٩٧ - (١) أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيد قَالَ: حَدَّثَنِى خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَلَاةَ الْفَجْرِ ثُمَّ وَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا. فَقَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْمُحْدَثَاتِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ» وَقَالَ أَبُو عَاصِمٍ مَرَّةً: «وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (^٢).
رجال السند: أبو عاصم الضحاك بن مخلد النبيل، إمام ثقة جليل، وثور ابن يزيد الحمصي، أبو يزيد الرحبي، إمام ثقة، وخالد بن معدان ثقة
_________________
(١) كتب قبالته في (ت) بلغ العرض.
(٢) في إسناد عبد الرحمن بن عمرو بن عبسة السلمي، مقبول. والخبرأخرجه الترمذي حديث (٢٦٧٦) وقال: حسن صحيح، وأبو داود حديث (٤٦٠٧) وابن ماجه حديث (٤٣) وصححه الألباني عندهما.
[ ١ / ٢١٨ ]
تقدم، وعبد الرحمن بن عمرو بن عبسة، عبسة السلمي، له حديث الموعظة هذا.
الشرح:
قوله: «صلى لنا رسول الله -ﷻ- صلاة الفجر، ثم وعظنا».
ورد أيضا في بعض الروايات صلى بنا، وكلاهما جائز، أي: إماما في صلاة الفجر، حدد العرباض -﵁- أنه كان بعد الفجر.
قوله: «موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب».
المراد أنه -ﷺ- أقبل عليهم بوجهه وألقى عليهم موعظة ظهر فيها بيانه -ﷺ-، وأبلغ في الإنذار، فذرفت العيون من بلاغتها، وخافت القلوب من وعيدها، وقد استمال قلوبهم ببلاغته -ﷺ-، وقد أعطي جوامع الكلم في حديثه وخطبه. قوله: «قال قائل».
القائل هم الصحابة -﵃-، يدل على هذا تأثرهم وبكاؤهم وخوفهم، وهذا تؤيد رواية "فقلنا: يا رسول الله! إن هذه موعظة مودع، فما تعهد إلينا؟ " (^١).
قوله: «كأنها موعظة مودع فأوصنا».
استشعر ذلك القائل أو القائلون من بلاغة الموعظة، والتركيز أعلى مور بكت منه عيونهم، وخافت منها قلوبهم أن ذلك يشير إلى دنو الأجل، أنه أنهم لما رأوا حرص رسول الله -ﷺ- على ذكر أمور هالتهم وأخافتهم، فشبهوه -ﷺ- براحل أوصى أهله بماينفعهم وحذرهم مما يهلهم، فبادروا إلى طلب الوصية، ومعلوم أن الوصية لا يترك فيها أمر ذو بال.
_________________
(١) الاعتصام للشاطبي ١/ ٦٤.
[ ١ / ٢١٩ ]
قوله: «أوصيكم بتقوى الله».
بدأ الوصية بتقوى الله -﷿-؛ لأنها رأس كل أمر، وفيها جماع الخير والبركة
والرزق، والفكاك من شر وبلاء، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (٣) وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (^١).
فأي خير يتمناه المسلم في الدنيا بعد هذا، فتقوى الله -﷿- هي الطريق الصحيح في الدنيا ومنها إلى الجنة، والتقوى المراد أن تحرص على الحلال فيما تأتي من مطعم ومشرب، وبيع وشراء، وأن تعاشر بالحلال، وتتعامل بالمعروف، وأن تذر الحرام مما سلف ذكره، قال رسول الله -ﷺ-: «الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما شبه عليه من الإثم، كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم، أوشك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حمى الله من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه» (^٢).
قوله: «والسمع والطاعة».
المراد لولاة الأمر، وهما طرفان يشد بعضهما بعضا، ولاة الأمور في السياسة الشرعية، وهم العلماء لهم بيان ما تدل عليه النصوص من الكتاب والسنة من المصالح الدينية والاجتماعية والاقتصادية، والطرف الثاني ولي الأمر في السياسة العامة، وهو رأس الهرم في الدولة له حق الطاعة كما هو للعلماء، ولذلك جمع بين السمع والطاعة تأكيدًا للاعتناء بهذا المقام، ولأهمية
_________________
(١) الآيات (٢ - ٤) من سورة الطلاق.
(٢) البخاري حديث (٢٠٥١) ومسلم حديث (ذ ٥٩٩).
[ ١ / ٢٢٠ ]
طاعة أولياء الأمور؛ لأنها حجاب المصالح ورعاية العدل في الحقوق والوجبات قال -﷿-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (^١).
وهذا ربط عظيم بين ثلاث طاعات مفروضة بالنص من الله -﷿- ليس فيها مجال للاجتهاد، ولا ينفك بعضها عن بعض، فمن أطاع الله -﷿- فهو باللزوم يطيع رسول الله -ﷺ-، ومن أطاع الرسول لزوما يطيع الله -﷿-، ومن عصى الله -﷿- فقد عصى الرسول -ﷺ-، ومن عصى الرسول -ﷺ-، فهو عاص لله -﷿-، ولذلك قال رسول الله -ﷺ-: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني» (^٢)، ثم لم يعد الفعل ﴿وَأَطِيعُوا﴾ فلم يقل: وطيعوا أولي الأمر منكم بل قال -﷿-: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ لأن طاعة ولي الأمر مرتبطة بطاعة الله -﷿- ورسوله -ﷺ-، فجرى العطف بدون ذكر الفعل، ليعلم أنه لا طاعة لولي الإمر إلا إذا أطاع الله -﷿- ورسوله -ﷺ-.
قوله: «وإن كان عبدا حبشيا».
المراد وجوب طاعة من يوليهم ولي الأمر على جهات الدولة، فطاعتهم واجبهم تنفيذا لطاعة ولي الأمر، وإن كان المولّى عبدا، لذلك قال أبو ذر -﵁-: " إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع، وإن كان عبدا مجدّع الأطراف" أي: وإن حقيرا في نظر الآخرين، وهذه مبالغة في وجوب الطاعة، وقد
_________________
(١) من الآية (٥٩) من سورة النساء.
(٢) أحمد حديث (٧٤٣٤).
[ ١ / ٢٢١ ]
يذكر المثل للشيء بما لم يكن موجودا، وقد ضرب رسول الله -ﷺ- مثلا لأجر من بنى لله مسجدًا فقال: «ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة» (^١)، ومعلوم أن قدر مفحص قطاة لا يمكن أن يستوعب قدم إنسان، وضرب مثلا لقوة العدل والجزم فيه فقال: «وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (^٢).
وبعد أن ربط الله الطاعات الثلاث لزوما بين ما يجب على أولياء الأمور فيما لو وقع الخلاف بينهم في أمر ما فقال -﷿-: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (^٣)، أمر تعالى بالرد إلى كتابه وسنة رسوله في حال التنازع في أي أمر كان سواء بين المسلمين، أو بينهم وبين ولاة الأمر؛ فذلك الرد علامة الإيمان الصحيح، قال -﷿-: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (^٤)، في ذكر الإيمان باليوم الآخر نوع وعيد بعقاب المسيء، وبين تعالى أن ذلك الرد الذي أمر به فيه الخير والنظر الصائب، لا ما يختاره العباد فقال: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (^٥).
قوله: «فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا».
_________________
(١) ابن ماجه حديث (٧٣٨).
(٢) البخاري حديث (٣٤٧٥) ومسلم (١٦٨٨).
(٣) من الآية (٥٩) من سورة النساء.
(٤) من الآية (٥٩) من سورة النساء.
(٥) من الآية (٥٩) من سورة النساء.
[ ١ / ٢٢٢ ]
فيه إشارة إلى أن بعضهم سيدرك هذا الخلاف قبل موته، وهذا ما حدث فعلا، فأول الخلاف كان في عهد عثمان -﵁-، وأخذ في الاتساع ولاسيما في عهد علي -﵁-، وتنامت الفرق الضالة بعد ذلك، وهي في ازدياد إلى يومنا هذا، وإلى أن تقوم الساعة وهذا من بعض معجزات نبينا محمد -ﷺ- إذا أخبر أصحابه -﵃- بما يكون بعده من الاختلاف، وغلبة المنكر، ولم يذكر ذلك على التفصيل مع علمه به ولو شاء لسمى الأعيان، وإنما حذر منه على العموم، وقد بين ذلك لبعض الصحابة -﵃- كأبي هريرة -﵁- «حفظت من رسول الله -ﷺ- وعاءين: فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم» (^١)، وقد اختص حذيفة -﵁- فذكر له بعض المنافقين. قوله: «فعليكم بسنتي».
المراد تمسكوا بها، وهي طريقته بينة الأحكام في الحلال والحرام، والتوحيد وما يجب التمسك به في الطريق إلى الجنة من الأقوال والأفعال.
قوله: «وسنة الخلفاء الراشدين المهديين».
المراد بالراشد من عرف الحق والتزمه، والخلفاء الراشدون هم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي -﵃-، وصفهم الرسول -ﷺ- بالرشد، وبالاهتداء؛ استمعوا الحق فعرفوه والتزموه، وهم مبشرون بالجنة.
قوله: «عضوا عليها بالنواجذ».
النواجذ: هي الأنياب، وليست الثنايا، وهذا مبالغة في شدة التمسك بسنته -ﷺ-، وسنة الخلفاء الراشدين، لأن في ذلك جماع الخير والفلاح.
_________________
(١) البخاري (١٢٠).
[ ١ / ٢٢٣ ]
قوله: «وإياكم والمحدثات».
والمحدث من الأمور في الدين ما خالف الكتاب والسنة، وما لا أصل له في الشرع، وجامعها البدع، وذلك من الخديعة للأمة، قال رسول الله
-ﷺ-: «الخديعة في النار، من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (^١).
قوله: «وقال أبو عاصم» هو النبيل إمام ثقة تقدم.
قوله: «فإن كل بدعة ضلالة».
وصف النبي -ﷺ- كل البدع بأنها ضلال؛ لأن المبتدع يرجع إلى الاختلاف الذي تقدم تحذير الرسول -ﷺ- منه، والاختلاف سبب التفرق المذموم وشتات الأمر، فلا يكون شيء من البدع حسنا؛ فكل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة، ومن ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا -ﷺ- خان الرسالة؛ إذ لم يؤدها كما أمر، وهذا باطل في حقه -ﷺ-، وأخبر الله -﷿- بكمال الدين قبل موته -ﷺ- بثلاثة أشهر في حجة الوادع فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (^٢)، ولو لم يكمل النبي -ﷺ- الرسالة كما أمره الله -﷿- لما جاء هذا النص الكريم.
ما يستفاد:
* أن من أسباب ترقيق القلوب المبالغة في الترغيب والترهيب، وهو أساس في الموعظة.
_________________
(١) البخاري ما حديث (٢١٤١) ومسلم حديث (١٧١٨).
(٢) من الآية (٣) من سورة المائدة.
[ ١ / ٢٢٤ ]
* أن الإصغاء في المواعظ يفيد في استنتاج بعض ما يرمي إليه الواعظ، فقد فهم الصحابة -﵃- من مبالغته في الموعظة أنه -ﷺ- يودعهم.
* جواز طلب الزياد في النصيحة ولو وجد في الموعظة ما يخيف ويرعب.
* الموعظة اشتملت على إخبار بغيب، مما يقع بعد موته -ﷺ-، وهو ما عاينه بعض الصحابة -﵃- في عهد عثمان -﵁-، وما بعده.
* أن تقوى الله -﷿- من أعظم ما يحرص عليه المسلم؛ لأنها سفينة النجاة في الدنيا والآخرة.
* أن في الطاعة لله -﷿- ورسوله -ﷺ- وأولوا الأمر سعادة الدنيا والآخرة.
* أن الصبر على التمسك بالسنة عاقبته حميدة رغم الشدة في ذلك، لذلك مثّل لها بالعض الشدي بالنواجذ: وهي الأنياب، لأهمية الصبر عليها.
* العمل بأقوال الخلفاء الراشدين واعتبارها سنة، وذلك لمعرفتهم الحق والتزامه.
* الحذر من مخالفة الكتاب والسنة، وعدم الإحداث في الدين ما ليس منه.
* أن من يبتدع في الدين فقد ضل طريق المؤمنين.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٩٨ - (٢) أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةَ، ثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ مَنْ مَضَى مِنْ عُلَمَائِنَا يَقُولُونَ: الاِعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ نَجَاةٌ، وَالْعِلْمُ يُقْبَضُ قَبْضًا سَرِيعًا، فَنَعْشُ الْعِلْمِ ثَبَاتُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَفِي ذَهَابِ الْعِلْمِ ذَهَابُ ذَلِكَ كُلِّهِ (^١).
_________________
(١) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٤٣/ ٩٧).
[ ١ / ٢٢٥ ]
رجال السند:
أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الحمصي، يمني من خولان، إمام
ثقة، والأوزاعي (^١) عبد الرحمن بن عمرو إمام ثقة تقدم، ويونس بن يزيد الأيلي، هو أبو يزيد مولى معاوية، راوية الزهري، إمام ثقة، والزهري محمد بن مسلم إمام ثقة تقدم.
الشرح:
قوله: «كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام …» هذا قول الزهري ﵀﷿- وهو محمد بن مسلم، كان رأسا في التمسك بالكتاب والسنة، ومحاربة ما خالفهما، وفي رواية قال: بلغنا عن رجال وصفهم بأنهم من أهل العلم، وهذا يؤيد أنهم من المعروفين بالعلم، والاستقامة على السنة.
يؤيد هذا قولهم: «الاعتصام بالسنة نجاة».
وهذا أصله قول الله -﷿-: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (^٢)، وهو منهج السلف ﵏﷿-؛ لأن حبل الله القرآن، والسنة النبوية، ولذلك لم يسم هذا المنهج مذهبا في الإسلام في الصدر الأول؛ لأنه هو الإسلام كله، وكل كل لا يتجزأ، ولا يجوز أن تفترق فيه الأمة، وقد بسطنا القول في المراد بمنهج السلف في كتابنا " الهادي والمهتدي".
_________________
(١) في (ت) عن يحي بتئ أبي عمرو ويونس ..
(٢) من الآية (١٠٣) من سورة آل عمران.
[ ١ / ٢٢٦ ]
قوله: " فَنَعْشُ " النعش: من أسماء السرير في بعض حالاته: وهي حين يكون عليه الميت، وإذا كان للملك فيقال: عرش، وإذا كان للعرس فأريكة، وللثياب فهو النضد (فقه اللغة ١/ ٥٤).
قوله: «والعلم يقبض قبضا سريعا».
المراد بموت العلماء الربانيين، قال رسول الله -ﷺ-: «إن الله لا ينتزع العلم من الناس انتزاعا، ولكن يقبض العلماء فيرفع العلم معهم، ويبقي في الناس رؤوسا جهالا، يفتونهم بغير علم، فيضلون ويضلون» (^١).
قوله: «فنعش، العلم ثبات الدين والدنيا».
ثبت أن قوله: " فنعش" تصحيف تقدم بيانه في التعليق، والمراد بالعلم: العلم الشرعي المترتب عليه الثواب والعقاب، وهو ثبات الناس على الحق في اعتقادهم وعبادتهم ومعاملاتهم، فالدين المراد به ما يتعلق بالآخرة، والدنيا ما يتعلق بالحياة، وقد وصف ذلك بالثبات لشدة الارتباط بما يتعلق بالمعاد والمعاش، والمصالح فيهما.
قوله: «وفي ذهاب العلم ذهاب ذلك كله».
المراد أن ذهاب العلم بموت العلماء الربانيين ذهاب للدين والدنيا، فذهاب العلماء يورث في الناس رؤوسا جهالا، يفتونهم بغير علم، فيضلون ويضلون.
ما يستفاد:
* المعتصمون بالكتاب والسنة هم العلماء الربانيون حقا.
_________________
(١) مسلم حديث (٢٦٧٣).
[ ١ / ٢٢٧ ]
* التنبيه على وجوب التمسك بالسنة، وهي ما صح من قول رسول الله -ﷺ- أو فعله أو تقريره.
* أن بقاء العلماء الربانيون في الأمة ضمان لهم بإذن الله -﷿- من جهلاء الناس، وهذا يلزم منه توقير العلماء.
* أن ذهاب العلم يكون بموت العلماء.
* أن الجهل يقود إلى الضلال، والقول على الله -ﷻ- بالباطل.
* أن من يفتي بغير علم خطر على الأمة؛ لأنه يقودها إلى الضلال عما شرع الله -﷿-.
* أن العلم بالشرع أساس قيام الدين، وصلاح الدنيا.
* أن الدين وصلاح الدنيا يذهب بذهاب العلماء.
* أن الضلال والفساد والفتن تكون ظاهر بفتاوى الجهال.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٩٩ - (٣) أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، ثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: بَلَغَني أَنَّ أَوَّلَ الدِّينِ تَرْكًا السُّنَّةُ، يَذْهَبُ الدِّينُ سُنَّةً سُنَّةً كَمَا يَذْهَبُ الْحَبْلُ قُوَّةً قُوَّةً (^١).
رجال السند:
أبو المغيرة تقدم آنفا، والأوزاعي تقدم، ويحيى بن أبي عمرو الشيباني، أبو زرعة الحمصي، ابن عم الأوزاعي إمام ثقة، وعبد الله بن فيروز الديلمي، أبو بشر من كبار التابعين ثقة.
_________________
(١) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٤٤/ ٩٨).
[ ١ / ٢٢٨ ]
الشرح:
قوله: «إن أول الدين تركا السنة» المراد أن السنة تترك بقيام البدعة؛
لأن كل ما قامت بدعة ماتت سنة، ولذلك قال رسول الله -ﷺ- «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (^١)، وقال -ﷺ-: «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» (^٢).
قوله: «يذهب الدين سنة سنة، كما يذهب الحبل قوة قوة».
المراد أنه يضعف بظهور ما يبتدع شيئا فشيئا، كضعف قوة الحبل، حتى يَخْلَق ويَرِم، ويذهب الدين كلية بتوالي موت العلماء الربانين سنة بعد سنة.
ما يستفاد:
* علاوة على ما سبق، فيه بيان أن النجاة في التمسك بالسنة.
* وأن الهلاك في البدع ومحدثات الأمور.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٠٠ - (٤) أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، ثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ حَسَّانَ قَالَ: مَا ابْتَدَعَ قَوْمٌ بِدْعَةً فِي دِينِهِمْ إِلاَّ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ سُنَّتِهِمْ مِثْلَهَا، ثُمَّ لَا يُعِيدُهَا إِلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (^٣).
_________________
(١) البخاري ما حديث (٢١٤١) ومسلم حديث (١٧١٨).
(٢) في إسناد عبد الرحمن بن عمرو بن عبسة السلمي، مقبول. والخبرأخرجه الترمذي حديث (٢٦٧٦) وقال: حسن صحيح، وأبو داود حديث (٤٦٠٧) وابن ماجه حديث (٤٢، ٤٣، ٤٤) وأحمد حديث (١٧١٤٢، ١٧١٤٥) قال ابن عبد البر: هو حديث جيد من صحيح حديث الشاميين (جامع بيان العلم وفضله ٢/ ٢٢٣).
(٣) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٤٥/ ٩٩).
[ ١ / ٢٢٩ ]
رجال السند:
أبو المغيرة، والأوزاعي، تقدما وكلاهما إمام ثقة، وحسان بن عطية
المحاربي، إمام ثقة، أثنى عليه الأوزاعي.
الشرح:
قوله: «ما ابتدع قوم بدعة في دينهم، إلا نزع الله من سنتهم مثلها».
هذا يؤيد ما تقدم ذكره، من شدة خطر البدع؛ لأنها إحداث بسم الدين ما هو باطل وغير مشروع.
قوله: «ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة».
المراد أن الباطل حل محلها وتشرّب الجهال العمل به، فلا يقبلون العمل بالسنة وإن دُعُوا إليها؛ لأن البدع منبعها الأهواء والرغبات الباطلة.
ما يستفاد:
* بيان أن السنة والبدعة عدوان لدودان لا يجتمعان أبدا، وانظر ما سبق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٠١ - (٥) أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: مَا ابْتَدَعَ رَجُلٌ بِدْعَةً إِلاَّ اسْتَحَلَّ السَّيْفَ (^١).
رجال السند:
مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، إمام ثقة تقدم، ووهيب بن خالد بن عجلان الباهلي، إمام ثقة، يملي من حفظه، وكان عالما بالرجال، وأيوب
_________________
(١) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٤٦/ ١٠٠).
[ ١ / ٢٣٠ ]
السختياني، إمام ثقة تقدم، وأبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، عالم بالقضاء، فارٌّ منه، إمام ثقة، قال أيوب: كان والله من الفقهاء ذوي الألباب.
الشرح:
قوله: «ما ابتدع رجل بدعة إلا استحل السيف».
المراد استحل قتل من خالفه في بدعته، وسفك دماء الناس بسبب باطل دعا إليه، ولذلك أدب عمر -﵁- صبيغا لما قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وجعل يسأل عن متشابه القران، فاستدعاه عمر -﵁-، هلّ ما في رأسه من ضلال، حتي قال: يا مير المؤمنين حسبك، قد ذهب الذي كنت أجد، وستأتي قصته عند الدارمي لا حقا.
ما يستفاد:
* أن البدعة استحلال للدماء والأعراض والأموال.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٠٢ - (٦) أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ (^١)، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: " إِنَّ أَهْلَ الأَهْوَاءِ أَهْلُ الضَّلَالَةِ، وَلَا أَرَى مَصِيرَهُمْ إِلاَّ النَّارَ، فَجَرِّبْهُمْ فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَنْتَحِلُ قَوْلًا - أَوْ قَالَ حَدِيثًا - فَيَتَنَاهَى بِهِ الأَمْرُ دُونَ السَّيْفِ، وَإِنَّ النِّفَاقَ كَانَ ضُرُوبًا، ثُمَّ تَلَا: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (^٢)، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا
_________________
(١) في الأصل (يزيد) وهو خطأ.
(٢) الآية (٧٥) من سورة التوبة.
[ ١ / ٢٣١ ]
هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ (^١)، ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ (^٢)، فَاخْتَلَفَ قَوْلُهُمْ وَاجْتَمَعُوا في الشَّكِّ وَالتَّكْذِيبِ، وَإِنَّ هَؤُلَاءِ اخْتَلَفَ قَوْلُهُمْ وَاجْتَمَعُوا فِي السَّيْفِ، وَلَا أَرَى مَصِيرَهُمْ إِلاَّ (^٣) النَّارَ".
قَالَ حَمَّادٌ: ثُمَّ قَالَ أَيُّوبُ عِنْدَ ذَا الْحَدِيثِ، أَوْ عِنْدَ الأَوَّلِ: وَكَانَ وَاللَّهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ ذَوِي الأَلْباب. يَعْنِي أَبَا قِلَابَةَ (^٤).
رجال السند:
سليمان بن حرب بن بجيل أزدي، أبو أيوب البصري، إمام ثقة، وحماد ابن زيد، وأيوب السختياني، وأبو قلابة الجرمي، أئمة ثقات تقدموا.
الشرح:
قوله: «إِنَّ أَهْلَ الأَهْوَاءِ أَهْلُ الضَّلَالَةِ» لتركهم السنة، وأخذهم البدعة، ولذلك قال: «وَلَا أَرَى مَصِيرَهُمْ إِلاَّ النَّارَ» ويؤيد هذا قول الله -﷿-: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (^٥).
قوله: «فَجَرِّبْهُمْ فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَنْتَحِلُ قَوْلًا - أَوْ قَالَ حَدِيثًا - فَيَتَنَاهَى بِهِ الأَمْرُ دُونَ السَّيْفِ»؛ لأنهم زنادقة، لم يعجبهم شرع الله، فانتحلوا من
_________________
(١) الآية (٥٨) من سورة التوبة.
(٢) من الآية (٦١) من سورة التوبة.
(٣) في (ت) إلى، وهو خطأ.
(٤) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٤٧/ ١٠١) وهذا الحديث نهاية النقص من المخطوطة (ل) وهو من أولها.
(٥) من الآية (٥٠) من سورة القصص.
[ ١ / ٢٣٢ ]
البدع ما أضلوا به وأضلوا، وذكر من أهل الأهواء المنافقين، والنفاق أنواع، ثم أورد ﵀ ما يدينهم من الكتاب وتَلَا: الآيات قال الله -﷿- ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (^١) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ (^٢)، ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ (^٣)، فَاخْتَلَفَ قَوْلُهُمْ وَاجْتَمَعُوا في الشَّكِّ وَالتَّكْذِيبِ، وَإِنَّ هَؤُلَاءِ اخْتَلَفَ قَوْلُهُمْ وَاجْتَمَعُوا فِي السَّيْفِ، وَلَا أَرَى مَصِيرَهُمْ إِلاَّ النَّارَ". قَالَ حَمَّادٌ: ثُمَّ قَالَ أَيُّوبُ عِنْدَ ذَا الْحَدِيثِ، أَوْ عِنْدَ الأَوَّلِ: وَكَانَ وَاللَّهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ ذَوِي الأَلْباب. يَعْنِي أَبَا قِلَابَةَ (^٤).
فالمراد أن الأهواء منها الحسن والقبيح، فالحسن ما وافق الشرع، قال رسول الله -ﷺ-: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» (^٥).
والقبيح: ما خالف الشرع ورد العمل به، ومن كان هذا حاله فإنه يهوي في نار جهنم.
_________________
(١) الآية (٧٥) من سورة التوبة.
(٢) الآية (٥٨) من سورة التوبة.
(٣) من الآية (٦١) من سورة التوبة.
(٤) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٤٧/ ١٠١) وهذا الحديث نهاية النقص من المخطوطة (ل) وهو من أولها.
(٥) السنة لابن أبي عاصم حديث (١٥).
[ ١ / ٢٣٣ ]
ما يستفاد
* التحذير من البدع فأكثر ما تكون الأهواء في العبادات.
* الأصل في العبادة التوقيف، والحضر فلا يزاد فيها، ولا ينقص منها.
* عدم جواز التقرب إلى الله بعمل لا يوافق الكتاب والسنة. * ضلال من لم تكن السنة منهجه، يؤيد عذا قوله -﷿-: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (^١).
* أن في عمل المبتدع تهمة للنبي -﷿- بأنه لم يبلغ الدين كما أراد الله -﷿-.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: