وبه (عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود أن النبي ﷺ لم يقنت في الفجر قط إلا شهرًا واحدًا لم ير) أي لم يوجد قنوته (قبل ذلك ولا بعده،
[ ١٠٥ ]
وإنما قنت في ذلك يدعو على ناس من المشركين)، وأما ما رواه الدارقطني وغيره من حديث أبي جعفر الرازي، عن أنس: ما زال رسول الله ﷺ يقنت في الصبح حتى فارق الحياة فمعارض بما ثبت عن عاصم ين سليمان قال: قلنا لأنس بن مالك: إن قومًا يزعمون أن النبي ﷺ لم يزل يقنت في الفجر فقال: كذبوا إنما قنت رسول الله ﷺ شهرًا واحدًا يدعو على أحياء من أحياء المشركين.
ويؤيده ما رواه الطبراني، عن غالب بن فرقد الطحان قال كنت عند أنس شهرين فلم يقنت في صلاة الغدوة وأما ما في البخاري عن أبي هريرة أنه كان يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح بعد ما يقول سمع الله لمن حمده فيدعو للمؤمنين، ويلعن الكفار فمحمول على قنوت الوتر والنوازل كما اختاره بعض أهل الحديث أنه ﵊ لم يزل يقنت في النوازل، وهو وجه ظاهر للجمع بين الروايات.
ويدلُّ ما أخرجه ابن حبان بسند صحيح عن أبي هريرة كان رسول الله ﷺ لا يقنت في صلاة الصبح إلا أن يدعو لقوم أو على قوم هذا وكيف يكون القنوت سنة راتبة جهرية، وقد صح حديث أبي مالك سعد بن طارق الأشجعي، عن أبيه: صليت خلف النبي ﷺ فلم يقنت وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت وصليت خلف عمر فلم يقنت وصليت خلف عثمان فلم يقنت، وصليت خلف علي فلم يقنت ثم قال: يا بني إنها بدعة، رواه النسائي وابن ماجه والترمذي.
وقال هذا حديث حسن صحيح ولفظ ابن ماجه عن أبي مالك قال قلت لأبي: يا أبت إنك قد صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي بالكوفة نحوًا من خمسين سنة أكانوا يقنتون في الفجر.
[ ١٠٦ ]
قال أي بني محدث.
وأخرج ابن أبي شيبة أيضًا، عن أبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا لا يقنتون في الفجر.
وأخرج عن علي أنه لما قنت في الصبح أنكر الناس عليه فقال: استنصرنا على عدونا.
وقال محمد بن الحسن أنا أبو حنيفة، عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي عن الأسود بن يزيد أنه صحب عمر بن الخطاب سنين في السفر والحضر فلم يره قانتًا في الفجر.
قال ابن الهمام (١) وهذا سند لا غبار عليه وبما ذكرناه نقطع بأن القنوت لم يكن سنة راتبة، ولو كان راتبة يفعله ﵊ كل صبح يجهر به، وَيُؤَمِن من خلفه أو يسر به، كما قال مالك إلى أن توفاه الله تعالى، لم يتحقق هذا الاختلاف بل كان سبيله أن ينقل كنقل جهر القراءة ومخافنتها وأعداد الركعات. نعم قد روي عن الصديق ﵁ أنه قنت عند محاربة الصحابة مسيلمة الكذاب وعند محاربة أهل الكتاب.
وكذلك قنت عمر، وكذا علي في محاربة معاوية، ومعاوية في محاربته إلا أن هذا ينبىء لنا أن القنوت للنازلة مقرر لم ينسخ وبه قال جماعة من أهل الحديث.