١ - (١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُؤَاخَذُ الرَّجُلُ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟، قَالَ: «مَنْ أَحْسَنَ في الإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا كَانَ عَمِلَ في الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الإِسْلَامِ أُخِذَ بِالأَوَّلِ وَالآخِرِ» (^٤).
_________________
(١) في (ك) الصوفي، سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة. وفي (ر/ أ، ر/ ب) قال: " أخبرنا الشيخ الصالح الثقة شمس الدين أبو العباس أحمد بن عبد الله بن عبد الصمد ابن عبد الرزاق السلمي البغدادي بقراءتي عليه، في ذي الحجة سنة ست وستمائة (-٦٠٦ ر/ أ) وسنة ست وستين وستمائة (٦٦٦ ر/ ب) بدمشق كلأها الله، قيل له: أخبركم الشيخ الثقة الأوحد المعمر أبو الوقت …) وساق السند إلى الدارمي، وفي (ف، و، ع/ ب، م) لم يذكر السند، مبتدئا بعنوان الباب، وسياق الحديث الأول.
(٢) في (ع/ أ) قراءة عليه في جمادى الآخرة سنة خمس وستين وأربعمائة".
(٣) في (ف) بياض من بداية العنوان لكونه مكتوبا بالحمرة، وكذلك كلمة باب في كامل المخطوط، تبعه خطأ حين كتب الناسخ: " قيل منعنا رسول الله -ﷺ- من الجهل والضلال".
(٤) رجاله ثقات، وأخرجه البخاري، حديث (٦٩٢١) ومسلم (١٢٠) متفق عليه.
[ ١ / ١٠ ]
رجال السند:
محمد بن يوسف الفريابي، وسفيان بن سعيد الثوري، هو ابن مسروق، إمام ثقة، وسليمان بن مهران الأعمش، وأبو وائل شقيق بن سلمة الأسدي، هم أئمة ثقات، والصحابي عبد الله بن مسعود -﵁-.
الشرح:
قوله: " قال رجل" جاء في رواية الإمام مسلم: قال أُناس، وفي رواية: قلنا (^١)،
وهي عند ابن ماجه (^٢).
قوله: «مَنْ أَحْسَنَ فِي الإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا كَانَ عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ». بدأ الدارمي ﵀ كتابه بهذا الباب للربط بين ماضي الناس في الجاهلية، وبين حاضرهم بعد أن بُعث إليهم نبي الهدى والرحمة -ﷺ-، مراعيا التسلسل التاريخي لمبعثه -ﷺ-، مشيرا إلى نهاية الجهل والشرك والظلم، وبداية العلم والتوحيد والعدالة والمساواة، وبيان أن مبعثه -ﷺ- كان رحمة للعالمين، فمن آمن به -ﷺ- وأسلم فإن الله -﷿- وعدهم الخير فقال: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (^٣)، وكان أخوف ما يخاف المسلم من قريش ماضيه في الجاهلية، لعلمهم يقينا بالحق الذي جاء به نبينا محمد -ﷺ-، وبما كانوا عليه من عظائم الأمور وأشدها الشرك بالله -﷿-، ولذلك لما جاء عمرو بن
_________________
(١) حديث (١٧١، ١٧٢).
(٢) حديث (٤٢٣٢).
(٣) الآية (٥٣) من سورة الزمر.
[ ١ / ١١ ]
العاص -﵁- مسلما إلى رسول الله -ﷺ-، وأراد أن يبايعه على ذلك قال: «أبسط يمينك فلأبايعنك يا رسول الله، فبسط الرسول -ﷺ- يمينه، فقبض عمرو يده، فقال رسول الله -ﷺ-: مالك يا عمرو؟! قال عمرو -﵁-: أردت أن أشترط، قال: تشترط ماذا؟ قال: أن يُغفر لي، فقال -ﷺ-: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله» (^١) وقد وعد الله -﷿- من تاب وآمن وعمل صالحا أن يبدل سيئاتهم حسنات، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (^٢).
قوله: «وَمَنْ أَسَاءَ فِي الإِسْلَامِ أُخِذَ بِالأَوَّلِ وَالآخِرِ».
ليس في هذا مخالفة لما أجمع عليه العلماء من أن الإسلام يجب ما قبله، عملا بما تقدم بيانه؛ لأن المراد من أساء في توبته من المآثم بالعودة إليها مرة أو مرات، لم تكن توبته نصوحا، فهذا لم يحقق شروط التوبة، فإن أي توبة كانت من كفر أو مما دونه يشترط لها ثلاثة شروط:
الأول: الإقلاع عن الذنب، إن كان كفرا فبالإسلام، وإن كان مما دونه فبتركه مطلقا.
والثاني: العزم على عدم العودة إلى ذلك أبدا.
والثالث: الندم المستمر على الوقوع فيه فيما مضى، فمن أخلّ وعاد إلى ذنب تاب منه، فإنه إن مات على ذلك، كان مؤاخذا بما عمل قبل التوبة،
_________________
(١) مسلم حديث (١٩٢).
(٢) الآية (٧٠) من سورة الفرقان.
[ ١ / ١٢ ]
وبالعودة إلى الذنب بعد التوبة، وليس هذا معارضا لما في الحديث القدسي «أذنب عبدي ذنبا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: عبدي أذنب ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب اعمل ما شئت فقد غفرت لك» (^١)، فليس المراد أن يعمل ما شاء على الإطلاق، بل هذا مقيد بأحاديث عدم قبول التوبة، كأن تكون عند النزع الأخير، إذا بلغت النفس الحلقوم، أو فجأة الموت وهو على معصية، أو عنده معاص لم يتب منها، ومعلوم أن التوبة لا تقبل عند فوات الأوان، وفوات الأوان إذا حضره الموت، قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (^٢)، فإن توبة من هذا حاله لا تقبل، ولذلك لم تقبل توبة فرعون فإنه قال لما أدركه الغرق: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (^٣)، فقال الله -﷿-: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ
_________________
(١) مسلم حديث (٢٧٥٨).
(٢) الآية (١٨) من سورة النساء.
(٣) الآية (٩٠) من سورة يونس.
[ ١ / ١٣ ]
وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (^١)، وكذلك إذا طلعت الشمس من مغربها؛ لأن الناس في هذا الوقت كلهم يؤمنون حتى الكفار مهما تنوعت اعتقاداتهم، فإنهم عند طلوع الشمس من مغربها يسلمون ولكن بعد فوات الأوان، وقد قال نبينا محمد -ﷺ-: «لا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» (^٢) وقال الله -﷿-: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (^٣)؛ لأنه إيمان قهري، بأمر لا مفر منه، وقد فات أوان الإيمان الطوعي، وما يترتب عليه من الأعمال الصالحة.
وقد فسرت الإساءة بالكفر، أي: إن أسلم ثم ارتد، فهذا يؤاخذ بالسابق واللاحق (^٤)، والأولى في نظري العموم.
قوله: «يؤاخذ» المؤاخذة لها صورتان:
الأولى: مؤاخذة المسيء على إساءته في الدنيا تكون من قبل الحاكم الشرعي، كمعاقبة من يثبت عليه الزنا مثلا، أو السرقة أو غير ذلك من السيئات، فهذا تتم فيه المؤاخذة على ما يثبت عليه من إساءة وإن تعددت بشرط الثبوت الشرعي، ولولي الأمر أن يتجاوز عن بعض الإساءة، ولكن بشرط أن لا تكون مما يوجب الحد.
_________________
(١) الآية (٩١) من سورة يونس.
(٢) أبوداود حديث (٢٤٣٩).
(٣) الآية (٢٩) من سورة السجدة.
(٤) الفتح ١٢/ ٢٦٦.
[ ١ / ١٤ ]
الثانية: تكون في الآخرة وهي ما تقدم الكلام عليها، وقد يعجِّل الله -﷿- العقوبة للعبد في الدنيا، رحمة به كما قال -ﷺ-: «إذا أراد الله بعبده الخير عجّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه، حتى يوافي به يوم القيامة» (^١)، ومن ابتلي فليحاسب نفسه مع الصبر والاحتساب، قال -ﷺ-: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» (^٢)، على أنه قد يُجمع للعاصي بين العقوبتين: عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة قال -ﷺ-: «ما من ذنب أجدر أن يعجّل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة مثل البغي، وقطيعة الرحم» (^٣).
ما يستفاد:
* أن التائب من الذنب كمن لا ذنب عليه، إذا حقق شروط التوبة، وتفريعا على هذا يحرم تعييره بذب تاب منه.
* أنه يجب على التائب عدم العودة إلى الذنب الذي تاب منه.
* أن من تاب وأحسن العمل لا يؤاخذ على ذنوبه الماضية، بل تنقلب إلى حسنات، أخذا من قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (^٤).
_________________
(١) الترمذي حديث ٨/ ٤١٢، رقم ٢٣١٩، وقال: حسن غريب.
(٢) الترمذي حديث ٨/ ٤١٣، رقم ٢٣٢٠، وقال: حسن غريب.
(٣) أبو داود حديث ٤٢٥٦، والترمذي ٩/ ٥١، رقم ٢٤٣٥، وقال: حسن صحيح.
(٤) الآية (٧٠) من سورة الفرقان.
[ ١ / ١٥ ]
* أن من تاب من ذنب ثم عاد إليه لم تنفعه توبته السابقة، وكأنه لم يتب.
* جواز السؤال عما مضى من الذنوب وغيرها للعلم بحكمها.
* بيان عفو الله -﷿- وكرمه ورحمته بعباده فإنه لو يؤاخذ الناس بذنوبهم ما ترك على وجه الأرض أحدا، قال -﷿-: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا
تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ (^١).
واعلم أن الدارمي ﵀ روى في مسنده هذا آثارا كثيرة وأحاديث مرفوعة بلفظ أخبرنا، وفي بعض النسخ بلفظ حدثنا، فسرت على نهجه ولم أفرق بين الأثر والحديث المرفوع في التسمية أخذا بعموم تسمية الأثر حديثا.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢ - (٢) أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ النَّضْرِ الرَّمْلِيُّ، عَنْ مَسَرَّةَ بْنِ مَعْبَدٍ - مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ أَبِى الْحَرَامِ، مِنْ لَخْمٍ - عَنِ الْوَضِينِ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِىَّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ وَعِبَادَةِ أَوْثَانٍ، فَكُنَّا نَقْتُلُ الأَوْلَادَ، وَكَانَتْ عِنْدِي بِنْتٌ لِي، فَلَمَّا أَجَابَتْ عِبَادَةَ الأَوْثَانِ، وَكَانَتْ مَسْرُورَةً بِدُعَائِي إِذَا دَعَوْتُهَا، فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا فَاتَّبَعَتْنِي، فَمَرَرْتُ حَتَّى أَتَيْتُ بِئْرًا مِنْ أَهْلِي غَيْرَ بَعِيدٍ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا فَرَدَّيْتُ (^٢)، بِهَا فِي الْبِئْرِ، وَكَانَ آخِرَ عَهْدِي بِهَا أَنْ تَقُولَ: يَا أَبَتَاهُ يَا أَبَتَاهُ. فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى وَكَفَ دَمْعُ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: أَحْزَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ: «كُفَّ،
_________________
(١) الآية (٤٥) من سورة فاطر.
(٢) معناه: أسقطها، يقال: ردّى وتردّى لغتان: كأنه تفعل من الردى: الهلاك (النهاية ٢/ ٢١٦).
[ ١ / ١٦ ]
فَإِنَّهُ يَسْأَلُ عَمَّا أَهَمَّهُ»، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «أَعِدْ عَلَىَّ حَدِيثَكَ» فَأَعَادَهُ، فَبَكَى حَتَّى وَكَفَ الدَّمْعُ مِنْ عَيْنَيْهِ عَلَى لِحْيَتِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ وَضَعَ عَنِ الْجَاهِلِيَّةِ مَا عَمِلُوا، فَاسْتَأْنِفْ عَمَلَكَ» (^١).
رجال السند:
الوليد بن النضر أبو العباس الرملي، صدوق لابأس به، ومسرّة بن معبد اللخمي الفلسطيني، شيخ لابأس به، أخطأ من قال: ميسرة (^٢)، له عند الدارمي هذا الحديث، وله عند أبي داود حديث واحد هو حديث أبي سعيد الخدري أن رسول اللّه -ﷺ- قال: «من استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين قبلته أحد فليفعل» الوضين بن عطاء الخزاعي، صدوق سيء الحفظ، ورمي بالقدر، وله عند الدارمي هذا الحديث، وقد أعضله (^٣)، ولم يذكر واسطته التي تلقى منها الخبر، وقد تكون الواسطة أكثر من راو.
هذا حديث تفرد به الدارمي، ولم أقف عليه في مصدر آخر، وهو مؤيد بالكتاب والسنة، خرجناه في القطوف برقم (١/ ٢).
الشرح:
قوله: «أن رجلا» هذا لا علاقة له بضبط السند، والإشكال فيما بين الوضين وهذا الرجل من الرواة.
_________________
(١) خرجناه في القطوف برقم (١/ ٢) وأد البنات من عادات الجاهلية، حرمها الإسلام.
(٢) تذكرة الحفاظ ٣/ ٨١٥.
(٣) المعضل: ما رواه تابع التابعي عن النبي -ﷺ-، وقد يسقط من سنده أكثر من اثنين، وهو نوع خاص من المنقطع، فكل معضل منقطع، وليس كل منقطع معضلا، والفقهاء يسمونه مرسلا.
[ ١ / ١٧ ]
قوله: «إنا كنا أهل جاهلية وعبادة أوثان، فكنا نقتل الأولاد».
هكذا ترد الأسئلة عما كان يفعله الناس في الجاهلية، باحثين عن التصحيح، والتحلل من عادات الجاهلية وتبعاتها، روى هذا الصحابي -﵁- أنهم كانوا يقتلون الأولاد، وقد علم أن الإسلام حرّم ذلك، لكن أهمه ما أقدم عليه في الجاهلية، وأراد أن يعلم أمره بعد أن أسلم، ولم يكن القتل في الجاهلية خاصا بالبنات، بل كان منهم من يقتل ولده خشية الفقر، أو من شدة الفقر، وكان ذلك في الإسلام من الكبائر، سئل رسول الله -ﷺ- أي الذنب عند الله أكبر؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك» (^١)، ونزل القرآن تصديقا لقول رسول الله -ﷺ- فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ (^٢)، وأد البنات من عادات الجاهلية، حرمها الإسلام، وكان هذا الذنب عظيما في الإسلام؛ لأن هذا المخلوق تكفّل الله -﷿- برزقه وهو في بطن أمه، وتكفل برزقه بعد ذلك ما دام حيا، وهو داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (^٣)، فالاعتداء عليه ظلم له، فنهى الله -﷿- عن ذلك
_________________
(١) البخاري حديث (٤٣٧٩).
(٢) الآية (٦٨) من سورة الفرقان.
(٣) الآية (٦) من سورة هود.
[ ١ / ١٨ ]
فقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (^١)، أما قتل البنات فقد يكون ذلك من الأسباب، ولكن السبب الأقوى أن أهل الجاهلية، كانوا في مواجهات قبلية، وحروب دائمة ولأتفه الأسباب، وكثيرا ما تنتهك الحرمات، ومن ذلك وقوع النساء في السبي، وذلك يُلحق العار الكبير بالآباء والأقربين، بل بالقبيلة كلها، ومن هنا كان واد البنات أكثر فيهم، وقد حرّم الإسلام هذه العادة الظالمة، ونوّه بإنصاف الموؤدة يوم القيامة ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (^٢).
قوله: «وكانت عندي بنت لي، فلما أجابت وكانت مسرورة بدعائي إذا دعوتها، دعوتها يوما، فاتّبعتني فمررت حتى أتيت بئرا من من أهلي غير بعيد، فأخذت بيدها فرديت بها (^٣)، في البئر، وكان آخر عهدي بها أن تقول: يا أبتاه، يا أبتاه».
في هذا بيان لما كان عليه الجاهليون من قسوة عظيمة، لم تكن مع الأبعدين فحسب، بل مع أقرب الأقربين، وهذا المشهد المحزن الأليم، لم يكن له أثر على الإطلاق في قلب ذلك الأب الجاهلي، المنزوع الرحمة، وتلك النفس البريئة المنادية بألطف الألفاظ وأعذبها لحنا، لكن قسوة الجهل لم تدع لتلك الكلمات الرنانة سبيلا إلى قلب أبيها، فلما أسلم -﵁- انقلب الأمر رأسا
_________________
(١) الآية (١٥١) من سورة الأنعام، وانظر الآية (٣١) من سورة الإسراء.
(٢) الآيتان (٨، ٩) من سورة التكوير.
(٣) معناه: أسقطها، يقال: ردّى وتردّى لغتان: كأنه تفعل من الردى: الهلاك (النهاية ٢/ ٢١٦).
[ ١ / ١٩ ]
على عقب، حتى أنه لم يهدأ حتى أتى رسول الله -ﷺ- قاصّا عليه جريمته، نادما أشد الندم، عاد إلى سمعه ما كان من قول ابنته: يا أبتاه، يا أبتاه، وكأن الحدث اللحظة وقع، غشيته رقة الإسلام، وشفقة المؤمنين. قوله: «فبكى رسول الله -ﷺ- حتى وكف دمع عينيه فقال: له رجل من جلساء رسول الله -ﷺ-: أحزنت رسول الله -ﷺ-».
فيه بيان ما كان عليه نبينا محمد -ﷺ- من اللطف والرقة والرحمة، تصوّر رسول الله -ﷺ- وهو يبكي بحرقة ولوعة عند سماع القصة، ولم يشاهد الحدث رأي العين، والعجب أن الأب لم يتأثر وقد باشر الحدث، وذكر من صفات ابنته ما يدعوا إلى الشفقة عليها ورحمتها، ولم يكن منه ما كان من رسول الله -ﷺ-، هنا يتأكد لكل عاقل أنه -ﷺ- حقا الرحمة المهداة إلى هذه الأمة برّها وفاجرها، ويتوب الله على من تاب، إنه أرحم الرحماء، وقد قال -ﷺ- لما أنكر عليه سعد بن عبادة، وقد فاضت عيناه بالدمع لما رفع ولدا لفاطمة ونفسه تقعقع: قال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» (^١) وصح أنه قال -ﷺ-: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء" (^٢).
لم يملك أحد جلساء النبي -ﷺ- نفسه لما رأى رسول الله -ﷺ- يبكي فبادر إلى الرجل قائلا: أحزنت رسول الله -ﷺ-، والحزن معلوم أنه أشد الألم.
_________________
(١) البخاري حديث (١٢٢٤).
(٢) أبو داود حديث (٤٢٩٠).
[ ١ / ٢٠ ]
قوله: «فقال له: كفّ، فإنه يسأل عما أهمه، ثم قال له: أعد عليّ حديثك، فأعاده فبكى حتى وكف (^١) الدمع من عينيه على لحيته».
نهى عن لومه؛ لأنه الرحمة المهداة لم يُحرم منها ذلك الرجل، إذ بادر رسول الله -ﷺ- بالدفاع عنه قائلا لمن لامه: «كفّ» وهذه كلمة فيها شيء من الحزم والصرامة، وعلل عدم لومه بقوله -ﷺ-: «فإنه يسأل عما أهمه» نعم لم يهمه ذلك إذ كان جاهليا، فالشر لا يولد إلا الشر، فلما أسلم صار له شأن آخر، أقلقه ما حدث منه قلقا شديدا، حتى أصبح هما كبيرا يأمل في الخلاص منه بأي ثمن، طلب منه نبينا محمد -ﷺ- وإعادة القصة لا لعدم استيعاب، فلم يكن بكاؤه -ﷺ- إلا لشدة وعيه القصة بكل أبعادها، لكن له في ذلك حكمة -ﷺ-، لعلها ليدرك الجلساء البعد الجاهلي وما فيه من قسوة وظلم وجبروت، والبعد الإسلامي وما فيه من رحمة وشفقة، وزادته الإعادة ألما وتأثرا، حتى تحدّر دمعه على لحيته، وما ذاك إلا من شدة رحمته وعدله ورقة إحساسه -ﷺ-.
ما يستفاد:
*بيان ما كان عليه أهل الجاهلية من الجهل والضلال.
* بيان ما كانوا عليه من القسوة وعدم الرحمة حتى بأقرب الأقربين.
* بيان شدة تعلق تلك الفتاة بأبيها ومع ذلك لم ينفعها ذلك التعلق.
* أن الإنسان قد يسعى في هلكته أقرب الناس إليه.
_________________
(١) نزل، وسال.
[ ١ / ٢١ ]
* بيان رحمة المسلم فإن رسول الله -ﷺ- حزن لما سمع القصة وبكى رحمة بتلك الطفلة المظلومة.
* بيان حب الصحابة لرسول الله -ﷺ- وشفقتهم عليه إذ قال أحدهم: أحزنت رسول الله -ﷺ-.
* بيان حلم رسول الله -ﷺ- إذ لم يعنف الرجل ولم يقبح عمله مع أنه يستحق ذلك.
* جواز السؤال عما سلف من العمل للعلم بحكمه.
*بشارة الرجل بأن إسلامه غسل ما مضى من ذنوبه، وأن عليه أن يستأنف حياته في عمل صالح وتوبة خالصة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣ - (٣) أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمُؤَدِّبِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَوْلَايَ (^١): أَنَّ أَهْلَهُ بَعَثُوا مَعَهُ بِقَدَحٍ فِيهِ زُبْدٌ وَلَبَنٌ إِلَى آلِهَتِهِمْ، قَالَ: فَمَنَعَنِي أَنْ آكُلَ الزُّبْدَ لِمَخَافَتِهَا (^٢)، قَالَ:
" فَجَاءَ كَلْبٌ فَأَكَلَ الزُّبْدَ وَشَرِبَ اللَّبَنَ، ثُمَّ بَالَ عَلَى الصَّنَمِ: وَهُوَ " إِسَافٌ وَنَائِلَةُ ".
_________________
(١) لعله السائب بن أبي السائب -﵁-، أو ابنه عبد الله -﵁-، أو قيس بن السائب المخزومي -﵁- انظر (تهذيب الكمال، والإصابة ٨/ ١٨٧).
(٢) يعني الآلهة.
[ ١ / ٢٢ ]
قَالَ هَارُونُ: " كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا سَافَرَ حَمَلَ مَعَهُ أَرْبَعَةَ أَحْجَارٍ: ثَلَاثَةٌ لِقِدْرِهِ، وَالرَّابِعُ يَعْبُدُهُ، وَيُرَبِّى كَلْبَهُ، وَيَقْتُلُ وَلَدَهُ " (^١).
رجال السند:
هارون بن معاوية الأشعري، صدوق، وإبراهيم بن سليمان أبو إسماعيل الأردني المؤدب، صدوق يغرب، ومجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي ثقة، وصيفي بن عائذ، يقال له: السائب بن أبي السائب، كان شريكا للنبي -ﷺ- في الجاهلية، وهو مولى مجاهد من أعلى، قال مجاهد: كنت أقود بالسائب فيقول لي:: يا مجاهد أدلكت الشمس؟ " فإذا قلت: نعم صلى الظهر، ويقول: " هكذا كان رسول الله -ﷺ- يفعل" (^٢)، وهذا سند حسن. قال: ولي حَجَرٌ أنا نحتّه بيدي أعبده من دون الله ﵎ فأجيء باللبن الخاثر الذي أنفسه على نفسي فأصبه عليه فيجيئ الكب فيلحسه ثم يشغر فيبول، أخرجه أحمد حديث (١٥٤٨٤).
الشرح:
هذا الحديث يصور لنا مشهدا آخر من مشاهد الجاهلية، وما تربوا عليه من الحمق والضلال، فالرجل منهم يذهب بالزبد واللبن إلى أصنام لا تأكل ولا تشرب، جماد لا تنفع ولا تضر، وقد يكون بحاجة إلى شيء من ذلك، فيمتنع مخافة أن تدركه الأصنام بسوء، وقد ظهر لهذا الرجل عيانا أن الحيوان قد يكون أجسر على ذلك، ولعله اعتبر والله أعلم من ذلك الحدث، حيث أكل
_________________
(١) سنده حسن، وقوله: (يربي كلبه ويقتل ولده) أراد أن هذه من صفات الجاهلية. وانظر تخريجه في القطوف رقم (٢).
(٢) المعجم الكبير حديث (٩٣١).
[ ١ / ٢٣ ]
الكلب الزبد، وشرب اللبن، وزاد أن بال على الصنم إساف ونائلة، وقد هدي هذا إلى الإسلام وحدّث مجاهدا بما وقع له في الجاهلية، ومن هذا وأشباهه يعلم المسلم نعمة الله على البشرية إذ بعث نبينا محمدا -ﷺ-، فأنقذها من ظلمات الجهل والضلال، إلى نور الإسلام وعلم اليقين بأنه لا إله يعبد بحق إلا الله وحده لا شريك له.
قوله «قال هارون: كان الرجل في الجاهلية إذا سافر حمل معه أربعة
أحجار، ثلاثة لقدره (^١)، والرابع يعبده، ويربي كلبه، ويقتل ولده». وهارون هو شيخ الدارمي المتقدم ذكره، وكان أبوه من وزراء المهدي، وهو يحكي مشهدا آخر مما كان في الجاهلية، وكان من عادتهم في السفر أن يأخذ المسافر معه ما يمكن حمله أربعة أحجار، ثلاثة منها يستخدمها إذا نزل وأراد أن يعد طعامه، وهي ما تعرف بالأثافي، توضع على شكل مثلث وتوقد النار بينها، ثم يوضع القدر على الأثافي، ولعل هذا لكونهم يجوبون الصحراء، وهي ذات رمال يندر أن يحد بها الحجر المناسب، أما الحجر الرابع فيعبده من دون الله -﷿-، وهذا هو الشرك الأكبر، وكان من عادة الجاهلية تربية الكلاب والعناية بها، ويسمونها الحوامي؛ لأنها تحمي بيوتهم ومواشيهم، وكان من عادتهم قتل الأولاد إما خشية أن يطعم معه، أو خشية العار من وقْع البنات في السبي، وتقدم بيانه، ومعلوم أن تربية الكلاب لا تجوز في الإسلام إلا لواحدة من ثلاث: أن يقتنى للصيد وهو المعلم كما قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا
_________________
(١) أي أثافي يضع عليها قدره لطبخ طعامه.
[ ١ / ٢٤ ]
أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (^١)، أو لحراسة الماشية وحمايتها، كحماية الغنم من الذئب مثلا، أو يدرّب لأغراض تتعلق بها، أو لحراسة زرع وما تلزم حراسته، وما عدا ذلك فلا، فمن اقتنى كلبا لغير ما ذكر فإنه آثم، قال -ﷺ-: «من اقتنى كلبا لا يغني عنه زرعا، ولا ضرعا،
نقص كل يوم من عمله قيراط» (^٢)، وذكر الماشية في رواية أخرى (^٣).
نجاسة الكلاب:
أخذ العلماء من قوله -ﷺ-: «إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة في التراب» (^٤)، دلالةً على نجاسة الكلب؛ لأنه إذا كان لعابه نجسا، وهو عرق فمه ففمه نجس، ويستلزم نجاسة سائر بدنه، وذلك؛ لأن لعابه جزء من فمه، وفمه أشرف ما فيه، فبقية بدنه أولى بالنجاسة، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، وقال عكرمة ومالك في رواية عنه: إنه طاهر، ودليلهم قول الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (^٥)، ولا يخلو الصيد من التلوث بريق الكلاب، ولم نؤمر بالغسل، وأجيب عن ذلك بأن إباحة الأكل مما أمسكن لا تنافي وجوب تطهير ما تنجس من الصيد، وعدم الأمر للاكتفاء بما في أدلة تطهير
_________________
(١) من الآية (٤) من سورة المائدة.
(٢) البخاري حديث (٣١٤٦).
(٣) البخاري حديث (٥١٦٣).
(٤) مسلم حديث (٤٢٢).
(٥) من الآية (٤) من سورة المائدة.
[ ١ / ٢٥ ]
النجس من العموم، ولو سلم فغايته الترخيص في الصيد بخصوصه، واستدلوا أيضا بما ثبت من حديث ابن عمر بلفظ: «كانت الكلاب تقبل وتدبر في زمان رسول الله -ﷺ- في المسجد فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك» (^١)، وهذا مردود بأن مجرد الإقبال والإدبار لا يدلان على الطهارة، والأقرب أن يقال: إن ذلك كان في ابتداء الحال على أصل الإباحة، ثم ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها، وجعل الأبواب عليها، واستدلوا على الطهارة أيضا بالترخيص في كلب الصيد والماشية والزرع، وأجيب بأنه لا منافاة بين الترخيص وبين الحكم بالنجاسة، وغاية الأمر أنه تكليف شاق وهو لا ينافي التعبد به (^٢)، وعلى هذا نرى عدم جواز تربية الكلاب واقتنائها، إلا لحاجة ماسة، وفائدة ظاهرة لا يستغنى عنها، فلابأسحينئذ كما هو الحال من التطور في تعليم الكلاب مهارات نافعة، كالكشف عن السرقات والممنوعات، والحراسات وغير ذلك من المنافع، وما كان استثناء الصيد والماشية والزرع، إلا لبيان الجواز في المنافع ولو تعددت، وليس المراد الحصر، مع لزوم القول بنجاستها تعبدا، وعدم مخالطتها واحتضانها إلا لضرورة ويجب التطهر، ولا يجوز تدريبها على تعذيب الناس، وامتهان كرامة الإنسان، مهما كانت جريمته، ومن فعل ذلك فقد تعدى وظلم.
ما يستفاد:
* بيان ما كان عليه أهل الجاهلية من عادات في عبادتهم.
_________________
(١) البخاري حديث (١٦٨).
(٢) نيل الأوطار ١/ ٤١.
[ ١ / ٢٦ ]
* بيان سخف عقول الجاهليين كان الرجل منهم يعتني بكلبه ويربيه، ويهمل ولده أو يقتله خشية الفقر أو العار.
* وضوح الشبه بين كفار قريش، والكفار في هذا الزمان من الاهتمام الكبير بالكلاب والقطط وغيرها من الحيوانات، وضياع حقوق الآباء والأمهات، والأبناء والبنات، وكافة الأقارب، فقد يوصي الرجل منهم بثروته قلّت أو كثرت لما يخلّف من حيوان، ويحرم ذوي قرابته، فليس له حظ في مواساة قريب ولا بعيد.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٤ - (٤) حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا رَيْحَانُ - هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ السَّامِيُّ- حَدَّثَنَا عَبَّادٌ، هُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ - عَنْ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ: كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا أَصَبْنَا حَجَرًا حَسَنًا عَبَدْنَاهُ، وَإِنْ لَمْ نُصِبْ حَجَرًا جَمَعْنَا كُثْبَةً مِنْ رَمْلٍ ثُمَّ جِئْنَا بِالنَّاقَةِ الصَّفِيِّ، فَتَفَاجُّ عَلَيْهِ (^١) فَنَحْلِبُهَا عَلَى الْكُثْبَةِ حَتَّى نَرْوِيَهَا (^٢)، ثُمَّ نَعْبُدُ تِلْكَ الْكُثْبَةَ (^٣) مَا أَقَمْنَا بِذَلِكَ الْمَكَانِ (^٤).
_________________
(١) في (ع/ ب) عليها. والمراد الكثبة، وكتب في هامش (ت) فتفاجّ يعني الناقة إذا فرجت بين رجليها للحالب، والفج: الطريق الواسع، وجمعه: فجاج.
(٢) في (ع/ ب) ترويها. والمراد الناقة تروي الكثبة بحليبها.
(٣) قال في الصحاح (٢/ ٣٧٧): كثبت الشيء أكثبه كثبا: إذا جمعته والجمع: الكثبان وهي تلال الرمل، وانظر (النهاية ٤/ ١٥١).
(٤) ت: فيه ضعف عباد بن منصور، وعنعنته، وتغيّر بأخرة، لكن يحتمل منه مثل هذا، وأخرجه أبو نعيم بسند حسن (الحلية ٢/ ٣٠٦) وهو في القطوف برقم (٣/ ٤).
[ ١ / ٢٧ ]
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الصَّفي: الْكَثِيرَةُ الأَلْبَانِ (^١).
رجال السند:
مجاهد بن موسى أبو علي الخوارزمي الختلي، ثقة ليس له في البخاري رواية، وريحان بن سعيد بن المثنى، أبو عصمة السامي الناجي البصري، صدوق ربما أخطأ، وكان إمام مسجد شيخه عباد بن منصور، وعباد بن منصور أبو سلمة الناجي، كان قاضيا على البصرة، لكنه ضعّف في الرواية، وعدّ في المدلسين، وعدّه ابن حجر في مرتبة صدوق رمي بالقدر، وعمران ابن ملحان التميمي، أبو رجاء البصري، تابعي ثقة مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، وليست له رؤية، أدرك النبي قبل البعثة، ولما بعث هرب مع أهله، فقيل لهم: إنما سبيل هذا الرجل شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فمن أقرّ بها أمن على دمه وماله، قال: فرجعنا فدخلنا في الإسلام (^٢)، فالحديث فيه ضعف عباد بن منصور، وعنعنته، وتغيّر بأخرة، لكن يحتمل منه مثل هذا.
الشرح:
هذا الحديث فيه ضعف عباد بن منصور، وعنعنته، وتغيّره، لكن يحتمل منه مثل هذا، وهو حكاية بعض ما كان عليه الجاهليون، وأخرجه أبو نعيم
_________________
(١) كتب عقبه في (ت) عليه علامة صح (الكثير اللبن). قلت: لعل قوله: " الألبان" جمع بالنظر إلى أكثر من ناقة، ومن نظر إلى المفرد أفرد فقال: " اللبن".
(٢) الطبقات الكبرى ٧/ ١٣٩.
[ ١ / ٢٨ ]
بسند حسن (^١)، وهو شاهد لما سبق من عادات الجاهلية في عبادتهم، وفيه نوع آخر من أنواع الأصنام التي يعبدونها عند فقدهم الأحجار، وذلك أنهم يجمعون كومة من الرمل يحلبون عليها تبركا بها، ويعبدونها مدة إقامتهم، ومن سخف عقولهم لم يتنبهوا إلى صناعتهم إياها، وحلبهم عليها، ثم تركها أو هدمها عند الرحيل، لم يعوا أن عملهم مجرد بله وحمق في آن واحد، وهذا من شواهد ما تقدم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: