(عن حماد عن إبراهيم النخعي عن عبد الله) أي ابن مسعود (عن أبي ذر) وهو جندب بن جنادة الغفاري من أعلام الصحابة وزهادهم أسلم قديمًا بمكة يقال كان خامسًا في الإسلام ثم انصرف إلى قومه فأقام عندهم إلى أن قدم المدينة على النبي ﷺ بعد الخندق، ثم سكن ربذة إلى أن مات بها سنة اثنتين وثلاثين في زمن عثمان وكان يتنفَّذ (١). قبل بعث النبي ﷺ.
وروى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين (أنه صلى صلاة) أي نافلة (فخففها) أي لا يطيلها لكنه أتمها (وأكثر الركوع والسجود) أي فيها (فلما انصرف) أي عنها (قال له رجل) أي من التابعين، ولايبعد أن يكون من الصحابة (أنت صاحب رسول الله ﷺ) أي ملازمه قديمًا في الأوقات (وتصلي هذه الصلاة) جملة حالية والمراد إنكار تخفيفه للصلاة زعمًا منه أن الإطالة أفضل من
_________________
(١) يتنفَّذ: يتنحى.
[ ١٢٥ ]
كثرة الركوع والسجود (فقال أبو ذر ألم أتم الركوع والسجود) أي بالاطمئنان والاعتدال في مقام الشهود، وفيه إيماء إلى ما ورد من أن أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته لا يتم ركوعها وسجودها (قال بلى قال أبو ذر فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من سجد لله سجدة رفعه الله درجة في الجنة فأحببت أن تؤتى لي درجات) أي تعطى (أو تكتب لي درجات) أي تنالت.
وحاصله أن زيادة العبادة من حيث الكمية أفضل من زيادتها من حيث الكيفية واختلف العلماء في هذه القضية.
(وفي رواية) أي لأبي حنيفة (عن إبراهيم) أي النخعي (عن من حدثه أنه مر بأبي ذر بالربذة) بفتح الراء والموحدة والذال المعجمة موضع قريب من المدينة فيه مدفن أبي ذر (وهو يصلي صلاة خفيفة يكثر فيها الركوع والسجود، فلما أسلم أبو ذر) أي عن صلاته (قال له الرجل: تصلي) أي أتصلي (هذه الصلاة) أي الخفيفة؟ (وقد صحِبتَ رسول الله ﷺ) جملة حالية (فقال أبو ذر سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ سَجَدَ لله سَجْدَةً رَفَعهُ الله بِهَا درجة في الجنة" فلذلك أكثر فيها) أي في صلاتي (السجود) والحديث رواه أحمد عن أبي ذر ولفظه: من سجد لله سجدة كتب له بها حسنة، وحطَّ عنه خطيئة، ورفع له بها درجة، ورواه الطبراني عن أبي أمامة مرفوعًا: استكثروا من السجود فإنه ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة، ورواه أحمد والطحاوي والروياتي عن أبي ذر بلفظ: من ركع ركعة أو سجد سجدة رفعه الله بها
[ ١٢٦ ]
درجة وحط عنه بها خطيئة.
ورواه ابن ماجه وغيره عن عبادة بن الصامت ولفظه: ما من عبد يسجد لله سجدة إلا كتب الله له بها حسنة ومحا عنه بها سيئة ورفع له درجة فاستكثروا من السجود.