الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
«في هذا اليوم، وفي هذه الساعة عن شيء إلا بينت لكم» يعني بما يوحيه الله إليه، وإلا فهو -﵊- لا يعلم من الغيب شيء إلا ما أطلع عليه، "قال أنس: "فجعلت أنظر" يعني إلى الصحابة "يمينًا وشمالًا، وكل رجلٍ رأسه في ثوبه يبكي" لأنهم عرفوا من هذا أن النبي -﵊- غضب، وتسببوا في غضبه -﵊- حينما ألحفوا في المسألة، وألحوا وأحفوه، "فإذا كل رجلٍ رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجلٌ -بدأ رجل وهو عبد الله بن حذافة كان إذا لاح، خاصم أحد، حصل نقاش بينه وبين أحد ونزاع وخصام يدعى إلى غير أبيه، يشكك في نسبته إلى أبيه، يقال: أنت أبوك فلان، وليس حذافة، "فقال: يا نبي الله من أبي؟ فقال: أبوك حذافة" يعني حذافة بن قيس، "ثم أنشأ عمر بن الخطاب -﵁- فقال: "رضينا بالله ربًا" لما رأى الغضب في وجه النبي -﵊- قام عمر، وهو صاحب المواقف، وفي هذا منقبة له -﵁ وأرضاه-، "رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ -ﷺ- نبيًا ورسولًا" بما جاء به من وحي، واكتفينا بذلك عن السؤال، ﴿لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [(١٠١) سورة المائدة] دعوني، «ذروني ما تركتم» لأن بعض الأسئلة يولد إجابات تحمد عقباها فيها. . . . . . . . . فمن سأل عن شيء فحرم بسبب مسألته جاء الوعيد في حقه ، "نعوذ بالله من سوء الفتن" هذا من كلام عمر -﵁-، "فقال النبي -﵊-: «ما رأيتُ في الخير والشر كاليوم قط» " ما رأى في الخير فيما رآه في الجنة، حينما صورت له دون الحائط، وما رأى في الشر قط كاليوم فيما رآه في النار، حينما صورت له دون الحائط.
[ ٥ / ١ ]
"فقال النبي -﵊-: «ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط، إنه صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما» " والقدرة الإلهية لكشف الحجب، وإن كثفت، وإن بعدت صالحة، ﴿إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [(٢٠) سورة البقرة] «حتى رأيتهما دون الحائط» يعني بيني وبين الحائط، وحصل له أن رأى النار، وهو في صلاة الكسوف وتكعكع -﵊- تأخر وتقدم، المقصود أن مثل هذه الأمور مما يجب تصديقها والتسليم بها؛ لأن هذه الأمور لو ترك المجال لعقل ابن آدم الضعيف ما استوعبها، لكن على المسلم أن يرضى ويسلم، فيما صح عن نبيه -﵊-.
قال قتادة يعني في السند السابق معاذ بن فضالة قال: حدثنا هشام عن قتادة: "يذكر هذا الحديث عند هذه الآية"، هذا الحديث يقرن بهذه الآية، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [(١٠١) سورة المائدة] يعني جاء الجواب من أبي؟ قال: أبوك حذافة، فجيد أن جاء الجواب مطابق لما يريده السائل، لكن لو تصور أنه قال: أبوك فلان، غير أبوه الذي ينتسب إليه، كيف يكون وقعه عليه؟ فمثل هذه الأمور التي مشت، ودرج الناس عليها، واستفاض بين الناس أن فلان هو ابن فلان، لا ينبغي التنقيب عنها، ولا التشكيك فيها، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [(١٠١) سورة المائدة] فيذكر الحديث مع هذه الآية كالسبب لنزولها، وكالتفسير لها.
[ ٥ / ٢ ]
"وقال عباس -هو ابن الوليد- النرسي قال: حدثنا يزيد بن زريع" هذا معلق، وصله أبو نعيم في مستخرجه، "قال: حدثنا سعيد قال: حدثنا قتادة أن أنسًا حدثهم أن نبي الله -ﷺ- بهذا" يعني بما ذكر، "وقال: «كل رجلٍ لافًا رأسه في ثوبه يبكي» " يعني يخشى العقوبة، الذي يغضب النبي -﵊- يغضب الله، وإذا غضب الله عاقب، وقد تعجل العقوبة، وإن أجلت فالأمر أشد، يعني أجلت ليوم القيامة، وادخرت لصاحبها فالأمر أعظم، "قال كل رجلٍ منهم: عائذًا بالله من سوء الفتن، أو قال: أعوذ بالله من سوء الفتن" شك الراوي هل قال كل واحد اسم الفاعل عائدًا، وهو يعمل عمل فعله، أو بالفعل أعوذ بالله من سوء الفتن؟ وفي بعض الروايات: "من شر الفتن"، "وقال لي خليفة بن خياط" يقول البخاري: "وقال لي" هذا معلق وإلا موصول؟ يعني لو قال البخاري: وقال خليفة بن خياط يحتمل، والخلاف معروف، لكن وقال لي ابن خياط، هذا موصول بلا شك، لكن هل هو مروي على سبيل التحديث أو على سبيل المذاكرة؟ بعضهم يقول: إنه مذاكرة، لكن لا دليل معه على ذلك، إنما العدول عن حدثنا وقال لي تفنن في العبارة.
[ ٥ / ٣ ]
"وقال لي خليفة بن خياط: حدثنا يزيد بن ذريع حدثنا سعيد أبي عروبة ومعتمر. . . . . . . . . عن أبيه" سليمان بن طرخان التيمي "عن قتادة أن أنسًا حدثهم عن النبي -ﷺ- بهذا، وقال -ﷺ-: «عائذًا بالله من شر الفتن» " لما قالوا كل قال: عائذًا بالله من شر الفتن، قال النبي -﵊-: «عائذًا بالله من شر الفتن» ولما قال عمر -﵁-: "نعوذ بالله من شر الفتن" قال النبي -﵊-: مثل ذلك، وهذا الشاهد: التعوذ من الفتن، وليس المراد بالفتن فتنة الإنسان في ماله وولده، هذه أمرها سهل تكفرها الصلوات، لكن الفتن التي هي تحطب الدين من الشرك فما دونه، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [(٦٣) سورة النور] زيغ في أديانهم، هذا خطر عظيم، فالفتن اليسيرة فتنة الإنسان في ماله، فتنة الإنسان في ولده، فتنة الإنسان ، أمرها يسير تكفرها الصلوات، لكن الكلام في الفتن التي تقدح في الدين، هذه هي التي ينبغي أن يستعيذ منها الإنسان، ويحرص أشد الحرص أن لا يعرض نفسه لها، نعم.
باب قول النبي -ﷺ-: «الفتنة من قبل المشرق»:
حدثني عبد الله بن محمد قال: حدثنا هشام بن يوسف عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي -ﷺ- أنه قام إلى جنب المنبر فقال: «الفتنة هاهنا، الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان» أو قال: «قرن الشمس».
حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا ليث عن نافع عن ابن عمر -﵄- أنه سمع رسول الله -ﷺ- وهو مستقبل المشرق يقول: «ألا إن الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان».
حدثنا علي بن عبد الله قال: حدثنا أزهر بن سعد عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر -﵄- قال: ذكر النبي -ﷺ-: «اللهم بارك لنا في شأمنا، اللهم بارك لنا في يمننا» قالوا: وفي نجدنا؟ قال: «اللهم بارك لنا في شأمنا، اللهم بارك لنا في يمننا» قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا؟ فأظنه قال في الثالثة: «هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان».
[ ٥ / ٤ ]
حدثنا إسحاق الواسطي قال: حدثنا خلف عن بيان عن وبرة بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير قال: خرج علينا عبد الله بن عمر فرجونا أن يحدثنا حديثًا حسنًا، قال: فبادرنا إليه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن حدثنا عن القتال في الفتنة، والله يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [(١٩٣) سورة البقرة] فقال: هل تدري ما الفتنة ثكلتك أمك؟ إنما كان النبي -ﷺ- يقاتل المشركين، وكان الدخول في دينهم فتنة، وليس كقتالكم على الملك.
يقول الإمام -رحمه الله تعالى-: باب قول النبي -ﷺ-: «الفتنة من قبل المشرق» وهذا من أعلام نبوته -﵊-، جميع الفتن على ممر التاريخ مصدرها من المشرق.
يقول الإمام -رحمه الله تعالى-: "حدثني عبد الله بن محمد -وهو المسندي الجعفي- قال: حدثنا هشام بن يوسف الصنعاني عن معمر بن راشد عن الزهري عن سالم عن أبيه" الزهري محمد بن شهاب عن سالم -بن عبد الله بن عمر- عن أبيه، وهذا مما قيل فيه: إنه أصح الأسانيد، هذا قول الإمام أحمد -﵀-، يقول: إن هذا هو أصح الأسانيد.
وجزم ابن حنبل بالزهري عن سالم أي عن أبيه البرِ
[ ٥ / ٥ ]
"عن النبي -ﷺ- أنه قام إلى جنب المنبر فقال: «الفتنة هاهنا، الفتنة هاهنا» " وأومأ بيده إلى المشرق «من حيث يطلع قرن الشيطان» أو قال: «قرن الشمس» في رواية: «قرنا الشيطان» بالتثنية، فقيل: إن له قرنين حقيقةً، وقيل: ناحيتا رأسه "أو قال: «قرن الشمس» " حاجبها، حينما يطلع حاجبها قرنها، حينما يطلع جانبها الأول، فالشيطان مقارنٌ للشمس في مطلعها وفي مغربها، فالشمس تطلع بين قرني شيطان، وتغرب بين قرني شيطان، لماذا؟ ليكون سجود عبدة الشمس له؛ لأن هناك من يعبدها، ولذا جاء النهي عن الصلاة وقت طلوع الشمس، ووقت غروبها، في حديث عقبة بن عامر يقول: "ثلاث ساعات كان رسول الله -ﷺ- ينهانا أن نصلي، وأن نقبر فيهن موتانا، حينما تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب" هذه الأوقات الثلاثة المضيقة النهي فيها شديد، فعلى المسلم أن لا يصلي في هذه الأوقات الثلاثة، ولا ذوات الأسباب، بقي من أوقات النهي الوقتان الموسعان: بعد طلوع الصبح إلى ، ومن صلاة العصر إلى قبيل الغروب، المضيق من طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح، وحين يقوم قائم الظهيرة، حينما تكون الشمس في كبد السماء، وحين تميل الشمس إلى الغروب، تتضيف للغروب حتى تغرب، والأوقات المنهي عنها عن الصلاة من طلوع الشمس ومن طلوعها حتى ترتفع، ولاختلاف النهي شدةً وخفة جعل أهل العلم هذين الوقتين وإلا بإمكان القائل أن يقول: لماذا لا نقول: وقت واحد من طلوع الصبح إلى أن ترتفع في وقت واحد؟ لماذا هذا؟ لأن النهي أشد، فهما وقتان، وقت وسع، والنهي فيه خفيف، ووقت مضيق، والنهي فيه شديد، ولذا يرى جمعٌ من أهل العلم كابن عبد البر مثلًا وابن رجب أن النهي عن الصلاة في الوقتين الموسعين لا لذات الوقتين، وإنما هو من باب الاحتياط إلى الوقتين المضيقين؛ لئلا يسترسل الإنسان، يصلي بعد طلوع الصبح حتى تطلع الشمس، فيقع في الحرج في الوقت المضيق، ولئلا يسترسل في الصلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، فيقع في الوقت المضيق، لكن نهي عن الصلاة بعد الصبح، ونهي عن الصلاة بعد العصر من باب الاحتياط لهذين الوقتين
[ ٥ / ٦ ]
المضيقين؛ لأن الشمس تطلع بين قرني شيطان، وتغرب بين قرني شيطان، نهي عن الصلاة قبل ذلك احتياطًا، المسألة يعني بسطت في كتابات كثيرة، فنقتصر منها على هذا.
يقول الإمام -رحمه الله تعالى-: "حدثنا قتيبة بن سعيد البلخي قال: حدثنا ليث عن نافع عن ابن عمر" الليث هو الإمام ابن سعد عن نافع مولى ابن عمر "عن عبد الله -﵄- أنه سمع رسول الله -ﷺ- وهو مستقبل" حال كونه مستقبل "المشرق" جهة المشرق؛ لأن أهله في ذلك الوقت أهل كفر، "يقول: «ألا إن الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان» " وهذا في معنى ما سبقه.
[ ٥ / ٧ ]
ثم قال: "حدثنا علي بن عبد الله" يعني ابن المديني "حدثنا أزهر بن سعد –السمان- عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر قال: ذكر النبي -ﷺ-: «اللهم بارك لنا في شأمنا، اللهم بارك لنا في يمننا» قالوا: وفي نجدنا؟» " ما أجاب النبي -﵊- "قال: «اللهم بارك لنا في شأمنا، اللهم بارك لنا في يمننا» قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا؟ فأظنه قال في الثالثة: «هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان» " يقول الخطابي: "نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده باديةَ العراق ونواحيها، وهي مشرق أهل المدينة، وأصل نجد: ما ارتفع من الأرض" يقول الخطابي: "نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده باديةَ العراق ونواحيها، وهي مشرق أهل المدينة، وأصل نجد: ما ارتفع من الأرض" مثل هذا الحديث يستغله يريد في هذه البلاد، وفي أهلها، وفي الدعوة المباركة، دعوة التجديد التي قامت على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بمناصرة الإمام محمد بن سعود، ولذا تجد كثير من المناوئين لهذه الدعوة يرددون مثل هذا الحديث، وأن المقصود به نجد، وأهل نجد الموجودة هذه، التي هي بهذا الاسم، أولًا: النجد كل ما ارتفع من الأرض نجد، هذا الأصل في التسمية، كل من ارتفع من الأرض يسمى نجد، ونجد التي أشار إليها النبي -﵊- في كلام الشراح قاطبة قالوا: "باديةَ العراق ونواحيها" وتجد بعض المناوئين يسمي أهل هذه البلاد بالقرنيين، نسبة إلى قرن الشيطان، ولا شك أن هذا تلبيس، يعني الاشتراك في الاسم هل يعني هذا اشتراك في الحقيقة؟ لا يلزم، لا يلزم من الاشتراك في الاسم الاشتراك في الحقيقة والحد، فالمناوئون لهذه الدعوة المباركة، ولأهل هذه البلاد، هذه الدعوة التي قامت على تجريد التوحيد وتصفيته وتنقيته من شوائب الشرك والبدع، لا بد أن يشرق بها ناس عاشوا وارتزقوا على هذه البدع، فقالوا ما قالوا والله الموعد، لكن الاشتراك في الاسم لا يعني الاشتراك في الحقيقة، الخطابي هل هو من أهل هذه البلاد حينما يقول هذا الكلام؟ من بُست في أقصى المشرق، الخطابي، نعم.
طالب:. . . . . . . . .
[ ٥ / ٨ ]
يعني كون النبي -﵊- يخبر عن شيء، يعني هل أهل العراق يمكن ينفون مثل هذا الكلام؟ هذا هو الواقع، الخطابي من أقصى المشرق من بست، ويقول: "نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده باديةَ العراق" فنجد المذكورة في هذا الحديث، وما جاء في معناه ليس المراد بها المسماة بهذا الاسم، وإن اشتهرت بهذا الاسم، وعرفت به، لكن الأصل في النجد أنه كل ما ارتفع نجد.
في الدعوة التي دعاها النبي -﵊- بالبركة لأهل الشام ولأهل اليمن، لا شك أن الشام بلادٌ مباركة، وفي مطلع سورة الإسراء ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [(١) سورة الإسراء] كل ما حول المسجد الأقصى مبارك، وجاءت النصوص الكثيرة في اليمن، ومدح أهل اليمن، و«الإيمان يمانٍ، والحكمة يمانية» فمثل هؤلاء يستحقون الدعاء، وليس معنى هذا أنه إذا لم يدعُ لأحد أنها بلاد شر، لا يعني أنها بلاد شر، نعم تكون لهذه البلاد التي دعي لها مزية بالبركة، مكة والمدينة، مكة حرمها الله، والمدينة حرمها النبي -﵊-، وهما أفضل البقاع، والمدينة فيها لأواء، وفيها شدة، ولا يصبر على لأوائها إلا من يسكنها ومن يصبر على لأوائها يستحق الشفاعة، على كل حال كونها في شدة وفيها لأواء، ومكة. . . . . . . . . أقدس البقاع في وادٍ غير ذي زرع، هل ينقص من قدرها أنها ليست بذات زرع؟ والزرع كله في الشمال والجنوب وغيره، بل هذه الدنيا الجمال اللي يسمونه جمال الطبيعة، الكفار بها أحق، لماذا؟ لأن هذه الدنيا هي جنة الكافر، والمسلم سجنه الدنيا، يدخر له نصيبه كامل، ولذا تجدون مثل هذه الأمور من جمال الطبيعة، وجمال الجو، وطيب الهواء تجدون أكثر من يتمتع به، ويرتع فيه غير المسلمين، ولا يضير المسلمين هذا أبدًا لا يضيرهم؛ لأن أجورهم تدخر لهم يوم القيامة، يدخر لهم ذلك في جنةٍ عرضها السماوات والأرض، فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلبِ بشر.
[ ٥ / ٩ ]
يعني كون بعض الناس إذا سافر يمين وشمال إلى بلاد الكفر، يأتي معجب ومفتون، يعني هل هذا مبرر أن الله -﷾- لا يريد الخير للمسلمين؟ لا، الدنيا. . . . . . . . . -﷾- يحب ومن لا يحب، لكن الدين لا يعطيه إلا من أحب، فقوله: «اللهم بارك لنا في شأمنا، اللهم بارك لنا في يمننا» لا شك أن هذه البركة، وهذه الدعوة ظهر أثرها فيما بعد في تلك الجهات، "قالوا: وفي نجدنا؟ " وعرفنا المراد بنجد في قول الخطابي وغيره، قال: «اللهم بارك لنا في شأمنا، اللهم بارك لنا في يمننا» قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا؟ فأظنه قال في الثالثة: «هنالك -أو هناك- الزلازل والفتن» يعني غالبًا، وإلا قد توجد الزلازل في غيرها، ومن ناحيتها يخرج يأجوج ومأجوج من جهة المشرق، والدجال، وغير ذلك من العلامات الكبار للساعة، «وبها يطلع قرن الشيطان» لا شك أن الشمس تطلع من المشرق، وقرن الشيطان، أو قرنا الشيطان مصاحبان لطلوع الشمس.
[ ٥ / ١٠ ]
ثم قال -﵀-: "حدثنا إسحاق الواسطي" في رواية إيش؟ ابن عساكر: "حدثنا إسحاق بن شاهين الواسطي قال: حدثنا خلف" هذه رواية، وفي كثيرٍ من الروايات: خالد، ولعله هو الصواب، والمراد به خالد بن عبد الله الطحان، "عن بيان -بن بشر- عن وبرة بن عبد الرحمن -الحارثي- عن سعيد بن جبير قال: خرج علينا عبد الله بن عمر فرجونا أن يحدثنا حديثًا حسنًا" يعني فيه ما يدخل السرور من بشارة، تسرنا، حسنة، "قال: فبادرنا إليه رجل" جاءت تسميته بأنه حكيم، "فقال: يا أبا عبد الرحمن -هذه كنية ابن عمر- حدثنا عن القتال في الفتنة، والله يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [(١٩٣) سورة البقرة] " هذا الرجل ساق هذه الآية ليحتج بها على مشروعية القتال في الفتنة، ردًا على من ترك ذلك، واعتزل في الفتن كابن عمر وسعد بن أبي وقاص، وجمع من الصحابة اعتزل، فأراد أن يحتج هذا الرجل على ابن عمر لماذا تعتزل، والله -﷾- يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [(١٩٣) سورة البقرة]؟ فقال ابن عمر: هل تدري ما الفتنة ثكلتك أمك؟ ثكلتك أمك: يعني عدمتك أمك، وهذه كلمة يدعى بها على الشخص، ولا يقصد بها الدعاء، وإلا قد جاء من قوله -﵊-: «ثكلتك أمك يا معاذ» الدعاء على معاذ، "ثكلتك أمك، إنما كان محمد -ﷺ- يقاتل المشركين" وهنا القتال الدائر في الفتنة بين مسلمين، "إنما كان محمد -ﷺ- يقاتل المشركين، وكان الدخول في دينهم فتنة" يفتنون ويعذبون ليرتدوا عن دينهم هذه هي الفتنة، الفتنة الشرك، ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [(١٩١) سورة البقرة] الفتنة التي هي الردة أشد من القتل، يقول: "وكان الدخول في دينهم فتنة" نتيجة التعذيب يرتدوا عن دينهم، هذه هي الفتنة، وحينئذٍ: قاتلوا المشركين حتى لا تكون فتنة بحيث يعذبون المسلمين فيردوهم إلى دينهم، يقول ابن عمر: "وليس كقتالكم على الملك" يعني ابن عمر ترجح عنده أن يعتزل؛ لأنه قتال بين مسلمين، وعلى ملك، على الدنيا، هذا فيما ظهر لابن عمر، وظهر لسعد بن أبي وقاص، وفي العزلة مندوحة، لكن إذا ظهر رجحان الكفة، وترجح الحق مع
[ ٥ / ١١ ]
طائفة، وإن كانت الطائفة الأخرى. . . . . . . . .، لكن نصيبها من الحق أقل، ماذا يسمون في عرف الشرع؟ الطائفة المرجوحة، «عمار تقتله الفئة الباغية» إذا ترجح عندك بحيث لا يحصل عندك أدنى شك أن الحق مع فلان، هل يسوغ للناس كلهم أن يعتزلوا، ويترك الناس يتطاحنون ويتقاتلون؟ لا، ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [(٩) سورة الحجرات] لا بد من السعي إلى الصلح، لا بد أن يكون السعي إلى الصلح أولًا، إن لم يفد الصلح، وما رضي أحد من الأطراف في التنازل ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [(٩) سورة الحجرات] لا بد من قتال البغاة، ولو ترك البغاة وشأنهم، وقيل: هذه فتنة نعتزل، نعم إذا اشتبه عليك الأمر فالسلامة لا يعدلها شيء، إذا ترجح عندك بالأدلة الشرعية أن الحق مع هذه الفئة، وأن الفئة الثانية باغية، عليك نصر الفئة الأقرب إلى الحق، يعني نفترض المسألة في علي ومعاوية -رضي الله عن الجميع- أيهما أقرب إلى الحق عند أهل السنة والجماعة؟ علي -﵁-، والأدلة التي تدل على ذلك كثيرة جدًا، والخوارج يقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق، أو أولى الطائفتين بالحق، و«عمار تقتله الفئة الباغية» إذًا الرجحان رجحان الكفة مع علي، لا بد من نصر من رجحت كفته، وإلا لو ترك الأمر بين الناس يقتتلون، وكل واحد قال: أنا أعتزل الفتنة، تزداد الفتن، ولا ينقطع دابر الشر، من لم يتبين له الأمر، ولم يترجح لديه هذا ولا هذا، فسعد بن أبي وقاص اعتزل، عبد الله بن عمر اعتزل، يعني خيار الصحابة، مع أن الأمة مأمورة بأن تقف مع صاحب الحق بالآية، ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [(٩) سورة الحجرات] نعم القتل والقتال ليس بهدف شرعي، لا بد من الصلح، لا بد من المساعي السلمية، لوقف هذا القتل والاقتتال، لكن إذا لم تنجح المسائل السلمية ﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ﴾ [(٩) سورة الحجرات] حتى ترجع إلى أمر الله، ولذا يقول: "ما الفتنة ثكلتك أمك؟ إنما كان محمدٌ -ﷺ- يقاتل المشركين، وكان الدخول في
[ ٥ / ١٢ ]
دينهم فتنة" يعني هذه الآية نزلت فيمن تعرض لأن يفتن في دينه فيكفر، هذه فتنة، ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [(١٩١) سورة البقرة] كون الإنسان يعرض نفسه لمثل هذا خوفًا على دينه أن يفتن، وأن يقتل، الفتنة أشد من القتل، لكن في ديننا سعة، ولله الحمد.
إذا أكره الإنسان على الكفر وإلا يقتل؟ جاء في حقه ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [(١٠٦) سورة النحل] يجيب إلى ما يطلبون، وقلبه مطمئنٌ بالإيمان، فالإكراه وما ينطق به مما لو كان في حال السعة يكفر به، هو في مثل هذه الحالة في حال الإكراه هو معذور، يقول: "وليس كقتالكم على الملك" هذا رأي ابن عمر أنه رأى أن هذا القتال بين علي ومعاوية، وأنصار علي وأنصار معاوية إنما هو من أجل الملك، ومن أجل الدنيا، ومعروف أن ابن عمر وعزوفه عن الدنيا، وسعد بن أبي وقاص لما جاءه ولده، وهو في قصرٍ له بالعقيق، قال له: الناس يقتسمون الدنيا، وأنت جالس هنا؟! بما أجاب؟ أجاب بالحديث: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» السلامة لا يعدلها شيء، لكن مثل ما قلنا: إنه إذا ترجحت كفة أحد الطرفين فقاتلوا التي تبغي، الفئة الباغية لا بد من ..، الصلح هذا أول ما يبدأ به الصلح ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [(٩) سورة الحجرات] إن لم تنجع المساعي السلمية والصلح، حينئذٍ ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [(٩) سورة الحجرات] كم باقي من الوقت؟ انتهى، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.