وبه (عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال لها: ناوليني الخمرة) وهي بضم الخاء المعجمة، وسكون الميم حصيرة صغيرة منسوجة من سعف النخل وترمل بالخيوط، وقد صح عن ميمونة أنه ﵊ كان يصلي على الخُمرة، رواه البخاري وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وقد روى أحمد وأبو داود والحاكم عن المغيرة أنه ﵊
[ ٤٢ ]
كان يصلي على الحصيرة والفروة المدبوغة، وروى ابن ماجه عن ابن عباس أنه ﵊ كان يصلي على بساط، وفيه رد على الرافضة حيث لا يجوزون الصلاة والسجدة إلا على الأرض، وجنسها وإن كان هو الأفضل اتفاقًا.
وروي عَنْ مالك كراهة الصلاة على غير الأرض، وجنسها (فقالت) معتذرة بناء على ظنها أنه لا يجوز لها أن تتناول السجادة التي بمنزلة المسجد في مرتبة السعادة (إني حائض) يعني، وليس للحائض أن تدخل المسجد، فكذا ينبغي لها أن لا تأخذ السجادة، وإلا ظهر أنها توهمت أنها نجسة، وليس لها أن تمسك السجادة لئلا يتنجس (فقال ﵊: إنَّ حَيْضَتَكِ) بكسر الحاء اسم للحيض، وهو المراد هنا وأما بالفتح فالمدة منه (ليست في يدكِ) وهو كناية عن أن بدنها طاهر، إنما يمنع الحائض من الجماع فالنجاسة حكمية لا حقيقية، كما قالت اليهود والطائفة الرافضية.
(وبه عن حماد عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة أن رسول الله ﷺ اشترى من يهودي طعامًا) أي شعيرًا، (ورهنه درعًا)، ومات ﷺ وهي مرهونة وكان وصّى عليًا بفكها منه.
(وبه عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: خيّرنا) أي معشر أمهات المؤمنين (رسول الله ﷺ) بين موافقته ومفارقته (فاخترناه) أي جميعنا (إلا واحدة) اختارت الدنيا على الآخرة فرأوها في آخر العمرة تلقط البعر
[ ٤٣ ]
(فلم يعد) أي، فلم يحسب النبي ﷺ (ذلك) الاختيار (طلاقًا) في ذلك المقام.
ورواه البخاري ولفظه: فاخترنا الله ورسوله، فلم يعد ذلك علينا شيئًا، واختلف أهل العلم في حكم التخيير فقال عمر بن مسعود وابن عباس: إذا خير الرجل امرأته فاختارت زوجها لا يقع شيء، ولو اختارت نفسها تقع طلقة واحدة، وهو قول أبي حنيفة، وعمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى، وسفيان، والشافعي إلا أن عند أبي حنيفة طلقة بائنة، وعند آخرين رجعية، وقال زيد بن ثابت: إذا اختارت الزوج يقع طلقة واحدة، وإذا اختارت نفسها فثلاث، وهو قول الحسن، وبه قال مالك.
وروى عن علي ﵁ أنها إذا اختارت زوجها يقع طلقة واحدة،
وإذا اختارت نفسها فطلقة بائنة قال البغوي في تفسير قوله تعالى: ﴿يا أيُها النبي قُلْ لأَزواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وزِينَتُها فَتَعَالَينَ أمَتِعْكُنَّ﴾ أي متعة الطلاق ﴿وَأُسَرحكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وإِن كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الله وَرَسُولَهُ والدارَ الآخرةَ فَإنَّ الله أَعَدَّ لِلمُحسنَات مِنْكُنَّ أجرًا عظِيمًا﴾ (١) وفي صحيح مسلم قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ فوجد الناس جلوسًا ببابه لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل ثم أقبل عمر فأذن له، فدخل فوجد النبي ﷺ جالسًا وحوله نساؤُهُ واجمًا ساكتًا قال في نفسه: لأقولن شيئًا أضحك النبي ﷺ فقال: يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة، فقمت إليها فوجأت عنقها فضحك النبي ﷺ "وقال: هن حولي كما ترى يسألنني النفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها وقام عمر إلى حفصة: يجأ عنقها كلاهما يقول: تسألين رسول الله ﷺ شيئًا ليس عنده ثم اعتزلهنَّ شهرًا أي كاملًا، أو تسعًا وعشرين يومًا، ثم نزلت هذه الآية قال: فبدأ بعائشة فقال يا عائشة إني أريد أن أعرض عليك أمرًا أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية قالت: فيك يا رسول الله أستشير أبوي، بل
_________________
(١) الأحزاب ٢٨ - ٢٩.
[ ٤٤ ]
أختار الله ورسوله، والدار الآخرة، وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت قال: لا تسألني امرأة منهن، إلا أخبرتها أن الله لم يبعثني معنتًا ولا متعنتًا ولكن بعثني معلمًا ميسرًا، وفي رواية كانت تحت رسول الله ﷺ يومئذ تسع نسوة، فلما نزلت آية التخيير بدأ رسول الله ﷺ بعائشة، وكانت أحبهن إليه فخيرها وقرأ عليها القرآن، فاختارت الله ورسوله، والدار الآخرة، ورؤي الفرح في وجه رسول الله ﷺ وتابعنها على ذلك.
قال قتادة فلما اخترن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك وقصره عليهن فقال: لا يحل لك النساء من بعد.