وبه (عن حماد عن إبراهيم عن أبي عبد الله خزيمة) بضم معجمة وفتح زاي مصغرًا ابن ثابت، ويكنى أبا عمارة بضم العين الأنصاري الأوسي يعرف بذي الشهادتين شهد بدرًا، وما بعدها كان مع علي يوم الصفين فلما قتل عمار بن ياسر جرَّد سيفه فقاتل حتى قتل روى عنه ابناه عبد الله وعمارة وجابر بن عبد الله (أنه مرَّ على رسول الله ﷺ أعرابي) أي بدوي، والجملة حالية (يجحد بيعه) حال أخرى أو استئناف بيان أي ينكر أنه باع فرسًا لرسول الله ﷺ (فقال خزيمة: أشهد لقد
_________________
(١) النحل ٤٤.
[ ٦٧ ]
بعته) والحال أنه لم يشهده (فقال رسول الله ﷺ من أين علمته) أي كيف يظهر بيعه عندك حتى شهدت به عدم حضورك؟ (قال: تجيئنا بالوحي من السماء فنصدقك) والمعنى أنك صادق مصدوق ونصدقك في المغيبات وهذا من جملة تلك الحالات وهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى إنْ هُوَ إلاّ وَحيٌ يُوحى﴾ (١) فالوحي إما جلي، وإما خفي (قال) أي الراوي أو جرير (فقوله فجعل رسول الله ﷺ شهادته) بدل شهادتي نقلًا بالمعنى والتفاتًا في المبنى (شهادة رجلين) أي بدلها، وفي حكمها.
(وفي رواية أنه مر بأعرابي) أي وهو ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿الأعراب أشَدُ كفرًا ونفاقًا وأَجْدرُ أَلاَّ يَعْلمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ الله على رَسُولِهِ﴾ (٢) (وهو مع رسول الله ﷺ) أي مقارنًا له (وهو) أي الأعرابي (يجحد متعاقد عقده) أي ذلك البيع (مع رسول الله ﷺ).
فقال خزيمة أشهد أنك قد بعته (فقال رسول الله ﷺ: من أين علمت ذلك) أي مع أنك ما حضرت هنالك (فقال تجيئنا بالوحي من السماء فنصدقك فإذا
_________________
(١) النجم ٤.
(٢) التوبة ٩٧.
[ ٦٨ ]
جئت بخبر مما وقع في الأرض، فلا نصدقك؟ قال فجعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادة رجلين) في تلك القضية وغيرها (حتى مات) أي النبي ﷺ يعني ولم ينسخ هذا الحكم بغيره والحديث رواه عبد الرزاق، عن خزيمة أن أعرابيًا باع من النبي ﷺ فرسًا أنثى، ثم ذهب فزاد على النبي ﷺ، ثم جاحد أن يكون باعها فمر بهما خزيمة بن ثابت، فسمع النبي ﷺ يقول: ابتعتها منك (فقال خزيمة:) نشهد على ذلك فلما ذهب الأعرابي قال له النبي ﷺ: أحضرتنا؟ قال: لا ولكن لما سمعتك تقول قد باعك علمت أنه حق إذ لا تقول إلا حقًا.
قال: فشهادتك شهادة رجلين، (وفي رواية، أجاز شهادته بشهادة رجلين حتى مات ﷺ) رواها ابن عساكر والدارقطني في الأفراد عنه أنه جعل شهادته بشهادة رجلين، وهذا من خصوصيات خزيمة لم يشاركه معه فيها أحد من أكابر الصحابة، وفيه دليل على أن أمر الشريعة مفوض إلى رأي النبي ﷺ وتصرفه في حدود الله وأحكامه، ولو كانت في نصوص كلامه. وقد روى أبو يعلى وأبو نعيم وابن عساكر، عن خزيمة بن ثابت أن رسول الله ﷺ اشترى فرسًا من سوار بن قيس المحاربي فجحد، فشهد له خزيمة بن ثابت فقال له رسول الله ﷺ: ما حملك على الشهادة ولم تكن معنا حاضرًا قال: صدقتك بما جئت به، وعلمت أنك لا تقول إلا حقًا فقال له رسول الله ﷺ: من شهد له خزيمة، أو شهد عليه فحسبه.
وبه (عن حماد عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال لسودة) أي بنت زمعة، وقد أسلمت قديمًا، وبايعت، (وكانت تحت ابن عم لها) أسلم معها وهاجرا جميعًا إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، فلما قدما مكة مات زوجها فتزوج ﷺ بمكة بعد موت خديجة (حين طلقها: اعتدي) أي بترك الزينة،
[ ٦٩ ]
ولو كان لم يجز لها أن تتزوج غيره ﷺ بعده لقوله تعالى: ﴿وما كان لكم أن تُؤذوا رَسُول الله وَلاَ أَنْ تَنْكَحُوا أَزوَاجَهُ مِن بَعدِهِ أبدًا﴾ (١)
وفي المواهب أن لما كبرت سودة أراد ﷺ طلاقها فسألته أن لا يفعل وجعلت يومها لعائشة فأمسكها انتهى، ويمكن الجمع بأنه ﵊ لما طلقها وما هان عليه فراقها راجعها وأبقاها في عقد نكاحه. ماتت سودة بالمدينة في شوال سنة أربعة وخمسين.
وبه (عن حماد، عن إبراهيم، عن همام) أي ابن الحارث (أن رجلًا أضافته عائشة) أي تضيفه في دار ضيافتها (أم المؤمنين) بدل أو بيان، أو خبر مبتدأ مقدر، أو نصب على المدح (فأرسلت إليه بملحفة) بكسر الميم وسكون اللام، وفتح الحاء أي بلحاف يتغطى به دفعًا للبرد ونحوه (فالتحف بها الليل) أي ليلة، أو في تلك الليلة (فأصابته جنابة) أي من احتلام وتلطخ الملحفة بمنيه (فغسل الملحفة) كلها احتياطًا في حقها (فبلغ عائشة) أي غسلها (فقالت ما أراد بغسل الملحفة فإنه لم يكن يحتاج إلى غسلها إنما كان يجزئه) من الأجزاء مهموز اللام (يفركه) أي يدلكه (حين كان يابسًا لقد كنت أفركه) أي المني (من ثوب رسول الله ﷺ، ثم يصلي فيه) أي ذلك الثوب، والظاهر أنه كان بعلم النبي ﷺ
_________________
(١) الأحزاب ٥٣.
[ ٧٠ ]
خصوصًا إذا تكرر منها مع التفاته ﷺ إلى طهارة ثوبه وفحصه عن حاله.
وبه (عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يخرج إلى الفجر) أي صلاته مع الجماعة (ورأسه يقطر) بضم الطاء أي يتقاطر شعر رأسه ماء لقربه من غسل الجنابة كائنة من جماع (ثم يظل صائمًا)، وقد سبق الكلام عليه.
وبه (عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود عن عائشة أنها قالت: كان النبي ﷺ يصلي من الليل) أي صلاة التهجد على خلاف أنها فرض عليه خاصة، أو نسخ في حقه، وحق أمته عامة، (وأنا نائمة إلى جانبه وجانب الثوب) أي طرف ثوبه الذي كان يصلي به واقع (علي) أي على بدني لكمال قربي منه، وقد مر تحقيقه.