٢٦١ - (١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُهَيْبٍ، أَنَّ الْمُهَاصِرَ بْنَ حَبِيبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّى لَسْتُ كُلَّ كَلَامِ الْحَكِيمِ أَتَقَبَّلُ، وَلَكِنِّى أَتَقَبَّلُ هَمَّهُ وَهَوَاهُ، فَإِنْ
كَانَ هَمُّهُ وَهَوَاهُ فِي طَاعَتِي جَعَلْتُ صَمْتَهُ حَمْدًا لِي وَوَقَارًا
[ ١ / ٤٣١ ]
وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ» (^١).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، القلانسي، ثقة إمام تقدم، وبَقِيَّةُ، هو ابن الوليد ثقة إذا حدث عن ثقة تقدم، وصَدَقَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُهَيْبٍ، هو السمين أبو محمد أو معاوية، ضعيف يعتبر بحديته، والْمُهَاصِرُ (^٢) بْنُ حَبِيبٍ، هو الزبيديُّ، أخو ضمرة بن حبيب، وهو من أفراد الدارمي لابأس به.
الشرح:
قوله: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي لَسْتُ كُلَّ كَلَامِ الْحَكِيمِ أَتَقَبَّلُ، وَلَكِنِّى أَتَقَبَّلُ هَمَّهُ وَهَوَاهُ، فَإِنْ كَانَ هَمُّهُ وَهَوَاهُ فِي طَاعَتِي جَعَلْتُ صَمْتَهُ حَمْدًا لِي وَوَقَارًا وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ».
هذا حديث ضعيف، ولم يرد من وجه صحيح، فلا تنشط النفس للقول به، وهو يعارض ما ورد في فضل كثرة الذكر والدعاء، والثناء على الله -﷿-.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٦٢ - (٢) أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ (^٣) سَعْدٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ
_________________
(١) فيه صدقة بن عبد الله بن صهيب: ضعيف، وانظر: القطوف رقم (١٦٨/ ٢٥٩).
(٢) في الأصول الخطية (المهاجر) وهو خطأ، وانظر ترجمته في (الجرح والتعديل ٨/ ٤٣٩) وذكره ابن حبان في الثقات ٧/ ٥٢٥).
(٣) في (ت) عن.
[ ١ / ٤٣٢ ]
أَبُثُّ الْعِلْمَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ حَتَّى يَعْلَمَهُ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ وَالْحُرُّ وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ بِهِمْ أَخَذْتُهُمْ بِحَقِّي عَلَيْهِمْ» (^١).
رجال السند:
مَخْلَدُ بْنُ مَالِكٍ، هو الجمال إمام ثقة تقدم، وحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، هو المصيصي أبو محمد إمام ثقة تقدم، ولَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، إمام ثقة تقدم، ومُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، هو قاضي الأندلس، صدوق له أوهام تقدم، وأَبو الزَّاهِرِيَّةِ، هو حُدَير بن كريب الحضرمي، تابعي ثقة كان أميّا لا يكتب، روى له مسلم.
الشرح:
قوله: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ أَبُثُّ الْعِلْمَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ حَتَّى يَعْلَمَهُ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ
وَالْعَبْدُ وَالْحُرُّ وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ بِهِمْ أَخَذْتُهُمْ بِحَقِّي عَلَيْهِمْ».
الشرح:
في الحلية قال: " بلغني في بعض الكتب " وهذا سند قوي ولو لم يرفعه فمعناه صحيح؛ لأنه يوافق الواقع ولاسيما في هذا الزمان تنافس الناس في طلب العلم للدنيا وليس للعمل به، فتجد من تخرج من الشريعة ولا يعرف أحكام الطهارة بتفاصيلها، وإذا تأملت كثرة من قرأ القرآن وجدتهم متدثرين ببعض المعاصي، أقلها حلق اللحية وإسبال الإزار، والتدخين، والتعامل بالربا
_________________
(١) رجاله ثقات، ولم أقف على رفعه موصولا، ولعل الصواب ما أورده أبو نعيم وأبو عمر بن عبد البر وفيه " بلغني في بعض الكتب أن الله تعالى يقول " انظر (الحلية ٦/ ١٠٠ ترجمة أبي الزاهرية حدير بن كريب رقم ٣٣٨) وهذا كلام حسن وما نحن فيه من انتشار العلم يطابق ذلك، كثر العالمون وقلّ العاملون، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
[ ١ / ٤٣٣ ]
والرشوة والاختلاس، ومن النساء الكاسيات العاريات، والمتبرجات المزاحمات للرجال في الطرقات والأسواق، وترك المحرم في الأسفار، وقد كان عدم وجود المحرم في الحج يعتبر من عدم الاستطاعة، فهل ينطبق هذا على زماننا وما بعده؟!.
ما يستفاد:
* مطابقة هذا الخبر للواقع، فقد انتشر العلم الشرعي وغيره بما يفوق الخيال.
* ومن مطابقة الخبر للواقع تعلم جميع فئات المجتمع.
* أن من حق الله -﷿- العمل بما علموا ولاسيما العلم الشرعي.
* أن العلم حجة الله على المتعلم فيما يعمل من خير أوشر.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٦٣ - (٣) أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ مَالِكٍ، حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ هِشَامٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: " مَنْ طَلَبَ شَيْئًا مِنْ هَذَا الْعِلْمِ فَأَرَادَ بِهِ مَا عِنْدَ اللَّهِ يُدْرِكْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَمَنْ أَرَادَ بِهِ الدُّنْيَا فَذَاكَ وَاللَّهِ حَظُّهُ مِنْهُ " (^١).
رجال السند:
مَخْلَدُ بْنُ مَالِكٍ، هو المتقدم آنفا، ومَخْلَدُ بْنُ حُسَيْنٍ، هو المهلبي، أبو محمد البصري، أزدي لا يأكل إلا الحلال المحض، إمام ثقة، وهِشَامٌ، هو ابن حسان إمام ثقة تقدم، والْحَسَن، هو البصري.
_________________
(١) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (١٧٠/ ٢٦١).
[ ١ / ٤٣٤ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٦٤ - (٤) أَخْبَرَنَا يَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ، ثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عِيسَى قَالَ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: " لَا تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِثَلَاثٍ: لِتُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ، وَتُجَادِلُوا بِهِ الْعُلَمَاءَ، وَلِتَصْرِفُوا بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْكُمْ، وَابْتَغُوا بِقَوْلِكُمْ مَا عِنْدَ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَدُومُ وَيَبْقَى، وَيَنْفَدُ مَا سِوَاهُ " (^١).
رجال السند:
يَعْلَى، هو الطنافسى إمام ثقة تقدم، ومُحَمَّدُ بْنُ عَوْنٍ، هو الخراساني أبوعبد الله ضعيف، وإِبْرَاهِيمُ بْنُ عِيسَى، هو اليشكري سكت عنه الإمامان ووثقه ابن حبان فلابأس، وابْنُ مَسْعُودٍ، هو عبد الله -﵁-.
الشرح:
قوله: «لَا تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِثَلَاثٍ: لِتُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ».
هذا النهي عن تعلم العلم الشرعي لهذه الثلاث مقتبس من قول رسول الله -ﷺ-: «لا تعلموا العلم، لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس، فمن فعل ذلك، فالنار النار» (^٢)؛ لأن من طلب العلم لمجادلة العلماء فقد أخطأ طريق الإخلاص، وطلب الشهرة، فعاقبته خطيرة؛ من الرياء أن يفعل ذلك لغير الله -﷿-، ولأن السفهاء لا يجلون العلم، ولا
_________________
(١) في سنده محمد بن عون الخراساني: متروك، وإبراهيم هو اليشكري، قال أبو حاتم: شيخ بصري متعبد، محله الصدق (الجرح والتعديل ٢/ ١١٧) وذكره ابن حبان في (الثقات ٦/ ٢٠) وانظر: القطوف رقم (١٧١/ ٢٦٢) وهذا كلام لا مخالفة فيه للشرع وهو من القبول بمكان.
(٢) انظر جامع العلوم والحكم ١/ ٧٨.
[ ١ / ٤٣٥ ]
يحترمون العلماء، وهذا من أخلاق الجاهلية فقد نهى الله -﷿- المؤمنين عن سب آلهة المشركين؛ لأنهم سفهاء لا يتورعون عن سب الله -﷿- فقال: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (^١)، فالجاهل لا يجادل؛ لأنه فاقد الأهلية لذلك.
قوله: «وَتُجَادِلُوا بِهِ الْعُلَمَاءَ».
المراد لا تتعلموا العلم لتجادلوا العلماء، بالباطل لإظهار القدرة على الرد ولو بصرف الحق إلى الباطل؛ ولأن ذلك يجعل السامع شاكا فيما يسمع أهو حق أو باطل، وقد نهى الله -﷿- عن مجادلة العلماء إلا بالحسنى فقال -﷿-: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (^٢)، فإذا كان هذا في حق علماء اليهود والنصارى فهو في حق العلماء من المسلمين أولى، ويستوي النهي عن مجادلة اليهود بالقسوة والعنف، بل بالرفق واللين الصفة التي هي أحسن، مع بيان الحجج والبراهين على النهج القويم، مع مجادلة العلماء من المسلمين، وذلك أدعى إلى قبول الحق والدخول في دين الإسلام، وإقناع المجادل بما هو حق، وأجاز الله -﷿- الرد بعنف وإغلاظ على المجادلين إذا أغلظوا وأوغلوا في المجادلة، ولم يتأدبوا في الحوار سواء كانوا من أهل الكتاب أو من المسلمين.
قوله: «وَلِتَصْرِفُوا بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْكُمْ».
_________________
(١) من الآية (١٠٨) من سورة الأنعام.
(٢) من الآية (٤٦) من سورة العنكبوت.
[ ١ / ٤٣٦ ]
أي: لا تتعلموا العلم من أجل المباهاة به، لكسب الشهرة، ولفت أنظار الناس وهذا منهج أهل البدع يجادلون دفاعا عن البدع لإبهار الناس بها واعتناقها، وبذلك افترقت الأمة فرقا كثيرة بسبب البدع ولاسيما في الاعتقاد حتى كفّر بعضهم بعضا، ولم ينج منهم إلا فرقة واحدة من لم يبتدع في دين الله -﷿-، وسار على السنن، وهم من قال عنهم الرسول -ﷺ-: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس» (^١)؛ لأنهم لم يحيدوا عن منهج الكتاب والسنة، وفي رواية الثلاث وسبعين فرقة قال -ﷺ- عن الفرقة الناجية لمّا قيل له: من هم يا رسول الله؟: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (^٢).
قوله: «وَابْتَغُوا بِقَوْلِكُمْ مَا عِنْدَ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَدُومُ وَيَبْقَى».
أمرهم بإخلاص أقوالهم وأعمالهم لله -﷿-، ولا يطلب بها الدنيا، ولاسيما
طلب العلم الشرعي، وتعليم الناس، ودعوتهم إليه؛ لأنه يدوم في الدنيا ما دام مبنيا على الإخلاص لله -﷿-، ويبقى ثوابه في الآخرة، ولذلك ربط رسول الله -ﷺ- صلاح الأعمال وفسادها بالنية والقصد من ذلك فقال -ﷺ-: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» (^٣)، قال معاذ بن جبل -﵁-: " تعلموا العلم فإن تعلمه خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته
_________________
(١) مسلم حديث (١٠٣٧).
(٢) الحجة في بيان المحجة (١/ ١١٩.
(٣) البخاري حديث (١) ومسلم حديث (١٩٠٧).
[ ١ / ٤٣٧ ]
تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقه، وبذله لأهلة قربة، وهو الأنس في الوحدة، والصاحب في الخلوة " (^١).
قوله: «وَيَنْفَدُ مَا سِوَاهُ».
المراد أن من طلب بالعلم عرضا من الدنيا فإن حصل له مطلوبه منها فإنه ينفد ويزول، ولا يبقى إلا ما كان مقصودا به وجه الله -﷿-، وقد يجمع الله -﷿- للمخلص بين الأمرين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا فضلك العظيم.
ما يستفاد:
* وجوب الإخلاص في الأقوال والأعمال.
* أهمية طلب العلم الشرعي وتعليمه.
* حرمة مجادلة السفهاء؛ لأن ذلك يفضي إلى منكر، كسَبّ الدين أو العلماء وغير ذلك.
* حرمة مجادلة العلماء لدفع الحق وإظهار الباطل، كما حدث في فتنة
القول بخلق القرآن.
* حرمة تعلم العلم الشرعي للمباهاة أو لعرض من الدنيا، أو للشهرة واستجلاب تعظيم الناس.
* أن ما يقصد به وجه الله يدوم في الدنيا وتكون عاقبته حميدة في الآخرة.
* أن العرض من الدنيا والجاه فيها والشهرة لا تدوم لأحد وأنها الحظ الزائل.
_________________
(١) المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية ٢/ ٨٧.
[ ١ / ٤٣٨ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٦٥ - (٥) وَبِهَذَا الإِسْنَادِ قَالَ: " كُونُوا يَنَابِيعَ الْعِلْمِ مَصَابِيحَ الْهُدَى أَحْلَاسَ الْبُيُوتِ، سُرُجَ اللَّيْلِ، جُدُدَ الْقُلُوبِ، خُلْقَانَ الثِّيَابِ، تُعْرَفُونَ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ وَتَخْفَوْنَ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ" (^١).
رجال السند: تقدموا آنفا.
الشرح:
قوله: «كُونُوا يَنَابِيعَ الْعِلْمِ مَصَابِيحَ الْهُدَى».
القائل الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود -﵁-، هذا القول من أثمن النصائح؛ لأن من يرغب في الحكمة والحلم والأناة فعليه بتعلم العلم الشرعي؛ لأن فيه خير الكلام كلام الله -﷿-، وفيه خير الهدى هدى محمد -ﷺ-؛ ولأن من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، ومن يرد الرفعة فعليه بالعلم قال الله -﷿-: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (^٢)،
وبهذا يكونوا مناهل العلم لأخذهم بأسباب الفقه فيه، ووعوه فأصبحوا كالمصابيح يضيئون للناس الطريق إلى الجنة.
قوله: «أَحْلَاسَ الْبُيُوتِ».
فيه إشارة إلى الهروب من الفتن القليل منها والكثير، وملازمة البيوت اكتفاء بما مَنْ الله عليهم من العلم، ولا يفهم من هذا الانقطاع عن تعليم الناس
_________________
(١) انظر سابقه، وانظر: القطوف رقم (١٧٢/ ٢٦٣).
(٢) من الآية (١١) من سورة المجادلة.
[ ١ / ٤٣٩ ]
الخير ودعوتهم إليه، بل المراد البعد عن كل ما يشغل عن ذلك. قوله: «سُرُجَ اللَّيْلِ، جُدُدَ الْقُلُوبِ».
فيه إشارة إلى العبادة فيه فكأنهم بها يضيئون لياليهم بالصلاة والتلاوة والذكر والدعاء، وبذلك تتجدد قلوبهم بعمل الخير.
قوله: «خُلْقَانَ الثِّيَابِ».
فيه إشارة إلى الزهد في الدنيا، وليس ذلك تحريم ما أحل الله من متاعها وشهواتها، وترك ذلك من الزهد والورع، قال الله -﷿-: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (^١)، فقد أمر الله -﷿- نبينا محمدا -ﷺ- أن يسأل على سبيل التوبيخ والإنكار عمن حرم ما أحل الله -﷿- لعباده، وهذا السؤال لا يتطلب جوابا، وإنما المراد منه التوقيف على سوء فعل من يقول هذا أو يعتقده، لكن لا بد أن يشترط فيه أن يكون من الحلال، وغير المستقذر، والمراد بزينة الله -ﷻ- ما حسنته الشريعة وأقرته، وزينة الدنيا كل ما اقتضته الشهوة وطلب العلو في الأرض، كالمال والبنين وهي الزينة التي فضل الشرع عليها زينة الله -﷿-، ثم أمر رسوله مرة أخرى أن يبين زينة الله -﷿- لمن هي فقال: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (^٢)، والمراد أن يخبر -ﷺ- أن هذه الطيبات الموجودات هي في الحياة الدنيا للذين آمنوا وإن كانت أيضا لغيرهم معهم، وهي يوم القيامة خالصة
_________________
(١) من الآية (٣٢) من سورة الأعراف.
(٢) من الآية (٣٢) من سورة الأعراف.
[ ١ / ٤٤٠ ]
لهم أي: لا يشركهم أحد في استعمالها في الآخرة، وهذه إشارة إلى نعيم الجنة، وامتن الله -﷿- على عباده ببيان الدلائل لذوي العقول من عباده.
قوله: «تُعْرَفُونَ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ».
المراد بعلمهم وطاعتهم وزهدهم عرفهم الملائكة من أهل أسماء، قال زر ابن حبيش وهو ثقة كثير الحديث: " أتيت رجلا يدعى صفوان بن عسال: فقعدت على بابه، فخرج فقال: ما شأنك؟ قلت: أطلب العلم.
قال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب (^١).
قوله: «وَتَخْفَوْنَ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ».
المراد لقلة اختلاطهم بالعامة، واجتنابهم الفتن، واشتغالهم بالعلم والطاعة، اللهم ثبتنا على ما يرضيك.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٦٦ - (٦) أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ بْنِ حَزْمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (^٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا يَطْلُبُ
هَذَا الْعِلْمَ أَحَدٌ لَا يُرِيدُ بِهِ إِلاَّ الدُّنْيَا إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ (^٣) عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٤).
_________________
(١) انظر النسائي حديث (١٥٨). بتصرف.
(٢) هو أبو طوالة عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم.
(٣) كتبت لحقا في هامش (ت).
(٤) أخرجه أبو داود عن أبي طوالة عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: حديث (٣٦٦٤) وكذلك ابن ماجة حديث (٢٥٢) وصححه الألباني عندهما.
[ ١ / ٤٤١ ]
رجال السند:
أَبُو عَاصِمٍ، هو النبيل إمام ثقة تقدم، ومُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ بْنِ حَزْمٍ، هو الأنصاري صدوق، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هو ابن معمر بن حزم الأنصاري، أبو طوالة قاضي المدينة، إمام ثقة.
الشرح:
قوله: «لَا يَطْلُبُ هَذَا الْعِلْمَ أَحَدٌ لَا يُرِيدُ بِهِ إِلاَّ الدُّنْيَا إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ (^١) عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
هذه الرواية مرسلة، وصلها أحمد بلفظ: «من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» (^٢).
الشرح: هذا وعيد شديد يؤيد ما تقدم، فلينظر.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٦٧ - (٧) أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ مَالِكِ
ابْنِ مِغْوَلٍ قَالَ: " قَالَ رَجُلٌ لِلشَّعْبِيِّ: أَفْتِنِي أَيُّهَا الْعَالِمُ. فَقَالَ: الْعَالِمُ مَنْ يَخَافُ اللَّهَ " (^٣).
رجال السند: مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، هو الخوارزمي أبو علي ثقة تقدم، وعَبْدُ اللَّهِ ابْنُ نُمَيْرٍ، هو أبو هشام الكوفي همداني إمام ثقة، ومَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، سكت عنه الإمامان، ووثقة ابن حبان فلابأس به، والشَّعْبِيُّ، هو عامر إمام ثقة.
_________________
(١) كتبت لحقا في هامش (ت).
(٢) أحمد حديث (٨٤٥٧).
(٣) سنده حسن، وانظر: القطوف رقم (١٧٣/ ٢٦٥).
[ ١ / ٤٤٢ ]
الشرح:
قوله: «أَفْتِنِي أَيُّهَا الْعَالِمُ».
هذا من الأدب مع العلماء أن يثنى عليه بما ظهر من أحسن صفاته، ولا شك أن العلم من أحسن الصفات، ولكن الشعبي ﵀ منعه ورعه من قبول هذا الوصف، وإن كان من صفاته، ومشهود له به، ولو استبدل السائل ذلك بالدعاء لكان أطيب ولا يرد، كقوله: أحسن الله إليك ونحوه. قوله: «الْعَالِمُ مَنْ يَخَافُ اللَّهَ».
هذا من ورع الشعبي ﵀، وعدم قبول التزكية، ولا ريب أنه ممن يخاف الله -﷿-، ولكنه أراد أن يعلم من بحضرته التواضع والورع.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٦٨ - (٨) أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، ثَنَا عُمَرُ بْنُ مَزْيَدٍ (^١)، عَنْ أَوْفي بْنِ دَلْهَمٍ، أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَلِىٍّ قَالَ: " تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ تُعْرَفُوا بِهِ، وَاعْمَلُوا بِهِ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهِ، فَإِنَّهُ سَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا زَمَانٌ لَا يَعْرِفُ فِيهِ تِسْعَةُ عَشَرَائِهِمُ الْمَعْرُوفَ، وَلَا يَنْجُو مِنْهُ إِلاَّ كُلُّ نُوَمَةٍ، فَأُولَئِكَ أَئِمَّةُ الْهُدَى، وَمَصَابِيحُ الْعِلْمِ، لَيْسُوا بِالْمَسَايِيحِ (^٢)، وَلَا الْمَذَايِيعِ الْبُذُرِ " (^٣).
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: نُوَمَةٌ: غَافِلٌ عَنِ الشَّرِّ، الْمَذَايِيعُ الْبُذُرِ: كَثِيرُوا الْكَلَامِ.
_________________
(١) في المطبوع (يزيد).
(٢) أي: الذين يسعون بالشر والنميمة. (النهاية ٢/ ٤٣٢).
(٣) رجاله ثقات، وفيه اقطاع بين أوفي بن دلهم وعلي -﵁-.
[ ١ / ٤٤٣ ]
رجال السند:
عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، هو ابن فارس ثقة تقدم، وعُمَرُ بْنُ مَزْيَدٍ، هو أبو المنبه، وقد قيل: اسمه عمر بن منبه السعدي، من أفراد الدارمي، ثقة، وأَوْفى بْنُ دَلْهَمٍ، هو بصري صدوق، عَلِىُّ، هو ابن أبي طالب -﵁-، وهو منقطع أوفى بلغه عن علي.
الشرح:
قوله: «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ تُعْرَفُوا بِهِ».
هذا تأييد لما تقدم من قول ابن مسعود -﵁-.
قوله: «وَاعْمَلُوا بِهِ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهِ».
لأن العمل بالعلم يهدي إلى الحق، وبه يكون من أهل العلم الملتزمين بنهج الكتاب والسنة.
قوله: «فَإِنَّهُ سَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا زَمَانٌ لَا يَعْرِفُ فِيهِ تِسْعَةُ عَشَرَائِهِمُ الْمَعْرُوفَ».
هذا واقع في كثير من العالم الإسلامي، كثيرون الذين يجهلون المعروف وهو ما يعرفه الشرع، والمنكر ما أنكره الشرع.
قوله: «وَلَا يَنْجُو مِنْهُ إِلاَّ كُلُّ نُوَمَةٍ، فَأُولَئِكَ أَئِمَّةُ الْهُدَى، وَمَصَابِيحُ الْعِلْمِ». المراد لا يسلم من الجهل بما هو معروف في الشرع، إلا كل غافل عن الجهل المحدق بالكثيرين؛ وهذا تذكير بأهمية الاشتغال بالعلم ليهتدي بهم من تعلم على أيديهم.
قوله: «لَيْسُوا بِالْمَسَايِيحِ، وَلَا الْمَذَايِيعِ الْبُذُرِ».
أي: ليسوا من الذين يسعون بالشر والنميمة، ولا يكثرون الكلام فيما لا فائدة فيه.
[ ١ / ٤٤٤ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٦٩ - (٩) أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ -﵁-: " اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ بَعْدَ أَنْ تَعْلَمُوا، فَلَنْ يَأْجُرَكُمُ اللَّهُ -﷿- بِالْعِلْمِ حَتَّى تَعْمَلُوا " (^١).
رجال السند:
مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، هو الطاطري إمام ثقة تقدم، وسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، هو التنوخي إمام ثقة تقدم، ويَزِيدَ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، هو أخو عبد الرحمن ابن يزيد، ثبت في مكحول، وخلفه في الفتوى والفقه، إمام ثقة، لم يدرك معاذا، ومُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ -﵁-.
الشرح:
قوله: «اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ بَعْدَ أَنْ تَعْلَمُوا».
هذا المراد به التهديد على غرار قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ
شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (^٢)، فكان معاذا -﵁- أراد يبين للناس أن الأجر على طلب العلم مرتبط بالنية والعمل به.
قوله: «فَلَنْ يَأْجُرَكُمُ اللَّهُ -﷿- بِالْعِلْمِ حَتَّى تَعْمَلُوا».
كأن معاذا -﵁- أراد وعيدا ليبين أن العلم بدون عمل لا أجر فيه، حتى يعمل به فينال الأجر من الله -﷿-، ومعلوم أن من لم يعمل بما علم من الحق فيه شبه من اليهود، وسيعاقب على ذلك؛ لأن العالم يسأل عن علمه ماذا عمل
_________________
(١) رجاله ثقات، وفيه انقطاع بين يزيد ومعاذ.
(٢) من الآية (٢٩) من سورة الكهف.
[ ١ / ٤٤٥ ]
به، وأن من لم يعمل بعلمه هو والجاهل سواء أو هو من السفهاء، إذ لم ينتفع بعلمه وكان حجة عليه، فليس هو من أهله على الحقيقة.
ما يستفاد:
* وجوب العمل بالعلم وإخلاصه لله -﷿-، وأن من لم يعمل بعلمه ففيه شبهٌ من اليهود والنصارى.
* الوعيد لمن لا يعمل بعلمه.
* أن أجر العلم مرتبط بالنية والقصد.
* أن العالم يسأل عن علمه ما ذا عمل به.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٧٠ - (١٠) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدِ بْنِ حَازِمٍ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ قَالَ: " سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، يُحَدِّثُ عَنْ سَعْدٍ: أَنَّهُ أَتَى ابْنَ مُنَبِّهٍ فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَسَنِ، وَقَالَ لَهُ: كَيْفَ عَقْلُهُ؟، فَأَخْبَرَهُ ثُمَّ قَالَ: إِنَّا لَنَتَحَدَّثُ أَوْ نَجِدُهُ فِي الْكُتُبِ: أَنَّهُ مَا آتَى اللَّهُ عَبْدًا عِلْمًا فَعَمِلَ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الْهُدَى فَيَسْلُبَهُ عَقْلَهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ " (^١).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدِ بْنِ حَازِمٍ، هو الرملي أحد أصحاب مالك، مقلّ وليس بهبأس، والْوَلِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ، هو أبو العباس البيروتي، ثبت في الأوزاعي، إمام ثقة، وعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، هو الداراني أبو عتبة، أخو يَزِيدَ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، إمام ثقة روى له الستة.
_________________
(١) سنده حسن، وانظر: القطوف رقم (١٧٥/ ٢٦٨).
[ ١ / ٤٤٦ ]
قوله: «سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، يُحَدِّثُ عَنْ سَعْدٍ: أَنَّهُ أَتَى ابْنَ مُنَبِّهٍ».
خالف أيوب بن سويد الرملي الوليدَ فقال: " حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أخيه، يزيد قال: لقيت وهب بن منبه بالموسم فقال لي: ألك عهد بالحسن بن أبي الحسن؟ فقلت له: نعم، فقال: هل أنكرتم من عقله شيئا؟، فقال: لا، (^١).
والجواب عن هذا أن الوليد صرح بالسماع من عبد الرحمن بن يزيد، وهو يحدث عن سعد، ثم وقع ليزيد بن يزيد أخو عبد الرحمن أن لقي وهب بن منبه في الموسم فسأله عن الحسن البصري، فصار لعبد الرحمن شيخان في الرواية رجل يقال له: سعد، ووهب بن منبه، واتضح بذلك مخالفة أيوب للوليد.
قوله: «يُحَدِّثُ عَنْ سَعْدٍ: أَنَّهُ أَتَى ابْنَ مُنَبِّهٍ فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَسَنِ».
سعد المذكور مجهول، يؤيد هذا قول البيهقي ﵀: " عن رجل يقال له سعد " (^٢).
والحسن هو البصري ﵀.
قوله: «وَقَالَ لَهُ: كَيْفَ عَقْلُهُ؟».
المراد بعد أن كبر سنه، هل تغير عقله بسبب ذلك.
_________________
(١) الزهد لأحمد حديث (١٥٢٢).
(٢) شعب الإيمان حديث (١٧٤٠).
[ ١ / ٤٤٧ ]
قوله: «فَأَخْبَرَهُ ثُمَّ قَالَ: إِنَّا لَنَتَحَدَّثُ أَوْ نَجِدُهُ فِي الْكُتُبِ: أَنَّهُ مَا آتَى اللَّهُ عَبْدًا عِلْمًا فَعَمِلَ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الْهُدَى فَيَسْلُبَهُ عَقْلَهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ».
هذا ثناء على الحسن ﵀ أنه من العلماء العاملين بعلمهم، ومن كان هذا حاله على سبيل الهدى فإنه وإن كبر سنه فإن الله -﷿- يحفظ قواه العقلية، وهذا رد جميل، ولكنه ليس مطردا في كل أحد، ولعله أراد نفي ذهاب العقل، ولكن كم من العلماء العاملين من قيل عنه: تغير بأخرة، أي: أصابه ضعف الذاكرة، فقلّ حفظه، وقد قال الله -﷿-: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ (^١).
وكم من عالم طال عمره وحفظه الله من ذلك.
وفيما قال إشارة إلى أهمية العلم والعمل به.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٧١ - (١١) أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي
يُونُسُ بْنُ سَيْفٍ (^٢) الْحِمْصِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو كَبْشَةَ السَّلُولِيُّ قَالَ: " سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ -﵁- يَقُولُ: إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمًا لَا يَنْتَفِعُ بِعِلْمِهِ " (^٣).
_________________
(١) من الآية (٧٠) من سورة النحل، ومن الآية (٥) من سورة الحج.
(٢) كتب في هامش (ت) يوسف بن سيف.
(٣) فيه عبد الغفار بن القاسم أبو مريم الأنصاري: ليس بثقة، قال علي بن المديني: كان يضع الحديث (الميزان ٣/ ٣٥٤) والمعنى صحيح لا غبار عليه، وانظر: القطوف رقم (١٧٦/ ٢٦٩).
[ ١ / ٤٤٨ ]
رجال السند:
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، إمام ثقة تقدم، وابْنُ الْقَاسِمِ بْنِ قَيْسٍ، هو عبد الغفار ابن القاسم، أبو مريم الغفاري، شيعي ضعيف، ليس له عند الدارمي سوى هذا، ويقبل لكونه في الترغيب، ويُونُسُ بْنُ سَيْفٍ الْحِمْصِيُّ، هو الكلاعي صالح الحديث، وأَبُو كَبْشَةَ السَّلُولِيُّ، اسمه كنيته، تابعي ثقة، وأَبو الدَّرْدَاءِ، هو عويمر -﵁-.
الشرح:
«قوله: إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمًا لَا يَنْتَفِعُ بِعِلْمِهِ».
هذا تحذير من عدم العمل بالعلم؛ لأن العالم يسأل عن علمه يوم القيامة ما ذا عمل به، ولأن خطره يَلْحق من يقتدي به من الناس، فيكون قدوة في ترك العمل بما علم. وهذا يؤكد ما سبق في أهمية العمل بالعلم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٧٢ - (١٢) أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو قُدَامَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ
قَالَ: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ -﵁-: " مَنْ يَزْدَدْ عِلْمًا يَزْدَدْ وَجَعًا ".
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: "مَا أَخَافُ عَلَى نَفْسِي أَنْ يُقَالَ لِي مَا عَلِمْتَ؟ وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ يُقَالَ لِي مَاذَا عَمِلْتَ؟ " (^١).
_________________
(١) سنده حسن، وفيه انقطاع بين ملك بن دينار وأبي الدرداء، وانظر: القطوف رقم (١٧٧/ ٢٧٠).
[ ١ / ٤٤٩ ]
رجال السند:
عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، هو الواسطي إمام ثقة تقدم، وأَبُو قُدَامَةَ، هو الحارث ابن عبيد الإيادي، من شيوخ عبد الرحمن بن مهدي أثنى عليه، صدوق روى له مسلم في الصحيح، والبخاري في الشواهد، ومَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، هو أبو يحيى البصري، تابعي زاهد ورع، إمام ثقة، وأَبُو الدَّرْدَاءِ -﵁-.
الشرح:
قوله: «مَنْ يَزْدَدْ عِلْمًا يَزْدَدْ وَجَعًا».
لأنه ازداد فهما للمسئولية العلمية، وما يترتب عليها من الثواب والعقاب، قال الله -﷿-: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (^١)، فالآية فيها بيان أن كل الأمثال في القرآن الكريم المراد منها تنبيه الناس ليتعظوا منها؛ لأنها تقرب لهم ما حدث بالأمم حتى كأنه رأي العين لمن يتدبر الأمور فيها ويعقل مراميها، ولا يكون ذلك إلا للعالمين المتبصرين.
قَوله: «مَا أَخَافُ عَلَى نَفْسِي أَنْ يُقَالَ لِي مَا عَلِمْتَ؟ وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ يُقَالَ
لِي مَاذَا عَمِلْتَ؟».
هذا فهم أبو الدرداء -﵁-، فالله -﷿- لم يوجب على الناس أن يكونوا علماء، بعد أن أو جب عليهم معرفته وتوحيده -ﷻ-، فلم يخف أبو الدرداء -﵁- أن يسأل لِمَ لَمْ تكن عالما؟، وإنما خاف أن يقال ماذا علمت؛ لأن من لوازم العلم العمل، ومن لوازم العمل الخوف والخشية، قال الله -﷿-: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ
_________________
(١) الآية (٤٣) من سورة العنكبوت.
[ ١ / ٤٥٠ ]
مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^١)؛ لأنهم اعتبروا بما علموا، واستيقنوا قيام الحجة بذلك، فحصّلوا الخشية من الله -﷿-؛ لأن خشية من يعلم ذلك ويؤمن به أعظم من خشية من لا يعلم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٧٣ - (١٣) أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ جُرَيْجٍ يَذْكُرُ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ (^٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "تَدَارُسُ الْعِلْمِ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ خَيْرٌ مِنْ إِحْيَائِهَا " (^٣). وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ -﵁-: " إِنِّي لأُجَزِّئُ اللَّيْلَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَثُلُثٌ أَنَامُ، وَثُلُثٌ أَقُومُ، وَثُلُثٌ أَتَذَكَّرُ أَحَادِيثَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- " (^٤).
رجال السند:
هَارُونُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، هو الأشعري صدوق تقدم، وحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، إمام
ثقة تقدم، وابْنُ جُرَيْجٍ، هو عبد الملك بن عبد العزيز، ثبت في عطاء بن أبي رباح، إمام ثقة يدلس ويرسل، روى له الستة، والواسطة بينه وبين ابن عباس هو عطاء بن أبي رباح، وهو إمام ثقة، وابْنُ عَبَّاسٍ، هو عبد الله ﵄.
قوله: «تَدَارُسُ الْعِلْمِ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ خَيْرٌ مِنْ إِحْيَائِهَا».
_________________
(١) من الآية (٢٨) من سورة فاطر.
(٢) الذي حدثه هو عطاء.
(٣) سنده حسن، وقد تبين من رواية البيهقي في المدخل أن الواسطة بين ابن جريج وابن عباس هو عطاء، وانظر: القطوف رقم (١٧٨/ ٢٧١).
(٤) موصول بالسند السابق.
[ ١ / ٤٥١ ]
لما في ذلك من النفع العام، وإحياء الليل قاصر أجره على المحيي.
قوله: «وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ -﵁-: إِنِّي لأُجَزِّئُ اللَّيْلَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَثُلُثٌ أَنَامُ، وَثُلُثٌ أَقُومُ، وَثُلُثٌ أَتَذَكَّرُ أَحَادِيثَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-». هو موصول بالسند السابق، وأسنده الدارقطني ﵀ عن أبي هريرة بلفظ " لأن أجلس ساعة فأفقه أحب إلي من أن أحيي ليلة إلى الغداة " (^١)، وهذا منهج أبي هريرة -﵁-، وحبذا العمل لمن أعانه الله ووفقه.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٧٤ - (١٤) أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: " مَنِ ابْتَغَى شَيْئًا مِنَ الْعِلْمِ يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ آتَاهُ اللَّهُ مِنْهُ مَا يَكْفِيهِ" (^٢).
رجال السند:
الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، هو العبدي أبو علي المؤدب، إمام لابأس به، وجَرِيرٌ، هو ابن عبد الحميد إمام ثقة تقدم، الْحَسَنُ بْنُ عَمْرٍو، هو الفقيمي أخو
الفضيل، إمام ثقة، وإِبْرَاهِيمُ، هو النخعي إمام ثقة تقدم.
الشرح:
قوله: «مَنِ ابْتَغَى شَيْئًا مِنَ الْعِلْمِ يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ آتَاهُ اللَّهُ مِنْهُ مَا يَكْفِيهِ». المراد من طلب العلم بإخلاص حقق الله -﷿- له من العلم بقدر اهتمامه ورغبته، ولذلك تفاوتت درجات الناس في تحصيل العلم، وتراهم يتفاوتون في الأعمال، وقد عاصرت نخبة من العلماء في الجامعة الإسلامية كان منهم
_________________
(١) الدارقطني حديث (٣٠٨٥).
(٢) سنده حسن، وانظر: القطوف رقم (١٧٩/ ٢٧٢).
[ ١ / ٤٥٢ ]
جبال في العلم، وكان شرازهم في العلم والعمل شيخنا عبد العزيز ابن باز ﵀، وكان يثني على شيخنا محمد الأمين الشنقيطي مؤلف أضواء البيان ﵀، وقد ذكرت شيوخي الذين تعلمت منهم من الابتدائي حتى حصلت على شهادة العالمية العالية" الدكتوراه" وهم متفاوتون في العلم والعمل، وذلك في كتابي" ظروف وحروف" ﵏ جميعا، وجمعني بهم في الفردوس الأعلى من الجنة، إنه على كل شيء قدير.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: