وبه (عَنْ حَمَّاد عَنْ إبراهيم، عَنْ عَلقمَة، عن عبد الله بن مسعود في المرأة المعهودة) من نساء زمانه (توفي عنها زوجها ولم يفرض) أي: والحال أن زوجها لم يقدر (لها صداقها) بفتح الصاد وتكسر أي مهرًا (ولم يكن دخل بها) أي يطأها ولم يحصل له خلوة صحيحة معها، واختلف الصحابة في حقها فقال ابن مسعود: (لها صُدَقة نسائها) بضم الصاد، وفتح الدال وكغرفة وصدقة بضمتين وفتحتين أي مهر أمثالها من نساء قومها (ولها الميراث) كاملًا (وعليها العدة) أي عدة الوفاة (فقال مَعقِلْ): بفتح الميم وكسر القاف (بن سنان) بكسر السين ممنوعًا (الأشجعي) منسوب إلى قبيلة من بني أشجع، شهد فتح مكة ونزل الكوفة وحديثه
[ ٢٦ ]
فيهم وقتل يوم الحرة صبرًا، روى عنه علقمة، والحسن، والشعبي، وغيرهم (أشهد أن رسول الله ﷺ قضى) أي حكم (في بروع) بكسر الموحدة عند المحدثين وبفتحها عند الفقهاء، وسكون الراء، وفتح واو وعين مهملة (بنت واشق) بكسر الشين المعجمة مثل ما قضيت الخطاب لابن مسعود.
وفي تفسير المعالم عند قوله تعالى: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيكُمْ إنْ طَلّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمسُّوهُنَّ أوْ تَفْرضُوا لَهُنَّ فَرِيضةً﴾ (١) ومن حكم الآية أن من تزوج امرأة بالغة برضاها على غير مهر يصح النكاح، وللمرأة مطالبة بأن يفرض لها صداقًا، فإن دخل بها قبل الفرض فلها عليه مهر مثلها، وإن طلقها قبل الفرض والدخول فلها المتعة، وإن مات أحدهما قبل الدخول والفرض، فاختلف أهل العلم في أنها هل تستحق المهر أم لا.
فذهب جماعة إلى أن لا مهر لها، وهوقول عليٍّ وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس ﵃، كما لو طلقها قبل الفرض والدخول.
وذهب قوم إلى أن لها المهر، لأن الموت كالدخول في تقرير المسمى، كذلك في إيجاب مهر المثل إذا لم يكن في العقد مسمى. وهو قول الثوري وأصحاب الرأي واحتجوا بما روى علقمة، عن ابن مسعود أنه سئل عن رجل تزوج امرأة، ولم يفرض لها صداقًا ولم يدخل بها حتى مات فقال ابن مسعود: لها صداق نسائها لا وكْسَ ولاَ شطط، أي لا نقص ولا زيادة، وعليها العدة، ولها الميراث، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال قضى رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق امرأة منا مثل ما قضيت، ففرح ابن مسعود غاية الفرح.
قال الشافعي: فإن ثبت حديث بروع بنت واشق فلا حجة في قول أحد دون
_________________
(١) البقرة ٢٣٦.
[ ٢٧ ]
النبي ﷺ، وإن لم يثبت فلا مهر لها، ولها الميراث.
وكان علي ﵁ يقول في حديث بروع: لا يقبل قول أعرابي من أشجعي على كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ انتهى.
قال شيخنا رئيس المفسرين في زمانه البُسحي عطية السلمي المكي الشافعي رحمة الله تعالى عليه: فقد ثبت حديثها، أخرجه أبو داود، والترمذي وصححه، وابن أبي شيبة وعبد الرزاق، ولم يتفرد به معقل بن سنان، بل قال هو وجماعة من أشجع لابن مسعود: نشهد أنك قضيت بما قضى به رسول الله ﷺ، كما رواه هؤلاء الأئمة وأحد قولي الشافعي قاله قياسًا، ولو ثبت عنده الحديث لما خالف فيه وهو المرجح عند النووي والقول الثاني رجحه الشافعي.
وبه (عَنْ حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود. أن رسول الله ﷺ صلى صلاة إما الظهر، وإما العصر) شك من عند الرواة (فزاد في ركعة أو نقص، فلما فرغ وسلم فقيل له: أحدث) أي تجدد حكم (في الصلاة) أي في عدد ركعاتها (أم نسيت) في زيادتها ونقصانها؟ (قال: "أُنسَى كَمَا تُنسُون") بصيغة المجهول مخففين، وفي نسخة على بناء الفاعل فيهما ويجوز تشديد سينهما لكن يؤيد الأول (قوله فإذا أنسيت) بصيغة المفعول من الإنساء من باب الأفعال (فذكروني)، ولفظ الشيخ إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، (ثم حول وجهه إلى القبلة)، وهذا كان قبل تحريم الكلام في الصلاة وإفساده به، وكذا الكلام في تحويل وجهه إن كان مع تغير صدره.
واعلم أنه إذا تكلم في الصلاة أو سلم ناسيًا أو جاهلًا بالتحريم، أو سبق لسانه
[ ٢٨ ]
ولم يطل زمانه لم يبطله صلاته عند الثلاثة. وقال أبو حنيفة: يبطل بالكلام دون السهو، (وسجد سجدتي السهو، وتشهد فيها) أي عقب سجدة السهو، (ثم سلم عن يمينه، وعن شماله) ظاهره يوافق قول الشافعي في المشهور عنه أن موضع سجود السهو قبل السلام. وقال أبو حنيفة بعد السلام كما في رواية صحيحة عنه ﵇.
واعلم أن الصحيح من الأحاديث الواردة في سهوه ﷺ ثلاثة أحاديث.
أولها حديث ذي اليدين كما رواه الشيخان عن أبي هريرة في السلام من اثنين في إحدى صلاتي العشاء أما الظهر أو العصر؟ فقال: ذو اليدين يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: لم أنس ولم أقصر فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ فقالوا نعم فأتم، ثم سلم، ثم كبر وسجد، ثم رفع.
قال ابن سيرين: ثبت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم.
وثانيهما حديث ابن بُحَيْنَة كما رواه مالك في القيام من اثنين.
وثالثهما حديث ابن مسعود كما في الصحيحين أن النبي ﷺ صلى الظهر خمسًا فقد أوضحنا هذا الحديث في شرح الشفاء، وما يتعلق به من بحث الحكمة في الإنساء.
ومنها قوله ﵊ كما رواه مالك في الموطأ بلاغًا إني لأنسى لأسنَّ وقد قال تعالى: ﴿فَلاَ تَنسَى إلاّ ما شَاءَ الله﴾ (١) أو المشيئة لا تكون إلا عن الحكمة.