[ ٦ / ٢١ ]
ثم قال الإمام -﵀-: "حدثنا أحمد بن يونس" اليربوعي، قال: "حدثنا أبو شهاب" عبد ربه بن نافع الحناط "عن عوف" ابن أبي جميلة الأعرابي "عن أبي المنهال" سيار بن سلامة "قال: لما كان ابن زياد" يعني عبد الله بن زياد "ومروان" ابن الحكم "بالشام ووثب ابن الزبير بمكة" يعني خرج على يزيد "ووثب القراء بالبصرة"، القراء من هم؟ الخوارج، "ووثب القراء بالبصرة فانطلقت مع أبي" سلامة هذا أبو المنهال سيار بن سلامة يقول: "انطلقت مع أبي –سلامة- إلى أبي برزة -نضلة بن عبيد- الأسلمي حتى دخلنا عليه في داره وهو جالس في ظل علية" غرفة من قصب في يومٍ شديد الحر "فجلسنا إليه، فأنشأ بي يستطعمه الحديث" يستدرجه في الحديث، يستطعمه الحديث يطلب منه الحديث بالتدريج، "فقال: يا أبا برزة ألا ترى ما وقع فيه الناس؟ فأول شيء سمعته تكلم به: إني احتسبت عند الله أني أصبحت ساخطًا على أحياء قريش"، يعني على قبائلها، "إنكم يا معشر العرب كنتم على الحال الذي علمتم من الذلة والقلة والضلالة، وإن الله أنقذكم -من ذلك كله- بالإسلام وبمحمد -ﷺ- حتى بلغ بكم ما ترون -من العزة والكثرة والهداية يعني خلاف ما تقدم- وهذه الدنيا التي أفسدت بينكم" إذ ذاك، "وهذه الدنيا التي أفسدت بينكم، إن ذاك الذي بالشام" يعني مروان بن الحكم، "والله إن يقاتل إلا على الدنيا"، يعني لما كان الاجتماع على الدين، والدنيا لا ينظر إليها لعلمهم بحقيقتها وأنها دار ممر، وأنها لا تستحق كل هذا النزاع والتشاحن، وأنها لا تعدل عند الله جناح بعوضة أموركم مستقيمة، مستقرة، "وهذه الدنيا التي أفسدت بينكم، إن ذاك الذي بالشام" يعني مروان "والله إن يقاتل إلا على الدنيا"، يعني لا يقاتل إلا على الدنيا، وجاء أيضًا في رواية أبي ذر: "وإن هؤلاء الذين بين أظهركم والله إن يقاتلون إلا على الدنيا، وإن ذاك الذي بمكة والله إن يقاتل إلا على الدنيا" يعني ابن الزبير، كلٌ منهم يقاتل يريد الحكم، والحكم لا شك أنه مطلبٌ من مطالب الدنيا، إلا إذا تعين على شخص وألزم به مثل هذا يرى أنه خدمة للدين وأهله، هذا لا يقاتل عن الدنيا، عمر بن عبد العزيز -رحمة الله عليه- مثله لا يقاتل على
[ ٦ / ٢٢ ]
الدنيا، لكن في الجملة الملك من مطالب الدنيا، ومما يتوصل به إلى أغراض الدنيا.
فهذا الذي بالشام مروان بن الحكم يقاتل على إيش؟ "والله إن يقاتل إلا على الدنيا"، ابن الزبير الذي بمكة يقاتل على الدنيا يريد الملك، غيره الذين بين أظهركم بالمدينة وغيرها من القراء في البصرة كل هؤلاء يقاتلون على الدنيا، هذا من وجهة نظر أبي برزة.
الذي لم يدخل في مثل هذه الأمور قد لا يقدر حقيقة الحال على وجهها، هو حكم على هؤلاء أنهم يقاتلون من أجل الدنيا، وقد يكون فيهم من يقاتل لإحقاق حق، يعني إذا قلنا مثل هذا في ابن الزبير مثلًا، قد يقوله قائل في علي -﵁- إن يقاتل إلا على الدنيا، قد يقوله في معاوية -﵁-، مع أن كلًا منهم مجتهد في قتاله، ولذا لا يؤثّم بل يؤجر الفريقان لاسيما في مسألة علي ومعاوية -رضي الله عن الجميع-، نعم الإصابة مع علي، ومعاوية ومن معه مخطئون لكنهم لا يحرمون أجر الاجتهاد، هذا المقرر عند أهل العلم، ومع ذلكم الظاهر الذي يظهر للناس أن القتال من أجل الدنيا، كلٌ يريد الملك لنفسه، هذا الذي يظهر للناس، ولذا حكم أبو برزة على هؤلاء أنهم يقاتلون من أجل الدنيا، والله إن يقاتل إلا على الدنيا، يعني على ما ظهر له بالقرائن، وإلا فالنيات الله أعلم بها.
ووجه المطابقة للترجمة الذين عابهم أبو برزة كانوا يظهرون أنهم يقاتلون لأجل القيام بأمر الدين، كانوا يظهرون أن المقاتلة التي قاموا بها من أجل القيام بأمرِ الدين ونصر الحق، هذا الذي أظهره وهم في الباطن إنما يقاتلون لأجل الدنيا، والترجمة: إذا قال عند قومٍ شيئًا ثم خرج فقال بخلافه.
[ ٦ / ٢٣ ]
يعني لو جاء مجموعة وثاروا على إمام استتب له الأمر، نعم هناك مبررات هناك تأويل سائغ، وهؤلاء يسمون في عرف الشرع إيش؟ بغاة، ثاروا على الإمام، وظاهر دعواهم أنهم يريدون إحقاق الحق، مع أنهم بغاة، يريدون إحقاق الحق هذا في الظاهر، والله أعلم بالبواطن، وقد يكونوا صادقين، وإنما يحكم عليهم بظواهرهم، أبو برزة لما ظهر له من القرائن التي دلته على أن خروجهم وقتالهم إنما هو من أجل الدنيا، وأيضًا الذي يريد الحق ليس هذا طريقه، أنت ممنوع من هذا العمل مهما كان المبرر، ما لم يرَ الكفر البواح، وإلا فأي فسقٍ يصل إلى حد فسق يزيد، وليس هذا بمبرر للخروج عليه كما تقدم في كلام ابن عمر وغيره، وإن اجتهد من اجتهد، وإن أراد الإصلاح من أراده، فمثل هذا لا يبرر ما لم يرَ الحد الذي حدده الشارع، ما لم يرَ الكفر البواح، الذي فيه من الله برهان، فوجه لومهم أنهم أظهروا أنهم يريدون القيام بأمر الله، وهم إنما أرادوا القتال لأجل الدنيا.
[ ٦ / ٢٤ ]
وذكرنا مرارًا أن الشخص قد يطلب ما هو مباح في أصله، أو يعمل عملًا مباحًا في الأصل، كأن يهاجر، كأن ينتقل من بلد إلى بلد يريد التجارة يلام؟ ما يلام، بحث عن زوجة في هذا البلد ما وجد انتقل إلى بلد آخر يريد أن يتزوج يلام؟ ما يلام، وسيق في حديث الأعمال بالنيات على سبيل الذم: «من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» قد يهاجر من أجل الدنيا، وقد يهاجر من أجل الزواج، ويؤجر على ذلك، والسياق في الحديث سياق ذم، لكنه إنما ذم؛ لأنه أظهر خلاف ما يبطن، أظهر للناس أنه هاجر لله، بحث عن زوجة ما وجد في هذا البلد، فأشاع في الناس أن هناك في البلد الفلاني أناس عباد أخيار يروح يتعبد معهم، وهو ما قصده هذا، قصده الزوجة، أشاع في الناس أن هناك من العلماء من يلازمهم، وهم أولى من غيرهم بالملازمة وأحق، وهو يريد التجارة، فإذا أظهر خلاف ما يبطن جاء الذم، وإلا فالأصل أن الهجرة من أجل المباح مباحة، وذكرنا مثال: لو أن شخصًا إذا بقي على أذان المغرب يوم الاثنين من كل أسبوع نصف ساعة، أخذ التمر معه والماء والشاي والقهوة وجاء إلى المسجد، وفل السماط وانتظر، الأكل في المسجد مباح ما فيه شيء، هو ما صام، فل السماط وكل من دخل اتفضل يا أخي اتفضل، وانتظر إلى الأذان لما أذن قال: بسم الله وأكل التمر، وهو ما صام، هذا يذم وإلا ما يذم؟ هذا يذم بلا شك، وإن كان في الأصل الأكل مباح والأكل في المسجد ما فيه إشكال، لكن ترتيبه هذه الأمور ليدل على أنه ..، ليظهر للناس أنه صائم، من هذه الحيثية يذم، وإلا فالأكل لا شيء فيه، والأكل في المسجد أيضًا مباح.
طالب:. . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٥ ]
خاصة إذا كان من الأخيار، يعني مثل ابن الزبير -﵀-، إذا كانوا من أهل الفضل والخير، أبو برزة استدل بشيء وهو أنه وإن كان ظاهره الصلاح وقد نهي عن مثل هذا القتال؛ لأنه لم يرَ الكفر البواح، نهي عن مثل هذا القتال دل على أنه لا يريد الخير، هذا استنباط منه، فكونك منهي عن هذا القتال وتقاتل رغم أنك منهيٌ عنه شرعًا وتريد الخير هذا القرينة تدل على غير ذلك، وإلا ما يمنع أن يوجد أهل الغيرة والخير لا يعجبهم الوضع، ولا يصبرون على الضيم والظلم والأَثرة فيقول: نريد إحقاق الحق، لكن تريد إحقاق الحق من وجهه يا أخي لا من الوجوه التي نهي عنها، كلٌ يريد الخير، وكلٌ يريد الإصلاح لكن مع الوجوه الشرعية، والطرق المتاحة.