٧٦ - (١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِد، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ عَـ[بْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى أَوْفي قَالَ: " كَانَ النَّبِيُّ (^١) -ﷺ- يُكْثِرُ (^٢) الذِّكْرَ، وَيُقِلُّ اللَّغْوَ، وَيُطِيلُ الصَّلَاةَ، وَيُقْصِرُ الْخُطْبَةَ، وَلَا يَأْنَفُ، وَلَا يَسْتَنْكِفُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ، فَيَقْضِيَ لَهُمَا حَاجَتَهُمَا " (^٣).
رجال السند:
محمد بن حميد الرازي، وثقه يحيى بن معين، وتكلم فيه آخرون تقدم، والفضل بن موسى السيناني، وأبو عبد الله المروزي، إمام ثقة، والحسين ابن واقد المروزي، وأبو عبد الله إمام ثقة، ويحيى بن عقيل البصري الخزاعي، صدوق ليس له عند الدارمي إلا هذه الرواية.
الشرح:
قوله: «يكثر الذكر» الذكر عام في جميع العبادات، وهو من الإكثار، ولذلك قال الله -﷿-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (^٤)، فالذكر
_________________
(١) في هامش علق (رسول الله) وكلاهما صحيح.
(٢) في هامش (ت) يقصّر، وهو خطأ لمقابلته بيُقل، ولو كان صحيحا لقوبل بيُطيل.
(٣) فيه محمد بن حميد أبو عبد الله الرازي: ضعيف وكان ابن معين حسن الرأي فيه، وأخرجه النسائي حديث (١٤١٤) وصححه الألباني.
(٤) الآية (٤١) من سورة الأحزاب.
[ ١ / ١٦٤ ]
مطلوب في كل الأوقات، وكان رسول الله -ﷺ- يذكر الله في كل أحيانه (^١)، والصلاة من أعظم الذكر فرضا ونفلا، ولذلك قال الله -﷿-: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (^٢)، أي: صل لربك بكرة، المراد صلاة الفجر، وأصيلا صلاة الظهر والعصر، ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾ (^٣)، صلاة المغرب وصلاة العشاء، ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ (^٤)، صلاة القيام على جهة الندب. قوله: «ويقل اللغو».
هذا القول من عبد الله بن أبي أوفى -﵁- أن المراد بالذكر الذي يكثر منه رسول الله -ﷺ- التسبيح والتهليل والتحميد والثناء على الله -﷿-؛ لأن الذكر في الصلاة لا يعتريه اللغو، ثم إن رسول الله -ﷺ- منزه عن اللغو، وإنما أراد الصحابي أنه الكلام في الدنيا وشؤنها لا يعني رسول الله -ﷺ-، سماه لغوا بالنظر لعدم اشتغال الرسول -ﷺ- به، وإن كان الناس يتكلمون في شؤون دنياهم ولا يسمى ذلك لغوا منهم، ولذلك قال رسول الله -ﷺ-: «أنتم أعلم بأمر دنياكم» (^٥).
قوله: «ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة».
_________________
(١) انظر مسند أبي يعلى حديث (٤٩٣٧).
(٢) الآية (٢٥) من سورة الإنسان.
(٣) من الآية (٢٦) من سورة الإنسان.
(٤) من الآية (٢٦) من سورة الإنسان.
(٥) مسلم حديث (٢٣٦٣).
[ ١ / ١٦٥ ]
المراد صلاة الجمعة يطيلها، ويقصر الخطبة، هذه هي السنة، ولكن يلزم للتقصير بلاغة من يخطب، ويجيد انتقاء الألفاظ الجامعة، مع سهولة الأسلوب، وبيان المقاصد، وهذا لا يجيده كثير من الخطباء، ولذلك يطيلون الكلام وتتشعب المحاور في الخطبة، ولا ريب أن لرسول الله -ﷺ- الكمال في هذا.
وفي غير الجمعة يستحب الاعتدال في الصلاة بالناس وعدم التطويل، فقد لام رسول الله -ﷺ- معاذا -﵁- لما أطال في الصلاة بالناس وقال: «أفتان يا معاذ؟ أفتان يا معاذ؟ ألا قرأت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها ونحوهما» (^١).
قوله: «ولا يأنف، ولا يستنكف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي لهما حاجتهما».
لأنه نبي الرحمة -ﷺ-، للقوي والضعيف والغني والفقير والأرملة وذات الزوج وللناس كافة، قال الله -﷿-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (^٢).
ما يستفاد:
* بيان أهمية الذكر في الصلاة وخارجها.
* استحباب إطالة صلاة الجمعة، وتقصير خطبتها.
* التعفف عن لغو الكلام، وما لا مائدة فيه، فالله -﷿- يقول:
_________________
(١) النسائي حديث (٩٨٤).
(٢) الآية (١٠٧) من سورة الأنبياء.
[ ١ / ١٦٦ ]
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (^١).
* التعفف عن لغو الكلام، وما لا مائدة فيه، فالله -﷿- يقول: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (^٢).
* أهمية التواضع في حياة كل مسلم، ولاسيما من كانت لدية قدرة على قضاء الحاجات.
* أهمية الاقتداء برسول الله -ﷺ- قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (^٣).
قال الدارمي رحمه الله تعالى: