٩٤ - (١) ثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ النُّكْرِىُّ قَالَ: ثَنَا أَبُو الْجَوْزَاءِ: أَوْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قُحِطَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قَحْطًا شَدِيدًا، فَشَكَوْا إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ: انْظُرُوا قَبْرَ النَّبِيِّ -ﷺ- فَاجْعَلُوا مِنْهُ كِوًى إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ سَقْفٌ. قَالَ: فَفَعَلُوا فَمُطِرْنَا مَطَرًا حَتَّى نَبَتَ الْعُشْبُ، وَسَمِنَتِ الإِبِلُ، حَتَّى تَفَتَّقَتْ مِنَ الشَّحْمِ، فَسُمِّىَ عَامَ الْفَتْقِ (^٣).
رجال السند:
أبو النعمان عارم إمام ثقة تقدم، سعيد بن زيد الجهضمي، أخو حماد بن زيد الأزدي، ليس بهبأس، وعمرو بن مالك النكري، أبو يحيى البصري، صدوق له أوهام، وليس هذا من حديث ابنه يحيى عنه، وأبو الجوزاء أوس ابن عبد الله الربعي، من فقهاء التابعين، إمام ثقة.
الشرح:
قوله: " ثنا أبو النعمان " في (ت، ك) أخبرنا أبو مران عيسى بن عمر السمرقندي قال: ثنا أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي السمرقندي،
_________________
(١) كتب قبالته في (ت) بلغت مقابلة بالأصل المقروء على ابن اللتي، وفي (ك) بلغ الثاني على العجلوني قراءة.
(٢) كتب قبالة هذا الباب في الهامش (بلغت مقابلة على الأصل المقروء على ابن اللتي).
(٣) فيه سعيد بن زيد بن درهم، وشيخه عمرو: كلاهما صدوق له أوهام، ولذلك ضعفه الألباني.
[ ١ / ٢١٠ ]
ثنا أبو النعمان.
قوله: «قحط أهل المدينة قحطا شديدا».
المراد أجدبت الأرض ولم ينزل الغيث، فهلك الضرع والزرع، ولا ريب أن حياة الناس لا تقوم إلا على المواشي، والزراعة.
قوله: «فشكوا إلى عائشة فقالت: انظروا قبر النبي -ﷺ- فاجعلوا منه كوا إلى السماء، حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف».
شكوا الشدة إلى أم المؤمنين ﵂ لمكانها من رسول الله -ﷺ-، ومن أبيها أبو بكر -﵁-، ولفقهها متوسمين إرشادهم بما لا يخالف الشرع، فاجتهدت في الفتوى، والمجتهد إن أصاب فله أجران؛ أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة، وإن أخطأ له أجر الاجتهاد، وخطؤه مغفور.
قوله: «فقالت: انظروا قبر النبي -ﷺ- فاجعلوا منه كوا إلى السماء، حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف».
أم المؤمنين لم تأمر بمخاطبة الرسول -ﷺ- بشيء، بل أمرتهم ﵂ بفعل وهو أن يفتحوا في السقف فتحات بحيث لا يحجب قبر الرسول -ﷺ- عن السماء، وهذا اجتهاد منها في الاستشفاع برسول الله -ﷺ- بعد موته، بغير دعائه، ولا مخاطبته بطلب.
قوله: «ففعلوا» المراد فعلو ما أمرتهم به أم المؤمنين من فتح كوًا في السقف.
قول: «فمطرنا مطرا حتى نبت العشب وسمنت الإبل، حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق».
[ ١ / ٢١١ ]
المراد أن أسنمة الإبل تنفطر وتنشق من كثر السمن، والمسألة فيها الخلاف بين العلماء شديد، فقد طعن العلماء في صحة هذه الرواية وتكلموا في بعض رواتها، من غير طريق الدارمي هذه فإن سندها حسن، ولا سبيل إلى الطعن في رواتها، ولكن أن هذا واقعة عين لا تقوى على رد عدم جواز الاستشفاع برسول الله -ﷺ-، وما ذكر عن عمر -﵁- أن خازنه على الطعام قال: " أصاب الناس قحط في زمن عمر، فجاء رجل إلى قبر النبي -ﷺ- فقال: يا رسول الله، استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتي الرجل في المنام فقيل له: ائت عمر فأقرئه السلام، وأخبره أنكم مستقيمون وقل له: عليك الكيس، عليك الكيس.
فأتى عمر فأخبره فبكى عمر ثم قال: " يا رب لا آلو إلا ما عجزت عنه " (^١).
هذه قصة فيها نظر، إن عرفنا خازن عمر على الطعام، واسمه مالك بن عياض، سكت عنه الإمامان، ووثقه ابن حبان، ولكن من الرجل الذي ذهب إلى قبر الرسول -ﷺ-؟، وهل توقف القحط بعد ذلك في عهد عمر -﵁-؟، ومتى كان عام الرمادة الذي اشتد فيه القحط والشدة، حتى علا وجوه الناس مثل الرماد من الجوع، ولماذا لا يذهب إلى القبر بنفسه -﵁-، ويخاطب الرسول -ﷺ-، وهو الذي سماه الفاروق، ولم لمّا احتاج الناس إلى طلب السقيا نادى عمر -﵁- العباس وقال: " اللهم إنا كنا إذا قحطنا على عهد نبيك -ﷺ- واستسقينا به فسقيتنا، وأنا نتوسل إليك اليوم بعم نبيك -ﷺ- فاسقنا " (^٢). وقد
_________________
(١) ابن أبي شيبة حديث (٣٢٠٠٢).
(٢) ابن خزيمة حديث (٢٨٦١).
[ ١ / ٢١٢ ]
يقال: فبمن نستسقي اليوم إذا أصابنا القحط، بالرجل الصالح المستقيم المزكى، فيدعوا كما دعا العباس والناس يؤمنون، وإلا بالتوسل إلى الله -﷿- فقد قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (^١).
ما يستفاد:
* جواز طلب الفتوى من المرأة العالمة.
* قد يصيب الناس قحط وشدة ليذكروا ربهم، ويحاسبوا أنفسهم.
* أن القحط سبب للتوبة والاستغفار، وقد دعا نوح قومه فقال: ﴿فَقُلْتُ
اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (^٢).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٩٥ - (٢) أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: " لَمَّا كَانَ أَيَّامُ الْحَرَّةِ لَمْ يُؤَذَّنْ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ -ﷺ- ثَلَاثًا وَلَمْ يُقَمْ، وَلَمْ يَبْرَحْ سَعِيدُ ابْنُ الْمُسَيَّبِ الْمَسْجِدَ، وَكَانَ لَا يَعْرِفُ وَقْتَ الصَّلَاةِ إِلاَّ بِهَمْهَمَةٍ يَسْمَعُهَا مِنْ قَبْرِ النَّبِيِّ -ﷺ- " فَذَكَرَ مَعْنَاهُ (^٣).
رجال السند:
مروان بن محمد الطاطري، أبو بكر أو عبد الرحمن، إمام ثقة، أخطأ ابن حزم في تضعيفه، وسعيد بن عبد العزيز التنوخي، أبو محمد أو عبدالعزيز
_________________
(١) ابن خزيمة حديث (٢٨٦١).
(٢) الآيتان (١٠، ١١) من سورة نوح.
(٣) ورجاله ثقات.
[ ١ / ٢١٣ ]
الدمشقي، شيخ العلم بعد الأوزاعي، إمام ثقة.
الشرح:
قوله: «لما كان أيام الحرة لم يؤذّن في مسجد النبي -ﷺ- ثلاثا ولم يقم». كانت واقعة الحرة بقيادة مسلم بن عقبة، في سنة ثلاث وستين من الهجرة، وكان سببها مطالبة بعض أهل المدينة، خرجوا يريدون خلع يزيد بن معاوية، فأرسل إليهم جيشا قوامه اثنى عشر ألفا، فجرى في المدينة قتال وخوف، وتفصيل ذلك في كتب السنة وغيرها.
قوله: «ولم يبرح سعيد بن المسيب المسجد».
هو سعيد بن المسيِّب بن حزن بن أبي وهب المخزومي القرشي، أحد الفقهاء السبعة، اتفق علماء الحديث على أن مرسلاته أصح المراسيل، توفي ﵀ سنة ثلاث وتسعين من الهجرة.
روى أبو حازم عن سعيد نفسه ما يؤيد هذه الرواية قال: قال: " سمعت سعيد ابن المسيب يقول: لقد رأيتني ليالي الحرة وما في المسجد أحد من خلق الله غيري. وإن أهل الشام ليدخلون زمرا زمرا، يقولون: انظروا إلى هذا الشيخ المجنون.
وما يأتي وقت صلاة إلا سمعت أذانا في القبر ثم تقدمت فأقمت فصليت وما في المسجد أحد غيري" (^١).
قوله: «وكان لا يعرف وقت الصلاة إلا بهمهمة يسمعها من قبر النبي -ﷺ-».
_________________
(١) الطبقات الكبرى ط العلمية ٥/ ١٠٠.
[ ١ / ٢١٤ ]
بينت رواية أبي حازم أنه الأذان، وليس ذلك بغريب على من في القبر، ولا على من في المسجد، فالله عليم بفضل كل منهما، فكانت هذه كرامة الله -﷿- لسعيد الهارب من الفتنة، أن يذكره الله -﷿- فيسمع الأذان من قبر المصطفى -ﷺ-.
ما يستفاد:
* بيان ما تجلبه دعوى نقض البيعة من بعض الناس من الشر والفتنة، ولقد جلب دعاتها شرا على الناس عظيما في المدينة.
* لم يكن الخروج على يزيد مشروعا، فلم لديه كفر بواح يقتضي ذلك.
* اعتزال سعيد بن المسيب الفتنة وهو من الفقها المعتبرين يؤيد عدم جواز الخروج.
* بيان كرامة الله -﷿- لعباده الصالحين.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٩٦ - (٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِى خَالِدٌ - هُوَ ابْنُ يَزِيدَ - عَنْ سَعِيدٍ - هُوَ ابْنُ أَبِي هِلَالٍ - عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ: أَنَّ كَعْبًا دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَذَكَرُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ كَعْبٌ: مَا مِنْ يَوْمٍ يَطْلُعُ إِلاَّ نَزَلَ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ حَتَّى يَحُفُّوا بِقَبْرِ النَّبِيِّ -ﷺ- يَضْرِبُونَ بِأَجْنِحَتِهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى إِذَا أَمْسَوْا عَرَجُوا وَهَبَطَ مِثْلُهُمْ فَصَنَعُوا مِثْلَ
[ ١ / ٢١٥ ]
ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا انْشَقَّتْ عَنْهُ الأَرْضُ خَرَجَ فِي سَبْعِينَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَزِفُّونَهُ (^١).
رجال السند:
عبد الله بن صالح كاتب الله صدوق تقدم، والليث بن سعد: إمام تقدم، وخالد ابن يزيد أبو العلاء ثقة تقدم، وسعيد بن أبي هلال ثقة رد تضعيف ابن حزم، ونبيه بن وهب بن عثمان المدني، إمام ثقة.
الشرح:
هذه الرواية هي آخر ما ورد من كتاب فضائل نبينا محمد -ﷺ- وسبق أن قلت عند أول رواية الدارمي في هذا المسند: لم يهتم الرعيل الأول من الأئمة المؤلفين كثيرا بذكر تصنيف الكتب وما يندرج تحتها من أبواب، ولا الأبواب وما يندرج تحتها من فصول، وكذلك الفصول وما يندرج تحتها من مباحث، وعلى ذلك شوش الدارمي ﵀، فتارة يذكر الباب ويسميه كما هنا، وتارة يذكره منكّرا فيقول: باب، ولا يسميه، وتارة يقول: كتاب، وأخرى: ومن كتاب، وما بدأ به هنا منه ما يندرج تحت كتاب علامات النبوة، ومنه ما يكون تحت كتاب الفضائل.
_________________
(١) ت: وفي سنده خالد بن يزيد الجهني: مقبول، وهو موقوف على كعب الأحبار، وهو من رواة الإسرائيليات، ولم أقف عليه عند غير الدارمي، ولا نشك في أن نبينا -ﷺ- حقيق بذلك، ولكن لا نجزم بصحة الخبر، والله أعلم.
[ ١ / ٢١٦ ]
قوله: «أن كعبا» هو كعب بن ماتع الحميري أبو إسحاق، مشهور بكعب الأحبار ثقة مخضرم، أدرك عهد النبي -ﷺ- ولم يره، أسلم في خلافة عمر ابن الخطاب -﵁-، من أهل اليمن سكن الشام، مات في خلافة عثمان -﵁-،
وقد زاد على المائة، روايته عن النبي -ﷺ- مرسلة.
قوله: «دخل على عائشة».
يفيد أن روايته عنها موصولة وليست مرسلة.
قوله: «فذكروا رسول الله -ﷺ-» يفيد أن معه غيره في الدخول على أم المؤمنين ﵂ تسمعهم من وراء حجاب.
قوله: «فقال كعب: ما من يوم يطلع إلا نزل سبعون ألفا من الملائكة حتى يحفوا بقبر النبي -ﷺ-، يضربون بأجنحتهم ويصلون على رسول الله -ﷺ-، حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط مثلهم فصنعوا مثل ذلك، حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفا من الملائكة يزفونه».
هذا لا غرابة فيه بالنسبة لرسول الله -ﷺ-، فهو أهل لهذا التكريم، ولكن من أين هذا لكعب؟! ولم يدرك رسول الله -﷿- فيقال رواه عنه، لا سبيل لعلم كعب هذا إلا أن يكون من علم أهل الكتاب، فنحن لا ننكر فضل المصطفى -ﷺ-، وتكريم الله -﷿- له، ولكن نطلب المصدر الذي استقى من كعب ﵀
[ ١ / ٢١٧ ]
هذا، فليس الا الاسرائيليات، ولاسيما أنه لم يسند قوله هذا إلى أحد. والعجب أن أهل العلم ﵏﷿- تناقلوه من رواية كعب، ورووه ودونوه في مصنفاتهم، ولم أقف على من استفهم عن مصدر علم كعب ﵀ بهذا، فإن كان من أهل الكتاب وكعب منهم قبل الإسلام، فأمرنا ألا نصدق ولا نكذب.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: