١٢٤ - (١) أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ يَزِيدَ (^٢) الْمَنْقَرِي قال: حَدَّثَنِي أَبِى قَالَ: " جَاءَ رَجُلٌ يَوْمًا إِلَى ابْنِ عُمَرَ، فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَا أَدْرِى مَا هُوَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ ﵄: لَا تَسْأَلْ عَمَّا لَمْ يَكُنْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضوان الله عليه يَلْعَنُ مَنْ سَأَلَ عَمَّا لَمْ يَكُنْ "
رجال السند:
مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هو الفراهيدي إمام ثقة تقدم، وحَمَّادُ بْنُ يَزِيدَ الْمَنْقَرِي، هو أحد أفراد الدارمي، سكت عنه الإمامان، ووثقه ابن حبان، فلابأس به، وأَبُوه يزيد بن مسلم، لم يرو له في الستة، لم يذكر بجرح ولا تعديل، وليس ذلك ما نع من قبول هذا الخبر.
_________________
(١) كتب قبالته أعلى الصفحة في (ك) بلغت القراءة على الشيخ، أيده الله -﵁-.
(٢) صوب في هامش (ت) زيد، وقال في (ك): سويد، وصوبه في الهامش (يزيد) وهو كذلك، فليس هو حماد بن زيد الإمام.
[ ١ / ٢٦٢ ]
الشرح:
قوله: «جَاءَ رَجُلٌ يَوْمًا إِلَى ابْنِ عُمَرَ».
المراد سأل سائل من الناس الصحابي الجليل عبد الله بن الخطاب ﵄.
قوله: «جَاءَ رَجُلٌ يَوْمًا إِلَى ابْنِ عُمَرَ، فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَا أَدْرِى مَا هُوَ». الشيء الذي يعلمه الراوي يزيد بن مسلم هو أمر محدث لم يقع.
قوله: «فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ ﵄: لَا تَسْأَلْ عَمَّا لَمْ يَكُنْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضوان الله عليه يَلْعَنُ مَنْ سَأَلَ عَمَّا لَمْ يَكُنْ». حذر ابن عمر ﵂ السائل عن ذلك، وأخبره أن الخليفة الراشد عمر -﵁- يلعن السائل عن أمر لم يقع؛ سبب للاختلاف، والابتداع في الأقوال، وهذ من عمر -﵁- حماية للكتاب والسنة، وعدم تجاوزهما إلى الكلام فيما لم يقع، فإذا ما وقع ففي الأمر سعة باجتماع العدول من المؤمنين وبحث الأمر والخروج بإجماع على ما يكون خيرا للأمة في دينها ودنياها. وهذه سنة من عمر -﵁- بجواز لعن من يسأل عن أمور في الدين لم تقع، لمخالفة ذلك لنص الكتاب والسنة، وتقدم البيان قريبا فيما مضى، والخبر في سنده حماد بن يزيد بن مسلم المنقري: سكت عنه كل من الإمامين البخاري وأبو حاتم (التاريخ الكبير ٣/ ٢١، والجرح والتعديل ٣/ ١٥١) ووالده يزيد سكت عنه البخاري (التاريخ الكبير ٨/ ٣٥٨) وذكرهما ابن حبان في (الثقات ٦/ ٢١٩، ٥/ ٥٤٥) ويؤيده حديث أبي هريرة (ذروني ما تركتكم) أخرجه مسلم حديث (١٣٣٧) وانظر: القطوف رقم (٦٨/ ١٢٣).
ما يستفاد:
[ ١ / ٢٦٣ ]
* عدم جواز السؤال عن حكم أمر ديني لم يقع.
* أن الجاهل بذلك يعلم ولا يعنف إلا مع الإصرار، هذا فعل ابن عمر ﵄.
* أن لعن عمر -﵁- لمن سأل إما أن يكون زجرا لتهويل الأمر، أو للمُصِرّ على السؤال وعدم انتهائه عن ذلك.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢٥ - (٢) أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَنْبَأَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: " بَلَغَنَا أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ -﵁- كَانَ يَقُولُ إِذَا سُئِلَ عَنِ الأَمْرِ: أَكَانَ هَذَا؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ قَدْكَانَ، حَدَّثَ فِيهِ بِالَّذِي يَعْلَمُ وَالَّذِي يَرَى، وَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَكُنْ، قَالَ: فَذَرُوهُ حَتَّى يَكُونَ " (^١).
رجال السند:
الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، هو أبو اليمان، وشُعَيْبٌ، هو ابن أبي حمزة، والزُّهْرِيِّ، هو محمد ابن مسلم، الجميع ثقات تقدموا.
الشرح:
الصحابي الجليل زيد بن ثابت الأنصاري -﵁-، أبو خارجة أو سعيد الخزرجي، كتب للنبي -ﷺ-، وقرأ عليه القرآن، واستخلفه عمر -﵁- على المدينة لما حج.
قوله: «كَانَ يَقُولُ إِذَا سُئِلَ عَنِ الأَمْرِ: أَكَانَ هَذَا؟».
هذا عمل بالسنة في ذلك فالنوازل لا يستعجل أهل السنة الكلام فيها قبل
حدوثها، وحاجة الناس إلى القول الفصل فيها.
_________________
(١) رجاله ثقات، وفيه انقطاع بين الزهري وزيد -﵁-، وانظر: القطوف رقم (٦٩/ ١٢٤).
[ ١ / ٢٦٤ ]
قوله: «فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ قَدْ كَانَ، حَدَّثَ فِيهِ بِالَّذِي يَعْلَمُ وَالَّذِي يَرَى».
لأنها واقعة والعلماء ﵏ مأمورون ببحث أمرها أو في ضوء الكتاب والسنة، فإن وجدوا فيهما علم أخبروا الناس به، وبينوه لهم، وإلا اجتهدوا في الرأي، ونشروا للناس ما أجمعوا عليه، وما تبين لهم من الحق وحكم ما نزل، وهذا ما فعله زيد بن ثابت -﵁-.
قوله: «وَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَكُنْ، قَالَ: فَذَرُوهُ حَتَّى يَكُونَ».
المراد أنه لم يخض في الأمر قبل نزوله، والتزم -﵁- في ذلك السنن، وهو التوقف حتى يكون.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢٦ - (٣) أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنْبَأَ أَبُو هَاشِم (^١) الْمَخْزُومِيُّ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: " سُئِلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ﵄، عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: هَلْ كَانَ هَذَا بَعْدُ، قَالُوا: لَا، قَالَ: دَعُونَا حَتَّى يَكُونَ، فَإِذَا كَانَ تَجَشَّمْنَاهَا (^٢) لَكُمْ " (^٣).
رجال السند:
إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هو ابن راهويه إمام ثقة تقدم، وأَبُو هَاشِم الْمَخْزُومِيُّ، هو المغيرة بن سلمة القرشي، بصري إمام ثقة، ووُهَيْبٌ، هو ابن خالد إمام ثقة تقدم، ودَاوُدُ، هو ابن أبي هند الخراساني، أبو محمد البصري، إمام ثقة روى له البخاري تعليقا، وعَامِرٍ، هو الشعبي إمام ثقة تقدم.
_________________
(١) في بعض النسخ الخطية" هشام"
(٢) جشمت الأمر: إذا تكلفته على مشقة (الصحاح ١/ ١٩٣).
(٣) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٧٠/ ١٢٥).
[ ١ / ٢٦٥ ]
الشرح:
قوله: «سُئِلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ﵄، عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: هَلْ كَانَ هَذَا بَعْدُ، قَالُوا: لَا».
الصحابي الجليل عمار بن عامر، أبو اليقظان البدري، أمه الشهيدة سمية، فقد عذب معها، ﵄، وجعل موعدنا معهما الجنة.
فكان على السنة إذا سئل النازلة سأل عن وقوعها.
قوله: «قَالَ: دَعُونَا حَتَّى يَكُونَ، فَإِذَا كَانَ تَجَشَّمْنَاهَا لَكُمْ».
المراد أنه يأمرهم بعدم السؤال حتى تقع، فإذا وقعت تكلف البحث عن الحكم المناسب من الكتاب والسنة، أو يجتهد بما يراه حكما مناسبا للنازلة.
الشرح: انظر السابق.
ما يستفاد: انظر السابق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢٧ - (٤) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاووُسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ -﵁- عَلَى الْمِنْبَرِ: " أُحَرِّجُ بِاللَّهِ عَلَى رَجُلٍ يَسْأَلُ عَمَّا لَمْ يَكُنْ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ مَا هُوَ كَائِنٌ " (^١).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، هو ابن أبي خلف، إمام ثقة تقدم، وسُفْيَانُ، هو ابن
_________________
(١) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٧١/ ١٢٦).
[ ١ / ٢٦٦ ]
عيينة، إمام ثقة تقدم، وعَمْرٌو، هو ابن دينار الجمحي، أبو محمد المكي، من التابعين الفضلاء، مفتي إمام ثقة، وطَاووُسٌ، هو ابن كيسان اليماني، أبو عبدالرحمن كان مقدما عند ابن عباس ﵄، وهو إمام ثقة.
الشرح:
انظر ما تقدم عن ابن عمر وأبيه عمر ﵄.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢٨ - (٥) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبي شَيْبَةَ، ثَنَا ابْنُ (^١) فُضَيْلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " مَا رَأَيْتُ قَوْمًا كَانُوا خَيْرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -﵃-، مَا سَأَلُوهُ إِلاَّ عَنْ ثَلَاثَ عَشَرَةَ مَسْأَلَةً (^٢) حَتَّى قُبِضَ، كُلُّهُنَّ في الْقُرْآنِ، مِنْهُنَّ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ (^٣)، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ (^٤) قَالَ: مَا كَانُوا يَسْأَلُونَ إِلاَّ عَمَّا يَنْفَعُهُمْ " (^٥).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبي شَيْبَةَ، إمام ثقة تقدم، ابْنُ فُضَيْلٍ، هو محمد
_________________
(١) في (ت) أبو، وصوبت في الهامش.
(٢) هذا في القرآن، أما السنة فما أكثر ما سألوه -ﷺ- وهو غير خاف.
(٣) من الآية (٢١٧) من سورة البقرة.
(٤) من الآية (٢٢٢) من سورة البقرة.
(٥) رجاله ثقات، وقد سمع محمد بن فضيل من عطاء بعد الاختلاط، وانظر: القطوف رقم (٧٢/ ١٢٧).
[ ١ / ٢٦٧ ]
صدوق رمي بالتشيع تقدم، عَنْ عَطَاءٍ، هو ابن السائب، صدوق اختلط تقدم، سَعِيدٍ، هو جبير، شهيد الحجاج، إمام ثقة تقدم.
الشرح:
قوله: «ابْنِ عَبَّاسٍ» هو عبدالله بن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنمها، ابن عم رسول الله -ﷺ-، حبر الأمة -﵁-.
قوله: «مَا رَأَيْتُ قَوْمًا كَانُوا خَيْرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -﵃-، مَا سَأَلُوهُ إِلاَّ عَنْ ثَلَاثَ عَشَرَةَ مَسْأَلَةً حَتَّى قُبِضَ، كُلُّهُنَّ في الْقُرْآنِ، مِنْهُنَّ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ (^١)، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ (^٢) قَالَ: مَا كَانُوا يَسْأَلُونَ إِلاَّ عَمَّا يَنْفَعُهُمْ».
المراد في الفضل والسمت، والالتزام، ولذلك قللوا أسئلتهم في القرآن، استفسارا عن بعض الأحكام ليعلمون الحكم فيها، وليس المراد من هذا الحصر بل الإخبار ببعض ما سألوا عنه، وقد سألوا رسول الله -ﷺ- أمورا كثيرة، فهم وإن أكثروا السؤال لكن ليس فيما لم ينزل، بل في الضروري مما نزو في الكتاب، فلم يتوسعوا في تشقيق المسائل، وتفريع بعضها على بعض، واعتمدوا على الوحيين، ولا يسألون إلا على ما يعينهم في العمل بهما -﵃-.
_________________
(١) من الآية (٢١٧) من سورة البقرة.
(٢) من الآية (٢٢٢) من سورة البقرة.
[ ١ / ٢٦٨ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢٩ - (٦) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ (^١)، أنْبَأَ ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ عُمَيْر (^٢) بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: " لَمَنْ أَدْرَكْتُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَكْثَرُ مِمَّنْ سَبَقَنِي مِنْهُمْ، فَمَا رَأَيْتُ قَوْمًا أَيْسَرَ سِيرَةً وَلَا أَقَلَّ تَشْدِيدًا مِنْهُمْ " (^٣).
رجال السند:
عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، هو ابن فارس، إمام ثقة، تقدم، وابْنُ عَوْنٍ، هو عبد الله إمام ثقة تقدم، وعُمَيْرُ بْنُ إِسْحَاق، هو أبو محمد مقبول سكن المدينة ثم مكة، تفرد ابن عون بالرواية عنه.
الشرح:
يذكر هذا التابعي أنه أدرك الكثرة من أصحاب رسول الله -ﷺ-، ويذكر أنهم -﵃- بعيدون عن الغلو والتكلف، الذي رآه في المعاصرين له، فنكر ما شاهد منهم، فكيف بمن بعدهم وهلم جرا إلى عصرنا هذا وما بعده من الزمان، اللهم أرزقنا الثبات على الحق.
ما يستفاد:
* حسن سيرة الصحابة -﵃- ومن اقتدى بهم.
* أن التيسير في الأمور مطلب شرعي.
_________________
(١) هكذا في الأصول (عمير) وهو: عثمان بن عمر بن فارس العبدي. انظر (ترجمة عبد الله بن عون في تهذيب الكمال).
(٢) في الأصول الخطية (محمد) وهو خطأ. أنظر (ترجمة عبد الله بن عون).
(٣) في سنده عمير بن إسحاق: مقبول، ويشهد له ما تقدم في معناه، وانظر: القطوف رقم (٧٣/ ١٢٨).
[ ١ / ٢٦٩ ]
* أهمية البعد عن التكلف والغلو.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٣٠ - (٧) قال: أَخْبَرَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ حُباب، أَخْبَرَنِي رَجَاءُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: " سَمِعْتُ عُبَادَةَ بْنَ نُسَيٍّ الْكِنْدِيَّ، وَسُئِلَ عَنِ امْرَأَةٍ مَاتَتْ مَعَ قَوْمٍ لَيْسَ لَهَا وَلِىٌّ، فَقَالَ: أَدْرَكْتُ أَقْوَامًا مَا كَانُوا يُشَدِّدُونَ تَشْدِيدَكُمْ، وَلَا يَسْأَلُونَ مَسَائِلَكُمْ " (^١).
رجال السند:
الْعَبَّاسُ بْنُ سُفْيَانَ، هو الدبوسي من أفراد الدارمي، سكت عنه الإمامان، وثقه ابن حبان، فهو لابأس به، وزَيْدُ بْنُ حُباب، هو العكلي أبو الحسن، ثقة صاحب حديث، ورَجَاءُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، هو ابن مهران الفلسطيني، إمام ثقة، وعُبَادَةُ بْنُ نُسَيٍّ الْكِنْدِيَّ، هو أبو عمر الأردني، قاضي عبد الملك بن مروان على الأردن، ثم ولاه عمر بن عبد العزيز نائبا له عليها، إمام ثقة.
الشرح:
قوله: «سُئِلَ عَنِ امْرَأَةٍ مَاتَتْ مَعَ قَوْمٍ لَيْسَ لَهَا وَلِىٌّ، فَقَالَ: أَدْرَكْتُ أَقْوَامًا مَا كَانُوا يُشَدِّدُونَ تَشْدِيدَكُمْ، وَلَا يَسْأَلُونَ مَسَائِلَكُمْ».
المراد أن هذا من الغلو، وليس في الأمر ما يشكل يقوم النساء على غسلها وتكفينها، ويقوم الرجال بدفنها، وكأنهم رأوا المعضلة في إدخالها القبر، ولا معضلة يقوم بذلك الصالح من أقاربها، وفي حالة عدم الأقارب يقوم به
_________________
(١) في سنده العباس بن سفيان الدبوسي: ذكره ابن حبان في (الثقات ٨/ ٥١٣) وانظر: القطوف رقم (٧٤/ ١٢٩).
[ ١ / ٢٧٠ ]
الصالح من المسلمين، فإذا لم يوجد نساء فقد قال عبد الله بن عمر ﵄: " وجد الناس وهم صادرون من الحج امرأة ميتة بالبيداء، يمرون عليها ولا يرفعون لها رأسا، حتى مر بها رجل من بني ليث يقال له كليب ابن مسكين فألقى عليها ثوبه ثم استعان عليها من يدفنها، فدعا عمر عبد الله، فقال: " هل مررت بهذه المرأة الميتة؟ فقال: لا، فقال عمر: لو حدثتني أنك مررت بها لنكلت بك، ثم قام عمر بين ظهراني الناس فتغيظ عليهم فيها، وقال: لعل الله يدخل كليبا الجنة بفعله بها، فبينما كليب يتوضأ عند المسجد جاءه أبو لؤلؤة قاتل عمر ﵁ فبقر بطنه (^١).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٣١ - (٨) أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ سُفْيَانَ، أنْبَأَ زَيْدُ بْنُ حُباب قال: أَخْبَرَنِي رَجَاءُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ قال: حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيِّ قَالَ: " كُنْتُ مَعَ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ بِمَرْجِ الدِّيبَاجِ (^٢) فَرَأَيْتُ مِنْهُ خَلْوَةً، فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَقَالَ لِي: مَا تَصْنَعُ بِالْمَسَائِلِ؟، قُلْتُ: لَوْلَا الْمَسَائِلُ لَذَهَبَ الْعِلْمُ، قَالَ: لَا تَقُلْ ذَهَبَ الْعِلْمُ، إِنَّهُ لَا يَذْهَبُ الْعِلْمُ مَا قُرِئَ الْقُرْآنُ، وَلَكِنْ لَوْ قُلْتَ: يَذْهَبُ الْفِقْهُ ".
_________________
(١) السنن الكبير للبيهقي حديث (٦٦١٩).
(٢) قال ياقوت: واد عجيب المنظر نزه بين الجبال، بينه وبين المصيصة عشرة أميال، والمصيصة: مدينة على شاطئ جيحان، من ثغور الشام، بين أنطاكية وبلاد الروم، والمصيصة أيضا: قرية من قرى دمشق، قرب بيت لهيا (معجم البلدان ٥/ ١٠١، ١٤٥).
[ ١ / ٢٧١ ]
رجال السند:
الْعَبَّاسُ بْنُ سُفْيَانَ، هو الدبوسي من أفراد الدارمي لابأس به، زَيْدُ بْنُ حُباب، هو زيد بن الحباب العكلي الكوفي، وثقه العجلي وابن حبان وقال مرة: يخطئ ويعتبر بحديثه، ورَجَاءُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، هو ابن مهران إمام ثقة تقدم، وخَالِدُ بْنُ حَازِمٍ، هو الرملي، لم أقف على ترجمته، وهو مقحم في السند؛ لأن رجاء بن مهران يروي عن هشام مباشرة، وهِشَامُ ابْنُ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيِّ، لم أقف على ترجمته.
الشرح:
قوله: «كُنْتُ مَعَ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ».
ابن محيريز هو عبد الله بن محيريز بن جنادة الجمحي، أبو محيريز القرشي، يتيم أبي محذورة، قدوة إمام ثقة.
قوله: «فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَقَالَ لِي: مَا تَصْنَعُ بِالْمَسَائِلِ؟ قُلْتُ: لَوْلَا الْمَسَائِلُ لَذَهَبَ الْعِلْمُ».
القائل: هِشَامِ بْنِ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيِّ، كأنه يسأل عن الفروع من المسائل الفقهية، أخذا من قوله -ﷺ-: «خُذُوا الْعِلْمَ قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ». قَالُوا: وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَفِينَا كِتَابُ اللَّهِ؟ قَالَ: فَغَضِبَ، ثُمَّ قَالَ: «ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ أَوَلَمْ تَكُنِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمْ شَيْئًا؟ إِنَّ ذَهَابَ الْعِلْمِ أَنْ يَذْهَبَ حَمَلَتُهُ، إِنَّ ذَهَابَ الْعِلْمِ أَنْ يَذْهَبَ حَمَلَتُهُ» وسيأتي
عند الدارمي، وتقدم أن العلم يذهب بموت العلماء.
[ ١ / ٢٧٢ ]
قوله: «فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَقَالَ لِي: مَا تَصْنَعُ بِالْمَسَائِلِ؟ قُلْتُ: لَوْلَا الْمَسَائِلُ لَذَهَبَ الْعِلْمُ، قَالَ: لَا تَقُلْ ذَهَبَ الْعِلْمُ، إِنَّهُ لَا يَذْهَبُ الْعِلْمُ مَا قُرِئَ الْقُرْآنُ، وَلَكِنْ لَوْ قُلْتَ: يَذهَبُ الْفِقْهُ».
هذا قول ابن محيريز، ولا ريب أن القرآن وعاء العلم، فنظر إلى ذهاب الفقهاء العالمين بالكتاب والسنة؛ فإذا ذهبوا لم يبق الفقة وذهب الفقه المستنبط من الكتاب والسنة، وبقاءُ الجهلاء مع بقاء القرآن لا يملأ مكان الفقهاء، وهذا من علامات غربة الدين ولذلك قال رسول الله -ﷺ-: «سيأتي على أمتي زمان يكثر فيه القراء ويقل الفقهاء ويقبض العلم ويكثر الهرج ثم يأتي من بعد ذلك زمان يقرأ القرآن رجال من أمتي لا يجاوز تراقيهم ثم يأتي من بعد ذلك زمان يجادل المشرك بالله المؤمن في مثل مايقول» (^١)، ضعغه الشيخ الألباني ﵀، ولكن مطابقته للواقع تقضي بصحته، فليس هو مما يقال بالرأي، فما أكثر القراء اليوم، وما أقل الفقهاء، وما أكثر من يجادل بالباطل، من المسلمين فضلا عن المشركين والملحدين، والخوارج خرجوا سابقا ولا حقا، والراوي الذي ضعف به لا يعلم الغيب حتى يأتي بهذه الرواية، والخبر في سنده خالد بن حازم، وهشام بن مسلم القرشي: لم أقف عليهما، وانظر: القطوف رقم (٧٥/ ١٣٠).
ما يستفاد:
* أن بقاء الفقهاء العالمين بالكتاب والسنة ضمان الأمة من الجهل بالدين.
* أن العلم يذهب بذهاب الفقهاء العالمين بالكتاب والسنة.
_________________
(١) الجامع الصغير حديث (٧٠٣٨).
[ ١ / ٢٧٣ ]
* الحث على تعلم الفقه واستنباطه من الكتاب والسنة.
* الحث على ملازمة العالمين بالكتاب والسنة وأخذ الفقه منهم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٣٢ - (٩) أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، أَنَّ عُمَرَ -﵁- قَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا لَا نَدْرِي لَعَلَّنَا نَأْمُرُكُمْ بِأَشْيَاءَ لَا تَحِلُّ لَكُمْ، وَلَعَلَّنَا نُحِرِّمُ عَلَيْكُمْ أَشْيَاءَ هِيَ لَكُمْ حَلَالٌ، إِنَّ آخِرَ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنَ آيَةُ الرِّبَا، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمْ يُبَيِّنْهَا لَنَا حَتَّى مَاتَ، فَدَعُوا مَا يَرِيبُكُمْ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكُمْ " (^١).
رجال السند:
سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، هو أبو أيوب، إمام ثقة تقدم، وحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، إمام ثقة تقدم، ودَاوُدُ، هو ابن أبي هند ثقة تقدم، والشَّعْبِيُّ، هو عامر إمام ثقة تقدم، ولم يدرك عمر -﵁-.
الشرح:
قوله: «أَنَّ عُمَرَ -﵁- قَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا لَا نَدْرِي لَعَلَّنَا نَأْمُرُكُمْ بِأَشْيَاءَ لَا تَحِلُّ لَكُمْ، وَلَعَلَّنَا نُحِرِّمُ عَلَيْكُمْ أَشْيَاءَ هِيَ لَكُمْ حَلَالٌ».
هو عمر بن الخطاب الخليفة الراشد -﵁-، وهذا احتياط منه -﵁-، حتى لا يحمل اثم أحد قد يفهم غير مراد عمر -﵁-، فكأنه يقول لهم: أنا لست معصوما من الخطأ؛ لأني بشر، فليتأمل السامع ما أقول وليعقله، ولا يكثر من السؤال؛
_________________
(١) رجاله ثقات، والشعبي لم يدرك عمر -﵁- (المراسيل لابن أبي حاتم ص ١٦٠) وما يتعلق بنزول الآية أخرجه البخاري حديث (٤٥٤٤).
[ ١ / ٢٧٤ ]
لأن ما كل ما يسأل عنه نجد له جوابا، وربما أوقعتنا كثرة الأسئلة في الخطأ، ولو اجتهدنا نحرم حلالا، أو نحل حراما.
قوله: «إِنَّ آخِرَ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنَ آيَةُ الرِّبَا، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمْ يُبَيِّنْهَا لَنَا حَتَّى مَاتَ».
المراد أن رسول الله -ﷺ- توفي بعد نزول آية الربا بليال، على أكثر ما قيل: إحدى وعشرين ليلة، ولكن قول عمر هذا معارض بقول البراء -﵁-: آخر سورة نزلت براءة، وآخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (^١)، وقد جمع بينهما ابن حجر ﵀ فقال: فيجمع بينه وبين قول بن عباس بأن الآيتين نزلتا جميعا فيصدق أن كلا منهما آخر بالنسبة لما عداهما ويحتمل أن تكون الأخرية في آية النساء مقيدة بما يتعلق بالمواريث مثلا بخلاف آية البقرة ويحتمل عكسه والأول أرجح لما في آية البقرة من الإشارة إلى معنى الوفاة المستلزمة لخاتمة النزول (^٢)، قال الله -﷿-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (^٣)، فما هو الذي بقي من الربا، ولم يبنه رسول الله -ﷺ-، وابن حزم ﵀: لم يرتض هذا القول من عمر -﵁- وقال: " حاش لله من أن يكون رسول الله -ﷺ- لم يبين الربا الذي توعد فيه أشد الوعيد، والذي أذن الله تعالى فيه
_________________
(١) من الآية (١٧٦) من سورة النساء. وانظر البخاري حديث (٤٦٠٥).
(٢) فتح الباري ٨/ ٢٠٥.
(٣) الآية (٢٧٨) من سورة البقرة.
[ ١ / ٢٧٥ ]
بالحرب، ولئن كان لم يبينه لعمر فقد بينه لغيره، وليس عليه أكثر من ذلك، ولا عليه أن يبين كل شيء لكل أحد، لكن إذا بينه لمن يبلغه فقد بلغ ما لزمه تبليغه " (^١)، وقد بين رسول الله -ﷺ- تحريم الربا قبل نزول هذه الآية بوقت طويل، في سورة البقرة، وآل عمران والنساء، قال -﷿-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (^٢)، وقال -ﷺ-: «الرِّبَا سَبْعُونَ بابا أَهْوَنُهَا عِنْدَ اللَّهِ كَالَّذِي يَنْكِحُ أُمَّه» (^٣).
قوله: «مَا يَرِيبُكُمْ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكُمْ».
هذا القول من عمر -﵁- مقبس من قول رسول الله -ﷺ-: «إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه، وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت، صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (^٤)، ولذلك قال عمر -﵁-: " تركنا تسعة أعشار الحلال مخافة الربا " (^٥).
_________________
(١) المحلى بالآثار ٧/ ٤١٤.
(٢) الآية (١٣٠) من سورة آل عمران.
(٣) المنتقى لابن الجارود حديث (٦٤٧).
(٤) مسلم حديث (١٥٩٩).
(٥) مصنف عبد الرزاق حديث (١٤٦٨٣).
[ ١ / ٢٧٦ ]
ما يستفاد:
* اهتمام الراعي بالرعية، وتوجيههم إلى الخير.
* التحذير من الشبهات، وتحري الحق.
* تحريم الربا ما قل منه وما كثر.
* من التقوى والورع أن المسلم إذا استراب في شيء تركه.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: