ثم قال الإمام -رحمه الله تعالى-: "بابٌ: إذا قال عند قوم شيئًا ثم خرج فقال بخلافه".
قال: "حدثنا سليمان بن حرب" الواشحي، قال: "حدثنا حماد بن زيد" ابن درهم "عن أيوب" السختياني "عن نافع" مولى ابن عمر "قال: لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه" جماعته الملازمين لخدمته، "حشمه وولده، فقال: إني سمعت النبي –﵊- يقول: «ينصب لكل غادر لواء» " ليشهر به بين الخلائق " «يوم القيامة» وإنا قد بايعنا هذا الرجل" يزيد بن معاوية، "وإن قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله"، يعني على شرط ما أمر الله به ورسوله من بيعة الإمام، بايعنا، يزيد لا شك أنه صاحب فسوق، وليس على الجادة، رجل فاسق، لكن هل هذا مبرر لخلعه، لما خلع أهل المدينة يزيد له فجور وفسوق، فهل فسق الإمام مبرر لخلعه؟ وما النتيجة التي حصلت من جراء خلعه؟ ما النتيجة؟ تأتي النتيجة، أهل العلم يختلفون في لعن يزيد، الإمام أحمد في رواية: لا يرى بذلك بأسًا، حتى قال له ابنه: لمَ لا تلعنه؟ قال: وهل رأيتَ أباك لعانًا، المقصود أن مثل هذا ما لم يرَ الكفر البواح لا مبرر شرعي للخروج، ولا مبرر شرعي للخلع.
[ ٦ / ١٩ ]
"فقال: إني سمعت النبي -﵊- يقول: «ينصب لكل غادرٍ لواء -يشتهر به- يوم القيامة» وإن قد بايعنا هذا الرجل -يزيد بن معاوية- على بيع الله ورسوله"، يعني على شرط ما أمر به من بيعة الإمام، "وإني لا أعلم غدرًا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله، ثم ينصب له القتال"، وفي المسند: "وإن من أعظم الغدر بعد الإشراك بالله -﷿- أن يبايع الرجل رجلًا على بيع الله ثم ينكث بيعه"، هذا من أعظم الغدر، نسأل الله العافية، "وإني لا أعلم أحدًا منكم خلعه"، يعني من ولده وحشمه الذين سبقت الإشارة إليهم، "وإني لا أعلم أحدًا منكم خلعه" يعني يزيد "ولا بايع أحدًا في هذا الأمر إلا كانت الفيصل"، يعني مقاطعة بيني وبينه، ففيه وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة، على ما عنده من فسوق، وعلى ما عنده من فجور، وعلى ما عنده من ظلم، ما لم يرَ الكفر البواح، هذا الحد الفاصل، ومع رؤية الكفر البواح لا بد من القدرة على التغيير، وإلا إذا لم توجد القدرة عرضت دماء المسلمين للإهدار، وصاروا طعامًا للسيوف من دون فائدة، فإذا وجد الكفر البواح ووجدت القدرة على التغيير حينئذٍ غير، أما إذا لم يرَ الكفر البواح مهما بلغ من الفجور من الفسوق من الظلم، لا يجوز نزع الطاعة من يده، لا تجوز مخالفته إذا لم يرَ الكفر البواح، إذا رئي الكفر البواح ينظر أيضًا، يجوز الخروج عليه لكن مع القدرة.
ففي ذلك وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة والمنع من الخروج عليه ولو جار، وأنه لا يخلع بالفسق، ولننظر نتيجة ما ذكر من نقض بيعة يزيد، ما الذي حصل؟ يعني يزيد عنده فجور، عنده فسوق، ومولى على خيار الناس، على الصحابة والمهاجرين، من الصحابة من المهاجرين والأنصار يعني من بقي منهم، ما الذي حصل نتيجة هذا الخلع؟ ما ذكر من نقض البيعة من استباحة المدينة، استبيحت المدينة، وقتل من أخلاط الناس أكثر من عشرة آلاف، منهم جمعٌ من حملة القرآن، وجالت الخيل في مسجد رسول الله -ﷺ-، وذكر أن المدينة خلت من أهلها، وبقيت ثمارها للعوافي من الطير والسباع، وكان ذلك سنة (٦٣هـ)، هذه نتيجة الخروج على الأئمة.
[ ٦ / ٢٠ ]
وكم من أمير تمنى الناس زواله، بل قام الناس عليه وأطاحوا به، فصاروا يبكون عليه أشد البكاء، في القديم والحديث، ولا يأتي زمانٌ إلا والذي بعده شرٌ منه، والله المستعان.
على كل حال مطابقة الحديث للترجمة من حيث أن الذي ينقض البيعة قال في الغيبة خلاف ما قاله في الحضور، الترجمة: بابٌ: إذا قال عند قومٍ شيء ثم خرج فقال بخلافه، عند القوم بايع، فلما خرج نقض البيعة هذه وجه المطابقة.