شرح: باب خروج النار، وحديث: «يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئًا» وحديث: «تصدقوا فسيأتي على الناس زمان يمشي الرجل بصدقته فلا يجد من يقبلها» وحديث: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان يكون بينهما مقتلة عظيمة دعوتهما واحدة ..»
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
الآن أحاديث القحطاني التي جاءت فيه تدل على أنه ممدوح وإلا مذموم؟ «لا تقوم الساعة حتى يخرج رجلٌ من قحطان يسوق الناس بعصاه» إما أن يسوقهم إلى الحق أو يسوقهم عنه؟ الاحتمال قائم، ووجه إدخال المصنف لهذا الحديث في هذا الباب أن تولي غير قريش من تغيير الزمان، «الأئمة من قريش» جاء من طرق كثيرة جدًا قد تبلغ حد التواتر حديث: «الأئمة من قريش»، ولابن حجر جزء أسماه: (لذة العيش في طرق حديث الأئمة من قريش) فهذا وجه التغيير، وهذا وجه إدخال الحديث في الباب، ثم بعد هذا: "باب خروج النار من أرض الحجاز".
"وقال أنس: قال النبي -ﷺ-: «أول أشراط الساعة -يعني علامات قيامها- نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب»، وهذا سبق موصولًا، «أول أشراط الساعة نارٌ تحشر الناس من المشرق إلى المغرب» هذه النار التي هي في حديث أنس هل هي النار التي خرجت من المدينة؟ الواردة في حديث أبي هريرة؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم؟ غيرها؛ لأن هذه التي في حديث أنس ما وقعت إلى الآن، وفي حديث أبي هريرة يقول الإمام -﵀-: "حدثنا أبو اليمان" وهو الحكم بن نافع، قال: "حدثنا شعيب" ابن أبي حمزة "عن الزهري، قال سعيد بن المسيب: أخبرني أبو هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج -يعني تنفجر- نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببُصرى» وبُصرى بالشام، قريبةٌ جدًا من حوران، بينها وبين دمشق ثلاث مراحل، بُصرى بلد ابن كثير وغيره من أهل العلم، «لا تقوم الساعة حتى تخرج نارٌ من أرض الحجاز -وهي ثارت من المدينة- تضيء أعناق الإبل ببُصرى» هذه حصلت سنة (٦٥٤هـ) أربعة وخمسين وستمائة، يعني قبل سقوط بغداد بسنتين.
[ ٧ / ١ ]
الحافظ ابن كثير -﵀- أطال، أطال جدًا في هذه النار وغيره من المؤرخين؛ لأنها فيها شيء من ، يعني وقعت على طبق ما أخبر به النبي -﵊- بعد وفاته بستة قرون ونصف تقريبًا، ستمائة وأربعة وخمسين.
طالب:. . . . . . . . .
من النار؟
طالب:. . . . . . . . .
لا، الحرة موجودة في عهد النبي -﵊-، الحرة موجودة، الحرتان موجودتان في عهده -﵊-، والحرة معروفة أنها الأرض تكسوها الحجارة السود، فهذا من أصلها.
يقول الحفاظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- في تأريخه كلام طويل للحافظ ابن كثير نقلًا عن أبي شامة وغيره بتاريخه عن هذه النار
طالب:. . . . . . . . .
ثم دخلت، نعم.
طالب: قال -﵀-: "ثم دخلت سنة أربع وخمسين وستمائة فيها كان ظهور النار من أرض الحجاز التي أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى كما نطق بذلك الحديث المتفق عليه، وقد بسط القول في ذلك الشيخ الإمام العلامة الحافظ شهاب الدين أبو شامة المقدسي في كتابه: (الذيل وشرحه) واستحضره من كتب كثيرة وردت متواترة إلى دمشق من الحجاز بصفة أمر هذه النار التي شوهدت معاينة، وكيفية خروجها وأمرها، وهذا محرر في كتاب: (دلائل النبوة) من السيرة النبوية، في أوائل هذا الكتاب، ولله الحمد والمنة.
وملخص ما أورده أبو شامة أنه قال: "وجاء إلى دمشق كتب من المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام بخروج نار عندهم في خامس جمادى الآخرة من هذه السنة، وكتبت الكتب في خامس رجب والنار بحالها، ووصلت الكتب إلينا في عاشر شعبان ثم قال .. "
في شهر كامل من خامس جماد الآخرة إلى خامس رجب والنار بحالها، والله المستعان.
[ ٧ / ٢ ]
"ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم، ورد إلى مدينة دمشق في أوائل شعبان من سنة أربع وخمسين وستمائة كتب من مدينة رسول الله -ﷺ-، فيها شرح أمرٍ عظيم حدث بها، فيه تصديق لما في الصحيحين من حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى» فأخبرني من أثق به ممن شاهدها أنه بلغه أنه كُتب بتيماء على ضوئها الكتب"
كم بين تيماء والمدينة؟ كم من تيماء إلى المدينة؟
طالب: ٤٥٠ كيلو تقريبًا.
إيه، لا بس. . . . . . . . .، كُتبت الكتب على ضوء هذه النار التي خرجت من تيماء، وأبلغ من ذلك ما جاء في الحديث: «تضيء لها أعناق الإبل ببصرى» أبعد، أكثر من الضعف.
قال: وكنا في بيوتنا تلك الليالي، وكأن في دار كل واحد منا سراج، ولم يكن لها حر ولفح على عظمها، إنما كانت آية من آيات الله -﷿-"، قال أبو شامة: وهذه صورة ما وقفت عليه من الكتب الواردة فيها:
لما كانت ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة ظهر بالمدينة النبوية دوي عظيم ثم زلزلة عظيمة رجفت منها الأرض والحيطان والسقوف والأخشاب والأبواب ساعة بعد ساعة إلى يوم الجمعة الخامس من الشهر المذكور، ثم ظهرت نار عظيمة في الحرة قريبة من قريظة نبصرها من دورنا من داخل المدينة كأنها عندنا، وهي نار عظيمة إشعالها أكثر من ثلاث منارات.
يعني في الطول، لو جعلت ثلاث منارات واحدة فوق الأخرى لكانت أعلى منها، لها أضواء تصاعدت إلى السماء أكثر من ذلك.
[ ٧ / ٣ ]
وقد سالت أودية بالنار إلى وادي شظا مسيل الماء، وقد مدت مسيل شظا وما عاد يسيل، والله لقد طلعنا جماعة نبصرها فإذا الجبال تسيل نيرانًا، وقد سدت الحرة طريق الحاج العراقي، فسارت إلى أن وصلت إلى الحرة فوقفت بعد ما أشفقنا أن تجيء إلينا، ورجعت تسيل في الشرق، فخرج من وسطها سهود وجبال نيران تأكل الحجارة، فيها أنموذج عما أخبر الله تعالى في كتابه: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [(٣٢ - ٣٣) سورة المرسلات]، وقد أكلت الأرض، وقد كتبت هذا الكتاب يوم خامس رجب سنة أربع وخمسين وستمائة والنار في زيادة ما تغيرت، وقد عادت إلى الحرار في قريظة طريق عير الحاج العراقي إلى الحرة كلها نيران تشتعل نبصرها في الليل من المدينة كأنها مشاعل الحاج، وأما أم النار الكبيرة فهي جبال نيران حمر، والأم الكبيرة التي سالت النيران منها من عند قريظة، وقد زادت وما عاد الناس يدرون أي شيء يتم بعد ذلك، والله يجعل العاقبة إلى خير، فما أقدر أصف هذه النار.
الله أكبر، لا إله إلا الله ما أعظمه! وما أهون الخلق عليه إذا هم عصوه، هذه نار قد لا يكون لها سبب إلا غضب الجبار -جل وعلا-، فالله -﷾- يغار إذا انتهكت محارمه، هذه نار تضيء تكتب عليها الكتب، علامة، علمٌ من أعلام نبوة محمد -﵊-، فنخشى أن يعمنا بعقابٍ من نار أو بركان أو زلزال أو يسلط بعضنا على بعض لوجود هذه المنكرات التي عمت وصار إنكارها مما يصعب تصوره على كثيرٍ من الناس، والأمر يسير، لو تعاون الناس وتكاتفوا على الإنكار وتواطئوا عليه، وتحملوا ما يصيبهم من سببه وجرائه، فعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، هذه نار أكثر من ألوف الكليوات تضيء أعناق الإبل هناك، أمره إذا أراد شيء أن يقول له: كن فيكون، أمرٌ يسير، يعني هزة خفيفة في الجزائر راح ضحيتها ألوف، ألوف مؤلفة، هزة يسيرة، وبعض المناطق مهدد، والله المستعان، قال أبو شامة، نعم.
[ ٧ / ٤ ]
قال أبو شامة: وفي كتاب آخر فظهر في أول جمعة من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة، ووقع في شرقي المدينة المشرفة نار عظيمة بينها وبين المدينة نصف يوم انفجرت من الأرض وسال منها وادٍ من نار حتى حاذى جبل أحد، ثم وقفت وعادت إلى الساعة، ولا ندري ماذا نفعل؟ ووقت ما ظهرت دخل أهل المدينة إلى نبيهم -﵊- مستغفرين تائبين إلى ربهم تعالى، وهذه دلائل القيامة.
المطلوب في مثل هذه الظروف والأحوال الفزع إلى الله -﷿-، فهو الكاشف لمثل هذه الأمور، ولا كاشف سواه، لا محمد -﵊- أشرف الخلق ولا غيره، إنما يكشف هذه الأمور الله -﷿- ولا غيره.
قال: وفي كتاب آخر لما كان يوم الاثنين مستهل جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة وقع بالمدينة صوت يشبه صوت الرعد البعيد تارة وتارة، أقام على هذه الحالة يومين، فلما كانت ليلة الأربعاء ثالث الشهر المذكور تعقب الصوت الذي كنا نسمعه زلازل، فلما كان يوم الجمعة خامس الشهر المذكور انبجست الحرة بنار عظيمة، يكون قدرها مثل مسجد رسول الله -ﷺ-، وهي برأي العين من المدينة نشاهدها وهي ترمي بشرر كالقصر، كما قال الله تعالى.
قطع، لهب، الله أكبر، لا إله إلا الله.
وهي بموضع يقال له: أجيلين، وقد سال من هذه النار وادٍ يكون مقداره أربع فراسخ، وعرضه أربعة أميال وعمقه قامة ونصف، وهي تجري على وجه الأرض، ويخرج منها أمهاد وجبال صغار، وتسير على وجه الأرض، وهو صخر يذوب حتى يبقى مثل الآنك، فإذا جمد صار أسود، وقبل الجمود لونه أحمر، وقد حصل بسبب هذه النار إقلاع عن المعاصي، والتقرب إلى الله تعالى بالطاعات، وخرج أمير المدينة عن مظالم كثيرة إلى أهلها.
[ ٧ / ٥ ]
هذه فوائد مثل هذه الأمور، هذه النذر التي يخوف الله بها عباده، لو عقلها الناس، لكن النذر لا تغني عن قومٍ لا يؤمنون، حتى أن أهل النار لو ردوا لعادوا، ومسخ القلوب لا حيلة معه، لا حيلة مع مسخ القلوب، تحصل الكوارث والزلازل والبراكين والفيضانات والحروب، ويعود الناس أسوأ مما كانوا -نسأل الله العافية-، ﴿وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ [(١٠١) سورة يونس]، وجاء في بعض الآثار أن الرجلين يمضيان لمعصية في آخر الزمان فيمسخ أحدهما خنزير، فماذا يصنع الثاني؟ هل يقول: الحمد لله على السلامة ويرجع؟ لا، يستمر إلى معصيته، ومسخ القلوب أعظم من مسخ الأبدان؛ لأن مسخ الأبدان عقوبة دنيا، ومسخ القلوب عقوبته آجلة في الآخرة، هؤلاء استفادوا، أقلعوا عن المعاصي، تقربوا إلى الله تعالى بالطاعات، والأمير أيضًا خرج عن المظالم. نأخذ شيء من القصيدة التي بعد ورقة.
قال -﵀-: وقد قال فيها بعضهم أبياتًا:
يا كاشف الضر صفحًا عن جرائمنا لقد أحاطت بنا يا رب بأساء
نشكو إليك خطوبًا لا نطيق لها حملًا ونحن بها حقًا أحقاء
زلازل تخشع الصم الصلاب لها وكيف يقوى على الزلزال شماء؟!
أقام سبعًا يرج في الأرض فانصدعت عن منظرٍ منه عين الشمس عشواء
بحرٌ من النار تجري فوقه سفنٌ من الهضاب لها في الأرض أرساءُ
كأنما فوقه الأجبال طافيةٌ موج عليه لفرط اليهج وعثاء
ترمي لها شررًا كالقصر طائشة كأنها ديمة تنصب هطلاء
تنشق منها قلوب الصخر إن زفرت رعبًا وترعد مثل السعف أضواء
منها تكاثف في الجو الدخان إلى أن عادت الشمس منه وهي دهماء
قد أثرت سفعة في البدر لفحتها فليلة التم بعد النور ليلاء
تحدث النيرات السبع ألسنها بما يلاقي بها تحت الثرى الماء
وقد أحاط لظاها بالبروج إلى أن كاد يلحقها بالأرض إهواء
فيا لها آية من معجزات رسول الله يعقلها القوم الألباء
فباسمك الأعظم المكنون إن عظمت منا الذنوب وساء القلب أسواء
فاسمح وهب وتفضل وامح واعف وجد واصفح فكل لفرط الجهل خطاء
فقوم يونس لما آمنوا كشف العذاب عنهم وعم القوم نعماء
ونحن أمة هذا المصطفى ولنا منه إلى عفوك المرجو دعاء
[ ٧ / ٦ ]