ومن الفتنة أن يفتن الناس بالأخبار الموضوعة والواهية والإشاعات وترتب عليها أحكام هذه فتنة، أن يتعلق الناس بالأخبار الضعيفة والموضوعة والرؤى والمنامات والتحليلات التي لا تبنى على أساس شرعي ثم ترتب عليها مصاير كما هو الواقع الآن، فعلينا أن نراجع أنفسنا في مثل هذه الظروف تطلب النجاة، والنجاة بالاعتصام بالكتاب والسنة، والإقبال على الله -﷿- بالعبادات الخاصة والعامة، اللازمة والمتعدية، على الإنسان لا سيما من ينتسب إلى العلم وطلبه أن يصدق اللجأ إلى الله -﷿-، فيكثر من النوافل، ويكثر من قراءة القرآن، من تدبره، من تفهم معانيه، من قراءة الكتب الموثوقة في التفسير ليستفيد من قراءته، ويقبل أيضًا على العبادات اللازمة مثل الإكثار من التطوعات من الصلوات والصيام وبر الوالدين وصلة الأرحام، والنفع الخاص والعام، يحرص على صلاح نفسه وصلاح من تحت يده في بيته في مسجده في حيه في مدرسته، بهذا تنجو هذه الأمة من هذا المأزق والمنحنى والمنعطف الخطير الذي تمر به، فكما أخبر النبي -﵊-: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم» تداعت الأمم الآن، لكن ما المخرج؟ المخرج فيما أثر عنه -﵊- من ملازمة كتاب الله -﷿-، ومما أشرنا إليه من قراءة ما يعين على فهم كتاب الله -﷿-، والله المستعان.
شرح كتاب الفتن: ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا وارفعنا بما علمتنا، واغفر لنا ولشيخنا والسامعين برحمتك يا أرحم الراحمين.
قال الإمام أبو عبد الله البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه:
كتاب الفتن.
ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ [(٢٥) سورة الأنفال] وما كان النبي -ﷺ- يحذر من الفتن.
حدثنا علي بن عبد الله قال: حدثنا بشر بن السرّي
السري السري بتخفيف الراء.
[ ٤ ]
السري قال: حدثنا نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة قال: قالت أسماء عن النبي -ﷺ- قال: «أنا على حوضي أنتظر من يرد علي، فيؤخذ بناس من دوني فأقول: أمتي، فيقول: لا تدري مشوا على القهقرى» قال ابن أبي مليكة: "اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا، أو أن نفتن".
حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا أبو عوانة عن مغيرة عن أبي وائل قال: قال عبد الله: قال النبي -ﷺ-: «أنا فرطكم على الحوض، ليرفعن إليّ رجال منكم حتى إذا أهويت لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي ربِ أصحابي، يقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك».
حدثنا يحيى بن بكير قال: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم قال: سمعت سهل بن سعد يقول: سمعت النبي -ﷺ- يقول: «أنا فرطكم على الحوض، من ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبدًا، ليرد علي أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم» قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش وأنا أحدثهم هذا فقال: هكذا سمعت سهلًا؟ فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري -﵁- لسمعته يزيد فيه قال: «إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما بدلوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا لمن بدل بعدي».
يقول الإمام -رحمه الله تعالى-: "كتاب الفتن"
[ ٥ ]
تقدم تعريف الفتن، وأنه الابتلاء والاختبار والامتحان، وأنه يكون بالخير وبالشر، ومن الفتن الفتن الكبرى المضلة التي يستعاذ منها، ومنها: الفتن التي لا ينفك عنها أحد التي تصرف الإنسان عن مقصده، فهو مأمورٌ بمجاهدتها ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [(١٥) سورة التغابن] يعني يشغلونكم عما يرضي الله -﷿-، والإنبجانية والكساء المخطط كادت أن تفتن النبي -﵊- في صلاته، يعني تشغله عنها، فكل ما يشغل عما يرضي الله -﷿- فتنة، لكنها متفاوتة، والحياة صراع وجهاد، إزاء هذه الفتن على المسلم أن يقاوم بقدر الإمكان، هناك فتن ظاهرة، وهناك فتن باطنة، وهناك فتن كبرى مضلة، وهناك فتن يسيرة لا ينفك منها أحد، وكل هذا ليظهر مدى امتثال المكلف ومدى ارتباطه وتعلقه بربه -﷿-، وهذا الصراع رتب عليه الثواب العظيم، من استسلم ولم يقاوم وضل وفتن هذا مآله معروف، لكن من قاوم تعرض للفتن وقاوم واستفاد منها فيما يرضي الله -﷿-، وخرج منها ظافرًا متغلبًا على هوى نفسه والشيطان، متغلبًا على عدوه من شياطين الإنس والجن إن هذا لا شك أنه ممن أراد الله به خيرًا ولو تعرض للفتن، وهذه الفتن إذا وقعت تقاوم، ولا ينبغي للإنسان أن يتمنى وقوع هذه الفتن ليقاوم لا، يعني من باب تمني لقاء العدو، وما يدريك لعلك تخفق، لعلك تفتن، ولا تستطيع أن تقاوم هذه الفتن، لكن إذا حصلت فعليك بالمجاهدة والمصابرة حتى تخرج منها ظافرًا بما يرضي الله -﷿-.
كتاب الفتن:
بسم الله الرحمن الرحيم
بالتقديم والتأخير بعض الروايات كما في رواية أبي ذر: "كتاب الفتن، بسم الله الرحمن الرحيم"، وفي رواية ابن عساكر: "بسم الله الرحمن الرحيم: كتاب الفتن"، وهذا يوجد في كثير من الكتب التقديم والتأخير هذا، ولكلٍ وجهه، إذا قدمت البسملة -كما هو الأصل- تكون شاملة للكتاب للترجمة ولما تحته، فهي مقدمة عليه، مبدوءٌ بها، وإذا قدمت الترجمة على البسملة صارت الترجمة بمثابة تسمية السورة، والبسملة بعدها، ولذا يوجد التقديم والتأخير في كثيرٍ من الأبواب.
[ ٦ ]
"ما جاء في قول الله تعالى" وعند أبي ذر: "باب: ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ [(٢٥) سورة الأنفال] " ونحن في شرح مثل هذا الباب التي ينبغي أن تكون القلوب مرتبطة بكلام النبي -﵊- لا نطيل في مثل هذه الأمور، لا نطيل في ذكر فروق النسخ والروايات، كما أننا لا نذكر إلا ما تمس الحاجة إليه مما يتعلق بالأسانيد؛ لأنها تقطع تسلسل الارتباط بكلام المصطفى -﵊- الذي هو المقصود الأعظم، لكن في الأبواب الأخرى، الأبواب العملية ما نترك شيء مما يتعلق بالروايات أو بلطائف الإسناد أو كل ما يتعلق بالحديث سواءً كان في متنه أو في إسناده نتعرض له بقدر الإمكان، بقدر الحاجة، لكن في مثل هذه الأبواب يهمنا بالدرجة الأولى كلام الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في التراجم، وما يردفه به من آثار، ثم بعد ذلك ندخل إلى المقصد الأعظم، وهو كلام النبي -﵊-.
[ ٧ ]
ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ [(٢٥) سورة الأنفال] اتقوا: يعني اجعلوا بينكم وبين ما ذكر وقاية، اتقوا فتنةً لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، بل تعم الصالح والطالح، المباشر للمعصية، المتركب لها، والراضي بها، والتارك لإنكارها وتغييرها مع قدرته على ذلك، فالفتنة إذا نزلت عمت، في مثل هذه الظروف التي تتحدث عنها الآية، اتقوا فتنةً لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، بل تعم من ارتكب الذنب، ومن علم به ورضي بفعله، أو علم به ولم ينكر عليه مع القدرة على الإنكار تعمه، وهذه نتيجة المداهنة وإقرار المنكر، وافتراق الكلمة بحيث تعم الشرور والمعاصي والمنكرات، ويتقاعس الناس، ويتواكلون في إنكارها، تجد الإنسان يمر بشخصٍ يرتكب منكر أو يترك واجب ويتركه، اعتمادًا على أنه كلف بهذا الأمر من كلف من قبل ولي الأمر ولسنا بمسئولين، أنت مسئول، مكلف من قبل الله -﷿-، «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع » خشي من الضرر إذا نطق بالإنكار ينكر بقلبه، ولا يسع أحدًا يمر بمنكر مهما كان فاعله ولا ينكر عليه، وما وصل الأمر إلى ما وصل إليه مما نعيشه من ظروف وتعيشه الأمة في سائر الأقطار من انتشار المنكرات مع ضعف في الإنكار إن وجد إلا ضريبة تواكل سنين، تجد الأخيار ينكرون بلا شك والإنكار موجود لكنه ليس على المستوى المطلوب لمقاومة هذه السيول الجارفة من المنكرات التي قصد بها من قبل الأعداء إفساد هذه الأمة؛ لأنها إذا فسدت وفشت فيها المنكرات سهل الاستيلاء عليها، سهل الاستيلاء عليها بعد أن ذلت لذل المعاصي المنكرات، جاء الوعيد الشديد في ترك الإنكار، وإذا ترك صاحب المنكر فإن المصيبة والكارثة تعم صاحبها ومن سكت ومن أقره، وسبب لعن بني إسرائيل أنهم إيش؟ ﴿كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [(٧٩) سورة المائدة] قد يصل الأمر إلى حد اليأس في زوال المنكر، فيقول الإنسان: ما الفائدة في كوني أنكر مع أن صاحب المنكر لا يرتدع ولا يرعوي؟ نقول: عليك أن تبذل السبب، وتمتثل الأمر، وتفعل ما أمرت به، والنتائج بيد الله -عز
[ ٨ ]
وجل-، ﴿وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [(١٦٤) سورة الأعراف] معذرة يا أخي، أقل الأحوال براءة ذمتك، أنت قمت بما أوجب الله عليك، وقد يدفع الله -﷾- بهذا الإنكار -ولو كان ضعيفًا- ما يدفع من ضرائب التواطؤ على السكوت ولو كان ضعيفًا، وليس الأمر خاصًا برجال الحسبة، نعم عليهم المسئولية الأولى والكبرى؛ لأنهم تضاعف عليهم الأمر لتكليفهم من قبل الله -﷿-، وبتكليفهم من قبل ولي الأمر، وبأخذهم الأجرة على ذلك، ولكن هذا لا يعفي غيرهم من الإنكار، فالكل مكلفٌ بالأمر والنهي.
روى الإمام أحمد في مسنده بسندٍ لا بأس به من حديث عدي بن عميرة قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة» ما دام الإنكار موجودًا فالأمان -بإذن الله- موجود، ولا ننكر أن هناك فئة مكلفة من قبل ولي الأمر بالأمر والنهي وتقوم بما أوجب الله عليها، لكنها أقل من المستوى المطلوب في مقاومة ما يزج به العدو من منكرات غزت البيوت والمحافل والمجتمعات، فالمسألة تحتاج إلى تظافر جهود في إنكار المنكر باليد، وهذا لولي الأمر أو من خوله ولي الأمر، وباللسان بالحكمة والكلمة الطيبة بالرفق واللين، وبهذا يرفع الله -﷾- عنا ما كتب على غيرنا من الأمم، سنة إلهية، سنن إلهية ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [(٦٢) سورة الأحزاب] إذا عمت المعاصي وكثرت، واستمرأها الخاص والعام، وعاشوا عليها، وتواطئوا عن السكوت عن إنكارها عمهم الله بعذاب، بالعقوبة.
[ ٩ ]
"وما كان النبي -﵊- يحذر من الفتن"، "بابٌ: ما جاء في قول الله تعالى ، وما كان النبي -﵊- يحذر من الفتن"، النبي -﵊- حذر من الفتن، والله -﷾- حذر ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً﴾ [(٢٥) سورة الأنفال] فعلينا أن نتقي الفتن بدفعها بالأسباب التي تدفعها، ومن أعظم ما يدفع الفتن اهتمام الإنسان بصلاح نفسه أولًا ومن تحت يده، والارتباط بالله -﷿-، وصدق اللجأ إليه مع بذل الأسباب في إصلاح الغير.
[ ١٠ ]
يقول الإمام -رحمه الله تعالى-: "حدثنا علي بن عبد الله قال: حدثنا بشر بن السري" علي بن عبد الله هو الإمام المعروف ابن المديني، "قال: حدثنا نافع بن عمر بن عبد الله -القرشي- عن ابن أبي مليكة" اسمه: عبد الله، "قال: قالت: أسماء" بنت أبي بكر "عن النبي -ﷺ- قال: «أنا على حوضي» " الحوض المورود الذي ينبع أو يجتمع من نهر الكوثر، هذا للنبي -﵊-، وجاء وصفه في السنة في طوله وعرضه ولونه وآنيته، وأنه يشرب منه المتبع من هذه الأمة، ولذا يذاد عنه من تقهقر فارتد أو ابتدع أو غير أو بدل، يقول: «أنا على حوضي» وأحاديث الحوض متواترة، ثبت الحوض ثبوتًا قطعيًا بالأدلة المتواترة، تواترًا معنويًا، «أنا على حوضي أنتظر من يرد علي، فيؤخذ بناس من دوني فأقول: أمتي» يعرفهم النبي -﵊-، إما بأعيانهم لمعاصرتهم له، أو بأوصافهم باتباعه -﵊-، وإن حصل منهم من يوجب ردهم من إحداث وابتداع، «فأقول: أمتي، فيقول: لا تدري مشوا على القهقرى» يعني: رجعوا إلى الخلف، كانوا لما كنت بين أظهرهم يتقدمون إلى الأمام بفعل ما يرضي الله -﷿-، وترك ما يسخطه، ثم بعدك رجعوا القهقرى، فارتدوا عن دينهم، وهؤلاء ممن يعرفهم النبي -﵊- بأعيانهم؛ لأنهم وجدوا في عصره، "قال ابن أبي مليكة: اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا، أو نفتن"، على الإنسان أن يخاف، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، فلا يأمن من مثل هذه الفتنة، أن يرجع القهقرى، «وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها» ولذا اشتد خوف السلف الصالح من سوء العاقبة، سوء الخاتمة أمرٌ مقلق مخيف، «وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع -إلا شيء يسير- ثم يسبق عليه الكتاب -لأنه كتبت عليه الشقاوة- فيعمل بعمل أهل النار -بطوعه واختياره لا إجبارًا له- فيدخل النار»، وجاء في الحديث: «أنه يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس» وهذا أيضًا أمرٌ مخيف قد يعمل الإنسان الأعمال وهي في ظاهرها صالحة لكنها فيما يبدو
[ ١١ ]
للناس، وفي قلبه دخن يكون سببًا في صرفه عن الجادة، ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [(٤٧) سورة الزمر] كثير من السلف يعمل الأعمال الصالحة ويخشى أن تكون من هذا الباب، فالخوف مطلوب كما أن الرجاء مطلوب، وإحسان الظن بالله -﷿-، فعلى الإنسان أن يكون بين الأمرين خائفًا راجيًا، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [(٦٠) سورة المؤمنون] يؤتون ما آتوا من الأعمال الصالحة، ولذا لما سألت عائشة -﵂-: أهم الذين يزنون؟ أهم الذين يسرقون؟ قال: «لا يا أبنت الصديق، هؤلاء الذين يصلون ويصومون ويزكون، ويعملون الأعمال الصالحة وقلوبهم وجلة» خائفة أن ترد عليهم، فالإنسان لا يضمن، نعم جاء ما يدل على أن الفواتح عنوان الخواتم، لكن من يضمن أن هذه الفواتح الصالحة خالصة لوجه الله -﷿-، النفس الأمارة، والشيطان، والنية شرود تحتاج إلى من يتابعها في كل وقت، قد يزل الإنسان بكلمة من سخط الله -﷿- يهوي بها في النار سبعين خريفًا، لا يلقي لها بالًا، تكون من سخط الله، والله المستعان.
"قال ابن أبي مليكة: اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا، أو نفتن" يعني عن ديننا، فنرجع القهقرى عما كنا نفعله من أعمالٍ صالحة.
[ ١٢ ]
ثم بعد هذا يقول: "حدثنا موسى بن إسماعيل -هو المنقري- قال: حدثنا أبو عوانة -الوضاح بن عبد الله اليشكري- عن مغيرة -بن مقسم- عن أبي وائل -شقيق بن سلمة التابعي الشهير- قال: قال عبد الله -وهو ابن مسعود- قال النبي -ﷺ-: «أنا فرطكم على الحوض» " يعني: متقدمٌ بين أيديكم، أمامكم، فالفرط: هو المتقدم الذي يسبق القوم، ولذا جاء في دعاء الجنازة للطفل: «اللهم اجعله فرطًا وذخرًا» أي: متقدمًا، يعني: أجرًا متقدمًا بين يدي والديه، «أنا فرطكم على الحوض ليرفعن إلي رجال منكم» يعني من هذه الأمة، من أمة الإجابة، «حتى إذا أهويت لأناولهم -يعني لأسقيهم من حوضي- اختلجوا -جذبوا واقتطعوا- دوني، فأقول: أي ربِ أصحابي» لأنه يعرفهم إما بأعيانهم أو بأوصافهم، ولا يمنع أن يكون من هؤلاء من هو مسلم يختلج ويقتطع لما أحدث في الدين ويدخل النار ثم بعد ذلك إذا هذب ونقي بقدر ما اقترفه من جرائم يدخل الجنة، «فأقول: أي رب أصحابي، يقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك» من ردة أو بدعة أو منكرات وجرائم كلها محدثات.
ثم قال: "حدثنا يحيى بن بكير -المخزومي- قال: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن -القاري- عن أبي حازم -سلمة بن دينار- عن سهل بن سعد -الساعدي- يقول: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «أنا فرطكم على الحوض، من ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبدًا» " لم يظمأ بعد أن يشرب من الحوض فإنه لا يظمأ أبدًا، يتجاوز هذه الأهوال من غير مشقة ولا ظمأ «ليرد» في رواية أبي ذر: «ليردن»، «علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم»، قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش وأنا أحدثهم هذا الحديث فقال: هكذا سمعت سهلًا؟ فقلت: نعم" يتأكد، "هكذا سمعت سهلًا؟ " أبو حازم سلمة بن دينار لما حدث بهذا الحديث سُئل للتثبت وللموافقة: "هكذا سمعت سهلًا؟ فقلت: نعم، فقال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيه قال: «إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما بدلوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا» أي: بعدًا بعدًا، أي: أبعدهم الله.
[ ١٣ ]
يقول ابن حجر: "حاصل ما حمل عليه حال المذكورين -يعني هؤلاء الذين يذادون عن الحوض الذين رجعوا القهقرى- حاصل ما حمل عليه حال المذكورين أنهم كانوا ممن ارتد عن الإسلام"، وحينئذٍ فلا إشكال في تبرئ النبي -﵊- منهم، وإن كانوا ممن لم يرتد لكنه أحدث معصية كبيرة من أعمال البدن أو بدعةً من اعتقاد القلب فقد أجاب بعضهم بأنه يحتمل أن يكون أعرض عنهم ولم يشفع لهم اتباعًا لأمر الله فيهم حتى يعاقبهم على جنايتهم، ولا مانع من دخولهم في عموم شفاعته -﵊- لأهل الكبائر من أمته، فيخرجون من النار بعد ذلك، كما يخرج سائر العصاة، فالحديث محتمل، هؤلاء الذين يذادون إن كانوا ممن ارتد فلا إشكال هؤلاء أحدثوا ويستحقون أن يذادوا عن الحوض، ويقال لهم: سحقًا سحقًا، وإن كانوا ممن لم يرتد الردة الكاملة وإنما كان رجوعهم للقهقرى ونكوسهم على أعقابهم إنما هو فيما دون ما يخرج عن الملة بإحداث بدعة يعمل بها من بعدهم، أو باقتراف جريمة فمثل هؤلاء يعاقبون، هم مستحقون للعقاب، ومن العقاب ذودهم من الحوض، وقد يدخلون النار فيعذبون وينقون بقدر ذنوبهم، ثم يخرجون منها كما يخرج سائر العصاة، نعم.