١٠٣ - (١) أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةَ: " أَنَّهُمَا كَانَا جَالِسَيْنِ فَجَاءَ رَجُلٌ فَسَأَلَهُمَا عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِحُذَيْفَةَ: لأَيِّ شَيْءٍ تُرَى يَسْأَلُونِي عَنْ هَذَا؟، قَالَ: يَعْلَمُونَهُ ثُمَّ يَتْرُكُونَهُ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: مَا سَأَلْتُمُونَا عَنْ شَيْءٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ نَعْلَمُهُ أَخْبَرْنَاكُمْ بِهِ، أَوْ سُنَّةٍ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ- أَخْبَرْنَاكُمْ بِهِ، وَلَا طَاقَةَ لَنَا بِمَا أَحْدَثْتُمْ " (^٢).
_________________
(١) الآيتان (١٠٣، ١٠٤) من سورة الكهف.
(٢) رجاله ثقات، لكن عامر الشعبي لم يسمع من ابن مسعود. انظر (المراسيل لابن أبي حاتم ص ١٦٠) وانظر: القطوف رقم (٤٨/ ١٠٢).
[ ١ / ٢٣٤ ]
رجال السند:
عمرو بن عون الواسطي، أبو عثمان السلمي، إمام ثقة، حافظا لحديث شيخه خالد بن عبد الله المزني، أبو الهيثم أو محمد، إمام ثقة، وعطاء ابن السائب صدوق تقدم، وعامر الشعبي، من كبار التابعين، رأى الجم الغفير من الصحابة -﵁-، إمام ثقة جليل.
الشرح:
قوله: «ابْنِ مَسْعُود، وَحُذَيْفَةَ».
ابن مسعود هو الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود -﵁-، وحذيفة هو ابن اليمان -﵁-، أمين سر رسول الله -ﷺ-.
قوله: «أَنَّهُمَا كَانَا جَالِسَيْنِ فَجَاءَ رَجُلٌ فَسَأَلَهُمَا عَنْ شَيْءٍ».
المراد سألهما عن أمر ليس في كتاب الله -﷿- ولا سنة رسول الله -ﷺ-.
قوله: «لأَيِّ شَيْءٍ تُرَى يَسْأَلُونِي عَنْ هَذَا؟».
استفسار ابن مسعود -﵁- من حذيفة -﵁- يدل على استغراب ابن مسعود لما سئل عنه، وأنه لم يكن موافقا للشرع، ولذلك قال ابن مسعود -﵁-: «مَا سَأَلْتُمُونَا عَنْ شَيْءٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ نَعْلَمُهُ أَخْبَرْنَاكُمْ بِهِ، أَوْ سُنَّةٍ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ- أَخْبَرْنَاكُمْ بِهِ».
المراد إذا كان ما تسألون جوابه في كتاب الله -﷿- أو في سنة رسول الله -ﷺ- أجبناكم بما في الكتاب والسنة.
قوله: «وَلَا طَاقَةَ لَنَا بِمَا أَحْدَثْتُمْ».
المراد المسائل الشاذة؛ لأن ذلك مدعاة لكثرة إيرادها، والتعمية على العلماء، وقد ورد النهي عن الأسئلة عما سكت عنه الشرع، قال الله -﷿-: ﴿يَاأَيُّهَا
[ ١ / ٢٣٥ ]
الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا﴾ (^١)، وقال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَيْكُمْ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا» (^٢)، أما ما يرد من الأسئلة عن أشياء ظهرت في المجتمع ويطلب النظر في إيجاد حكم شرعي لها لعدم وجود النص من الكتاب والسنة، فإن اجتهاد العالم فيها مطلوب بما لا يكون بدعة في الدين؛ لأنه قد كمل ولا مجال في الزيادة ولا النقص، وقد اجتهد ابن مسعود وقال برايه وسيأتي ذكر ذلك عند الدارمي لاحقا.
ما يستفاد:
* وجوب عدم الخروج عن الكتاب والسنة في معرفة العبادة والحلال والحرام.
* الحذر من الأسئلة المشوشة والشاذة.
* جواز الاجتهاد فيما لا نص فيه مما يتعلق يستجد في المجتمع المسلم وإيجاد الحكم بجواز من عدمه، كما حدث مي قيادة المرأة للسيارة مثلا.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٠٤ - (٢) أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ قَالَ: " مَا خَطَبَ عَبْدُ اللَّهِ خُطْبَةً بِالْكُوفَةِ إِلاَّ شَهِدْتُهَا، فَسَمِعْتُهُ يَوْمًا وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثَمَانِيَةً وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، قَالَ: هُوَ كَمَا قَالَ.
_________________
(١) من الآية (١٠١) من سورة المائدة.
(٢) معجم ابن المقرئ حديث (٤٧١).
[ ١ / ٢٣٦ ]
ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ كِتَابَهُ وَبَيَّنَ بَيَانَهُ، فَمَنْ أَتَى الأَمْرَ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ فَقَدْ بُيِّنَ لَهُ، وَمَنْ خَالَفَ فَوَ اللَّهِ مَا نُطِيقُ خِلَافَكَمْ " (^١).
رجال السند:
أَبُو نُعَيْمٍ، الفضل بن دكين إمام ثقة تقدم، والْمَسْعُودِيُّ: هو عبد الرحمن
ابن عبد الله بن عتبة ثقة تغير، وليس هذا بعد التغير، وعَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ الهلالي، أبو يزيد العامري، إمام ثقة، والنَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ الهلالي، كوفي من كبار التابعين، إمام ثقة.
الشرح:
قوله: «مَا خَطَبَ عَبْدُ اللَّهِ خُطْبَةً بِالْكُوفَةِ إِلاَّ شَهِدْتُهَا».
هذا حرص من النزال التابعي ﵀ على سماع كلام الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود فقيه الصحابة -﵁-.
قوله: «فَسَمِعْتُهُ يَوْمًا وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثَمَانِيَةً وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، قَالَ: هُوَ كَمَا قَالَ».
المراد أنها طلقت، وهذا طلاق بدعي؛ لأنه ثلاث بلفظ واحد في مجلس واحد بدعي، فثمان من باب أولى، والعجيبب من أهل البدع أنهم يشددون بها على أنفسهم، ويتركون ما جعله الله لهم رحمة، قال الله -﷿-: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (^٢).
_________________
(١) سنده حسن، وانظر: القطوف رقم (٤٩/ ١٠٣).
(٢) من الآية (٢٢٩) من سورة البقرة.
[ ١ / ٢٣٧ ]
فالآية توضح أن الطلاق مرتان فقط، وليس الأمر كذلك بل المراد الطلاق الذي يمكن للزوج أن يراجع امرأته فيه، فإن له أن يطلق مرة واحدة في طهر لم يجامع فيه، وله حق المراجعة قبل الخروج من العدة، وله أن يطلق مرة ثانية، وله حق المراجعة كما في المرة الأولى، فإن طلق الثالثة فلا رجعة له؛ لأنه أبان امرأته بالطلقة الثالثة، ولذلك علل الطلاق الرجعي بقوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (^١)، المراد أن يحدث الرغبة في عدم الطلاق، والعودة إلى الوئام حسن العشرة، ولاسيما إذا كان بين الزوجين أطفال، فالطلاق البدعي يدمر هذه الفرصة، فضلا عن أنه عدول عن الشرع إلى الهوى، ولذلك قال ابن مسعود -﵁-: «إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ كِتَابَهُ وَبَيَّنَ بَيَانَهُ، فَمَنْ أَتَى الأَمْرَ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ فَقَدْ بُيِّنَ لَهُ، وَمَنْ خَالَفَ فَوَ اللَّهِ مَا نُطِيقُ خِلَافَكَمْ».
المراد من طبّق حكم الله في الواقعة وتحري حكم الشرع فقد أصاب؛ لأن الله -﷿- بين له الحق في كتابه أو على لسان رسوله -ﷺ-، أما من ركب هواه وخالف الشرع فقد تعدى حدود الله -﷿-، وظلم نفسه، فأنى يجد في الخلاف حلا.
ما يستفاد:
* أن الطلاق بثلاث أو أكثر في مجلس واحد وبلفظ واحد بدعة منكرة تصادم الكتاب والسنة.
* أن الفقه الصحيح ما وافق الكتاب والسنة.
_________________
(١) من الآية (١ من سورة الطلاق).
[ ١ / ٢٣٨ ]
* عدم جواز الاجتهاد مع النص.
* أن الرحمة والخير فيما شرع الله -﷿-.
* أن الضرر والمشقة في مخالفة الشرع.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٠٥ - (٣) أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، ثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ
ابْنُ مَيْسَرَةَ قَالَ: " سَمِعْتُ النَّزَّالَ بْنَ سَبْرَةَ قَالَ: شَهِدْتُ عَبْدَ اللَّهِ وَأَتَاهُ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فِي تَحْرِيمٍ، وَمَنْ خَالَفَ فَوَ اللَّهِ مَا نُطِيقُ خِلَافَكُمْ " (^١).
رجال السند:
أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، وشُعْبَةُ وعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ، جميعهم ثقات تقدموا.
الشرح: انظر السابق.
ما يستفاد: انظر السابق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٠٦ - (٤) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا حَفْصٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: " أَنَّهُ كَانَ لَا يَقُولُ بِرَأْيِهِ إِلاَّ شَيْئًا سَمِعَهُ " (^٢).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الأشج، أبو سعيد الكندي، إمام ثقة، وحَفْصٌ بن غياث النخعي، أبو عمر الكوفي، القاضي المحدث، إمام ثقة، وأَشْعَثُ في هذ لطيفة: وهي أن حفصا يروي عن ثلاثة كلٌّ اسمه أشعث، وكلهم يروي عن
_________________
(١) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٥٠/ ١٠٤).
(٢) رجاله ثقات، أشعث هو ابن عبد الملك صاحب ابن سيرين، وانظر: القطوف رقم (٥١/ ١٠٥).
[ ١ / ٢٣٩ ]
محمد بن سيرين، ولحل هذا أن أشعث بن عبد الملك الحمراني إمام ثقة، وهو راوية ابن سيرين، ومن أثبت الناس فيه، وكان حفص إذا حدث عنه أطلقه، ولم ينسبه، وإذا حدث عن غيره نسب فيقول: أشعث الداني، أو أشعث بن سوار، وابْنُ سِيرِينَ، هو محمد، مولى أنس -﵁-، من كبار التابعين، أدرك جملة من الصحابة -﵃-، إمام فقيه ثقة.
قوله: «أَنَّهُ كَانَ لَا يَقُولُ بِرَأْيِهِ إِلاَّ شَيْئًا سَمِعَهُ».
المراد أنه يعتمد على الكتاب والسنة، وما سمع من الصحابة -﵃-، عين الصواب والعقل والورع، ﵀ رحمة واسعة.
ما يستفاد:
* أن العاقل من الناس من يبتعد عن التبعات، ويولى قارها من تولى حارها.
* أن النجاة في الاعتماد على النص من الكتاب والسنة، أو من أقوال الصحابة -﵃-.
* أن القول بالرأي غير مأمون العاقبة.
* أن الورع من صفات الأخيار من العلماء.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٠٧ - (٥) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا عَثَّامٌ، عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: " مَا سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ بِرَأْيِهِ فِي شَيْءٍ قَطُّ " (^١).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيد، هو الأشج تقدم، وعَثَّامٌ، هو ابن علي العامري، من رجال البخاري إمام ثقة، والأَعْمَشُ، هو سليمان بن مهران، إمام ثقة تقدم.
_________________
(١) سنده حسن، وانظر: القطوف رقم (٥٢/ ١٠٦).
[ ١ / ٢٤٠ ]
الشرح:
قوله: «مَا سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ بِرَأْيِهِ فِي شَيْءٍ قَطُّ».
إبراهيم هو النخعي، إمام ثقة، وعدم قوله برأيه هو احتياط للنفس وورع، والاكتفاء بما في الكتاب والسنة، وأقوال من سبق من الأئمة الأعلام من
الصحابة وغيرهم.
ما يستفاد: انظر السابق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٠٨ - (٦) أَخْبَرَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: " مَا قُلْتُ بِرَأْيِي مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً ".
قَالَ أَبُو هِلَالٍ: " مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً " (^١).
رجال السند:
أَبُو النُّعْمَانِ، الفضل بن دكين إمام ثقة تقدم، وأَبُو عَوَانَةَ الوضاح اليشكري إمام تقدم، وقَتَادَةَ، هو ابن دعامة السدوسي، إمام ثقة تقدم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٠٩ - (٧) حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ مَالِكٍ، ثَنَا حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ، عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: " سُئِلَ عَطَاءٌ عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَ: لَا أَدْرِي. قَالَ قِيلَ لَهُ: أَلَا تَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِكَ؟ قَالَ: إِنِّي اَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ أَنْ يُدَانَ فِي الأَرْضِ بِرَأْيِي" (^٢).
_________________
(١) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٥٣/ ١٠٧).
(٢) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٥٤/ ١٠٨).
[ ١ / ٢٤١ ]
رجال السند:
مَخْلَدُ بْنُ مَالِكٍ، هو أبو جعفر الجمال الرازي، إمام ثقة، وحَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ،
هو أبو عبد الرحمن الكناني الرازي، إمام ثقة، من رجال مسلم، وأَبو خَيْثَمَةَ، هو زهير بن معاوية مام ثقة تقدم، وعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ، هو المكي، أو الطائفي أبو عبد الله، إمام ثقة.
وعَطَاءٌ، هو ابن أبي رباح إمام ثقة تقدم.
الشرح:
قوله: «فَقَالَ: لَا أَدْرِي».
هذا شأن أهل الورع البعد عن القول بالرأي، وإن كان لهم في القول به مندوحة، قال: الشَّعْبِيِّ: " لَا أَدْرِي نِصْفُ الْعِلْم "، وقد سُئل مالك عن أربعين مسألة، فقال في ست وثلاثين منها: لا أدري، وقيل: ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري"، وسئل أبو يوسف القاضي عن مسألة فقال: " لا أدرى فقالوا له: ترتزق من بيت المال كل يوم كذا وكذا، ثم تقول: لا أدرى، فقال: إنما أرتزق بقدر علمي، ولو أعطيت بقدر جهلي لم يسعني مال الدنيا ".
قَولَه: «إِنِّي اَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ أَنْ يُدَانَ فِي الأَرْضِ بِرَأْيِي».
هذا غاية في الاحتياط والورع، أن يكون رأيه يعبد الله به في الأرض، وهذا فرار من التشريع والقول بغير ما أنزل الله، رحمة الله علينا وعليه رحمة واسعة.
ما يستفاد: انظر السابق.
[ ١ / ٢٤٢ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١١٠ - (٨) أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي حَاتِمٌ - هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ-
عَنْ عِيسَى، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: " جَاءَهُ رَجُلٌ يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ فِيهِ كَذَا وَكَذَا.
قَالَ: أَخْبِرْنِي أَنْتَ بِرَأْيِكَ. فَقَالَ: أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا؟ أَخْبَرْتُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَيَسْأَلُنِي عَنْ رَأْيِي، وَدِينِي عِنْدِي آثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَاللَّهِ لأَنْ أَتَغَنَّى أُغْنِيَّةً (^١) أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ أُخْبِرَكَ بِرَأْيي" (^٢).
رجال السند:
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَان الوراق، أبو إسحاق، أو أبو إبراهيم الكوفي، إمام ثقة، من رجال البخاري، فيه تشيع، وحَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثقة صحيح الكتاب، وعِيسَى، هو ابن أبي عيسى، يعتبر بحديثه في الرقائق والفضائل، والشَّعْبِيُّ، هو عامر بن شراحيل، إمام من كبار التابعين.
الشرح:
قوله: «أَخْبِرْنِي أَنْتَ بِرَأْيِكَ».
المراد أن رجلا سأل الشعبي فأجابه برأي ابن مسعود -﵁- فيها، ثم سأل الرجل الشعبي عن رأيه فيها.
_________________
(١) هكذا جاءت مصوبة في هامش (ت، ك) والمسمى هو أخلاط تنقع في أبوال الإبل وتترك حينا، ثم تطلى بها الإبل من الجرب، ويقال للرجل إذا كان جيد الرأي: عِنّية تشفي الجرب، وإنما سميت عنية لطول الحبس، وكل شيء حبسته طويلا فقد عنيته. (غريب الحديث ٢/ ٦٥١) وفي بقية النسخ (أتغنىّ أغنيّة).
(٢) فيه عيسى الحنّاط: ضعفوه، وانظر: القطوف رقم (٥٥/ ١٠٩).
[ ١ / ٢٤٣ ]
فَقَالَ الشعبي لمن عنده: «أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا؟ أَخْبَرْتُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ
وَيَسْأَلُنِي عَنْ رَأْيِي».
المراد أنه أجابه برأي ابن مسعود وهو من أصحاب رسول الله -﷿-، ورأيه أولى وأقوى، هذا من جانب، ومن جانب آخر قال الشعبي ﵀: «دِينِي عِنْدِي آثَرُ مِنْ ذَلِكَ».
المراد أن دينه في اتباع الصحابي أثر من مخالفته.
قوله: «وَاللَّهِ لأَنْ أَتَغَنَّى أُغْنِيَّةً».
هذا خطأ، والصواب: جاء في هامش (ت، ك) بلفظ " وَاللَّهِ لأَنْ أَتَعَنَّى أُعْنِيَّةً" والمسمى هو أخلاط تنقع في أبوال الإبل وتترك حينا، ثم تطلى بها الإبل من الجرب، ويقال للرجل إذا كان جيد الرأي: عِنّية تشفي الجرب، وإنما سميت عِنّية لطول الحبس، وكل شيء حبسته طويلا فقد عنيته (^١).
قوله: «أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ أُخْبِرَكَ بِرَأْيي».
مراد الشعبي ﵀ أنه لو حبس طويلا أحب إليه من ذلك، ولاسيما وقد قال من هو أفضل منه، وهذا دقة منه ﵀ في الاتباع.
ما يستفاد:
انظر ما تقدم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١١١ - (٩) أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، ثَنَا حَاتِمٌ، عَنْ عِيسَى، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: " إِيَّاكُمْ وَالْمُقَايَسَةَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ
_________________
(١) غريب الحديث ٢/ ٦٥١.
[ ١ / ٢٤٤ ]
لَئِنْ أَخَذْتُمْ بِالْمُقَايَسَةِ لَتُحِلُّنَّ الْحَرَامَ وَلَتُحَرِّمُنَّ الْحَلَالَ، وَلَكِنْ مَا بَلَغَكُمْ عَمَّنْ حَفِظَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- فَاعْمَلُوا بِهِ " (^١).
رجال السند:
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَان، وحَاتِمٌ، وعِيسَى، تقدموا آنفا.
الشرح:
قوله: «إِيَّاكُمْ وَالْمُقَايَسَة».
المراد قياس أمر معلوم على أمر آخر معلوم، والسبب اشتراكهما في علة الحكم، والقياس الصحيح هو المصدر الرابع في الشرع؛ لأن الأول: الكتاب، والثاني: السنة، والثالث: الإجماع، والرابع القياس الصحيح، وليس القياس لكل أحد من العلماء؛ لأن له شروطه وأدواته المحددة عند العلماء العالمين به، والقياس الباطل ما افترقت فيه العلة وخالف المعقول، قال ابن سيرين ﵀: " أول من قاس إبليس وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس " وقال الحسن البصري ﵀: " قاس إبليس وهو أول من قاس ".
قوله: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ أَخَذْتُمْ بِالْمُقَايَسَةِ لَتُحِلُّنَّ الْحَرَامَ وَلَتُحَرِّمُنَّ الْحَلَالَ».
المراد أن قوما يقيسون بأهوائهم، ويقولون في الأمور بآرائهم، فيحلون ما حرم الله -﷿- ويحرمون ما أحل الله -﷿- ﴿افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (^٢).
_________________
(١) فيه عيسى المذكور آنفا، وانظر: القطوف رقم (٥٦/ ١١٠).
(٢) من الآية (١٤٠) من سورة الأنعام.
[ ١ / ٢٤٥ ]
قوله: «وَلَكِنْ مَا بَلَغَكُمْ عَمَّنْ حَفِظَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- فَاعْمَلُوا بِهِ». أرشد إلى اتباع الصحابة -﵃- فيما يقولون؛ لأنهم حفظوا عن رسول الله -ﷺ-، والعمل بذلك هو الطريق المستقيم.
ما يستفاد:
* التحذير من القياس الفاسد.
* لا يقبل القياس إلا من العلماء العالمين بطرقه وأدواته الصحيحة.
* التحذير من الأهواء؛ أبواب الضلال، قال الله -﷿- ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ (^١).
* لزوم ما كان عليه الرعيل الأول من الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله قولا وفعلا واعتقادا.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١١٢ - (١٠) أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: " جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: إِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَارِحَةَ ثَمَانِيًا. قَالَ: بِكَلَامٍ وَاحِدٍ؟، قَالَ: بِكَلَامٍ وَاحِدٍ. قَالَ: فَيُرِيدُونَ أَنْ يُبِينُوا مِنْكَ امْرَأَتَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ مِائَةَ طَلْقَةٍ. قَالَ: بِكَلَامٍ وَاحِدٍ. قَالَ: بِكَلَامٍ وَاحِدٍ. قَالَ: فَيُرِيدُونَ أَنْ يُبِينُوا مِنْكَ امْرَأَتَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَنْ طَلَّقَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ الطَّلَاقَ، وَمَنْ لَبَّسَ عَلَى نَفْسِهِ وَكَلْنَا بِهِ لَبْسَهُ، وَاللَّهِ لَا تُلَبِّسُونَ عَلَى
_________________
(١) من الآية (١١٩) من سورة الأنعام.
[ ١ / ٢٤٦ ]
أَنْفُسِكُمْ وَنَتَحَمَّلُهُ نَحْنُ، هُوَ كَمَا تَقُولُونَ " (^١).
رجال السند:
سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، هو أبو محمد الضبعي، إمام ثقة، وابْنُ عَوْنٍ، هو عبدالله ابن عون ابن أرطبان، أبو عون البصري، إمام ثقة، ومُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وعَلْقَمَةُ، إمامان ثقتان تقدما.
الشرح:
قوله: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: إِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَارِحَةَ ثَمَانِيًا. قَالَ: بِكَلَامٍ وَاحِدٍ؟».
تقدم البيان في الحديث رقم ١٠٣.
قوله: قَالَ: بِكَلَامٍ وَاحِدٍ. قَالَ: فَيُرِيدُونَ أَنْ يُبِينُوا مِنْكَ امْرَأَتَكَ؟! قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ مِائَةَ طَلْقَةٍ، قَالَ: بِكَلَامٍ وَاحِدٍ، قَالَ: فَيُرِيدُونَ أَنْ يُبِينُوا مِنْكَ امْرَأَتَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ».
المراد أن هذا طلاق بدعي لا يقع لمخالفته كتاب الله -﷿-، وسنة رسوله -ﷺ- ومن العلماء من يوقعه عقوبة له، وهو آثم.
قوله: «فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَنْ طَلَّقَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ الطَّلَاقَ».
عبد الله هو ابن مسعود -﵁-، والمراد ما تقدم بيانه في الحديث رقم ١٠٣.
قوله: «وَمَنْ لَبَّسَ عَلَى نَفْسِهِ وَكَلْنَا بِهِ لَبْسَهُ، وَاللَّهِ لَا تُلَبِّسونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَنَتَحَمَّلُهُ نَحْنُ».
_________________
(١) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٥٧/ ١١١).
[ ١ / ٢٤٧ ]
المراد من لبس بالبدع، وترك حكم الله -﷿-، وحكم رسوله -ﷺ-، فإنما يلبس على نفسه ويتحمل عقوبة ذلك، ولا نتحمل تلبيسه.
قوله: «هُوَ كَمَا تَقُولُونَ».
المراد إيقاع الطلاق بالثلاث الأول، والزائد لغو يتحمل إثمه؛ لأنه اعتداء.
ما يستفاد: انظر ما سبق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١١٣ - (١١) أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ قَالَ: " لأَنْ يَعِيشَ الرَّجُلُ جَاهِلًا بَعْدَ أَنْ يَعْلَمَ حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ " (^١).
رجال السند:
سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، ثقتان تقدما، ويَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، هو ابن قيس الأنصاري، إمام ثقة، أخذ عن الفقهاء السبعة، والْقَاسِمُ، هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق، إمام ثقة تقدم.
الشرح:
قوله: «لأَنْ يَعِيشَ الرَّجُلُ جَاهِلًا بَعْدَ أَنْ يَعْلَمَ حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ».
المراد أن يكون جاهلا بغير ما فرض الله عليه، فحق الله يجب ألا يجهله المسلم، وما عدا ذلك لا يضر عدم العلم به، وكان هذا خير؛ لأنه إذا قال ما لا يعلم كذب على الله -﷿- وعلى رسوله -ﷺ-، وعلى الناس، وهو
_________________
(١) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٥٨/ ١١٢).
[ ١ / ٢٤٨ ]
يتحمل الاثم في هذه الأمور، بالإضافة إلى إثم من تسبب في إضلاله بقوله.
ما يستفاد:
* حرمة القول على الله -﷿-، وعلى رسوله -ﷺ- بغير علم.
* اثم من يقع في ذلك، وتحمله آثام من عمل بقوله.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١١٤ - (١٢) أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: سَمِعْت الْقَاسِمَ يُسْأَلُ قَالَ: " إِنَّا وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ كُلَّ مَا تَسْأَلُونَ عَنْهُ، وَلَوْ عَلِمْنَا مَا كَتَمْنَاكُمْ، وَلَا حَلَّ لَنَا أَنْ نَكْتُمَكُمْ " (^١).
رجال السند:
سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وأَيُّوبُ، تقدموا وهم أئمة ثقات.
الشرح:
قوله: «إِنَّا وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ كُلَّ مَا تَسْأَلُونَ عَنْهُ».
هذا تواضع من القاسم بن محمد بن أبي بكر، وإقرار بالحقيقة، وليس أحد من البشر يعلم كل شيء، حتى رسول الله -ﷺ- فقد أمره الله -﷿- أن يقول: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ (^٢)؛ لأن مَنْ عَلِم الغيب يعلم كل شيء، وهذا لا حظ للبشر فيه، بل يعلمون شيئا، ويجهلون أشياء كثيرة، وهم يتفاضلون في العلم، لذلك قال الله -﷿-:
_________________
(١) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٥٩/ ١١٣).
(٢) من الآية (١٨٨) من سورة الأعراف.
[ ١ / ٢٤٩ ]
﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (^١).
قوله: «وَلَوْ عَلِمْنَا مَا كَتَمْنَاكُمْ».
لأن العلم أمانة قال الله -﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (^٢).
قوله: «وَلَا حَلَّ لَنَا أَنْ نَكْتُمَكُمْ».
لأن الله -﷿- يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (^٣)، وقال رسول الله -ﷺ-: «من كتم علما تلجم بلجام من نار يوم القيامة» (^٤).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١١٥ - (١٣) أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: " سُئِلَ الْقَاسِمُ عَنْ شَيْءٍ قَدْ سَمَّاهُ، فَقَالَ: مَا أَضَطَرُّ إِلَى مَشُورَةٍ، وَمَا أَنَا مِنْ ذَا في شَيْءٍ" (^٥).
رجال السند:
سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، وابْنُ عَوْنٍ، ثقتان تقدما قريبا.
الشرح:
قوله: «سُئِلَ الْقَاسِمُ عَنْ شَيْءٍ قَدْ سَمَّاهُ».
المراد أنه ﵀ سئل مشورة في أمر ما.
_________________
(١) من الآية (٧٦) من سورة يوسف.
(٢) من الآية (٥٨) من سورة النساء.
(٣) الآية (١٥٩) من سورة البقرة.
(٤) ابن حبان حديث (٩٥).
(٥) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٦٠/ ١١٤).
[ ١ / ٢٥٠ ]
قوله: «فَقَالَ: مَا أَضَطَرُّ إِلَى مَشُورَةٍ».
المراد ما اضطر السائل إلى مشورتي، أي: سيجد غيري، ما اضطرني إلى هذه المشورة (^١)، المراد أي سبب يضطرني إلى هذه المشورة.
قوله: «وَمَا أَنَا مِنْ ذَا في شَيْء».
لست من ذوي الرأي في هذه المشورة؛ لأنه لا علم لي فيها، وهذا من الورع وعدم القول فيما لا علم له فيه.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١١٦ - (١٤) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى، قَالَ قُلْتُ لِلْقَاسِمِ: " مَا أَشَدَّ عَلَيَّ أَنْ تُسْأَلَ عَنِ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ عِنْدَكَ وَقَدْ كَانَ أَبُوكَ إِمَامًا؟ قَالَ: إِنَّ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ أَنْ أُفْتِيَ عن (^٢) غَيْرِ عِلْمٍ أَوْ أَرْوِيَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ" (^٣).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، هو ابن أبي عطاء الثقفي، أبو يوسف صدوق يخطئ، وسُفْيَانُ بْنِ عُيَيْنَةَ، ويَحْيَى، هو ابن سعيد الأنصاري، أبو سعيد إمام ثقة تقدم، والْقَاسِمُ، هو ابن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبوه وجده صحابيان، كان شديد الورع، قليل الحديث.
_________________
(١) الطبقات الكبرى ٥/ ١٤٣.
(٢) علق عليه في (ت) بغير، وكلاهما يصح.
(٣) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٦١/ ١١٥).
[ ١ / ٢٥١ ]
الشرح:
قوله: «مَا أَشَدَّ عَلَيَّ أَنْ تُسْأَلَ عَنِ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ عِنْدَكَ وَقَدْ كَانَ أَبُوكَ إِمَامًا؟».
شق على يحيى أن يكون القاسم قليل الحديث، شديد الورع يهاب الفتيا، وهو ابن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر، أحد المكثرين من رواية الحديث، وهذه مودة من يحيى لأن يكون عالما كأبيه.
قوله: «إِنَّ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ أَنْ أُفْتِيَ عن غَيْرِ عِلْمٍ أَوْ أَرْوِيَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ».
هذه خشية ومراقبة للنفس، أن يقول على الله -﷿-، أو ينل القول عن غير ثقة، وهذا ملمح مهم ينبئ عن علم، لا كما توهم يحيى ﵀، فقد يتورع الرجل عن القول وهو يعلم فيه ما يقول، ولاسيما إذا وجد من العلماء من تصدر لذلك فقد كفي المؤنة لعدم احتياج الناس.
ما يستفاد:
* جواز الحث على إظهار العلم.
* الحث على الاقتداء بالعلماء، ومحاكاتهم في الخير.
* جواز أن يهاب المسلم من الفتيا والقضاء خشية الزلل.
* تحريم القول على الله بغير علم، عملا بقول الله -﷿-: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا
لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (^١).
* عدم جواز الرواية عن غير ثقة، والثقة هو الصدوق فما فوق.
_________________
(١) من الآية (٣٦) من سورة الإسراء.
[ ١ / ٢٥٢ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١١٧ - (١٥) أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَنْبَأَنَا هُشَيْمٌ، عَنِ الْعَوَّامِ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ قَالَ: " كَانُوا إِذَا نَزَلَتْ بِهِمْ قَضِيَّةٌ الَّتِيْ (^١) لَيْسَ فِيهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَثَرٌ اجْتَمَعُوا لَهَا وَأَجْمَعُوا فَالْحَقُّ فِيمَا رَأَوْا فَالْحَقُّ فِيمَا رَأَوْا " (^٢).
رجال السند:
عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، الواسطي، أبو عثمان السلمي، إمام ثقة، تقدم، وهُشَيْمٌ، هو ابن بشير ثقة تقدم، والْعَوَّامُ، هو ابن حوشب الشيباني، أبو عيسى أمار بالمعروف، إمام ثقة، والْمُسَيَّبُ بْنُ رَافِعٍ، الأعمى أبو العلاء الكوفي، ثقة من كبار التابعين أدرك ثلة من الصحابة -﵃-.
الشرح:
قوله: «كَانُوا إِذَا نَزَلَتْ بِهِمْ قَضِيَّةٌ الَّتِيْ لَيْسَ فِيهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَثَرٌ اجْتَمَعُوا لَهَا وَأَجْمَعُوا فَالْحَقُّ فِيمَا رَأَوْا فَالْحَقُّ فِيمَا رَأَوْا».
المراد أن الصحابة -﵃- بعد وفاة رسول الله -ﷺ- وانقطاع الوحي، كانوا إذا حدثت المسألة ليس لها أثر من قول رسول الله -ﷺ-، اجتمعوا لبحث أمرها، فإذا أجمعوا على رأي فهو الحق؛ وهذا التوكيد يفيد عدم الخروج عما قرروا ورأوا، وهذا هو الأجماع المصدر الثالث من مصادر التشريع؛ لأن الأمة لا تجتمع على ضلال، والمراد إجماع علمائها وفقهائها، فهم أهل الحل والعقد من
_________________
(١) على حذف المضاف إليه: " أي قضية الحادثة التي".
(٢) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٦٢/ ١١٦).
[ ١ / ٢٥٣ ]
كل عصر، قال الله -﷿-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (^١)، وقال -﷿-: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ (^٢)، هاتان الآيتان قاطعتان على أن الأمة لا تجتمع على ضلال.
ما يستفاد:
* بيان أن للأمة إذا نزلت النازلة ليس فيها نص من كتاب ولا سنة، جاز لعلماء الأمة البحث في حكمها من حيث الجواز وعدمه.
* وجوب الأخذ بما يجمع عليه علماء الأمة في كل عصر.
* أن المراد إجماع أهل الحل والعقد في الأمة.
* أن إجماع الأمة من مصادر التشريع فيما لا نص فيه.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١١٨ - (١٦) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَنْبَأَنَا يَزِيدُ، عَنِ الْعَوَّامِ بِهَذَا (^٣).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ، هو عبد الله بن محمد أبو بكر بن أبي شيبة، إمام ثقة، ويَزِيدُ، هو ابن هارون إمام حجة تقدم، والْعَوَّامُ، تقدم آنفا.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
_________________
(١) من الآية (١١٠) من سورة آل عمران.
(٢) من الآية (١١٥) من سورة النساء.
(٣) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٦٣/ ١١٧).
[ ١ / ٢٥٤ ]
١١٩ - (١٧) أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْحِمْصِيُّ، أَنَّ وَهْبَ بْنَ عَمْرٍو الْجُمَحِيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «لَا تَعْجَلُوا بِالْبَلِيَّةِ قَبْلَ نُزُولِهَا، فَإِنَّكُمْ إِنْ لَا تَعْجَلُوهَا قَبْلَ نُزُولِهَا لَا يَنْفَكُّ الْمُسْلِمُونَ وَفِيهِمْ إِذَا هِيَ نَزَلَتْ مَنْ إِذَا قَالَ وُفِّقَ وَسُدِّدَ، وَإِنَّكُمْ إِنْ تَعْجَلُوهَا تَخْتَلِفْ بِكُمُ الأَهْوَاءُ فَتَأْخُذُوا هَكَذَا وَهَكَذَا» وَأَشَارَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ (^١).
رجال السند:
يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، هو البكري أبو زكريا التنيسي، إمام ثقة، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، هو أبو عبد الله ثقة إمام تقدم، ويَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، هو الحضرمي، ثقة إمام تقدم، وأَبُو سَلَمَةَ الْحِمْصِيُّ، هو عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي، تابعي مقبول، أرسل عن بعض الصحابة، ووَهْبُ بْنُ عَمْرٍو الْجُمَحِيَّ، وقد يكون عمير تصحف إلى عمرو، ووهب بن عمير صحابي أسلم بعد أن شهدا بدرا مشركا، توفي بالشام.
الشرح:
قوله: «لَا تَعْجَلُوا بِالْبَلِيَّةِ قَبْلَ نُزُولِهَا، فَإِنَّكُمْ إِنْ لَا تَعْجَلُوهَا قَبْلَ نُزُولِهَا لَا يَنْفَكُّ الْمُسْلِمُونَ وَفِيهِمْ إِذَا هِيَ نَزَلَتْ مَنْ إِذَا قَالَ وُفِّقَ وَسُدِّدَ، وَإِنَّكُمْ إِنْ تَعْجَلُوهَا تَخْتَلِفْ بِكُمُ الأَهْوَاءُ فَتَأْخُذُوا هَكَذَا وَهَكَذَا» وَأَشَارَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ».
_________________
(١) رجاله ثقات عدا وهب بن عمرو: لم أقف عليه في الصحابة، وانظر: القطوف رقم (٦٤/ ١١٨).
[ ١ / ٢٥٥ ]
تقدم نحو هذا برقم ١٠٢، والمراد المسائل الشاذة؛ لأن ذلك مدعاة لكثرة إيرادها، والتعمية على العلماء، وقد ورد النهي عن الأسئلة عما سكت عنه الشرع، قال الله -﷿-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا﴾ (^١)، وقال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَيْكُمْ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا» (^٢)، أما ما يرد من الأسئلة عن أشياء ظهرت في المجتمع ويطلب النظر في إيجاد حكم شرعي لها لعدم وجود النص من الكتاب والسنة، فإن اجتهاد العالم فيها مطلوب بما لا يكون بدعة في الدين؛ لأنه قد كمل ولا مجال في الزيادة ولا النقص، قال النبي -ﷺ-: «إن أعظم المسلمين جرما، من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته» (^٣).
فالسؤال عما لم يقع من النوازل منكر؛ لأن السؤال قبل النزول يستدعي الاجتهاد في أمر لم يقع، والاجتهاد إنما يكون بعد النزول؛ لأنه حينئذ ضرورة، ولا ضرورة قبل النزول؛ لأنه حينئذ ضرورة، ولا ضرورة قبل النزول؛ ولأنه مدعاة للخلاف والتنازع.
_________________
(١) من الآية (١٠١) من سورة المائدة.
(٢) معجم ابن المقرئ حديث (٤٧١).
(٣) البخاري حديث (٧٢٨٩).
[ ١ / ٢٥٦ ]
ما يستفاد:
* النهي عن استباق النوازل بالسؤال عنها لما يترتب على ذلك من خلاف وتشويش.
* إذا ما وقعت نازلة لا نص في الكتاب والسنة يبن الحكم فيها فلعلماء
الأمة حق النظر، وإعلان ما يتقرر بشأنها.
* أن استعجال السؤال عن النوازل مدعاة للاختلاف والتفرق، وشتات الأمر.
* أن التوفيق مرتبط ببحث حكم النازلة بعد نزولها.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢٠ - (١٨) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- سُئِلَ عَنِ الأَمْرِ يَحْدُثُ ليْسَ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ فَقَالَ: «يَنْظُرُ فِيهِ الْعَابِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» (^١).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، ويَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، وأَبُو سَلَمَةَ، ثقات تقدموا.
الشرح:
قوله: «سُئِلَ عَنِ الأَمْرِ يَحْدُثُ ليْسَ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ».
المراد النازلة التي لها حكم في كتب الله -﷿-، ولا في سنة رسول الله -ﷺ-، فَقَالَ -ﷺ-: «يَنْظُرُ فِيهِ الْعَابِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ».
المراد يجتهد العدول من الأمة في الحكم الموافق لها، وهذا السؤال يحتمل فيه تعدد الواقعة فقد قال علي -﵁-: " يا رسول الله، إن نزل بنا أمر ليس فيه
_________________
(١) مرسل رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٦٤/ ١١٩).
[ ١ / ٢٥٧ ]
بيان: أمر ولا نهي، فما تأمرنا؟ " قال: «تشاورون الفقهاء والعابدين، ولا تمضوا فيه رأي خاصة» (^١)، ويحتمل أن يكون السائل علي -﵁- أبهمه
الراوي.
ما يستفاد:
* وجوب تشاور العدول من الأمة من فقها وعباد في حكم النازلة.
* وجوب الأخذ بما يقررون في شأن النازلة.
* لا يجوز اعتبار الرأي المنفرد عن رأي العدول المؤمنين.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢١ - (١٩) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: قَالَ الْقَاسِمُ: " إِنَّكُمْ لَتَسْأَلُونَا عَنْ أَشْيَاءَ مَا كُنَّا نَسْأَلُ عَنْهَا، وَتُنَقِّرُونَ عَنْ أَشْيَاءَ مَا كُنَّا نُنَقِّرُ عَنْهَا، وَتَسْأَلُونَ عَنْ أَشْيَاءَ مَا أَدْرِى مَا هِىَ، وَلَوْ عَلِمْنَاهَا مَا حَلَّ لَنَا أَنْ نَكْتُمَكُمُوهَا " (^٢).
رجال السند:
أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، هو ابن يونس إمام ثقة تقدم، مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، هو العنبري، أبو المثنى البصري، إمام ثقة، وابْنُ عَوْنٍ هو عبد الله إمام ثقة تقدم، والْقَاسِمُ، هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق تقدم.
الشرح:
تقدم نحو هذا عن القاسم حديث ١١٤، فأغنى عن الإعادة فلينظر.
_________________
(١) الطبراني في الأوسط حديث (١٦١٨).
(٢) رجاله ثقات، وتقدم من طريق أخرى عن القاسم، برقم (١١٣) وهذا الحديث نهاية السقط من المخطوطة (د).
[ ١ / ٢٥٨ ]
ما يستفاد: انظر السابق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢٢ - (٢٠) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ ابْنُ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الأَشَجِّ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: " إِنَّهُ سَيَأْتِي نَاسٌ يُجَادِلُونَكُمْ بِشُبُهَاتِ الْقُرْآنِ فَخُذُوهُمْ (^١) بِالسُّنَنِ، فَإِنَّ أَصْحَابَ السُّنَنِ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ -﷿- " (^٢).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، هو كاتب الليث، صدوق تقدم، واللَّيْثُ، هو ابن سعد إمام ثقة تقدم، ويَزِيدُ بْنُ أَبِى حَبِيبٍ، هو الأزدي، أبو رجاء المصري، من صغار التابعين، إمام ثقة، وعُمَرُ بْنُ الأَشَجِّ، تصحف اسم أبيه من عمر إلى عمرو، وهم فيه أخونا أحمد بن سعد الغامدي ﵀، في تحقيقه أصول الاعتقاد للالكائي، وعُمَرُ بْنُ. الْخَطَّابِ -﵁-.
الشرح:
قوله: «إِنَّهُ سَيَأْتِي نَاسٌ يُجَادِلُونَكُمْ بِشُبُهَاتِ الْقُرْآنِ فَخُذُوهُمْ بِالسُّنَنِ، فَإِنَّ أَصْحَابَ السُّنَنِ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ -﷿-».
المراد من تحقق ظهورهم، من زمن بعد عمر -﵁- وهم اليوم يعرفون بالقرآنيين، لا يعترفون بالسنة، وقد أخبر رسول الله بهذه النحلة الخبيثة مبينا أن السنة
_________________
(١) في (ت) هكذا (القرآن هم) كأن الناسخ لم يتبين الكلمة فترك لها بياضا.
(٢) فيه عبد الله بن صالح كاتب الليث: المرجح أنه حسن الحديث، وهذا مما لم يغلط فيه إن شاء الله، فإنه لا يختلف في صحته، فأهل السنة أعلم بكتاب الله، وهم النقلة العدول، وله شواهد، وانظر: القطوف رقم (٦٦/ ١٢١).
[ ١ / ٢٥٩ ]
قرينة الكتاب العزيز في الحجة والبرهان، فقال -ﷺ-: «إني أوتيت الكتاب وما يعدله، يوشك شبعان على أريكته أن يقول: بيني وبينكم هذا الكتاب، فما كان فيه من حلال أحللناه، وما كان فيه من حرام حرمناه، ألا وإنه ليس كذلك» (^١)، فوصى عمر -﵁- أن تقام عليهم الحجة بما ثبت في السنة؛ أهلها أعلم بمقاصدها، ولذلك قال الإمام عبد الله بن المبارك ﵀: "بيننا وبين القوم القوائم " يعني الإسناد الصحيح.
ما يستفاد:
* التحذير من تتبع الشبهات وإثارتها.
* التمسك بالسنة وفهم مقاصدها.
* أن السنة وحي كالقرآن.
* التحذير من أهل البدع والأهواء.
* علماء السنة أعلم من غيرهم بكشف البدع وشبهات أهل الأهواء.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢٣ - (٢١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُيَيْنَةَ، ثَنَا عَلِىٌّ - هُوَ ابْنُ مُسْهِرٍ - عَنْ هِشَامٍ - هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: " مَا زَالَ أَمْرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُعْتَدِلًا لَيْسَ فِيهِ، شَيْءٌ حَتَّى نَشَأَ
_________________
(١) ابن حبان حديث (١٢).
[ ١ / ٢٦٠ ]
فِيهِمُ الْمُوَلَّدُونَ أَبْنَاءُ سَبَايَا الأُمَمِ، أَبْنَاءُ النِّسَاءِ اللّاَتِي (^١) سَبَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَقَالُوا فِيهِمْ بِالرَّأْي فَأَضَلُّوهُمْ " (^٢).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ عُيَيْنَةَ، هو الفزاري، أبو عبد الله الثغري، لابأس به تقدم، وعَلِىٌّ، هُوَ ابْنُ مُسْهِرٍ، ثقة له غرائب بعد أن أضر تقدم، وهِشَامٌ، هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ، ابن الزبير بن العوام، أبو المنذر القرشي، إمام ثقة، ومُحَمَّدُ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، يتيم عروة، يتيم عروة ثقة، من صغار التابعين، إمام ثقة تقدم، وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أحد الفقهاء السبعة إمام ثقة.
الشرح:
قوله: «مَا زَالَ أَمْرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُعْتَدِلًا لَيْسَ فِيهِ، شَيْءٌ».
المراد مستقيما على التوراة، ولم يدخله التحريف.
قوله: «حَتَّى نَشَأَ فِيهِمُ الْمُوَلَّدُونَ أَبْنَاءُ سَبَايَا الأُمَمِ، أَبْنَاءُ النِّسَاءِ اللّاَتِي سَبَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَقَالُوا فِيهِمْ بِالرَّأْي فَأَضَلُّوهُمْ».
المراد أنهم ليسوا منهم، باعتبار أنهم أبناء سبايا، تأثروا بأنساب أمهاتهم، فأحدثوا فيهم آراء مذمومة من عند أنفسهم، تنا قض التوراة، فأضلوهم عن الحق.
_________________
(١) في (ت) التي، وعلق في (ك) في الأصل التي. وكتب في الهامش (بلغ العرض).
(٢) فيه محمد بن عيينة المصيصي: لابأس به، ويحمل أمره في هذا مثل على الصدق، وانظر: القطوف رقم (٦٧/ ١٢٢).
[ ١ / ٢٦١ ]
أما من زعم أن أصحاب الرأي في الإسلام منهم كأبي حنيفة وغيره ﵏، فلا دليل عليه، فالحمد لله لم يغيروا شيئا من كتاب الله -﷿-، وإن وقع منهم بعض الآراء فالسنة قائم عليهم، مفندة ما أخطأوا فيه.
ما يستفاد:
* التحذير من الغلو في الرأي؛ لأنه قد يجلب الفساد في الدين، لمناقضته الحق.
* التمسك بالكتاب والسنة حصن من الغلو، وبعد عن الضلال.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: