٥ - (١) أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: قَالَ كَعْبٌ: نَجِدُ مَكْتُوبًا: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَا فَظٌّ وَلَا غَلِيظٌ، وَلَا صَخَّابٌ بِالأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَأُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ، يُكَبِّرُونَ اللَّهَ -﷿- عَلَى كُلِّ نَجْدٍ (^٢)، وَيَحْمَدُونَهُ فِي كُلِّ مَنْزِلَةٍ، يَتَأَزَّرُونَ عَلَى أَنْصَافِهِمْ، وَيَتَوَضَّئُونَ عَلَى أَطْرَافِهِمْ، مُنَادِيهِمْ يُنَادِى فِي جَوِّ السَّمَاءِ، صَفُّهُمْ فِي الْقِتَالِ وَصَفُّهُمْ في الصَّلَاةِ سَوَاءٌ، لَهُمْ بِاللَّيْلِ دَوِىٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَمُهَاجِرُهُ بِطَيْبَةَ، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ (^٣).
_________________
(١) الحلية ٢/ ٣٠٦.
(٢) قال في (الصحاح ٢/ ٥٤١): النجد: ما ارتفع من الأرض، وفي الحديث رقم (٧) فسَّره بقوله: (يكبرون على كل شرف).
(٣) رجاله ثقات.
[ ١ / ٢٩ ]
رجال السند:
الحسن بن الربيع البجلي، أبو على القسري، ثقة من كبار شيوخ مسلم، وأبو الأحوص سلام بن سليم، ثقة، والأعمش سليمان بن مهران إمام، وأبو صالح ذكوان بن عبد الله السمان، مولى جويرية أم المؤمنين، ثقة، وكعب بن ماتع الحميري اليماني، يعرف بكعب الأحبار، أدرك حياة
النبي -ﷺ- ولم تكن له رؤية، وهو إمام عالم، خبير بكتب اليهود.
الشرح:
عقّب المصنف رحمه الله تعالى بذكر ما ورد في الكتب المنزلة، وكأنه ﵀ يتوخى التسلسل التاريخي، وذكر الكتب السابقة وما ورد فيها من ذكر النبي الخاتم -ﷺ- وصفاته وصفات أصحابه فيه علامة قوية على صدق نبوة نبينا محمد -ﷺ-، وهذا مهم في سياق الأحداث، وتقرير الحق، وإقامة الحجة، وللتدرج في ذلك أثر في أحوال المخاطبين، وخاصة من كتب الله -﷿- له هداية التوفيق، والخبررجاله ثقات، وهو من رواية كعب الأحبار، وهو تابعي، أدرك حياة النبي ولم يره، وهو عالم بكتب اليهود، أسلم وحسن إسلامه، قص ما وجد في التوراة والإنجيل، من صفات نبينا محمد -ﷺ-، وذكر منها أنه لا فظ ولا غليظ، وقد تأكدت فيه -ﷺ- بالممارسة الفعلية مع أصحابه إذ كان بهم رحيما، وبقول الله -﷿- مثنيا عليه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ
[ ١ / ٣٠ ]
لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (^١)، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (^٢)، وقوله ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (^٣)، وذكر منها أنه -ﷺ-.
قوله: «لا صخّاب بالأسواق».
المراد أن من صفاته -ﷺ- أنه لا يعتاد الأسواق ويرفع صوته فيها مجادلا ومماريا بالبيع والشراء، وما يقع فيه من الجدل، وسوء الأخلاق، فالأسواق ليست للأنبياء؛ لأنها من أسوأ الأعمال في الدنيا إلا لمن مارسها بحقها، من الحذر وتحري الصدق والعدل والبعد عن المماحكة والجدل، والأيمان المنفقة للسلع، ولذلك قال -ﷺ-: «شر البقاع الأسواق» (^٤)، فلم يكن مرتادا لها، ولا صخابا فيها.
قوله: «أنه لا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر» هذا من صفاته -ﷺ-، وكان ذلك صفة ملازمة له -ﷺ- منذ الصغر، لم يذكر بسوء على الإطلاق، صبر على أذى قريش؛ لأنه بعث رحمة ليس لهم فحسب بل للعالمين كافة، فلم ينتقم لنفسه ولا مرة واحدة، خرج يدعو الناس ويصبر على أذاهم حتى وصل الطائف، فأوذي أشد الأذى، وأدميت عقباه -ﷺ-،
_________________
(١) الآية (١٥٩) من سورة آل عمران.
(٢) الآية (١٢٨) من سورة التوبة.
(٣) الآية (٤) من سورة القلم.
(٤) (المستدرك ١/ ١٦٧.
[ ١ / ٣١ ]
فلجأ إلى من بعثه رحمة للعالمين مناجيا، قائلا: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن ينزل بي غضبك، أو يحل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، لا حول ولا قوة إلا بك» (^١)، هذا الدعاء العظيم، مناجاة العبد الضعيف لربه القوي العظيم، من هو على كل شيء قدير، ولذلك لم يحْذر نبينا محمد -ﷺ- غضب الناس أجمعين، وإنما استعاذ من غضب ربه، ولم يتعرض لظالميه بشيء من الدعاء، بل إن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت له -ﷺ-: هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: «لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على بن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم عليّ، ثم قال: يا محمد، فقال: ذلك فيما شئت: إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي -ﷺ-: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا
_________________
(١) تاريخ الطبري ١/ ٥٥٤، وأجمع على نقله أهل العلم بالسير.
[ ١ / ٣٢ ]
يشرك به» (^١)، أيُّ عفو أعظم من هذا؟ وأي جزاء سيئة بحسنة كهذه؟ ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فالعفو خلقة، والإحسان طبيعته -صلى الله علي ٥ هـ وسلم-، كان فتحُ مكة نصرا كبيرا لرسول الله -ﷺ- والمؤمنين -﵃-، وقد أمكنه الله من قريش الذين كذبوه وآذوه وأصحابه، وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم، أمكنه الله منهم يوم الفتح، فقال لهم حين اجتمعوا في المسجد: «ما ترون أني صانع بكم؟ قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء» (^٢)، عفو شامل لأمة أخرجته طريدا، وآذته أشد الأذى.
قوله: الحمادون: هذه صفة المؤمنين به من أمته فذكر من صفاتهم أنهم الحمادون، أي: كثيروا الحمد لله -﷿- والثناء عليه تعالى في السراء والضراء، وهذا عام في كل الأحوال، وقد تجلت هذه الصفة في أكمل صورها في حياة الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، ولذلك قال -ﷺ-: «خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» (^٣)، ولقد أقام الله سبحانه في القرون الثلاثة الأولى الخيرة: رجالا تلقوا هذا الدين بفهم وبصيرة، وحب وولاء، وإعزاز وتكريم، فآثروه على أنفسهم، وأهليهم وأولادهم وديارهم (^٤)، وذكر من صفاتهم أنهم يكبرون على كل نجد، المراد أنهم يكبرون الله -﷿- في كل الأحوال، وأشار بقوله: على كل نجد، ما يكون من التلبية والتكبير في الطريق إلى الحج، وفي التنقل بين المشاعر، وكذلك في حالات الفتح و
_________________
(١) البخاري حديث (٣٠٥٩).
(٢) السنن الكبير للبيهقي ٩/ ١١٨.
(٣) البخاري حديث (٢٥٠٨).
(٤) الموطأ ١/ ٣.
[ ١ / ٣٣ ]
الجهاد لنشر الدين الحنيف، وهو ما حدث فعلا، وما يتخلل أوقات حياتهم من الذكر والتعبد، ولا زال يحدث إلى أن تقوم الساعة، وكذلك ما حدث من الرحلة في طلب العلم، وقد هاجروا في سبيل تحصيله، وضبطه وتلقيه وتبليغه، وهجروا الراحة والأوطان، وطافوا القرى والبلدان، لتحصيل الحديث النبوي الواحد، وما يتصل به آثار السلف الصالح، فبلغوا الغاية وأتوا على النهاية، وكانوا بحق (^١)، ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (^٢)، ثم ذكر من صفاتهم تقيدهم بما شرع لهم في كل الأحوال، ومن ذلك اللباس، فإنهم يأتزرون على أنصافهم، فلا يجاوز لباس الرجل كعبيه، وقد كان ذلك عملا بما صح من قول رسول الله -ﷺ-: «موضع الإزار إلى أنصاف الساقين والعضلة، فإن أبيت فأسفل، فإن أبيت فمن وراء الساق، ولا حق للكعبين في الإزار» (^٣)، ولا يجوز تجاوز الكعبين في لباس الرجل، عملا بما رواه أبو سعيد الخدري -﵁- أنه سمع من الرسول -ﷺ- قوله: «إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه ما بينه وبين الكعبين، وما أسفل من الكعبين في النار، يقول ثلاثا: لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطرا» (^٤)، وقد قال بعض العلماء: إن الزيادة على الكعبين في لباس الرجل من الكبائر؛ لأن الله -﷿- توعد عليها بالنار، ومن تعمد ذلك فقد عصى الله ورسوله؛ لأنه
_________________
(١) الموطأ ١/ ٣.
(٢) الآية (١١٠) من سورة آل عمران.
(٣) النسائي حديث (٥٣٢٩).
(٤) ابن ماجه حديث (٣٥٧٣).
[ ١ / ٣٤ ]
متعبد بذلك، أما المرأة فالواجب في لبسها الزيادة حتى يغطي القدمين، عملا بما صح عن أم سلمة ﵂: أنها سألته -ﷺ- فقال: «ترخي شبرا، قالت: إذن تنكشف، قال: فذراعا لا يزدن عليه» (^١)، وقد انعكس الأمر في هذا العصر المليء بالمفارقات، أطال الرجال ثيابهم حتى جروها على الأرض، ولم يكشف بعض النساء القدمين المنهي عن كشفهما فحسب، بل زدن على ذلك بما قارب الركبتين أو زاد عنها، فأصبحن كاسيات عاريات، وزدن الطين بلّة كما يقال: بلباس السراويل" البنطلونات " الضيقة جدا المحجّمة لمفاتنهن دون مراعاة لدين ولا خلق، فمن كان هذا حاله من الرجال والنساء، لم يكن داخلا في ذلك الوصف لأمته -ﷺ-، نعم هم من الأمة في الظاهر، ولكن إذا لم يتوبوا من المخالفات الشرعية قبل فوات الأوان، فإنهم ممن سيقول لهم رسول الله -ﷺ- يوم القيامة: سحقا سحقا، كما ورد أنه قال -ﷺ-: «أنا فرطكم على الحوض، من ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبدا، ليردن عليّ أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم» وفي رواية قال: «إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما بدلوا بعدك، فأقول سحقا سحقا لمن بدل بعدي» (^٢)، فإنه يعرفهم بعلامات الوضوء؛ لأنهم غرّ محجّلون، ويعرفونه بوقوفه على حوضه، ومع كونهم محجّلين من آثار الوضوء إلا أنهم أبعدوا عن حوضه لمخالفتهم هديه -ﷺ- في أمور أخر، ولا ريب أن من استبدل القيم الإسلامية بالعادات الغربية، فهو ممن
_________________
(١) أحمد حديث (٥١٧٣).
(٢) البخاري حديث (٦٦٤٣).
[ ١ / ٣٥ ]
بدّل واستعاض عن هدي نبينا محمد -ﷺ- بما روّجه غير المسلمين، وهذا حبّ لهم، والمرء مع من أحب، وذكر من صفاتهم أنهم يتوضؤون على أطرافهم، وكان هذا من خصائص هذه الأمة، وهو التطهر للصلاة، والطواف وتلاوة القرآن، وذلك بغسل الكفين والمضمضة والاستنشاق، وغسل الوجه، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس والأذنين، وغسل الرجلين إلى الكعبين، وقد جعل الله -﷿- هذا علامة فارقة لهم يوم القيامة، قال نبينا محمد -ﷺ-: «إن أمتي يدعون يوم القيامة غرّا محجّلين من آثار الوضوء» (^١)، ومن صفاتهم أن مناديهم ينادي في جو السماء، والمراد الأذان للصلاة، المتحقق فيما بعد، فلم تكن لهم طريقة اليهود ولا النصارى، وذكر أن صفّهم في الصلاة واحد، وهو كذلك فالصلاة إلى يومنا هذا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يكون المسلمون فيها ضفوفا متراصّة، وكان ذلك حالهم في القتال، حتى تبدل الحال بما جدّ من وسائل الفتك والدمار، ومن صفاتهم أن لهم بالليل دويا كدوي النحل، وقد تحقق هذا بقراءة القرآن في كل الأحوال، في الصلاة فرضا ونفلا، وفي التلقي لفظا، ومراجعة ودرسا، وفي التعبد تلاوة وتدبرا، ولا زال المسلمون على هذا، وذكر أن مولده -ﷺ- بمكة، وهو ما كان فعلا، فقد ولد بها في عام الفيل (٥٧٠ م) على الصحيح يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وذكر أن مهاجره بطابة، وهذا اسم من أسماء المدينة، ومنها: طيبة والمحبوبة، وذكر أن ملكه بالشام، والمراد ما آل إليه أمر أمته، إذ كانت الشام عاصمة الإسلام في عهد الأمويين،
_________________
(١) البخاري حديث (١٣٩).
[ ١ / ٣٦ ]
وكذلك العراق عاصمة الإسلام في عهد العباسيين، أما عهد الرسول -ﷺ- فنبوة وليس ملكا، وكانت طابة عاصمة الإسلام الأولى في عهد النبوة، والخلافة الراشدة، ولم تدم خلافة علي -﵁- في الكوفة، هذا ما تحدثت به كتب أهل الكتاب، الذين غاضهم أن يكون النبي -ﷺ- من العرب فلم يؤمنوا به، وناصبوه العداء، فهم أعداؤه وأعداء دينه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وزماننا هذا حافل بعداوة اليهود والنصارى للإسلام، ولا يزعم غير هذا إلا من سلب التوفيق إلى قول الحق.
الشرح:
ورود صفة نبينا محمد -ﷺ- وأمته في الكتب السابقة، ويؤيد ذلك ما حكى الله في كتابه العزيز عن عيسى -﵇-، إذ حكى قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (^١).
ما يستفاد:
* بلوغ النبي -ﷺ- الكمال في الصفات الحسنة، ومكارم الأخلاق.
* أن أمته كثيروا الحمد والتكبير في كل الأحوال.
* أن أمته يلتزمون الشرع في عبادتهم ولباسهم وسائر أعمالهم.
* أنهم الغر المحجلون من آثار الوضوء، وذلك صفة خاصة بهم.
* أنهم دائموا التلاوة لكتاب الله -﷿-.
* أن صفتهم في صلاتهم وقتال العدو واحدة، وفيها إشارة إلى الوحدة والتلاحم، ولاسيما في الذود عن العقيدة والمقدسات، وقد ظهر ذلك في هذا
_________________
(١) من الآية (٦) من سورة الصف.
[ ١ / ٣٧ ]
الزمان عندما سخر العدو من نبينا محمد -ﷺ- بتلك الرسوم المشينة، هبّ المسلمون في كل مكان متوحدين ومناصرين نبيهم -ﷺ-، فياليت قادة الأمة يعون أهمية العودة إلى الحكم بالكتاب والسنة، ويعيدون للأمة عزها، على نحو ما كان في عهد النبوة والخلافة الراشدة، وما تلاها من قوة الإسلام وعدالته.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٦ - (٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِى اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِدٌ - هُوَ ابْنُ يَزِيدَ - عَنْ سَعِيدٍ - هُوَ ابْنُ أَبِي هِلَالٍ - عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ سَلَامٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّا لَنَجِدُ صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدا، وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَحِرْزًا لِلأُمِّيِّينَ (^١)، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُهُ (^٢) الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سخَّابٍ (^٣) بِالأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِى بِالسَّيِّئَةِ مِثْلَهَا، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَتَجَاوَزُ، وَلَنْ أَقْبِضَهُ حَتَّى يُقِيمَ الْمِلَّةَ الْمُتَعَوِّجَةَ (^٤)، بِأَنْ يَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، يَفْتَحُ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا،
_________________
(١) الأميون هم العرب، وما جاء به الرسول -ﷺ- هو حصن لهم من الكفر.
(٢) التفات من الخطاب إلى الغيبة.
(٣) ويقال: صخاب، وكلاهما صحيح، قال في (النهاية ٢/ ٣٤٩): السخب، والصخب: بمعنى الصياح.
(٤) في (ر/ أ، ر/ ب) المعوجة، وكلاهما يصح، والمراد ما سوى الإسلام، من الملل والنحل، ويجمعها الكفر بالله.
[ ١ / ٣٨ ]
وَقُلُوبًا غُلْفًا (^١).
رجال السند:
عبد الله بن صالح الجهني مولاهم، أبو صالح المصري، المشهور بكاتب الليث، الصحيح أن حديثه حسن، وشيخه الليث بن سعد أبو الحارث الفهمي، ثقة إمام الديار المصرية ومفتيها، وخالد بن يزيد الجمحي، أبو عبد الرحيم المصري، ثقة إمام، وسعيد بن أبي هلال الليثي، أبو العلاء وثقه العلماء، ولا اعتبار لقول ابن حزم: ليس بالقوي، وقال ابن حجر: صدوق لم أر لابن جزم سلفا في تضعيفه، إلا ما حكاه الساجي عن أحمد أنه اختلط، وهلال بن علي بن أسامة المدني، ويقال: هلال بن أبي ميمونة، ثقة روى عن أنس -﵁-، وعن كبار التابعين، وعطاء بن يسار الهلالي، مولى ميمونة أم المؤمنين، فقيه عالم، وإخوته: سليمان وعبد الله وعبد الملك فقهاء، كان كثير الملازمة للمسجد النبوي، وعبد الله بن سلام -﵁-، صحابي من أهل الكتاب، من ولد يوسف بن يعقوب، شهد له نبينا محمد -ﷺ- بالجنة.
الشرح:
هذا حديث حسن على الصحيح، بدايته عند البخاري من حديث عبد الله
_________________
(١) فيه كاتب الليث عبد الله بن صالح، صدوق، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة. قلت: أرجح أنه حسن الحديث، وفي وصفه بكثرة الغلط مبالغة، وانظر: القطوف رقم (٥/ ٦). قلت: الصحيح أن حديثه حسن، وهو ما تبين من النظر في أقوال النقاد، والخبر بدايته عند البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، حديث (٢١٢٥) نحوه.
[ ١ / ٣٩ ]
ابن عمرو ابن العاص -﵁- (^١)، وهو شاهد للرواية السابقة، وفيه: " إنا أرسلناك شاهدا ونذيرا "، نص ما جاء ذلك في كتاب الله -﷿-، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (^٢)، فهو شاهد على الناس كافة، قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (^٣)، وهو مبشر بالجنة والفلاح للمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (^٤)، وهو نذير للناس كافة، قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (^٥)، وأفهم من هذه الآية أن أم القرى محور الأرض كما ثبت علميا، وأن ما حولها جميع الأمة، ما كان منهم في حياته -ﷺ-، وما كان من بلاغ الفتوحات الإسلامية، وما كان من شيوع الإسلام وشهرته، ولا زال الإسلام ينذر القاصي والداني إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، تنقله الطائفة المنصورة، كما أخبر بذلك رسول الله -ﷺ-. قوله: «أنت عبدي ورسولي» فيه بيان أنه -ﷺ- لا يخرج بنبوته عن كونه عبدا لله
_________________
(١) البخاري حديث (٢١٢٥).
(٢) الآية (٨) من سورة الفتح.
(٣) الآية (٤١) من سورة النساء.
(٤) الآية (٢٥) من سورة البقرة.
(٥) الآية (٩٢) من سورة الأنعام.
[ ١ / ٤٠ ]
تعالى، أرسله إلى الناس كافة، وفيه رد على الغالين في شخصه -ﷺ-، فهو بشر كغيره من الناس، وليس في هذا معارضة لقوله -ﷺ-: «لست كهيئتكم إني أظل أطعم وأسقى " (^١)، وذلك في الصيام لمّا واصل، بادر الصحابة إلى صوم الوصال، فبين لهم الرسول -ﷺ- أنه مخصوص من ربه بمزيد العناية، منها هذه، وانفراده عنهم بصفة الوحي إليه، وكمال في البنية والقوة، وخصائصه معروفة دوّنها العلماء ومنها: كتاب الخصائص للنسائي، وكل ذلك لا ينافي كونه بشرا، وقد أمره الله -﷿- أن يؤكد ذلك للناس فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (^٢)، ولذلك نهى عن المبالغة بالثناء عليه -ﷺ- إلى حد يخرجه عن كونه بشرا، فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده فقولوا: عبد الله ورسوله» (^٣)، والإطراء هو الإفراط في المدح ومجاوزة الحد فيه، وهو المدح بالباطل والكذب فيه، وأي باطل وكذب أعظم من زعْم النصارى أن عيسى ابن الله، وأنه إلاه؟!!، ومن يجاوز الحد في مدح رسول الله -ﷺ-، ويصفه بما ليس فيه، ويعطه ما لم يعطه الله، فقد عصى الله وكذب عليه، ومن كان كذلك فالرسول خصمه، لمخالفته أمر الله -﷿-، وفي نفس الأمر هو عاص لرسول الله -ﷺ-، وإن زعم محبته، والله -﷿- خصمه لمخالفته أمر رسوله، كمن كذب
_________________
(١) البخاري حديث (١٨٢٢).
(٢) الآية (١١٠) من سورة الكهف، وانظر الآية (٦) من سورة فصلت.
(٣) البخاري حديث (٣٢٦١).
[ ١ / ٤١ ]
عليه -ﷺ-، ووضع أحاديث في الفضائل، فلما أنكر عليه ذلك قال: كذبت له ولم أكذب عليه، ومن كان خصمه الله ورسوله فقد خاب وخسر.
قوله: «حرزا للأميين» الأميون هم العرب؛ لأنهم في الغالب في زمنهم لا يقرئون ولا يكتبون، قال -ﷺ-: «إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب» (^١)، والمراد من آمن منهم، فإن ذلك حرزا في الدنيا من الفتن بالثبات على الحق، وفي الآخرة حرزا لهم من النار، ومن ذلك مقام الشفاعة.
قوله: «سميته المتوكل» هذا من صفاته -ﷺ- وقد بلغ الكمال فيها، وكان صبره وثباته -ﷺ- من مبعثه إلى أن لحق بالرفيق الأعلى من أبرز الأدلة على ذلك الكمال، فكان علما عليه لشدة ظهوره فيه.
قوله: «ولن أقبضه حتى يقيم الملة المتعوجة (^٢)، بأن يشهد أن لا إله إلا الله، نفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا» المراد بالملة المتعوجة ما سوى الإسلام، وقد وصفت بأنها متعوجة إما لأن الإسلام هو الخاتم، وأنه الدين الشامل لكل الناس، بل للإنس والجن، أو لأن ما قبله من الأديان حصل لها تحريف واعوجاج عن الحق، ومن ذلك اعوجاج قريش عن الحنيفية إلى عبادة الأصنام، والإسلام هو الطريق المستقيم، الذي تكفل الله بحفظه وسلامته من تدخل البشر، وهذا هو الأولى، بدلالة قوله: «بأن يشهد أن لا إله إلا الله، نفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا» فالمراد إقامة توحيد الله بالعبادة، وحده لا شريك له، لا كما تزعم
_________________
(١) البخاري حديث (١٧٨٠).
(٢) في بعض نسخ الدارمي (المعوجة) وكلاهما يصح، والمراد ما سوى الإسلام، من الملل والنحل، ويجمعها الكفر بالله.
[ ١ / ٤٢ ]
اليهود أن عزيرا ابن الله، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ (^١)، وزعمت النصارى أن المسيح ابن الله ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ (^٢)، وليس لهم مستند صحيح لا من عقل ولا من نقل، وإنما مسايرة لقول من كفر قبلهم من الأمم السابقة، سايروهم في مجال الكفر ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (^٣)، وزعموا أن الله ثالث ثلاثة ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (^٤)، سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا، وقد أقام الله بنبينا محمد -ﷺ- الملة المعوجة، وفتح به أعينا عميا عن الحق، فآمن به من أدركته هداية التوفيق، وسمع منه الحق ووعاه من أراد الله له الخير والفلاح في الدنيا والآخرة، ولم يكن هذا الفتح خاصا بقريش، ولا بقبائل العرب وحدها، بل دخل فيه أجناس من عباد الله عربا وعجما.
ما يستفاد:
* أن نبينا محمدا -ﷺ- شاهد على الأمة أنه بلّغها، وقد كرر ذلك في خطبة الوداع، إذ قال: ألا هل بلغت؟ اللهم أشهد.
_________________
(١) الآية (٣٠) من سورة التوبة.
(٢) الآية (٣٠) من سورة التوبة.
(٣) الآية (٣٠) من سورة التوبة.
(٤) الآية (٧٣) من سورة المائدة.
[ ١ / ٤٣ ]
* أنه -ﷺ- مبشر للأمة بالجنة، والبشارة بها تقتضي البشارة بكل عمل يوصل إليها.
* أنه -ﷺ- نذير للأمة، ينذرها ويحذرها من النار، وذلك يقتضي التحذير من كل عمل يؤدي إليها.
* أنه -ﷺ- حصن للأمة في الدنيا والآخرة، بمقتضى تلك الشهادة، وتلك البشارة، وذلك التحذير.
* أن التعبير بالأميين إشارة إلى الأقربين إليه -ﷺ- وهم العرب، والمراد عموم الأمة: العرب والعجم، على حد قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (^١)، ولم يكن ذلك خاصا بهم.
* أنه -ﷺ- بلغ الكمال في صفة التوكل وعدم المبالاة بما سوى الله -﷿-، وقد تجلى ذلك في حياته -ﷺ-، وأثنى الله -﷿- عليه وعلى أمته فقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (^٢).
* أنه -ﷺ- أدى الأمانة وبلغ الرسالة، وأقام الملة على توحيد الله -﷿- وهدم الأصنام، وبعث هذا الخير إلى الناس، وكم أنقذ الله -﷿- به من الضلال، وبصّر به من العمى -ﷺ-، والله غالب على أمره إذ نفع به أهل الإيمان، وضرّ به أهل الكفر والزيغ والعناد.
_________________
(١) الآية (٢١٤) من سورة السعراء.
(٢) الآية (١١٠) من سورة آل عمران.
[ ١ / ٤٤ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٧ - (٣) قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو وَاقِدٍ اللَّيْثِيُّ -﵁-: أَنَّهُ سَمِعَ كَعْبًا يَقُولُ مِثْلَمَا قَالَ ابْنُ سَلَامٍ (^١).
رجال السند:
هذا موصول بالسند السابق، وأبو واقد -﵁- هو الحارث بن عوف، أحد البدريين، وقد تقدم الكلام على حديث كعب قبل هذا، وفي التالي مزيد بيان.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٨ - (٤) أَخْبَرَنَا زَيْدُ بْنُ عَوْفٍ قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي (^٢) صَالِحٍ، عَنْ كَعْبٍ: فِي السَّطْرِ الأَوَّلِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ عَبْدِيَ الْمُخْتَارُ، لَا فَظٌّ وَلَا غَلِيظٌ، وَلَا صَخَّابٌ في الأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَهِجْرَتُهُ بِطَيْبَةَ، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ، وَفي السَّطْرِ الثَّانِي: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، أُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ، يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي كُلِّ مَنْزِلَةٍ، وَيُكَبِّرُونَهُ (^٣) عَلَى كُلِّ شَرَفٍ (^٤)، رُعَاةُ (^٥) الشَّمْسِ، يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ إِذَا جَاءَ وَقْتُهَا، وَلَوْ
_________________
(١) انظر: السابق.
(٢) في بعض النسخ الخطية بن، وهو خطأ.
(٣) في (ع/ ب) يكبرون.
(٤) المكان العالي المرتفع.
(٥) لتحديد وقت الصلوات المفروضة.
[ ١ / ٤٥ ]
كَانُوا عَلَى رَأْسِ كُنَاسَةٍ (^١)، وَيَأْتَزِرُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، وَيُوَضِّئُونَ أَطْرَافَهُمْ، وَأَصْوَاتُهُمْ بِاللَّيْلِ فِي جَوِّ السَّمَاءِ كَأَصْوَاتِ النَّحْلِ.
رجال السند:
زيد بن عوف أبو ربيعة القطيعي البصري، قيل: صدوق يسرق الحديث وقال أبو حاتم: متروك (^٢)، روى عنه الدارمي هذا الحديث، وآخر هو «أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرم» (^٣)، والوضاح ابن عبد الله أبو عوانة اليشكري، إمام ثقة، وعبد الملك بن عمير بن سويد، قاضي الكوفة، من صغار التابعين، مدلس، رجل، مجهول، وأبو صالح: ذكوان بن عبد الله أبو صالح السمان، مولى جويرية أم المؤمنين، ثقة من كبار العلماء، وكعب بن ماتع الحميري اليماني، يعرف بكعب الأحبار، أدرك حياة النبي -ﷺ- ولم تكن له رؤية، وهو إمام عالم، خبير بكتب اليهود.
الشرح:
تقدم في الحديث رقم (٥) شرح غالب مفردات هذا الحديث، وهذا الحديث فيه زيد بن عوف البصري متروك، قال أبو حاتم: متروك (الجرح والتعديل ٣/ ٥٧٠) وقد صح الحديث من طرق، انظر: السابق، وما هو
الحق من صفات النبي وأمته، وانظر: القطوف رقم (٤، ٥).
_________________
(١) مجمع الزبالة، والمراد الإشارة إلى شدة محافظتهم على أداء الصلاة، وأنه لو قدر أنهم لم يجدوا مكانا لأدائها إلا رأس كناسة لأدوها، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
(٢) الجرح والتعديل ٣/ ٥٧٠.
(٣) الدارمي حديث (١٨١٥).
[ ١ / ٤٦ ]
قوله: «يحمدون الله في السراء والضراء» هذا تفسير للجملة قبلها ولما ورد في الحديث رقم (٥) من الإطلاق، والمراد أنهم يحمدون الله على كل حال، وفي غالب الأحوال، ونكتفي بما تقدم بيانه.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٩ - (٥) أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى قَالَ: ثَنَا مَعْنٌ - هُوَ (^١) ابْنُ عِيسَى - حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ سَأَلَ كَعْبَ الأَحْبَارِ: كَيْفَ تَجِدُ نَعْتَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي التَّوْرَاةِ؟، فَقَالَ كَعْبٌ: " نَجِدُهُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يُولَدُ بِمَكَّةَ، وَيُهَاجِرُ إِلَى طَابَةَ، وَيَكُونُ مُلْكُهُ بِالشَّامِ، وَلَيْسَ بِفَحَّاشٍ وَلَا صَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يُكَافِئُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، أُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي كُلِّ سَرَّاءٍ، وَيُكَبِّرُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ نَجْد، يُوَضِّئُونَ أَطْرَافَهُمْ، وَيَأْتَزِرُونَ في أَوْسَاطِهِمْ، يَصُفُّونَ في صَلَاتِهِمْ كَمَا يَصُفُّونَ فِي قِتَالِهِمْ، دَوِيُّهُمْ في مَسَاجِدِهِمْ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، يُسْمَعُ (^٢) مُنَادِيهِمْ فِي جَوِّ السَّمَاءِ" (^٣).
رجال السند:
مجاهد بن موسى أبو علي الخوارزمي الختّلي، ثقة ليس له في البخاري رواية، ومعن بن عيسى القزاز، ثقة كان يسمى عصاة مالك، لكثرة ملازمته للإمام مالك، ومعاوية بن صالح بن حدير، أبو عمرو الحضرمي، قاضي الأندلس، صدوق له أوهام، وعروة بن الحارث أبو فروة الهمداني، يقال له:
_________________
(١) ليس في (ع/ ب).
(٢) في (م، و) يسمع، وكلاهما يصح، وهو بضم الياء فيهما.
(٣) سنده حسن، وانظر: رقم (٥، ٦، ٧).
[ ١ / ٤٧ ]
أبو فروة الأكبر، ثقة روى له مسلم، والبخاري مقرونا بغيره، وعبد الله بن عباس ﵄، أبو العباس، حبر الأمة، أخذ عن كعب الأحبار علما.
الشرح:
تقدم فيما سبق، وهذا من تعدد الرواية في هذا الموضوع.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٠ - (٦) أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، ثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ الْتَمِيْمِيُّ (^١)، ثَنَا بَحِيرُ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ الْحَضْرَمِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ إِلَيْكُمْ لَيْسَ بِوَهِنٍ وَلَا كَسِلٍ، لِيَخْتِنَ قُلُوبًا غُلْفًا، وَيَفْتَحَ أَعْيُنًا عُمْيًا، وَيُسْمِعَ آذَانًا صُمًّا، وَيُقِيمَ أَلْسِنَةً عُوْجَا حَتَّى يُقَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ».
رجال السند:
حيوة بن شريح أبو العباس الحضرمي ثقة، بقية بن الوليد أبو محمد التميمي، مدلس معروف بالراية عن الضعفاء والمجاهيل، تقبل روايته بشرط أن يصرح بالسماع، فهو ثقة إذا حدث عن الثقات، وقال في الصيغة: حدثنا أو أخبرنا، وبحير بن سعد أبو خالد الحمصي السحولي ثقة، وخالد بن معدان الحمصي، إمام ثقة جليل، وجبير بن نفير الحضرمي، لم تثبت له رؤية، ولم يرو له البخاري، وحديثه عن النبي مباشرة مرسل؛ وهو ثقة من كبار التابعين.
_________________
(١) وفوقها (التيمي) وفي (ع/ ب) التميمي، وفي (ع/ أ) الميثمي، فوقها (التميمي) في (م) الميتمي، وفي (ر/ أ، ر/ ب) التميمي، وفي (ف) الميثمي، وفوقها" التميمي" وفي (ك) الميتمي، وفي (و) الميثمي، وفوقها" التميمي" والصواب التميمي.
[ ١ / ٤٨ ]
الشرح:
الحديث فيه بقية بن الوليد، الراجح أنه ثقة إذا حدث عن ثقة، وصرح بالتحديث، وهو هنا كذلك، جبير تابعي كبير، روى عن أبيه، عن أبي الدرداء، حديثا يأتي، فالحديث مرسل، وقد ورد عنه أنه قال: أتانا رسول الله، فلعل له رؤية، وفي. سنده بقية بن الوليد، الراجح أنه ثقة إذا حدث عن ثقة، وصرح بالتحديث، وهو هنا كذلك، جبير تابعي كبير، روى عن أبيه، عن أبي الدرداء، حديثا يأتي، فالحديث مرسل، وقد ورد عنه أنه قال: أتانا رسول الله، فلعل له رؤية. وقوله: " عوجا " هكذا في كل النسخ وفي حاشية (ت) عن نسخة الضياء: ويقيم سنة عوجاء وفي حاشية (و) سنة عوجاء، والمراد بالسنة الطريقة، والطريقة العوجاء هي ما سوى الإسلام من الملل، وتقويمها بتوحيد الله، وهو قول: لا إله إلا الله محققا معناها من النفي والإثبات، وكذلك يقال في ألْسنة عوج، فقد ينسب إليها العوج لنطقها بالباطل.
هكذا في كل النسخ وفي حاشية (ت) عن نسخة الضياء: ويقيم سنة عوجاء وفي حاشية (و) سنة وقوله: " ليختن " شبه القلب بأن عليه غلفة: غشاء، قال في (الصحاح ٢/ ٢٠٥): قلب أغلف: كأنما أغشي غلافا، فهو لا يعي، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ من الآية (٨٨) من سورة البقرة، ومن النساء (١٥٥) ورجل أغلف بيّن الغلف، أي: أقلف.
ويحسن ذكر حكم تعمد الإرسال قال الحافظ ابن حجر ﵀: إذا كان شيخ المرسل عدلا جاز بلا خلاف، وإذا كان غير عدل منع بلا خلاف.
[ ١ / ٤٩ ]
أما إذا كان عدلا عنده لا عند غيره، أو غير عدل عنده عدلا عند غيره، فيحتمل فيهما الجواز وعده بحسب الأسباب الحاملة عليه (^١).
وتقدم شرح مفردات هذه الرواية فيما سلف، وبقيةُ صرّح بالتحديث، وبحير ثقة، ولكن الحديث مرسل، وهو مؤيد بما تقدم.
قال الدارمي رحمه تعالى:
١١ - (٧) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْحِزَامِيُّ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- لَهُ إِلَيْهِ حَاجَةٌ، فَمَشَى مَعَهُ حَتَّى دَخَلَ، قَالَ: فَإِحْدَى رِجْلَيْهِ فِي الْبَيْتِ، وَالأُخْرَى خَارِجَةٌ كَأَنَّهُ يُنَاجِى، فَالْتَفَتَ فَقَالَ: " أَتَدْرِي مَنْ كُنْتُ أُكَلِّمُ؟ إِنَّ هَذَا مَلَكٌ لَمْ أَرَهُ قَطُّ قَبْلَ يَوْمِي هَذَا، اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَىَّ، قَالَ: إِنَّا آتَيْنَاكَ أَوْ (^٢) أَنْزَلْنَا الْقُرْآنَ فَصْلًا، وَالسَّكِينَةَ صَبْرًا، وَالْفُرْقَانَ وَصْلًا (^٣)» (^٤).
رجال السند:
محمد بن يزيد الحزامي، وهو غير الرفاعي المتفق معه في الاسم والطبقة، وهما ثقتان من شيوخ الدارمي، والبخاري، وإسحاق بن سليمان الرازي ثقة، عمرو بن أبي قيس الأزرق الرازي، صدوق له أوهام، وعطاء بن السائب أبو محمد الثقفي الكوفي، صدوق اختلط، وعامر بن شراحيل أبو عمرو
_________________
(١) النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر ١/ ٨٩، ٢/ ٥٥٨، بتصرف.
(٢) في (ف) وأنزلنا.
(٣) في بعض النسخ الخطية" أصلا".
(٤) فيه عمرو بن أبي قيس، لم يذكر ممن سمع من عطاء قبل الاختلاط، ولم أقف عليه في مصدر آخر.
[ ١ / ٥٠ ]
الشعبي، ثقة مشهور فقيه فاضل، أدرك خمسمائة من الصحابة -﵃-، رجل من أصحاب النبي، لا جهالة في الأمر، فالصحابة كلهم عدول، ولكن هل سمع الشعبي هذا من ذلك الرجل الصحابي؟ أم بينهما واسطة؟ وعلى أقل الأحوال فهو مرسل، والذي أرسله من كبار العلماء، والصفات تليق برسول الله -ﷺ-، وبما جاء به، وللمرسل ثلاث صور:
الأولى: مراسيل الصحابة كابن عباس وغيره فهي في حكم الموصول. الثانية: مرسل التابعي وهذا متفق على تسميته مرسل، والصحيح قبوله بشروط:
١ - إذا كان من مراسيل كبار التابعين حجة، كحديثنا هذا.
٢ - إذا أتى من وجه آخر ولو مرسلا.
٣ - إذا اعتضد بقول صحابي أو أكثر العلماء.
٤ - إذا كان المرسِل لو سمى من أرسل عنه لا يسمي إلا ثقة، فحينئذ يكون مرسله حجة، ولا يكون من حيث القوة في رتبة المتصل.
الثالثة: مختلف فيها، وهي العموم في التابعين وغيرهم، وهذا قول الجمهور من الفقهاء والأصوليين، أنه يسمى مرسلا.
وأرى صحة الاحتجاج بالمرسل بالشروط المذكورة.
الشرح:
قوله: «أتدري من كنت أكلم؟، إن هذا ملك لم أره قط قبل يومي هذا، استأذن ربه أن يسلم عليّ، قال: إنا آتيناك- أو أنزلنا- القرآن فصلا». لا غرابة في مخاطبة الملك له -ﷺ- والسلام عليه، والبشارة بما حصل له من الوحي، وثبت أنه رأى جبريل -﵇-، ونقل الوحي إليه، وكلمه إسرافيل عليه
[ ١ / ٥١ ]
السلام، في بدايات الوحي، وكلمه ملك الجبال -﵇-، وهذا ملك آخر -﵇-، استأذن في وبشارته إياه، وقد بشره ملك ببركة سورة الفاتحة في المدينة، وكانت مما نزل عليه بمكة، فصلته بالملأ الأعلى دائمة، فهو المصطفي المختار ليبلغ عن ربه ما يوحى إليه -ﷺ-، وقد بشره هذا الملك بأنه جاءه بما أنزل عليه من ربه، وأنه حق وليس بباطل، وبهذا المعنى ورد قول الله -﷿-: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ (^١)، وبمعنى البيان والوضوح ورد قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ (^٢)، المحكم في لفظه البيّن في معناه، فكملت هدايته للبشر رحمة بهم.
قوله: «والسكينة صبرا» جعل الله تعالى فيه السكينة والوقار، والأمن والاستقرار، والرحمة، وسماها صبرا؛ لأنها من الأمور الباعثة على الطاعة والعمل، وتحتاج النفس إلى مجاهدة لتسكن، فإذا سكنت نفس العبد اطمأن وهدأ، وقد امتن الله بها على عباده فقال: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ (^٣)، وكان يوصي بها النبي -ﷺ- في كل الأحوال، ومن ذلك قوله -ﷺ- للناس في الحج: «يا أيها الناس عليكم السكينة» (^٤)، وعند إقامة
_________________
(١) الآيتان (١٢، ١٣) من سورة الطارق.
(٢) الآية (٥٢) من سورة الأعراف.
(٣) الآية (٢٦) من سورة التوبة.
(٤) الترمذي حديث (٨١١) وقال حسن صحيح.
[ ١ / ٥٢ ]
الصلاة قال -ﷺ-: «واتوها تمشون وعليكم السكينة» (^١)، وفي رواية «لا تقوموا حتى تروني، وعليكم السكينة» (^٢)، والمراد الزموا التأني والوقار، والرزانة والهدوء، لما في ذلك من الثبات وصلاح العمل، وهي من أهم ما يمتلكه المسلم في المواقف الجليلة والصعبة، ومن ذلك مقابلة العدو، وقد امتن الله بها على المؤمنين يوم حنين، فقال: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ﴾ وأثنى الله على عباده المؤمنين لما اتصفوا بالسكينة والوقار فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (^٣)، والمراد بالرفق، والسكينة والوقار. قوله: «والفرقان وصلا» الفرقان هو القرآن، وصلا أي موصولا بالأديان السابقة فإنها حق منزل من عند الله -﷿- فوصل في القرآن ذكر الأنبياء وأن دعوتهم واحدة ومنهجهم واحد، الإخلاص لله -﷿- في العبادة، ولذلك ورد فيه أن كل نبي قال لقومه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (^٤)، وقال عيسى -﵇-: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ (^٥)، وقال تعالى عن إبراهيم -﵇-: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ
_________________
(١) البخاري حديث (٨٦٦).
(٢) البخاري حديث (٨٦٧).
(٣) الآية (٦٣) من سورة الفرقان.
(٤) الآية (٥٩) من سورة الأعراف.
(٥) الآية (١١٧) من سورة المائدة.
[ ١ / ٥٣ ]
لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^١)، وكذلك بقية الرسل ﵈ أصل دعوتهم توحيد الله تعالى، فالفرقان دلالته على صدق مقالته -ﷺ-، وفيه قوة حجته على حقيقة نبوته -ﷺ-، وهو معجزته الخالدة، مع اشتهار العرب بالفصاحة وقوة البيان، جاءهم نبينا محمد -ﷺ- بما هو أشد بيانا، وأقوى دلالة، وأكمل بلاغة، بلسان عربي مبين، إنه لسانهم ومنطقهم، وكان المعجزة الكبرى لنبينا محمد -ﷺ- حيث تحداهم أن يأتوا بمثله وإن قلّ، وأمره -ﷺ- أن يقول لهم: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^٢)، فلم يقدروا على ذلك، وأقر عقلاؤهم بالعجز، وأذعنوا بالتصديق، وشهدوا له بالكمال، وعلى أنفسهم بالنقص، وتمادى سفاؤهم في الغي والمكابرة، مع علمهم بأنهم عاجزون عن الإتيان بما يماثل آية واحدة منه، وتيقنوا أنهم على ذلك غير قادرين، وتمادوا في الضلال المبين، فأسهلت عقولهم حمقا دل على فسادها كقول مسيلمة الكذاب: «والطاحنات طحنا، والعاجنات عجنا، فالخابزات خبزا، والثاردات ثردا، واللاقمات لقما!» (^٣)، فكشف من جهله ما كان مستترا، وأتى بما لا يعجز عنه الضعيف الأخرق، والجاهل الأحمق، ولذلك سمي الكذاب، فأين هذا الهراء
_________________
(١) الآية (١٦) من سورة العنكبوت، وانظر الآية (٣٨) من سورة يونس.
(٢) الآية (٢٣) من سورة البقرة.
(٣) الطبري ١/ ٢٨.
[ ١ / ٥٤ ]
مما جاء به نبينا محمد -ﷺ- إنه جاء بالفرقان بين الحق والباطل، فيه البيان والحكمة، ورحمة الله -﷿- للناس أجمعين.
ما يستفاد:
* عناية الله -﷿- بنبينا محمد -ﷺ- وتثبيته على الحق، ومبادرة الملائكة بالسلام عليه.
* إمكانية رؤيته -ﷺ- للملك والتحدث معه ولا يراه الحاضرون معه، كما يحدث عند نزول الوحي، وقد يرى الحاضرون الملك كما في مجيئه في صورة رجل شديد بياض الثياب، وسؤاله الرسول -ﷺ- عن الإسلام والإيمان والإحسان، وفي هذا لا نعلم شيئا عن روية هذا الصحابي للملك، لكنها ممكنة.
* بيان فضله على الملائكة، فهي تسلم عليه وتصلي عليه وتدعو له، أما الصلاة من الله -﷿- عليه فهي ذكره في الملأ الأعلى، والثناء من الله عليه تكريم له -ﷺ-.
* بيان جواز أن يقول من أرسل بشيء إلى شخص أن يقول آتيناك وأعطينا،
وإن لم يكن هو المعطي في الأصل، وذلك على اعتبار حالة الوصول إلى ذلك الشخص، دون حالة الابتداء.
* بيان أن القرآن هو الحق، وما عداه باطل، إما بالنسخ، أو بالتحريف، ولذلك سماه الفرقان، فقد فرق بين الحق والباطل.
* بيان أهمية السكينة في حياة المسلم، وأنها تدخل في حياته الخاصة والعامة.
* بيان أن السكينة لا تحصل للمسلم إلا بصبر وثبات، وسماها صبرا لأنها نتيجة له.
[ ١ / ٥٥ ]
* بيان صلة القرآن بالكتب السابقة في أصل دعوة الرسل إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢ - (٨) أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى قَالَ: ثَنَا رَيْحَانُ - هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ - ثَنَا عَبَّادٌ - هُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ - عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَطِيَّةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيَّ يَقُولُ: " أُتِىَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَقِيلَ لَهُ: لِتَنَمْ عَيْنُكَ، وَلْتَسْمَعْ أُذُنُكَ، وَلِيَعْقِلْ قَلْبُكَ " قَالَ: «فَنَامَتْ عَيْنِي، وَسَمِعَتْ أُذُنَاي، وَعَقَلَ قَلْبِي فَقِيلَ لِي: سَيِّدٌ بَنَى دَارًا فَصَنَعَ مَأْدُبَةً، وَأَرْسَلَ دَاعِيًا، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ، وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَرَضِيَ عَنْهُ السَّيِّدُ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ، وَلَمْ يَطْعَمْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَسَخِطَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ، قَالَ: فَاللَّهُ السَّيِّدُ، وَمُحَمَّدٌ الدَّاعِي، وَالدَّارُ الإِسْلَامُ، وَالْمَأْدُبَةُ الْجَنَّةُ» (^١).
رجال السند:
مجاهد بن موسى أبو علي الخوارزمي الختلي، ثقة ليس له في البخاري رواية، وريحان بن سعيد بن المثنى، أبو عصمة السامي الناجي البصري، صدوق ربما أخطأ، وكان إمام مسجد شيخه عباد بن منصور، وعباد بن منصور أبو سلمة الناجي، كان قاضيا على البصرة، لكنه ضعف في الرواية، وعدّ في المدلسين، عدّه ابن حجر في مرتبة صدوق رمي بالقدر، وأيوب بن أبي تميمة السختياني، ثقة إمام، وعبد الله بن زيد أبو قلابة
_________________
(١) فيه عباد بن منصور ضعيف، وربيعة بن عمرو الجرشي في صحبته خلاف، انظر: القطوف رقم (١١/ ١١).
[ ١ / ٥٦ ]
الجرمي، ثقة إمام، وعطية بن قيس أبو يحيى الكلابي المقرئ ثقة، ربيعة ابن عمرو أبو الغاز الجرشي، قال بصحبته البخاري وجماعة، وبه أقول.
الشرح:
هذا مما وردت الأحداث فيه تثبيتا لنبينا محمد -ﷺ-، وأن ما يأتيه هو حق من عند الله -﷿- لا مرية فيه، والخبر ضعّف بعباد.
قوله: «أتي نبي الله -ﷺ-».
في رواية جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ «إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصحابه اضرب له مثلا» (^١)، الرؤيا للنبي -ﷺ-، وهذا يفسر لنا ما تقدم، وقد جرى الرفق به -ﷺ- إذ قيل له: لتنم عينك، ولتسمع أذنك، وليعقل قلبك، فنوم عينه فيه هدوء وراحة، وفيه التركيز القوي على السمع، وبهذا يتم فهم ما يقال له بدقة، وهذا من عناية الله بنبينا محمد -ﷺ-، ولم يكن هذا الإجراء بإرادة الملكين، بل بإرادة الله -﷿- طلب الملكان منه ذلك فمكنه الله -﷿- من نوم العين، وسماع الأذن، وعقل القلب، ولذلك أكد رسول الله -ﷺ- هذا الموقف فقال: «فنامت عيني وسمعت أذناي، وعقل قلبي» وفي رواية من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄: أن ذلك قيل له بصيغة الدعاء
_________________
(١) الترمذي حديث (٢٨٦٠) وقال: هذا حديث مرسل سعيد بن أبي هلال لم يدرك جابر بن عبد الله، وقال ابن حجر: وقد اعتضد هذا المنقطع بحديث ربيعة الجرشي عند الطبراني، بنحو سياقه، وسنده جيد (الفتح ١٣/ ٥٦).
[ ١ / ٥٧ ]
«اسمع سمعت أذنك وأعقل عقل قلبك» (^١)، وفيه تلطف بنبينا محمد -ﷺ-، يؤيد هذا قوله في رواية أحمد: «فأضجعاني بلا هصر ولا قصر» (^٢)، أي بلطف ولين، من غير عنف بدني أو حبس.
قوله: «فقيل لي: سيد بنى دارا فصنع مأدبة، وأرسل داعيا فمن أجاب دخل الدار، وأكل من المأدبة، ورضي عنه السيد».
هذا مثل ضرب له -ﷺ-، وهو أسلوب مشوّق لمعرفة خبر ذلك السيد بصورة تامة، وقد ألقي عليه الخبر بعد التهيئة المناسبة للفهم بدقة، من نوم العين، سماع الأذن، ووعي القلب، وفي رواية جابر -﵁-: «يقول أحدهما لصحابه: اضرب له مثلا، فقال: إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارا، ثم بنى فيها بيتا، ثم جعل فيها مائدة، ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه» (^٣).
وهذا إيضاح لما أبهم في رواية الدارمي، من أمر السيد والداعي، وفيه تسلية لنبينا محمد -ﷺ-، وإرهاص بأن من الأمة من يجيب الدعوة ومنهم من
_________________
(١) الترمذي حديث (٢٨٦٠) وقال: هذا حديث مرسل سعيد بن أبي هلال لم يدرك جابر بن عبد الله، وقال ابن حجر: وقد اعتضد هذا المنقطع بحديث ربيعة الجرشي عند الطبراني، بنحو سياقه، وسنده جيد (الفتح ١٣/ ٥٦).
(٢) حديث (٢١٢٩٦).
(٣) الترمذي حديث (٢٨٦٠) وقال: هذا حديث مرسل سعيد بن أبي هلال لم يدرك جابر بن عبد الله، وقال ابن حجر: وقد اعتضد هذا المنقطع بحديث ربيعة الجرشي عند الطبراني، بنحو سياقه، وسنده جيد (الفتح ١٣/ ٥٦).
[ ١ / ٥٨ ]
يأبى، فيكون في علمه بهذا مسبقا تسلية له وتهدئة، إذا لم يجب الجميع الدعوة.
قوله: «ومن لم يجب الداعي، لم يدخل الدار، ولم يطعم من المأدبة، وسخط عليه السيد».
فسر هذا ما جاء في رواية جابر -﵁- حيث قال: «فالله هو الملك، والدار الإسلام، والبيت الجنة، وأنت يا محمد رسول، فمن أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل ما فيها» (^١).
هذه التهيئة الربانية لنبينا محمد -ﷺ- جعلته يتحمل أعباء الرسالة، ودعوة الناس إلى الخير، وكانت تثبيتا له على الحق حينما يواجه بالتكذيب، والعداوة والطرد والقتال، ومع ذلك كان ينتابه الحزن الشديد عندما يرى إعراض قومه عنه وعدم قبولهم الحق الذي جاء به -ﷺ-، فيذكره ربه ويسليه كما في قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (^٢)، وقوله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (^٣)، وغير ذلك من الآيات، ولم تكن هذه غفلة منه -ﷺ- عن هذا الأمر، فإنه يعلم أن ليس عليه إلا هداية الدلالة والإرشاد، وأنه لا يملك هداية التوفيق، فهي لله وحده،
_________________
(١) الترمذي حديث (٢٨٦٠) وقال: هذا حديث مرسل سعيد بن أبي هلال لم يدرك جابر بن عبد الله، وقال ابن حجر: وقد اعتضد هذا المنقطع بحديث ربيعة الجرشي عند الطبراني، بنحو سياقه، وسنده جيد (الفتح ١٣/ ٥٦).
(٢) الآية (٦) من سورة الكهف.
(٣) الآية (٢٢) من سورة الغاشية.
[ ١ / ٥٩ ]
يمنحها من يشاء من عباده، ولكنه -ﷺ- الرحمة المهداة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (^١)، فكان شديد الحرص على هداية الناس أجمعين، وكان يحزن أشد الحزن لمن لم يوفق، ومعلوم حرصه على هداية عمه أبي طالب، حتى نزل عليه قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (^٢)، إن هذا التثبيت لنبينا محمد -ﷺ- يجري وفق حكمة أرادها الله -﷿- منها: ابتلاء بني آدم، ومنها: قطعه على نفسه تعالى أن يملأ الجنة والنار، ولذلك قال -ﷺ-: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) (^٣).
ما يستفاد:
* بيان عناية الله بنبينا محمد -ﷺ- في نومه ويقظته.
* بيان تهيئة نبينا محمد -ﷺ- لحمل الرسالة.
* تعليم الأمة هذا الأسلوب في الإعداد وتربية النشء.
* استعمال الأسلوب الأمثل في تحقيق الغايات.
* استعمال الوسائل المناسبة المادية والمعنوية.
* جواز ضرب الأمثال لبيان المراد.
* أداء الواجب على قدر الطاقة.
_________________
(١) الآية (١٠٧) من سورة الأنبياء.
(٢) الآية (٥٦) من سورة القصص.
(٣) البخاري حديث (٦٨٥١).
[ ١ / ٦٠ ]
* عموم الرسالة المحمدية لهذه الأمة، فمن أجاب دخل الجنة، ومن عصى دخل النار.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٣ - (٩) أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ (^١) بْنُ عَلِيٍّ، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مَيْمُونٍ التَّمِيمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- خَرَجَ إِلَى الْبَطْحَاءِ وَمَعَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ فَأَقْعَدَهُ، وَخَطَّ عَلَيْهِ خَطًّا ثُمَّ قَالَ: «لَا تَبْرَحَنَّ فَإِنَّهُ سَيَنْتَهِي إِلَيْكَ رِجَالٌ فَلَا تُكَلِّمْهُمْ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يُكَلِّمُوكَ» فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَيْثُ أَرَادَ، ثُمَّ جَعَلُوا يَنْتَهُونَ إِلَى الْخَطِّ لَا يُجَاوِزُونَهُ، ثُمَّ يَصْدُرُونَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ جَاءَ إِلَيَّ فَتَوَسَّدَ فَخِذِي، وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ فِي النَّوْمِ نَفْخًا، فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُتَوَسِّدٌ فَخِذِي رَاقِدٌ إِذْ أَتَانِي رِجَالٌ كَأَنَّهُمُ الْجِمَالُ، عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ بِيضٌ اللَّهُ أَعْلَمُ مَا بِهِمْ مِنَ الْجَمَالِ، حَتَّى قَعَدَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ رَأْسِهِ وَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَقَالُوا بَيْنَهُمْ: مَا رَأَيْنَا عَبْدًا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ هَذَا النَّبِيُّ، إِنَّ عَيْنَيْهِ (^٢) لَتَنَامَانِ وَإِنَّ قَلْبَهُ لَيَقْظَانُ، اضْرِبُوا لَهُ مَثَلًا: سَيِّدٌ بَنَى قَصْرًا ثُمَّ جَعَلَ مَأْدُبَةً (^٣)، فَدَعَا النَّاسَ إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ، ثُمَّ ارْتَفَعُوا وَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عِنْدَ ذَلِكَ" فَقَالَ لِي (^٤): «أَتَدْرِي مَنْ هَؤُلَاءِ؟» قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «هُمُ الْمَلَائِكَةُ» وَقَالَ: «هَلْ تَدْرِي مَا الْمَثَلُ الَّذِي ضَرَبُوهُ؟» "
_________________
(١) في (ت) الحسين، وهو تصحيف.
(٢) في (ع/ ب) عيناه: وهو خطأ.
(٣) المائدة الكبيرة يوضع فيها الطعام الكثير، وهو هنا تشبيه للجنة أعدت للمتقين.
(٤) في (ك) فقال النبي.
[ ١ / ٦١ ]
قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «الرَّحْمَنُ بَنَى الْجَنَّةَ، فَدَعَا إِلَيْهَا عِبَادَهُ، فَمَنْ أَجَابَهُ دَخَلَ جَنَّتَهُ، وَمَنْ لَمْ يُجِبْهُ عَاقَبَهُ وَعَذَّبَهُ» " (^١).
رجال السند:
الحسن بن علي أبو محمد الحلواني الخلال، ثقة أُخذ عليه الوقف في القرآن، ليس له رواية عند النسائي، وحماد بن أسامة أبو أسامة القرشي الكوفي، إمام ثقة حافظ، وجعفر بن ميمون التميمي، ليس له رواية في الصحيحين، لابأس به، حدث عنه يحيى بن سعيد القطان، ولا يحدث إلا عن الثقات، وعبد الرحمن بن ملّ أبو عثمان النهدي، ثقة مخضرم لم ير النبي -ﷺ-، من أقواله: أديت إلى النبي -ﷺ- ثلاث صدقات ولم ألقه، وغزوت على عهد
عمر، وشهدت اليرموك والقادسية وجلولاء (^٢).
شرح:
هذا مرسل، والنهدي لم يلق رسول الله -ﷺ-، وقد صح من طرق، منها السابق، وهو من الأحاديث الدالة على علامات نبوة نبينا محمد -ﷺ-، وقد جعل الله ذلك تقوية على تصديقه -ﷺ-، وهو في نفس الأمر تقوية لإيمان المؤمنين به -ﷺ-، وعبد الله بن مسعود بن غافل أبو عبد الرحمن الهذلي، -﵁- من السابقين الأولين، أمّره عمر على الكوفة.
_________________
(١) رجاله ثقات، وأخرجه البحتري من طريق أخرى عن جعفر بن ميمون عن أبي تميمة عن أبي عثمان به، وكأنه من المزيد في متصل الأسانيد، التاسع من فؤائده حديث (٨٩).
(٢) الاستيعاب ١/ ٢٥٨.
[ ١ / ٦٢ ]
قوله: «خرج إلى البطحاء، ومعه ابن مسعود فأقعده وخط عليه خطا، ثم قال: لا تبرحن فإنه سينتهي إليك رجال فلا تكلمهم، فإنهم لن يكلموك». كثيرا ما كان ابن مسعود -ﷺ- يرافق رسول الله -ﷺ- ليكون في خدمته، ويسعد بصحبته، فخرج معه ذات يوم إلى البطحاء من أرض مكة، ولِما كان من علم نبينا محمد -ﷺ- أن الملائكة تلتقي به -ﷺ- في كثير من الأحيان، ولاسيما في بدايات الوحي، ليكون ذلك علامة على نبوته -ﷺ-، وتقوية للمؤمنين به -ﷺ-، احتاط في شأن صاحبه عبد الله بن مسعود -﵁- حتى لا يحدث له خوف حينما يرى شيئا مما يحدث، فأقعده -ﷺ- وخط عليه خطا، لعلمه أن الملائكة لا يجاوزون ذلك الخط، وقال لصاحبه: لا تترك هذا الموقع المحدد، وليزيد طمأنينة وسكينة قال له: فإنه سينتهي إليك رجال، ولم يعلمه أنهم ملائكته اكتفاء بظاهر الحال، وقد خلق الله -﷿- الملائكة وأعطاهم من العظمة والقوة ما لا يعلمه إلا هو سبحانه، ومنحهم القدرة على التشكل في صور حسنة وهيئات جميلة، ولا يتشكلون في صور قبيحة تكريما لهم، ومفارقة لما يكون عليه الجن من التشكل، وأخبر الرسول -ﷺ- صاحبه أن من يأتيه من الرجال لا يكلمونه، ونهاه عن كلامهم، ثم تركه -ﷺ- وذهب حيث أراد، فجاء الرجال الذين أخبره عنهم، وجعلوا يصلون إلى ذلك الخط الذي خطه -ﷺ- حول صاحبه، فيقفون عنده ولا يدخلون على عبد الله -﵁- في موقعه، وهذه إحدى علامات نبوته -ﷺ-، أما الصدق والأمانة فهما أمران غير مشكوك فيهما من قَبْل النبوة، ولكن النبوة حدث جديد تحتاج إلى دلالات قوية، فكانت تلك الأحداث المتوالية عبر حياته -ﷺ-، وكان أولئك الرجال يصلون إلى الخط ثم يعودون إلى النبي -ﷺ- في موقعه الذي أراده، وكأن هذه حالة بحث من
[ ١ / ٦٣ ]
الملائكة عن رسول الله -ﷺ-، واستمر هذا الأمر إلى آخر الليل، عاد النبي -ﷺ- إلى صاحبه -﵁-، وكما هي عادة أصحابه في تكريمه والاحتفاء به -ﷺ-، فتوسد فخذ صاحبه -﵁-، وكان من عادة رسول الله -ﷺ- إذا نام نفخ، والنفخ غير الشخير، النفخ إخراج الهواء من بين الشفتين برقة وهدوء، أما الشخير فيخرج الصوت مع هواء مزعج من اللهاة أعلى الحلق.
قوله: «فبينا رسول الله -ﷺ- متوسد فخذي راقد، إذ أتاني رجال كأنهم الجمال، عليهم ثياب بيض، الله أعلم ما بهم من الجمال».
يقول ابن مسعود -ﷺ-: في الوقت الذي كان فيه رسول الله -ﷺ- متوسدا فخذه -﵁- وهو غاطّ في نومه -ﷺ-، رأى رجالا كأنهم الجمال، والجمال جمع جمل: والمراد أنهم كبار الأجسام فيهم ضخامة تضفي عليهم هيبة وعظمة، وعليهم ثياب بيض، وأجمل اللباس البياض، وبهم من جمال الصورة وهيبتها وعظمتها شيء لا يوصف، ولذلك قال: «الله أعلم ما بهم من الجمال» وهذا من تشكل الملائكة في الصور الحسنة الجميلة.
قوله: «حتى قعد طائفة منهم عند رأسه، وطائفة منهم عند رجليه، فقالوا بينهم: ما رأينا عبدا أوتي مثل ما أوتي هذا النبي -ﷺ-».
ينبهنا ابن مسعود -﵁- إلى أن العدد ليس قليلا، معبرا عن ذلك بقوله: قعد طائفة منهم عند رأسه، والطائفة الجماعة، فالذي جرى أن طائفتين من الملائكة حفّت بنبينا محمد -ﷺ-، وأخذ يحدث بعضهم بعضا في أمره -ﷺ-.
قوله: «ما رأينا عبدا أوتي مثل ما أوتي هذا النبي -ﷺ-».
هذه إشادة بنبينا محمد -ﷺ-، وشهادة من ملائكة لهم صلة بأنبياء الله ورسله، ومعرفتهم بما أنزل الله عليهم، وبما آتاهم من الفضل والخصائص، غير
[ ١ / ٦٤ ]
أن نبينا محمد -ﷺ- خص بأمور لم يعطها أحد سواه، ومن ذلك: نوم عينيه وعدم نوم قلبيه.
قوله: «اضربوا له مثلا: سيد بنى قصرا، ثم جعل مأدبة (^١) فدعا الناس إلى طعامه وشرابه».
الشرح:
تقدم بيان هذا المثل في الحديث رقم (١١) وبيّن -ﷺ- لصاحبه بعد استيقاضه بعد أن سأله عن معرفة من شاهدهم فقال: الله ورسوله أعلم، قال: هم الملائكة، وفسر لصاحبه المثل الذي ضربوه له، وتقدم بيانه في حديث سابق.
ما يستفاد:
* حسن المصاحبة، وقد تجلت في أكمل صورها بين الرسول -ﷺ- وأصحابه.
* عناية الرسول -ﷺ- بأمن من يرافقه، وإيضاح ما يحقق ذلك.
* بيان مكانة النبي -ﷺ- إذ لم يتجاوز الملائكة الخط الذي وضعه.
* السمع والطاعة إذ لم يخالف الصحابي أمر النبي -ﷺ-.
* حب الصحابة للنبي -ﷺ- وخدمته، وتهيئة ما فيه راحته.
* قدرة الملائكة ﵈ على التشكل.
* أنهم ﵈ لا يتشكلون إلا في صور جميلة.
* إمكان رؤية المسلم للملائكة.
*علامة صدق نبوته -ﷺ- حيث وقع ما حدث به صاحبه.
_________________
(١) المائدة الكبيرة يوضع فيها الطعام الكثير، وهو هنا تشبيه للجنة أعدت للمتقين.
[ ١ / ٦٥ ]
* أنه -ﷺ- خص بنوم العين ويقظة القلب في آن واحد.
* أنه قد يلتقيه العدد من الملائكة في وقت واحد.
* أن من آمن به يدخل الجنة.
* أن من لم يؤمن به يدخل النار.
* أن ما جاء به دعوة من الله لعبادة.
قال الدارمي ﵀: