١٣٣ - (١) أَخْبَرَنَا سَلْمُ بْنُ جُنَادَةَ، ثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَمِّهِ قَالَ: " خَرَجْتُ مِنْ عَنْدِ إِبْرَاهِيمَ، فَاسْتَقْبَلَنِي حَمَّاد، فَحَمَّلَنِي ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ مَسَائِلَ، فَسَأَلْتُهُ فَأَجَابَنِي عَنْ أَرْبَعٍ، وَتَرَكَ أَرْبَعًا " (^١).
رجال السند:
سَلْمُ بْنُ جُنَادَةَ، هو ابن سلم، أبو السائب العامري، إمام ثقة، وابْنُ إِدْرِيس، هو عبد الله بن إدريس بن يزيد الأودي، أبو محمد الكوفي، طلبه الرشيد للقضاء فامتنع، إمام قدوة ثقة، وعَمُّه، هو داود بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي، أبو يزيد الكوفي، ضعيف يقبل حديثه في الفضائل.
الشرح:
قوله: «خَرَجْتُ مِنْ عَنْدِ إِبْرَاهِيمَ، فَاسْتَقْبَلَنِي حَمَّاد».
_________________
(١) في سنده داود بن يزيد الأودي: ضعيف، ولروايته هذه شواهد منها قصة الإمام مالك في (٤٠) مسألة سئل عنها، ومنها ما يأتي بعد.
[ ١ / ٢٧٧ ]
القائل: داود بن يزيد، وإبراهيم هو النخعي إمام ثقة تقدم، وحماد هو ابن أبي سليمان الأصبهاني، أبو إسماعيل كوفي من فقهائها، ضعيف، وليس خبره هذا مما يُدفع بضعفه.
قوله: «فَحَمَّلَنِي ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ مَسَائِلَ».
المراد أن حماد بن أبي سليمان حمل داود ثمان مسائل ليعرضها على إبراهيم النخعي، وكان يكره السؤال عن المسائل، ولعلها مما أحدث الناس، ولذلك قال النخعي: " قد تكلمت ولو وجدت بدًا ما تكلمت، وإن زمانًا أكون فيه فقيه أهل الكوفة، لزمان سوء " (^١).
قوله: «فَسَأَلْتُهُ فَأَجَابَنِي عَنْ أَرْبَعٍ، وَتَرَكَ أَرْبَعًا».
المراد أن إبراهيم أجاب عن أربع مسائل قد علم الحق فيها، وتورع عن أربع إذ لم يظهر له فيها قول، وهذا من كما الرجل ألا يجيب إلا بما علم، ويترك ما لا علم له به، فما أحوج الناس في هذا الزمان إلى الصدق والورع.
ما يستفاد:
* جواز نقل العلم من عالم إلى آخر.
* وجوب الأمانة في النقل.
* بيان مكانة النخعي العلمية وما يتمتع به من الثبات والورع.
* لا عيب على العالم إذا سئل فأن جاب عن شيء، وترك الإجابة عن شيء آخر.
_________________
(١) فوائد ابن نصر رقد (١١٨).
[ ١ / ٢٧٨ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٣٤ - (٢) أَخْبَرَنَا قَبِيصَةُ، أنْبَأَ سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ، عَنْ زُبَيْدٍ قَالَ: " مَا سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ عَرَفْتُ الْكَرَاهِيَةَ في وَجْهِهِ " (^١).
رجال السند:
قَبِيصَةُ، هو ابن عقبة بن محمد السوائي، أبو عامر الكوفي، سمع من سفيان وهو صغير واتقن، إمام ثقة، وسُفْيَانُ، هو الثوري، إمام ثقة، وعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبْجَرَ، هو عبد الملك بن سعيد بن حيان بن أبجر، من رجال مسلم، طبيب لا يأخذ أجرا، إمام ثقة، وزُبَيْدٌ، هو ابن الحارث اليامي، أبو عبد الرحمن الكوفي، رأى بعض الصحابة ولم يرو عنهم، إمام ثقة، لازم إبراهيم النخعي.
الشرح:
قوله: «مَا سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ عَرَفْتُ الْكَرَاهِيَةَ في وَجْهِه».
هكذا كان السلف ﵏ يكرهون التظاهر بالعلم، والفتيا، ويطلبون السلامة من الفتاوى إلا لضرورة، يؤيد هذا قول إبراهيم لأبي حَصين، لما سأله: " ما كان بيني وبينك أحد تسأله غيري " (^٢).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٣٥ - (٣) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عُمَرَ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ: " مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ: لَا
_________________
(١) سنده حسن، وانظر: القطوف رقم (٧٧/ ١٣٣).
(٢) العلم لزهير بن حرب رقم (١٣١).
[ ١ / ٢٧٩ ]
عِلْمَ (^١) لِي بِهِ مِنَ الشَّعْبِيِّ " (^٢).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، هو ابن أبي خلف إمام ثقة تقدم، وإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، هو السلولي أبو عبد الرحمن الكوفي، وثقة العجلي، كتب عنه وقال: كان فيه تشيع، وعُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، هو الوادعي، روايته في الصحيحين، ورمي بالقدر.
الشرح:
هذا منهج العلماء فيما سبق، وانظر ما تقدم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٣٦ - (٤) أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ قَالَ: "كَانَ الشَّعْبِيُّ إِذَا جَاءَهُ شَيْءٌ اتَّقَى، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَقُولُ، وَيَقُولُ، وَيَقُولُ (^٣) قَالَ أَبُو عَاصِمٍ: كَانَ الشَّعْبِيُّ فِي هَذَا أَحْسَنَ حَالًا عِنْدَ ابْنِ عَوْنٍ مِنْ إِبْرَاهِيمَ " (^٤).
رجال السند:
أَبُو عَاصِمٍ، هو الضحاك بن مخلد، إمام ثقة تقدم، وابْنُ عَوْنٍ، هو عبد الله إمام ثقة تقدم.
_________________
(١) وقع في (ت) لا أعلم لي، وهو سبق قلم.
(٢) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٧٨/ ١٣٤).
(٣) أراد أنه يستجيب للسؤال.
(٤) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٧٩/ ١٣٥).
[ ١ / ٢٨٠ ]
الشرح:
المراد أن الشعبي يتقي الفتيا، ولا يكثر، وأن إبراهيم يكثر القول، ولعل كلاهما قليل الفتيا، لكن ابن عون قارن بينهما فوجد القليل من إبراهيم كثيرا بالنسبة للشعبي، وتقدم آنفا أن إبراهيم النخعي كان شديد الكراهة للفتيا، وهو مشهور بالورع، مشهود له به.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٣٧ - (٥) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، أنْبَأَ أَحْمَدُ بْنُ بَشِيرٍ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ قَالَ: " قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: مَا لَكَ لَا تَقُولُ فِي الطَّلَاقِ شَيْئًا؟ قَالَ: مَا مِنْهُ شَيْءٌ إِلاَّ قَدْ سُئلْتُ عَنْهُ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ أُنْ أَحِلَّ حَرَامًا أَوْ أُحَرِّمَ حَلَالًا " (^١).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، هو الأشج إمام ثقة تقدم، وأَحْمَدُ بْنُ بَشِيرٍ، هو المخزومي أبو بكر الكوفي، صدوق له أوهام، وشُعْبَةُ، هو ابن الحجاج، إمام ثقة، وجَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ، هو ابن أبي وحشية، أبو بشر البصري، إمام ثقة.
الشرح:
قوله: «قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ».
سعيد بن جبير إمام ثقة تقدم.
قوله: «مَا لَكَ لَا تَقُولُ فِي الطَّلَاقِ شَيْئًا؟».
كأنه رآه لا يفتي في الطلاق فسأله عن سبب توثقه.
_________________
(١) سنده حسن، وانظر: القطوف رقم (٨٠/ ١٣٦).
[ ١ / ٢٨١ ]
قوله: «قَالَ: مَا مِنْهُ شَيْءٌ إِلاَّ قَدْ سُئلْتُ عَنْهُ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ أُنْ أَحِلَّ حَرَامًا أَوْ أُحَرِّمَ حَلَالًا».
أجاب سعيد ﵀ وبيّن أنه لا يخفي عليه شيء من مسائل الطلاق، وأنه سئل عنها، ولكن منعه الورع من القول؛ لأن الطلاق أحكامة متعلقة بما يحل وما يحرم، وهو متعلق بأنساب الناس، وأعراضهم فتورع عن القول في ذلك أو الاكثار من القول فيه، ولاسيما والناس من الزمن القديم أحدثون من الطلاق ما يستدعي التورع، ومعلوم أن عمر -﵁- قال: " إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم" (^١).
ما يستفاد
* جواز سؤال العالم عما يظن أنه مقصر فيه.
* التورع عن الفتيا، وتوخي الخذر فيما يترتب عليها.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٣٨ - (٦) أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ (^٢)، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ: " لَقَدْ أَدْرَكْتُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ عِشْرِينَ [وَمِائَةً مِنَ الأَنْصَارِ وَمَا مِنْهُمْ] (^٣) أَحَدٌ يُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ إِلاَّ وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْحَدِيثَ، وَلَا يُسْأَلُ عَنْ فُتْيَا إِلاَّ وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْفُتْيَا ".
_________________
(١) مسلم حديث (١٤٧٢).
(٢) في (ت) إبراهيم، وصوبه في الهامش.
(٣) ما بين المعقوفين سقط من (ت) واستدرك بهامشها.
[ ١ / ٢٨٢ ]
رجال السند:
أَبُو نُعَيْمٍ، هو الفضل بن دكين، إمام ثقة تقدم، وسُفْيَانُ، هو الثوري، إمام ثقة تقدم، وعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، صدوق اختلط، سمع منه سفيان الثوري قبل ذلك تقدم، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، من كبار التابعين ثقة تقدم.
الشرح:
قوله: «سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ: " لَقَدْ أَدْرَكْتُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ». المراد أن كل واحد منهم يطلب السلامة من الفتيا، ومن القول على الله -﷿-، وعلى رسوله -ﷺ- بغير علم، فقل من يسلم من خطر الفتيا، فلا يجرؤون عليها، ولا يتسارعون إليها، مع أنهم عاصروا رسول الله -ﷺ- وسمعوا منه، وحصل لهم من العلم والفضل ما لم يحصل لغيرهم -﵃-، ومع ذلك تواضعوا وخاف كل منهم على نفسه ﵃ وأرضاهم، والخبر رجاله ثقات، وسماع عطاء من سفيان كان قبل الاختلاط، وانظر: القطوف رقم (٨١/ ١٣٧).
ما يستفاد:
* الحرص على النجاة من تحمل أعباء الفتيا.
* التواضع وعدم التظاهر بالعلم.
* علو المكانة لابن أبي ليلى بإدراكه مائة وعشرين من أصحاب رسول الله -ﷺ-.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٣٩ - (٧) حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ دَاوُدَ قَالَ: "سَأَلْتُ الشَّعْبِيَّ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ إِذَا سُئِلْتُمْ؟ قَالَ:
[ ١ / ٢٨٣ ]
عَلَى الْخَبِيرِ وَقَعْتَ، كَانَ إِذَا سُئِلَ الرَّجُلُ قَالَ لِصَاحِبِهِ: أَفْتِهِمْ، فَلَا يَزَالُ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الأَوَّلِ " (^١).
رجال السند:
يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ، هو أبو يعقوب إمام ثقة، وأَبُو بَكْرٍ، هو ابن عياش، إمام ثقة، ودَاوُدُ، هو ابن أبي هند، إمام ثقة تقدم.
الشرح:
فيه التوكيد على ما تقدم من كراهتهم للفتيا، وتدافعهم لها، كل يريد الخلاص من تبعتها، وانظر ما تقدم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٤٠ - (٨) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَجَّاجِ قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: إِنَّ الْعَالِمَ يَدْخُلُ فِيمَا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ فَلْيَطْلُبْ لِنَفْسِهِ الْمَخْرَجَ (^٢).
رجال السند:
أَحْمَدُ بْنُ الْحَجَّاجِ، هو البكري أبو العباس المروزي، أحد أفراد البخاري إمام ثقة، وسُفْيَانُ، هو ابن عيينة إمام ثقة تقدم، وابْنُ الْمُنْكَدِرِ، هو محمد إمام ثقة تقدم.
الشرح:
قوله: «إِنَّ الْعَالِمَ يَدْخُلُ فِيمَا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ فَلْيَطْلُبْ لِنَفْسِهِ الْمَخْرَجَ». هذا
يدل على خطورة التصدر للفتيا، فمن أحال على غيره كما فعل الصحابة -﵃- يحيل بعضهم على بعض فقد طلب لنفسه السلامة من تبعة الفتيا، ومن
_________________
(١) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٨٢/ ١٣٨).
(٢) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٨٣/ ١٣٩).
[ ١ / ٢٨٤ ]
أفتى بما يتفق مع الكتاب والسنة، فقد خرج من العهدة، ومن يجشم عناءها وأفتي بالرأي فقد هلك وأهلك، وفي هذا جرأة على الله -﷿- وعلى رسوله، وقد لا يسلم من العذاب، وانظر ما تقدم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٤١ - (٩) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، أنْبَأَ أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ قَالَ: " أَخْرَجَ إِلَيَّ مَعْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كِتَابًا فَحَلَفَ لِي بِاللَّهِ إِنَّهُ خَطُّ أَبِيهِ، فَإِذَا فِيهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُو، مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشَدَّ عَلَى الْمُتَنَطِّعِينَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشَدَّ عَلَيْهِمْ مِنْ أَبِي بَكْر رضوان الله عليهٍ، وَإِنِّي لأَرَى عُمَرَ -﵁- كَانَ أَشَدَّ خَوْفًا عَلَيْهِمْ أَوْ لَهُمْ " (^١).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، هو الجوهري، ضعيف روى عنه البخاري في خلق أفعال العباد، وأَبُو أُسَامَةَ، هو حماد بن أسامة إمام ثقة حافظ، ومِسْعَرٌ، هو ابن كدام إمام ثقة تقدم.
الشرح:
قوله: «أَخْرَجَ إِلَيَّ مَعْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كِتَابًا فَحَلَفَ لِي بِاللَّهِ إِنَّهُ خَطُّ أَبِيهِ».
معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، جده ابن مسعود الصحابي -﵁-، كنيته أبو القاسم قاضي الكوفة، إمام ثقة.
_________________
(١) فيه محمد بن قدامة الجوهري: فيه لين، ويشهد له حديث عبد الله بن مسعود -﵁- (هلك المتنطعون) أخرجه مسلم حديث (٢٦٧٠) وانظر: القطوف رقم (٨٤/ ١٤٠).
[ ١ / ٢٨٥ ]
هذا الإمام ﵀ وثق أن الكتاب خط أبيه عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود.
قوله: «فَإِذَا فِيهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُو، مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشَدَّ عَلَى الْمُتَنَطِّعِينَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-».
لأن رسول الله -ﷺ- رحمة للعالمين، وليس في التنطع والغلو رحمة، «هلك المتنطعون» (^١).
قوله: «وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشَدَّ عَلَيْهِمْ مِنْ أَبِي بَكْر رضوان الله عليهٍ». لأنه المتبع لرسول الله -ﷺ- في كل صغيرة وكبيرة.
«وَإِنِّي لأَرَى عُمَرَ -﵁- كَانَ أَشَدَّ خَوْفًا عَلَيْهِمْ أَوْ لَهُمْ».
المراد أنه كان أشد خوفا على المتنطعين من الهلاك الذي أخبر به رسول الله -ﷺ-.
ما يستفاد:
* أن الإسلام دين رحمة ويسر وسهوله.
* التحذير من الغلو التنطع فهو الهلاك.
* أهمية اتباع الكتاب والسنة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٤٢ - (١٠) أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، أَنْبَأَ زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَاضِرٍ
_________________
(١) مسلم حديث (٢٦٧٠).
[ ١ / ٢٨٦ ]
الأَزْدِيِّ قَالَ: " دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ: أَوْصِنِي. فَقَالَ: نَعَمْ، عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالاِسْتِقَامَةِ، اتَّبِعْ وَلَا تَبْتَدِعْ " (^١).
رجال السند:
أَبُو نُعَيْمٍ، هو الفضل بن دكين إمام ثقة تقدم، وزَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ، ضعفه الجمهور، وحديثه عند مسلم مقرون تقدم، وعُثْمَانَ بْنُ حَاضِرٍ الأَزْدِيِّ، هو أبو حاضر يماني ثقة.
الشرح:
قوله: «دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ: أَوْصِنِي. فَقَالَ: نَعَمْ، عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالاِسْتِقَامَةِ، اتَّبِعْ وَلَا تَبْتَدِعْ».
عبد الله بن عباس ﵄، سأله الأزدي أن يوصه، فأمره بتقوى الله -﷿-؛ لأنها جماع كل خير، وبالاستقامة في الأمور كلها ومن فعل ذلك فهو موعود من الله -﷿- بالأمان، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (^٢)، ثم أمره بالاتباع؛ لأن التقوى والاستقامة على الطاعات والبعد عن المعاصي كل ذلك لا يتم إلا بالاقتداء والاتباع، فالتقوى والاستقامة والاتباع هي جماع النجاة والفوز بوعد الله -﷿-.
_________________
(١) فيه زمعة بن صالح: ضعيف، وللحديث شواهد كثيرة من الكتاب والسنة، وانظر: القطوف رقم (٨٥/ ١٤١).
(٢) الآية (٣٠) من سورة فصلت.
[ ١ / ٢٨٧ ]
ما يستفاد:
* جواز أن يطلب المسلم من الرجل الصالح الوصية في عمل الخير.
* أن أفضل ما يوصى به ثلاث: تقوى الله والاستقامة والاتباع.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٤٣ - (١١) أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ مَالِكٍ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: " كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ مَا كَانَ عَلَى الأَثَرِ " (^١).
رجال السند:
مَخْلَدُ بْنُ مَالِكٍ، هو الجمال، إمام ثقة تقدم، والنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، هو البصري أبو الحسن، راوية شعبة، مصنف لم يسبق فيما صنف، ولي قضاء مرو، إمام قدوة ثقة، وابْنُ عَوْنٍ، هو عبد الله إمام ثقة تقدم، وابْنُ سِيرِينَ، هو محمد من سادات التابعين.
الشرح:
«قوله: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ مَا كَانَ عَلَى الأَثَرِ».
المراد أن الصحابة -﵃-، والتابعين ﵏ كانوا يرون المسلم على طريق الحق ما كان ملتزما بالأثر من الكتاب والسنة.
ما يستفاد:
* أن الالتزام بالأثر هو طريق الاستقامة، والنجاة من الغلو والبدع.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٤٤ - (١٢) أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ،
_________________
(١) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٨٦/ ١٤٢).
[ ١ / ٢٨٨ ]
عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: " مَا دَامَ عَلَى الأَثَرِ فَهُوَ عَلَى الطَّرِيقِ" (^١).
رجال السند:
يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، هو اليشكري، أبو غسان التستري، من أفراد الدارمي، صدوق، وأَزْهَرُ، هو الباهلي، أبو بكر السمان، راوية ابن عون، ثقة، وابْنُ عَوْنٍ، وابْنُ سِيرِينَ إمامان تقدما آنفا.
الشرح: انظر السابق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٤٥ - (١٣) أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: " قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَقَبْضُهُ أَنْ يَذْهَبَ أَهْلُهُ، أَلَا وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَطُّعَ، وَالتَّعَمُّقَ، وَالتَّبَدُّعَ، وَعَلَيْكُمْ بِالْعَتِيقِ ".
رجال السند:
أَبُو الْمُغِيرَةِ، هو عبد القدوس الحمصي، والأَوْزَاعِيُّ، هو عبد الرحمن ابن عمرو، هما إما مان ثقتان تقدما، ويَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، هو الطائي، أبو نصر اليماني، إمام ثقة ربما دلس، وأَبو قِلَابَةَ، هو عبد الله بن زيد الجرمي، إمام ثقة تقدم.
الشرح:
رجاله ثقات، وأبو قلابة عبد الله بن زيد لم يرك ابن مسعود -﵁-، ولروايته
شواهد كثيرة غير خافية، وانظر: القطوف رقم (٨٨/ ١٤٤).
_________________
(١) سنده حسن، وانظر: القطوف رقم (٨٧/ ١٤٣).
[ ١ / ٢٨٩ ]
والمراد بالعتيق ما كان عليه النبي -ﷺ-، والصحابة من بعده -﵃-.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٤٦ - (١٤) أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو النُّعْمَانِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: " قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَقَبْضُهُ أَنْ يُذْهَبَ بِأَصْحَابِهِ، وَعَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَتَى يُفْتَقَرُ إِلَيْهِ - أَوْ يُفْتَقَرُ إِلَى مَا عِنْدَهُ - وَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ أَقْوَامًا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَدْعُونَكُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَقَدْ نَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ وَإِيَّاكُمْ وَالتَّبَدُّعَ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَطُّعَ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّعَمُّقَ، وَعَلَيْكُمْ بِالْعَتِيقِ " (^١).
رجال السند:
سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو النُّعْمَان، وحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وأَيُّوبُ، وأَبو قِلَابَةَ، جميعهم أئمة ثقات تقدموا.
الشرح:
قوله: «قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَقَبْضُهُ أَنْ يُذْهَبَ بِأَصْحَابِهِ».
ابن مسعود، هو الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود -﵁-.
وتقدم الكلام على هذا عند الحديث ٩٧، وما بعده فأغنى عن الإعادة. قوله: «وَعَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَتَى يُفْتَقَرُ إِلَيْهِ، أَوْ يُفْتَقَرُ إِلَى مَا عِنْدَهُ».
فيه الحث على طلب العلم فإن الإنسان لا يعلم متى العلم في بعض المسائل لذات نفسه، ولا يعلم متى يحتاج الناس ما عنده من العلم فيطلبونه.
_________________
(١) رجاله ثقات، وانظر سابقه، وانظر: القطوف رقم (٨٩/ ١٤٥).
[ ١ / ٢٩٠ ]
قوله: «وَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ أَقْوَامًا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَدْعُونَكُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَقَدْ نَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ».
تقدم بيان نحو هذا عند الحديث ١٢١، فأغنى عن الإعادة.
قوله: «وَإِيَّاكُمْ وَالتَّبَدُّعَ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَطُّعَ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّعَمُّقَ، وَعَلَيْكُمْ بِالْعَتِيقِ».
تقدم البيان عند الحديث ١٤٠، فأغنى عن الإعادة.
والمراد «بِالْعَتِيقِ» القديم من العلم في زمن النبي -ﷺ-.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٤٧ - (١٥) (^١) أَخْبَرَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ: " أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ صَبِيغٌ (^٢) قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَجَعَلَ يَسْأَلُ عَنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ وَقَدْ أَعَدَّ لَهُ عَرَاجِينَ النَّخْلِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ صَبِيغٌ. فَأَخَذَ عُمَرُ عُرْجُونًا مِنْ تِلْكَ الْعَرَاجِينِ فَضَرَبَهُ وَقَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ.
فَجَعَلَ لَهُ ضَرْبًا حَتَّى دَمِيَ رَأْسُهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَسْبُكَ قَدْ ذَهَبَ
الَّذِى كُنْتُ أَجِدُ فِي رَأْسِي " (^٣).
رجال السند:
أَبُو النُّعْمَانِ، الفضل بن دكين، وحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، هما إمامان ثقتان تقدما، ويَزِيدُ بْنُ حَازِمٍ، هو الأزدي، أبو بكر الجهضمي، أخو جرير الجهضمي،
_________________
(١) كتب قبالته في (ت) آخر الجزء من الأصل.
(٢) ورد ت نسبته في الحديث (١٥٠) العراقي، وهو صبيغ مكبرا ومصغرا ابن عسل، بكسر العين المهملة اليربوعي، من بني تميم. أنظر (الشريعة للآجري ص ٧٣).
(٣) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٩٠/ ١٤٦).
[ ١ / ٢٩١ ]
من أفراد الدارمي، إمام ثقة، وسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَار، هو الهلالي من فقهاء المدينة السبة، مدني تابعي إمام ثقة.
الشرح:
قوله: «أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ صَبِيغٌ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَجَعَلَ يَسْأَلُ عَنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ وَقَدْ أَعَدَّ لَهُ عَرَاجِينَ النَّخْلِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ صَبِيغٌ. فَأَخَذَ عُمَرُ عُرْجُونًا مِنْ تِلْكَ الْعَرَاجِينِ فَضَرَبَهُ وَقَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ. فَجَعَلَ لَهُ ضَرْبًا حَتَّى دَمِيَ رَأْسُهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَسْبُكَ قَدْ ذَهَبَ الَّذِى كُنْتُ أَجِدُ فِي رَأْسِي».
صبيغ هو ابن عِسْل اليربوعي، من بني تميم، وسيأتي عند المصنف أن عمرو بن العاص -﵁- والي عمر -﵁- على مصر شكا أمر صبيغ إلى عمر -﵁- وقد ذكر له أنه يسأل عن تأويل القرآن.
ولقله أثار نوعا من المتشابه لا سبيل إلى تأويل، كمعرف وقت خروج الدابة وقيام الساعة، وما شابه ذلك، وإلا لما أدبه عمر -﵁- وقسا عليه، ولو كان سؤاله عن المتشابه من نحو العام والخاص، والواجب والنفل وغير ذلك، لما عاقبه عمر على ذلك، وهذا يجب عقاب من تتبع المتشابه لإثارة الشبهات، وتقدم قول أبي قلابة ﵀: " ما ابتدع أحد بدعة إلا استحل السيف ".
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٤٨ - (١٦) أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تَلَا
[ ١ / ٢٩٢ ]
رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (^١) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَاحْذَرُوهُمْ» (^٢).
رجال السند:
أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، وحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، إمامان ثقتان تقدما، وَيَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هو التستري، أبو سعيد البصري، إمام ثقة، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، هو التيمي ولي القضاء لابن الزبير، تابعي فقيه أدرك عددا من الصحابة، إمام ثقة، والْقَاسِمُ، هو ابن محمد إمام ثقة، ثبت سماعه من عائشة، ومن القاسم عن عائشة تقدم.
الشرح:
قوله: «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَاحْذَرُوهُمْ».
لأن الله -﷿- أخبر عنهم فقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ فبين أنهم زائغون عن الحق، لذلك حذر منهم رسول الله -ﷺ-، وانظر ما تقدم.
_________________
(١) الآية (٧) من سورة آل عمران.
(٢) رجاله ثقات، وأخرجه البخاري حديث (٤٥٤٧) مسلم حديث (٢٦٦٥) وانظر: (اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان حديث ١٧٠٥).
[ ١ / ٢٩٣ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٤٩ - (١٧) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا حَفْصٌ (^١)، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: " سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ: إِنِّي لأَكْرَهُ أَنْ أُحِلَّ لَكَ شَيْئًا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، أَوْ أُحَرِّمَ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَكَ " (^٢).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، هو ابن أبي شيبة، وحَفْصٌ، هو ابن غياث والأَعْمَشُ، وشَقِيقٌ، هو ابن سلمة، الجميع أئمة ثقات تقدموا.
الشرح:
قوله: «سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ: إِنِّي لأَكْرَهُ أَنْ أُحِلَّ لَكَ شَيْئًا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، أَوْ أُحَرِّمَ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَكَ».
عبد الله هو ابن مسعود -﵁-، كره أن يدلي برأيه في مسألة ليس لها في كتاب الله -﷿- ولا سنة رسول الله -ﷺ- ما يدل على تحريمها أو تحليلها، أجاب السائل بهذا.
وقد سبق مثل هذا عن إبراهيم النخعي ﵀، وغيره فانظر ما تقدم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٥٠ - (١٨) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ:
_________________
(١) في الأصول الخطية (فيض) عدا (ك) وهامش (ت).
(٢) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٩١/ ١٤٨).
[ ١ / ٢٩٤ ]
لأَنْ أَرُدَّهُ بِعِيِّهِ (^١) أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ أَتَكَلَّفَ لَهُ مَا لَا أَعْلَمُ (^٢).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ عُيَيْنَةَ، هو الفزاري، أبو عبد الله الثغري، لابأس به، وأَبو إِسْحَاق الْفَزَارِيِّ، هو إبراهيم بن محمد بن الحارث، مصنف شديد على أهل البدع، إمام ثقة، وابْنُ عَوْن، هو عبد الله، وابْنُ سِيرِينَ، إمامان ثقتان تقدما، وحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هو الحميري فقيه البصرة، تابعي ثقة، أثنى عليه ابن سيرين.
الشرح:
قوله: «لأَنْ أَرُدَّهُ بِعِيِّهِ (^٣) أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ أَتَكَلَّفَ لَهُ مَا لَا أَعْلَمُ».
المراد أنه يرد السائل عما ليس في كتاب الله -﷿-، ولا في سنة رسول الله -ﷺ- بجهله، خير من يتجشم الإجابة بما لا يعلم، وهذا من التقوى والورع. وانظر ما سبق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٥١ - (١٩) (^٤) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَجْلَانَ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ صَبِيغًا الْعِرَاقِيَّ جَعَلَ يَسْأَلُ عَنْ أَشْيَاءَ
_________________
(١) العي: الجهل، ومنه (إنما شفاء العي السؤال) انظر (النهاية ٣/ ٣٣٤).
(٢) فيه محمد بن عيينة الفزاري: مقبول، وانظر: القطوف رقم (٩٢/ ١٤٩).
(٣) العي: الجهل، ومنه (إنما شفاء العي السؤال) انظر (النهاية ٣/ ٣٣٤).
(٤) في (ك) ختم مستدير نص ما كتب فيه (وقف هذا للخير الحاج أحمد بن نعمان الوزير الأعظم).
[ ١ / ٢٩٥ ]
مِنَ الْقُرْآنِ فِي أَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى قَدِمَ مِصْرَ، فَبَعَثَ بِهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَلَمَّا أَتَاهُ الرَّسُولُ بِالْكِتَابِ فَقَرَأَهُ فَقَالَ: أَيْنَ الرَّجُلُ؟ قَالَ: فِي الرَّحْلِ. قَالَ عُمَرُ: أَبْصِرْ (^١).
أَنْ يَكُونُ ذَهَبَ فَتُصِيبَكَ مِنْه (^٢) الْعُقُوبَةُ الْمُوجِعَةُ. فَأَتَاهُ بِهِ فَقَالَ عُمَرُ: تَسْأَلُ مُحْدَثَةً. فَأَرْسَلَ عُمَرُ إِلَى رَطَائِبَ (^٣) مِنْ جَرِيدٍ فَضَرَبَهُ بِهَا حَتَّى تَرَكَ ظَهْرَهُ دَبِرَةً (^٤)، ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى بَرَأَ، ثُمَّ عَادَ لَهُ ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى بَرَأَ، فَدَعَا بِهِ لِيَعُودَ لَهُ، قَالَ فَقَالَ صَبِيغٌ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ قَتْلِي فَاقْتُلْنِي قَتْلًا جَمِيلًا، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُدَاوِيَنِي فَقَدْ وَاللَّهِ بَرَأْتُ. فَأَذِنَ لَهُ إِلَى أَرْضِهِ وَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ: أَنْ لَا يُجَالِسَهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الرَّجُلِ، فَكَتَبَ أَبُو مُوسَى إِلَى عُمَرَ: أَنْ قَدْ حَسُنَتْ هَيْئَتُهُ. فَكَتَبَ عُمَرُ أَنِ ائْذَنْ لِلنَّاسِ
بِمُجَالَسَتِهِ (^٥).
_________________
(١) أي كن شديد البُصر به، وارقبه، على حد قوله تعالى: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ الكهف: من الآية ٢٦.
(٢) في (ت) صوبت في الهامش (مني) وكلاهما يصح، منه أي: بسببه، ومني أي: بسبب إهمالك إياه.
(٣) جمع رطيبة وهي: السعفة الخضراء.
(٤) أي جرح، والدبر: الجرح الذي يكون في ظهر البعير (النهاية ٢/ ٩٧).
(٥) فيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، المرجح أنه حسن الحديث، هذا يوافق لمنهج أهل السنة، وانظر: القطوف رقم (٩٣/ ١٥٠).
[ ١ / ٢٩٦ ]
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، هو كاتب الليث صدوق، واللَّيْثُ، هو ابن سعد إمام ثقة تقدم، وابْنُ عَجْلَانَ، هو محمد بن عجلان القرشي، أبو عبد الله المدني، كان يفتي في مسجد الرسول -ﷺ-، إمام ثقة شبهه ابن المبارك بالياقوتة بين العلماء، ونَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ، إمام ثقة، وعبد الله هو ابن عمر ﵄.
الشرح:
تقدم بعض هذه القصة برقم ١٠١، ١٤٧، وهكذا يجب أن يعامل أهل الشبهات، حتى يطيح ما برؤوسهم، فيتوبون ويكفي الناس شرهم، فأين عمر في هذا الزمان، والله المستعان.
قوله: «أَنَّ صَبِيغًا الْعِرَاقِيَّ جَعَلَ يَسْأَلُ عَنْ أَشْيَاءَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي أَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ».
صبيغ تقدم أنه ابن عِسْل التميمي، العراقي: هذا يبين أنه بدأ إثارة الشبهات بين الجند في العراق.
قوله: «حَتَّى قَدِمَ مِصْرَ، فَبَعَثَ بِهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ».
المراد أنه استمر فيما أثار حتى قدم مصر، وكان واليها من قبل عمر -﵁-
عمرو بن العاص -﵁- وهو أبو عبد الله السهمي، كان مرفقا لخالد بن الوليد في هجرته إلى رسول الله -ﷺ- بالمدينة، وفي ولايته على مصر بعث بصبيغ إلى عمر بالمدينة، وكتب عمرو بأمره.
[ ١ / ٢٩٧ ]
قوله: «فَلَمَّا أَتَاهُ الرَّسُولُ بِالْكِتَابِ فَقَرَأَهُ فَقَالَ: أَيْنَ الرَّجُلُ؟ قَالَ: فِي الرَّحْلِ. قَالَ عُمَرُ: أَبْصِرْ أَيَكُونُ ذَهَبَ فَتُصِيبَكَ مِنْه الْعُقُوبَةُ الْمُوجِعَةُ».
قرأ عمر الكتاب وسأل عن الرجل، وحرز عليه المرسَل عليه، وتوعده بالعقوبة إن هرب صبيغ.
قوله: «فَأَتَاهُ بِهِ فَقَالَ عُمَرُ: تَسْأَلُ مُحْدَثَةً. فَأَرْسَلَ عُمَرُ إِلَى رَطَائِبَ مِنْ جَرِيدٍ فَضَرَبَهُ بِهَا حَتَّى تَرَكَ ظَهْرَهُ دَبِرَةً».
وجاء الحارس بصبيغ، فأنكر عليه -﵁- أن يثير المحدثات، ولو ترك هذا الأمر لفسد الدين، وتفرق الناس حسب الأهواء والمحدثات، لذلك عمر -﵁- شدد عقوبة صبيغ؛ لأنه ممن أحدث وسأل عن الشبهات، فضربه عمر ضربا مبرحا بجريد نخل أخضر، فضربه حتى أدمي ظهره.
قوله: «ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى بَرَأَ، ثُمَّ عَادَ لَهُ ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى بَرَأَ، فَدَعَا بِهِ لِيَعُودَ لَهُ، قَالَ فَقَالَ صَبِيغٌ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ قَتْلِي فَاقْتُلْنِي قَتْلًا جَمِيلًا، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُدَاوِيَنِي فَقَدْ وَاللَّهِ بَرَأْتُ».
المراد أن هذه هي الجرعة الأولى من العقوبة، ولكن رحمة من عمر -﵁- ترك صبيغا ليبرأ جرحه، فلما برأ استدعاه للجرعة الثانية، ولكن تبين أن الجرعة الأولى كانت علاجا ناجعا، لذلك تساءل صبيغ عن مراد عمر -﵁- من استدعائه مرة أخرى فإن المراد القتل فالرحمة طلب، وإن كان الدواء
فالجرعة الأولى قد أزالت البلاء، والحمد لله.
قوله: «فَأَذِنَ لَهُ إِلَى أَرْضِهِ وَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ: أَنْ لَا يُجَالِسَهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ».
[ ١ / ٢٩٨ ]
أدن عمر -﵁- أن يعود إلى أرضه العراق، وكتب إلى واليه على الكوفة أبي موسى الأشعري -﵁-، وهو عبد الله بن قيس الصحابي الجليل، دعا له النبي -ﷺ-، كتب إليه عمر -﵁- لينفذ الجرعة الثالثة من العقوبة، ألا يجالسه أحد من المسلمين، ليشعره بفداحة ما أقدم عليه، وليكون للناس فيه عبرة.
قوله: «فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الرَّجُلِ، فَكَتَبَ أَبُو مُوسَى إِلَى عُمَرَ: أَنْ قَدْ حَسُنَتْ هَيْئَتُهُ. فَكَتَبَ عُمَرُ أَنِ ائْذَنْ لِلنَّاسِ بِمُجَالَسَتِهِ».
وفي الحقيقة هذه عقوبة ليست سهلة فقد تكون أشد من ضرب الجريد، فرق له أبو موسى -﵁- وكتب لعمر -﵁- بصلاح أمر صبيغ، فرد عمر -﵁- بأن يسمح للناس بمجالسته، هذه هي الحكمة والجزم في دفع الشبهات عن الفرد والجماعة، فنعوذ بالله من البدع ومحدثات الأمور.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٥٢ - (٢٠) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، ثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرًا يَقُولُ: " اسْتَفْتَى رَجُلٌ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقَالَ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ مَا تَقُولُ في كَذَا وَكَذَا؟، قَالَ يَا بُنَيَّ أَكَانَ الَّذِي سَأَلْتَنِي عَنْهُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أَمَّا لَا فَأَجِّلْنِي حَتَّى يَكُونَ فَنُعَالِجَ أَنْفُسَنَا حَتَّى نُخْبِرَكَ " (^١).
رجال السند:
أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، هو أبو عبد الله الكوفي ثقة متقن تقدم، وزُهَيْرٌ، هو ابن معاوية، أبو خيثمة، ثقة إمام تقدم، وإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ هو
_________________
(١) رجاله ثقات، وهو موصول بالذي بعده، فالمبهم هنا هو مسروق.
[ ١ / ٢٩٩ ]
البجلي أبو عبد الله، سمع من بعض الصحابة -﵃-، كان محدث الكوفة في زمانه، إمام ثقة.
الشرح:
قوله: سَمِعْتُ عَامِرًا يَقُولُ: " اسْتَفْتَى رَجُلٌ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقَالَ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ مَا تَقُولُ في كَذَا وَكَذَا؟، قَالَ يَا بُنَيَّ أَكَانَ الَّذِي سَأَلْتَنِي عَنْهُ؟ قَالَ: لَا. عامر هو الشعبي، إمام ثقة تقدم، أبي بن كعب -﵁- من فضلاء الصحابة -﵃- ولعل الرجل الذي استفتى أبيا -﵁- يكون مسروق بن سعيد، كما توضحه الرواية التالية، ولم يجب أبي -﵁- وسأل الرجل عن كينونة ما سأل عنه، فإن كان أجاب وإلا فهو محدث يجتنب الإجابة عنه.
قوله: «قَالَ: أَمَّا لَا فَأَجِّلْنِي حَتَّى يَكُونَ فَنُعَالِجَ أَنْفُسَنَا حَتَّى نُخْبِرَكَ». لم يجب أبي -﵁- وطلب تأجيل هذا حتى يحدث فيعالج القول فيه؛ لأن القول فيما لم يحدث استعجال لا مبرر له، وهو من الترف العلمي الذي لا مائدة منه، بل فيه ضرر ضياع الوقت، وإهدار الطاقة الفكرية، وهذا خاض بما يتعلق بالدين، أما ما يتعلق بأمور الدنيا فلا حرج في الإبداع والتطوير، وهو أمر محمود، لا يمنع منه الإسلام.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٥٣ - (٢١) أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، أَنْبَأَ أَبُو عَوَانَةَ، فَأَخْبَرَنَا عَنْ فِرَاسٍ، عَنِ عَامِرٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: " كُنْتُ أَمْشِي مَعَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَقَالَ فَتًى: يَا
[ ١ / ٣٠٠ ]
عَمَّاهُ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي كَانَ هَذَا؟، قَالَ: لَا. قَالَ: فَأَعْفِنَا حَتَّى يَكُونَ " (^١).
رجال السند:
يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، هو ابن أبي زياد، أبو محمد الشيباني، صهر أبي عوانة وراويته، إمام ثقة، وأَبُو عَوَانَةَ، هو الوضاح إمام ثقة تقدم، وفِرَاسٍ، هو ابن يحيى الهمداني، أبو يحيى الخارفي، من أصحاب عامر الشعبي، إمام ثقة، عَامِرٍ، هو الشعبي، ومَسْرُوقُ بن سعيد الأجدع الوادعي، من كبار التابعين، إمام ثقة.
الشرح:
قول: «أَبُو عَوَانَةَ، فَأَخْبَرَنَا عَنْ فِرَاسٍ».
فيه لفت نظر إلى أن أبا عوانة لم يسمع هذا الحديث من فراس، مع أن سماع أبي عوانة من فراس ثابت، وروايته في الصحيحين. وأنظر السابق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٥٤ - (٢٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ:
" كَانَ إِبْرَاهِيمُ، إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُجِبْ فِيهِ إِلاَّ جَوَابَ الَّذِي سُئِلَ عَنْهُ " (^٢).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، هو الأشج، وأَبُو أُسَامَةَ، حماد بن أسامة، والأَعْمَشِ، أئمة ثقات تقدموا.
_________________
(١) سنده حسن، وانظر: القطوف رقم (٩٥/ ١٥٢).
(٢) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٩٦/ ١٥٣).
[ ١ / ٣٠١ ]
الشرح:
قوله: «كَانَ إِبْرَاهِيمُ، إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُجِبْ فِيهِ إِلاَّ جَوَابَ الَّذِي سُئِلَ عَنْهُ».
إبراهيم هو النخعي إمام ثقة، تقدم، كان ﵀ لا يزد في الإجابة على ما سأل عنه، يجيب على قدر السؤال، ولا يسترسل، وهذا أسلم وأحوط عن الخطأ؛ من كثر كلامه كثر سقطه.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٥٥ - (٢٣) أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ وُهَيْبٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: " أَنَّهُ كَانَ لَا يُفْتِي في الْفَرْجِ بِشَيْءٍ فِيهِ اخْتِلَافٌ ".
رجال السند:
الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ، هو ابن جعفر بن عبد الله بن رزين السلمي أبو علي النيسابوري، لابأس به، والْحُسَيْنُ بْنُ الْوَلِيدِ، هو النيسابوري، أبو عبد الله وثَّقه الدار قطني، كان من أسخى الناس وأورعهم وأتقاهم وأغزاهم، ووُهَيْبٌ، هو ابن خالد بن عجلان، إمام ثقة، يملي من حفظه تقدم، وهِشَامٌ، هو ابن حسان أبو عبد الله البصري، ثبت في ابن سيرين، إمام ثقة، ومُحَمَّدُ ابْنُ سِيرِينَ، من سادات التابعين تقدم.
الشرح:
قول: «أَنَّهُ كَانَ لَا يُفْتِي في الْفَرْجِ بِشَيْءٍ فِيهِ اخْتِلَافٌ».
يعني مسائل الطلاق؛ لأن الاحتياط فيما أصله التحريم واجب، تعظيما لشأن الفروج والأنساب. وانظر رقم (١٣٦)، وهذا ورع من ابن سيرين رحمه
[ ١ / ٣٠٢ ]
الله؛ لأن قضايا الطلاق، والخلع، والإيلاء متعلقة بحل الفروج وتحريمها، ومتعلقة بالأنساب، فالعالم يخشى من الزلل فيحل ما حرم الله، أو يحرم ما أحل الله -﷿-، والخبر رجاله ثقات، وهنا تصرّف صاحب فتح المنان في إنهاء باب (١٩) بالأثر رقم (١٥٣) المقابل عنده باب (٤) أثر (١٥٨) ونقل الآثار (١٥٤ - ١٥٨) التي تليه إلى باب (٥) عنده الآثار (١٦٣ - ١٦٧) المقابل باب (٢٠) عندنا، وانظر: القطوف رقم (٩٧/ ١٥٤).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٥٦ - (٢٤) أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا الصَّلْتُ ابْنُ رَاشِدٍ قَالَ: " سَأَلْتُ طَاوُسًا، عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ لِى: كَانَ هَذَا؟، قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: آللَّهِ؟، قُلْتُ: آللَّهِ. قَالَ: إِنَّ أَصْحَابَنَا أَخْبَرُونَا عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَعْجَلُوا بِالْبَلَاءِ قَبْلَ نُزُولِهِ فَيُذْهَبَ بِكُمْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا، وَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَعْجَلُوا بِالْبَلَاءِ قَبْلَ نُزُولِهِ لَمْ يَنْفَكَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَكُونَ
فِيهِمْ مَنْ إِذَا سُئِلَ سُدَّدَ، وَإِذَا قَالَ وُفِّقَ " (^١).
رجال السند:
مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هو الفراهيدي، وحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، إمامان ثقتان تقدما، والصَّلْتُ بْنُ رَاشِدٍ، من أفراد الدارمي، سكت عنه الإمامان يروي عن طاوس ومجاهد، وثقه ابن معين.
الشرح: انظر ما سبق.
_________________
(١) رجاله ثقات، وتقدم مرفوعا. انظر رقم (١١٨) وانظر: القطوف رقم (٥٨/ ١٥٥).
[ ١ / ٣٠٣ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٥٧ - (٢٥) أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرِو ابْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: " سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ أَدْرَكَهُ رَمَضَانَانِ، فَقَالَ: أَكَانَ أَوْ لَمْ يَكُنْ؟، قَالَ: لَمْ يَكُنْ بَعْدُ، قَالَ: اتْرُكْ بَلِيَّتَهً حَتَّى تَنْزِلَ، قَالَ: فَدَلَّسْنَا لَهُ رَجُلًا فَقَالَ: قَدْ كَانَ. فَقَالَ: يُطْعِمُ عَنِ الأَوَّلِ فِيهِمَا ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا، لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ " (^١).
رجال السند:
بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، هو بشر بن الحكم بن حبيب بن مهران العبدي أبو عبد الرحمن النيسابوري الفقيه الزاهد، والد عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، وابن عم محمد بن عبد الوهاب بن حبيب الفراء، إمام ثقة، وعَبْدُ الْعَزِيزِ ابْنُ مُحَمَّدٍ، هو الدراوردي، لابأس به، أخذ عليه إذا حدث من حفظه تقدم، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، هو الأودي إمام ثقة، أحد تلاميذ معاذ، وابن مسعود ﵄، ومن شيوخ الشعبي، وسعيد بن جبير وطبقتهما، قال: " صحبت معاذًا باليمن، فما فارقته حتى واريته في التراب بالشام، ثم صحبت بعده أفقه الناس عبد الله بن مسعود فسمعته يقول: عليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة " وأَبِوه، هو ميمون بن مهران أبو أيوب الجزري، الكوفي ثقة فقيه، ولي الجزيرة لعمر بن عبد العزيز، توفي سنة سبع عشرة ومائة من الهجرة.
_________________
(١) سنده حسن، وانظر: القطوف رقم (٩٩/ ١٥٦).
[ ١ / ٣٠٤ ]
الشرح:
قوله: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: " سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ أَدْرَكَهُ رَمَضَانَانِ، فَقَالَ: أَكَانَ أَوْ لَمْ يَكُنْ؟، قَالَ: لَمْ يَكُنْ بَعْدُ، قَالَ: اتْرُكْ بَلِيَّتَهً حَتَّى تَنْزِلَ، قَالَ: فَدَلَّسْنَا لَهُ رَجُلًا فَقَالَ: قَدْ كَانَ. فَقَالَ: يُطْعِمُ عَنِ الأَوَّلِ فِيهِمَا ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا، لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ».
عبد الله بن عباس ﵄، متبع للصحابة قبله في عدم الإجابة عما لم يكن، ولكن الناس يلجؤون إلى الحيل، إذ دسوا عليه من يزعم أن ما سألوا عنه كان، فأجابهم -﵁- على ما أظهروا، ولعل هذا كان منهم حرصا على سماع رأيه -﵁- فيما زعموا أنه وقع.
قوله: «فَقَالَ: يُطْعِمُ عَنِ الأَوَّلِ فِيهِمَا ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا، لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ». هذا لا يحمل إلا على أن الذي لم يصم رمضان الأول حتى دخل رمضان الذي بعده، أنه كان مريضا في رمضان الأول ولم يقدر على الصيام البتة، فهذا حاله ينطبق عليه وقول ابن عباس هذا.
أما من لم يصم رمضان لسفر أو مرض يرجى برؤه، فإن عليه القضاء قال الله -﷿-: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (^١)، ولا يجوز له الإطعام.
وأما لم يصم رمضان عامدا وهو مؤمن بفرضه وإنما تركه أشرا وبطرا تعمد ذلك ثم تاب عنه ونقل كافة من العلماء أن عليه القضاء؛ لأن الله -﷿- أوجب
_________________
(١) من الآية (١٨٥) من سورة البقرة.
[ ١ / ٣٠٥ ]
على المسافر والمريض في رمضان القضاء وهما معذوران، فإذا أوجب الله القضاء على المعذور فغيره من باب أولى.
ومنهم من قال: من لم يصم رمضان عمدًا بغير عذر حتى خرج وقته مع علمه بوجوبه لا ينفعه قضاؤه ولا يقبل منه ولو صام الدهر؛ لأن العبادات المؤقتة بوقت محدود بداية ونهاية لا يصح أن تقع إلا في وقتها المحدود.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٥٨ - (٢٦) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا الْعُمَرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: " كُنْتُ أَجْلِسُ بِمَكَّةَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ يَوْمًا وَإِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَوْمًا، فَمَا يَقُولُ ابْنُ عُمَرَ فِيمَا سُئِلَ لَا عِلْمَ لِي أَكْثَرُ مِمَّا يُفْتِي بِهِ " (^١).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ، هو أبو محمد الأصبهاني، ثقة تقدم، وإِسْحَاقُ بْنُ
سُلَيْمَانَ، هو الرازي ثقة، الْعُمَرِيُّ، عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله ابن عمر بن الخطاب العمري المدني، ثقة، وعُبَيْدُ ابْنُ جُرَيْجٍ، هو مولى بني تيم، وقيل: التميمي المدني، يعد في التابعين، عزيز الحديث، وثقه العجلي.
الشرح:
قزله: فَمَا يَقُولُ ابْنُ عُمَرَ فِيمَا سُئِلَ لَا عِلْمَ لِي أَكْثَرُ مِمَّا يُفْتِي بِهِ».
_________________
(١) فيه عبد الله العمري: ضعيف، ولم يسمع من عبيد، بل بينهما سعيد المقبري، وانظر: القطوف رقم (١٠٠/ ١٥٧).
[ ١ / ٣٠٦ ]
تقدم كثيرا عن بعض الصحابة -﵃-، وبعض التابعين ﵏ أنهم لا يكثرون القول، صيانة للدين، وبعدا عن الزلل، وانظر ما سبق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٥٩ - (٢٧) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ:
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: " تَعَلَّمُوا فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَتَى يُخْتَل (^١) إِلَيْهِ " (^٢).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُف، هو الفريابي، وسُفْيَانُ، هو ابن عيينة، والأَعْمَشُ، هو سليمان، وأَبو وَائِلٍ، هو شقيق، جميعهم أئمة ثقات تقدموا.
الشرح:
قوله: «قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: " تَعَلَّمُوا فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَتَى يُخْتَل إِلَيْهِ».
قوله: " يُخْتَل" في (ف) وفي (و) يختلف، وفي بقية الأصول الخطية (يختل) وهي متقاربة المعني، فيها معنى الذهاب خفية. انظر الفائق ١/ ٣٥٤ والنهاية ٢/ ٩) فأبقيت على ما في الأصل.
وعبد الله هو ابن مسعود -﵁-، وهذه وصية بطلب العلم لحاجت الطالب أولا، ثم إنه قد يحتاج الناس إلى علمه، فيترددون عليه لطلب ما عنده من العلم.
_________________
(١) في (ف) وفي (و) يختلف، وفي بقية الأصول الخطية (يختل) وهي متقاربة المعني، فيها معنى الذهاب خفية. انظر الفائق ١/ ٣٥٤ والنهاية ٢/ ٩) فأبقيت على ما في الأصل.
(٢) رجاله ثقات، وقد سقط من (ت) واستدرك في الهامش، وانظر: القطوف رقم (١٠١/ ١٥٨).
[ ١ / ٣٠٧ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى: