شرح: باب: ظهور الفتن، وبابٌ: لا يأتي زمانٌ إلا الذي بعده شرٌ منه، وباب: قول النبي -ﷺ-: «من حمل علينا السلاح فليس منا».
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
ولذا قال: «ويلٌ للعرب من شرٍ من اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج» سد يأجوج ومأجوج الذي بناه ذو القرنين، مثل هذه وعقد سفيان تسعين، التسعين يأتي إلى السبابة اليمنى ويجعل طرفها في أصلها، طرف السبابة اليمنى في أصلها في أصل السبابة، ويضمها ضمًا محكمًا بحيث انطوت عقدتاها حتى صارت كالحية المطوية هذه تسعين، العرب أمةٌ أمية لا يقرأون ولا يحسبون، إنما يتعاملون بالإشارات، ولهم طريقة في الحساب يبدأون بأصابع اليد اليمنى في العشرات، والمئات باليد اليسرى، بأصابع اليد اليسرى.
"عقد تسعين أو مائة" المائة كالتسعين إلا أنها بالخنصر اليسرى، وعلى هذا فالتسعون والمائة متقاربتان، يطوي طرف أو يجعل طرف الخنصر اليسرى في أصلها، ويطويها طيًا محكمًا حتى تكون شبه الحية، ولذا شك الراوي هل قال: تسعين أو قال: مائة لتقاربهما في الصورة، قال: عقد سفيان أو مائة، قيل للنبي -﵊-: "أنهلك وفينا الصالحون؟ " قال: «نعم، إذا كثر الخبث» إذا كثر الخبث صار له وجود من الفجور، الخبث بجميع أنواعه العملي والفكري، الخبث المتعلق بالشهوات، والخبث المتعلق بالشبهات، إذا كثر هذا ووجد وعجز الناس عن إنكاره ومقاومته هلكوا وفيهم الصالحون، وهذا الذي يخشى منه، هذا المخيف وإلا فالأمة تعيش صحوة ورجعة أفضل من سنين كثيرة مضت، يوجد -ولله الحمد- من العلماء من جمع الله لهم بين العلم والعمل، يوجد من طلاب العلم ممن رجعوا إلى تحصيل العلم على الجواد المعروفة المتبعة عند أهل العلم بعد تخبطٍ طويل، يوجد دعاة، يوجد قضاة، يوجد عباد، يوجد زهاد، الأمة فيها خير، في هذه البلاد ظاهر وفي غيرها أيضًا موجود، "أنهلك وفينا الصالحون؟ " الصالحون كثير، لكن أهل الهلاك مرتبطون بكثرة الخبث، وظهور الخبث لا يحتاج إلى برهان.
[ ٢ / ١ ]
ثم بعد هذا قال: "حدثنا أبو نعيم حدثنا ابن عيينة عن الزهري" أبو نعيم هو الفضل بن دكين كما هو معروف، وابن عيينة: هو سفيان، والزهري: محمد بن مسلم بن شهاب، "عن الزهري، وحدثني محمود" في مثل هذا السياق الأصل أن يقال: "ح" وهي موجودة في بعض الروايات: "ح" التحول، "وحدثني محمود -بن غيلان- قال: أخبرنا عبد الرزاق -بن همام- قال: أخبرنا معمر -بن راشد- عن الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد -﵄- قال: أشرف النبي -﵊-" اطلع من علو -﵊- "على أطم" وهو الحصن "من آطام" من حصون "المدينة"، وفيها حصون كثيرة المدينة "فقال: «هل ترون ما أرى؟» أشرف من علو -﵊- وهو في هذا الأطم، وفي هذا الحصن "فقال: «هل ترون ما أرى؟»، قالوا: لا"، الرسول -﵊- يكشف له، رأى النار وهو يصلي صلاة الكسوف، كشف ولم يروا شيئًا، إنما رأوه تكعكع تأخر، وهنا كشف له عن مواطن الفتن، "فقال: «هل ترون ما أرى؟»، قالوا: لا، قال: «فإني لأرى الفتن» " يراها ببصره -﵊- حيث كشف له عن ذلك، «تقع خلال بيوتكم» يعني بين بيوتكم «كوقع القطر» المراد به: المطر، تنزل على بيوت الناس، وتنزل بينها، وفي خلالها هذه الفتن، كما ينزل المطر، فيعم، وحصلت هذه الفتن بدءً بمقتل الخليفة الراشد عمر، وهو الباب الذي كسر، ثم ما حصل من قتل عثمان -﵁-، ثم ما حصل بعد ذلك من جرائه الخلاف الحاصل بين الصحابة، ثم تتابعت الفتن وتواردت على الأمة، وهي في ازدياد، والله المستعان.
بقي وقت وإلا ما بقي؟ انتهى الوقت؟ هاه؟
. . . . . . . . . أنهم إذا مر عليهم الوقت ولم يفتنوا نظروا في أنفسهم، فكيف يمكن الجمع بين ذلك وبين عدم تمني الابتلاء؟
[ ٢ / ٢ ]
الفتنة لا شك أنها مصيبة، ومن تجاوزها فقد فاز، المصائب لا يتمناها الإنسان، لكن إذا مضى عليه وقت ولم يصب بشيء لا بد أن يفكر في نفسه؛ لأن هذه المصائب وهذه الفتن وهذه المحن هي في الواقع والحقيقة منح من الله -﷿-، يرتب عليها الأجور، ويرتب عليها رفع الدرجات إذا تجاوزها الإنسان، فالإنسان الذي لا يصاب بمرض، يمكث خمس سنوات عشر سنوات لم يصب بمرض، نعم عليه أن يحمد الله -﷿-، ولا يتمنى أن يمرض، لكن يفكر في نفسه، المؤمن كخامة الزرع عرضة لهذه الأمراض، بينما الكافر بالعكس يستوفي كل ما يستحقه في هذه الدنيا، ويوفر له العذاب يوم القيامة، بينما المؤمن ترد عليه هذه الفتن، ترد عليه هذه المصائب، تكفر ذنوبه تمحصه ترفع درجاته، فهي نوع المصائب، فإذا لم يحصل للإنسان شيء طول عمره لا بد أن يفكر، لماذا الناس يصابون؟ الناس يبتلون؟ الناس يحصلون لهم من الأجور، ورفع الدرجات بسبب ..، وأنا لماذا؟ لماذا صرت مشبهًا للكفار الذين لا يصابون؟ فلا شك أن مثل هذا لا بد أن يوجد تساءل، لا بد أن يوجد تساءل.
يا شيخ -عفا الله عنك- يقول: ورد في الأسئلة أو في الأحاديث أن النبي -صلى الله عليه سلم- يرد بعض الصحابة، وبهذه الأحاديث يأخذ منها الرافضة أن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- ارتدوا بعد النبي -ﷺ-، فما توجيهكم؟ هل هم من الصحابة أي من المنافقين؟ أم من الذين يأتون بعد عهد الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-؟
[ ٢ / ٣ ]
الردة بعد وفاته -﵊- حصلت، ولا أحد ينكرها، ورجع إلى الدين كثيرٌ ممن ارتد، وبقي من بقي ومات على ردته، بعضهم قتل وهو مرتد، فمن رآه منهم فهو من أصحابه، وإن كان هذا النوع وجد فيمن لم يخالط الإيمان بشاشة قلبه، وإن دخل في أصل الإيمان، دخل في الإسلام من الأعراب والبوادي الذين لم تخالط بشاشة الإيمان قلوبهم، لكن يبقى كبار الصحابة علماء الصحابة فقهاء الصحابة، ما ارتد منهم أحد أبدًا، لا يمنع أن يوجد من يرتد من الصحابة؛ لعدم مخالطة الإيمان لقلبه مخالطةً تامة، لعدم تمكن الإيمان من قلبه، وجد من الأعراب من يعطى من المال، يعطى من الزكاة وهو لا يستحق غني، لماذا؟ لكي يتقوى إيمانه، والنبي -﵊- يعطي الرجل ويترك من هو أفضل منه خشية أن يكبه الله في النار؛ لأن مثل هؤلاء الأعراب الذين ما تكمن الإيمان من قلوبهم مثل هؤلاء يعني عرضة لأن يرتدوا، وقد ارتد منهم من ارتد، ولا يعني هذا أن من كبار الصحابة من ارتد، من علماء الصحابة من ارتد، من فقهاء الصحابة من ارتد أبدًا لا يوجد منهم أحد، المنافقون في الأصل ما دخل الإيمان في قلوبهم هم في الباطن كفار فلا يحسبون من هؤلاء، من ارتد من دخل في الإسلام ثم وجد فرصة هذا الخلل الذي حصل بوفاته -﵊-، أو حصل له شبهة جعلته يرتد؛ لأنه ما دام رسول من قبل الله -﷿-، ينبغي أن لا يموت جهل فارتدوا بسبب ذلك، وأما الكبار الفقهاء العلماء أجلاء الصحابة ما يعرف منهم أحد، نعم.
عفا الله عنك، السؤال الأخير يقول: من البلايا التي ابتليت بها الأمة الإسلامية في هذه الأيام والتي يواجه بها أهل الغيرة شدةً من الإنكار هي وجود فتاوى من بعض من ينتسب إلى العلم مع أنها خطأ فيقع كثيرٌ من الناس في المنكرات كالإفتاء بجواز القنوات الفضائية والنظر إليها وغيرها من الفتن، مع أنه يوجد في هذه القنوات الفضائية من يتكلم على مثل هذه الأحداث ومثل هذه الفتن فيَضل ويُضل الناس، فما توجيهكم على هذا وفقكم الله؟
[ ٢ / ٤ ]
وجود هذا النوع ممن يفتي بغير علم مما أشار إليه النبي -﵊- بقوله: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الرجال، وإنما يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا قبض العلماء اتخذ الناس رؤوس جهال، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» لا بد من وجود مثل هؤلاء، لا بد من وجود مثل هؤلاء قضاءً، ولا يعني أنهم شرعًا يمكنون؛ لأن النبي -﵊- أخبر عنهم، لا، نعم هم قدرًا –قضاءً- موجودون، مصداقًا لحديثه -﵊-، لكن لا يعني أنهم لا بد أن يوجدوا شرعًا فيتمثل من ولاه الله أمر المسلمين أن يعين من أمثال هؤلاء لتطبيق هذا الخبر ما يمكن؛ لأن ما جاء الخبر عنه مما سيقع في آخر الزمان ليس مطلوب إيجاده ولا تحقيقه، إنما هو موجود كعلامة لقرب الساعة.
وجود مثل هؤلاء لا شك أنه موجود ومنذ أزمان، لكن على طالب العلم الذي يريد الفائدة، وعلى العامي أيضًا أن ينظر من يقتدي به، ينظر من يقلد، ينظر من يعتمد فتواه.
وليس في فتواه مفتٍ متبع ما لم يضف للعلم والدين الورع
[ ٢ / ٥ ]
إذا وجد الورع والتحري والتثبت إلزم، هذا الذي أراد الله به خيرًا، أما شخص يفتي في كل مسألة يقتحم كل غمرة، ولا يتردد في شيء، ولا يتورع عن شيء مثل هذا تصرفاته توجد منه ريبة، ولو كان عنده شيء من العلم ما لم يتصف بهذا الوصف الذي لا بد من تحقيقه لمن يوقع عن الله -﷿- في الفتوى، المفتي في الحقيقة يوقع عن الله -﷿-، فإذا لم يتصف بهذا الوصف الذي هو الورع الذي يجعله يحتاط ويتحرى ولا يفتي فيما لا يعلم، والملاحظ أن كثيرًا ممن يتصدى لهذه الأمور لا يعرف عنه أنه قال: الله أعلم، أو لا أدري، مثل هذا تصاب مقاتله، مثل هذا يقع في الخطأ، بل يكثر منه خطأ، ولا يعان، ولا يسدد، ولا يوفق، النبي -﵊- لما تكلم عن الخيل، وأنها لثلاثة: «لرجلٍ أجر، ولآخر وزر، ولثالث ستر» بعدها فصل، ثم سئل عن الخيل فقال: «ما أنزل علي فيها شيء»، الرسول -﵊- المعصوم، «إلا هذه الآية الجامعة: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [(٧، ٨) سورة الزلزلة]» هذه تربية لمن يتولى إفتاء الناس، فإذا كان الرسول -﵊- يقف، ما أنزل عليه فيه شيء، يعني بالتفصيل ما عنده شيء، لكن دخولها في عموم هذه الآية تدخل، وتجد كثير من أنصاف المتعلمين يتولى يصدر الناس في العضل في المسائل الكبرى، في الأمور الذي يترتب عليها تغيير مسارات مصائر الأمة قد تجد بعض الناس يتصدى بكلامٍ أشبه بالتحليلات الصحفية، يتوقع أن يكون كذا، واجتمع عنده قرائن وكذا ويا الله خذ، فمثل هؤلاء عليهم أن يتقوا الله -﷿-، وأجرأ الناس على الفتيا أجرأهم على النار، ويخشى أن يدخلوا في عداد من يكذب على الله -﷿-، ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [(١١٦) سورة النحل] كذب، بل من أظهر وجوه الكذب على الله -﷿- الفتيا بغير علم، إذ أنك تقول: إن حكم الله في هذه المسألة كذا، وأنت تكذب عليه، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ [(٦٠) سورة الزمر] فعلينا أن نحذر
[ ٢ / ٦ ]
من مثل هؤلاء، ونتقيهم ونقل عنهم أمور تسامحوا فيها وتساهلوا، وقلدهم الناس، ووقعوا فيما وقعوا فيه بسبب أمثال هؤلاء، والله المستعان، ولا يعنى شخص بعينه لكن الكلام عام يعني، وأنا لا أقصد شخص بعينه، لكن يوجد من أمثال هؤلاء، والله المستعان.