب الله -﷿- دعوة أبي هريرة فقبضه قبل ذلك بسنة، توفي سنة (٥٩) أو (٥٨) على خلاف في ذلك، المقصود أن الله أجاب دعاءه فقبضه قبل أن يعاشر ويعامل مثل هؤلاء.
"قال أبو هريرة: "لو شئت أن أقول: بني فلان وبني فلان لفعلت، فكنت -عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد- يقول: "فكنت أخرج مع جدي سعيد بن عمرو إلى بني مروان حين ملكوا بالشام" ولوا الخلافة بالشام، وفي رواية: "ملكوا"، "فإذا رآهم غلمانًا أحداثا ً –شبان- أحداثًا، قال لنا: عسى هؤلاء أن يكونوا منهم؟ " يقوله لحفيده: عسى هؤلاء أن يكونوا ممن ذكر أبو هريرة في الحديث، "قلنا: أنت أعلم" أنت أعرف، أنت الذي سمعت أبا هريرة، وأنت الذي عاصرت هؤلاء وعرفتهم من قبل أن يتولوا وبعد ما تولوا، أنت أعرف وأدرى.