٢٧٥ - (١) أَخْبَرَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، ثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ قَالَ: سَأَلْتُ الشَّعْبِيَّ، عَنْ حَدِيثٍ فَحَدَّثَنِيهِ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُرْفَعُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: " لَا، عَلَى مَنْ دُونَ النَّبِيِّ -ﷺ- أَحَبُّ إِلَيْنَا، فَإِنْ كَانَ فِيهِ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ كَانَ عَلَى مَنْ دُونَ النَّبِيِّ -ﷺ- " (^١).
رجال السند:
أَبُو النُّعْمَانِ، هو محمد بن الفضل عارم إمام ثقة تقدم، ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ، هو
الأحول إمام ثقة تقدم، وعَاصِمٌ، هو ابن سليمان إمام ثقة تقدم، والشَّعْبِيُّ، هو عامر إمام ثقة تقدم.
الشرح:
قوله: «فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُرْفَعُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: " لَا، عَلَى مَنْ دُونَ النَّبِيِّ -ﷺ- أَحَبُّ إِلَيْنَا، فَإِنْ كَانَ فِيهِ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ كَانَ عَلَى مَنْ دُونَ النَّبِيِّ -ﷺ-». المراد أن الحديث الذي حدثه ليس مرفوعا إلى النبي -ﷺ-، بل موقوف على
_________________
(١) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (١٨٠/ ٢٧٣).
[ ١ / ٤٥٣ ]
من دون النبي -ﷺ-، وقد نحا الشعبي ﵀ إلى هذا حماية لجناب النبي -ﷺ- من أن يكون في المروي زيادة في اللفظ، أونقصان منه، فحمْله على من هو دون النبي -ﷺ- أولى.
قال الخطيب ﵀: اختلاف الروايتين في الرفع والوقف لا يؤثر في الحديث ضعفا، لجواز أن يكون الصحابي يسند الحديث مرة ويرفعه إلى النبي -ﷺ-، ويذكره مرة أخرى على سبيل الفتوى ولا يرفعه، فيحفظ الحديث عنه على الوجهين جميعا، وقد كان سفيان بن عيينة يفعل هذا كثيرا في حديثه، فيرويه تارة مسندا مرفوعا، ويقفه مرة أخرى قصدا واعتمادا، وإنما لم يكن هذا مؤثرا في الحديث ضعفا، مع ما بيناه؛ لأن إحدى الروايتين ليست مكذبة للأخرى، والأخذ بالمرفوع أولى (^١).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٧٦ - (٢) أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ. فَقِيلَ لَهُ: أَمَا
تَحْفَظُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَدِيثًا غَيْرَ هَذَا؟، قَالَ: بَلَى وَلَكِنِّي أَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ عَلْقَمَةُ: أَحَبُّ إِلَيَّ " (^٢).
رجال السند: إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، هو ابن الطباع أبو يعقوب البغدادي أخو محمد صدوق، وحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، هو الجهضمي إمام ثقة تقدم، وأَبو هَاشِمٍ، هو يحيى الرماني، واسطي ثقة، وإِبْرَاهِيمُ، هو النخعي تقدم.
_________________
(١) الكفاية في علم الرواية ١/ ٤١٧.
(٢) سنده حسن، وأخرجه البخاري من حديث أنس -﵁- حديث (٢٢٠٧).
[ ١ / ٤٥٤ ]
الشرح:
قوله: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ».
المحاقلة هي: بيع الحنطة في سنبلها بحنطة صافية، وهي المحاقلة، مأخوذة من الحقل وهو الحرث، وأجمعوا على تحريم ذلك، وقيل هي: بيع الزرع قبل بدو صلاحه، وقيل: بيع الزرع في سنبله بالحنطة، وقيل: المزارعة على نصيب معلوم بالثلث أو الربع أو أقل من ذلك أو أكثر، وقيل اكتراء الأرض بالحنطة.
والمزابنة هي: مشتقة من الزبن وهو المخاصمة والمدافعة، وهي بيع ثمر النخل بالتمر كيلًا. وبيع الزبيب بالعنب كيلًا، وعن كل ثمر بخرصه، وقد أتفق العلماء على تحريم بيع الرطب بالتمر في غير العرايا، وأنه ربًا. وأجمعوا أيضًا على تحريم بيع العنب بالزبيب.
«فَقِيلَ لَهُ: أَمَا تَحْفَظُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَدِيثًا غَيْرَ هَذَا؟، قَالَ: بَلَى وَلَكِنِّي أَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ عَلْقَمَةُ: أَحَبُّ إِلَيَّ».
هذا تحفّظ من إبراهيم النخعي ﵀، من الزلل فيما ينسب للرسول -ﷺ- فيتوقى ذلك بأن يقول: قال عبد الله بن مسعود، أو قال علقمة بن قيس.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
[ ١ / ٤٥٥ ]
٢٧٧ - (٣) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: " كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ -﵁- إِذَا حَدَّثَ بِحَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: هَذَا أَوْ نَحْوَهُ، أَوْ شِبْهَهُ (^١) أَوْ شَكْلَهُ " (^٢).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، هو ابن أبي عطاء، ضُعّف في الأوزاعي ومعمرٌ تقدم، والأَوْزَاعِيُّ، إمام ثقة تقدم، وإِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، هو ابن أبي المهاجر ثقة مأمون، وأَبُو الدَّرْدَاءِ -﵁-.
الشرح:
هذا يؤيد ما تقدم وهو من الاحتراز في الرواية عن رسول الله -ﷺ-، والتحفظ من الزلل.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٧٨ - (٤) أَخْبَرَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: " كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ -﵁- إِذَا حَدَّثَ حَدِيثًا قَالَ: اللَّهُمَّ إِلاَّ هَكَذَا، أَوْ كَشَكْلِهِ " (^٣).
رجال السند:
أَسَدُ بْنُ مُوسَى، هو أسد السنة إمام ثقة تقدم، ومُعَاوِيَةُ، هو ابن صالح صدوق، ورَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ، هو أبو شعيب إمام ثقة تقدم، وأَبُو الدَّرْدَاءِ -﵁-.
_________________
(١) في (ك) أو سبيه به، وزاد في هامش (ك) أو مثله بدلا من (شكله).
(٢) فيه محمد بن كثير بن أبي عطاء الثقفي: صدوق كثير الغلط، وفيه انقطاع بين إسماعيل وأبي الدرداء.
(٣) سنده حسن، وفيه انقطاع بين ربيعة وأبي الدرداء -﵁-، وانظر: القطوف رقم (١٨٣/ ٢٧٦).
[ ١ / ٤٥٦ ]
الشرح: انظر السابق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٧٩ - (٥) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُسْلِمٍ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: " كُنْتُ لَا تَفُوتُنِي عَشِيَّةُ خَمِيسٍ إِلاَّ آتِي فِيهَا (^١) عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، فَمَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ لِشَيْءٍ قَطُّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى كَانَتْ ذَاتَ عَشِيَّةٍ فَقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: فَاغْرَوْرَقَتَ (^٢) عَيْنَاهُ وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ (^٣)، فَأَنَا رَأَيْتُهُ مَحْلُولَةً أَزْرَارُهُ. قَالَ: أَوْ مِثْلُهُ أَوْ نَحْوُهُ أَوْ شَبِيهٌ بِهِ " (^٤).
رجال السند:
عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، هو ابن فارس إمام ثقة تقدم، وابْنُ عَوْنٍ، إمام ثقة تقدم، ومُسْلِمٌ أَبو عَبْدِ اللَّهِ، هو البطين إمام ثقة تقدم، وإِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، هو ابن
يزيد بن شريك، إمام ثقة مات في سجن الحجاج، وأَبِوه هو يزيد بن شريك التيمي، مخضرم من كبار التابعين، من أصحاب ابن مسعود، ثقة إمام روى له الستة، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، هو الأودي أبو عبد الله، مخضرم ثقة لازم معاذا ثم ابن مسعود، وعَبْدُ اللَّهِ ابْنُ مَسْعُودٍ -﵁-.
الشرح: انظر ما تقدم.
_________________
(١) استدركت في هامش (ت).
(٢) في الأصول (فاغرورقتا) وصوبت في هامش (ت) والمعنى: غرقتا بالدمع (النهاية (٣/ ٣٦١).
(٣) واحدها ودج، وهي ما أحاط بالعنق من العروق (النهاية ٥/ ١٦٥).
(٤) أخرجه ابن ماجة: المقدمة، حديث (٢٣).
[ ١ / ٤٥٧ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٨٠ - (٦) أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَ أَشْعَثُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ: " أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ -﵁- كَانَ إِذَا حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي الأَيَّامِ تَرَبَّدَ وَجْهُهُ وَقَالَ: هَكَذَا أَوْ نَحْوَهُ، هَكَذَا أَوْ نَحْوَهُ " (^١).
رجال السند:
يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وأَشْعَثُ بن سوار، والشَّعْبِيُّ، وَابْنُ سِيرِينَ، هم أئمة ثقات تقدموا، وابْنُ مَسْعُودٍ -﵁-.
الشرح:
قوله: «إِذَا حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي الأَيَّامِ تَرَبَّدَ وَجْهُهُ».
المراد في المغازي والسيرة، يتغير وجهه، إما تذكرا لرسول الله -ﷺ- وقد كان صاحبه ورفيقه، وإما خوفا من الزلل، وإما لهما، وكل ذلك يليق بالهيبة من رسول الله -ﷺ- حيا وميتا.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٨١ - (٧) أَخْبَرَنَا سَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ، ثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا تَوْبَةُ الْعَنْبَرِيُّ قَالَ: قَالَ
لِيَ الشَّعْبِيُّ: " أَرَأَيْتَ فُلَانًا الَّذِي يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، قَعَدْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةً وَنِصْفًا فَمَا سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- شَيْئًا إِلاَّ هَذَا الْحَدِيثَ " (^٢).
_________________
(١) فيه أشعث بن سوار: ضعيف، وانظر سابقه.
(٢) سنده حسن، ويأتي نحوه عن مجاهد ﵀، أنظر رقم (٢٨٩). والمراد بالحديث حديث الضب أخرجه مسلم حديث (١٩٥٠، ١٩٥١).
[ ١ / ٤٥٨ ]
رجال السند:
سَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ، هو أبو عتاب العنقزي، لابأس به من رجال مسلم في صحيحه، وشُعْبَةُ، إمام ثقة تقدم، وتَوْبَةُ الْعَنْبَرِيُّ، هو ثقة من أصحاب الشعبي، روى حديثه الشيخان في الصحيح، والشَّعْبِيُّ، غني عن التعريف تقدم كثيرا.
الشرح:
قوله: «أَرَأَيْتَ فُلَانًا الَّذِي يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، قَعَدْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةً وَنِصْفًا فَمَا سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- شَيْئًا إِلاَّ هَذَا الْحَدِيثَ».
المراد حديث الضب، والذي يقول ذلك هو الحسن البصري ﵀، إتحاف المهرة لابن حجر (^١)، وفي هذا نظر؛ لأن الشعبي والحسن رحمهما الله قرينان تابعيان كبيران، عالمان جليلان، ومعلوم أن ابن عمر ﵄ من الكثرين في رواية الحديث، استغرب أن يجالسه الشعبي سنتين ولا يسمع منه إلا حديث الضب، وأيضا استغرب الانكار على الحسن وهو من هو في العلم وقرين الشعبي، وقد قال رسول الله -ﷺ-: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار» (^٢)، فإن كان إنكار الشعبي ﵀ على الحسن كثرة
_________________
(١) / ٤٨٥.
(٢) البخاري حديث (٣٤٦١).
[ ١ / ٤٥٩ ]
الإرسال، فكذلك الشعبي ﵀ لم يسلم من ذلك، ولهما العذر بما سبق بيانه في حكم من تعمد الإرسال.
ولعل ما ذكر الشعبي ﵀ كان عقب وفاة رسول الله -ﷺ- وقد كان عمر شديد على من ينقل شيئا عن رسول الله -ﷺ-، خوفا التصرف في الألفاظ، وقصة عمر مع أبي موسى الأشعر في الاستئذا، واختبار أبي هريرة معروفة (^١).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٨٢ - (٨) أَخْبَرَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: " جَالَسْتُ ابْنَ عُمَرَ سَنَةً فَلَمْ أَسْمَعْهُ يَذْكُرُ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- " (^٢).
رجال السند:
أَسَدُ بْنُ مُوسَى، هو أسد السنة، وشُعْبَةُ، هو بن الحجاج، هما إمامان ثقتان تقدما، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ، هو الهمداني من أصحاب الشعبي، ثقة غير مكثر، وروى له الشيخان، والشَّعْبِيُ تقدم آنفا. وانظر السابق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٨٣ - (٩) أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ قُطْبَةَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: " كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُنَا فِي الشَّهْرِ بِالْحَدِيثَيْنِ أَوِ الثَّلَاثَةِ " (^٣).
_________________
(١) مسلم حديث (٢١٥٣).
(٢) سنده حسن.
(٣) فيه ثابت بت قطبة: سكت عنه أبو حاتم (الجرح والتعديل ٢/ ٤٥٧) وذكره ابن حبان في (الثقات ٤/ ٩٢).
[ ١ / ٤٦٠ ]
رجال السند:
عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ، هو أبو عمرو اليربوعي، لابأس به روى حديثه الشيخان، وأَبُو بَكْرٍ، هو ابن عياش ثقة تقدم، وأَبو حَصِينٍ، هو عثمان ابن عاصم الكوفي، ثبت في عمرو بن مرة، إمام ثقة، والشَّعْبِيُّ، إما ثقة تقدم، وثَابِتُ ابْنُ قُطْبَةَ الأَنْصَارِيِّ، من أصحاب ابن مسعود، ثقة من أفراد الدارمي، ولم يرو له أصحاب الستة.
الشرح:
المراد أنه يُقِل الحديث عن رسول الله -ﷺ- خوف الزلل بزيادة أو نقص، وإن لم يكن، فالمراد التخول بالموعظة، ليكون ذلك أيسر لحفظ السامع ووعيه لما سمع.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٨٤ - (١٠) أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَنْبَأَ يُونُسُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: مَرَّ بِنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَقُلْنَا: حَدِّثْنَا بِبَعْضِ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: وَأَتَحَلَّلُ (^١).
رجال السند:
عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، هو ابن فارس إمام ثقة تقدم، ويُونُسُ، هو ابن يزيد الأيلي، أبو يزيد القرشي، لابأس به، روى له الستة، وعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُبَيْدٍ،
_________________
(١) فيه عبد الملك بن عبيد: سكت عنه أبو حاتم (الجرح والتعديل ٥/ ٣٥٨) وذكره ابن حبان في (الثقات ٥/ ١٢٠).
[ ١ / ٤٦١ ]
هو من أفراد الدارمي، سكت عنه الإمامان ووثقه ابن حبان فلابأس، وأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ -﵁-.
المراد بقوله: " وَأَتَحَلَّلُ ".
يكون في حل من عهدة النقل، والتحفظ من الزيادة أو النقص.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٨٥ - (١١) حَدثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: كَانَ أَنَسٌ -﵁- قَلِيلَ الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَكَانَ إِذَا حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (^١).
رجال السند:
سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، هو ابن بجيل، وحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وابْنُ عَوْنٍ، ومُحَمَّدٌ، هو ابن سيرين، هم أئمة ثقات تقدموا، وأَنَسٌ، هو ابن مالك -﵁-.
تقدم ذكر أن هذا من التحفظ والحرص من النقص أو الزيادة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٨٦ - (١٢) أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ
مُحَمَّدٍ قَالَ: " كَانَ أَنَسٌ -﵁- إِذَا حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَدِيثًا قَالَ: أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- " (^٢).
رجال السند: عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ (^٣)، هو ابن أبي شيبة إمام ثقة، وإِسْمَاعِيلُ، هو ابن مقسم يعرف بابن عليه، أبو بشر الأسدي، إمام ثقة روى له الستة،
_________________
(١) رجاله ثقات.
(٢) رجاله ثقات، وانظر سابقه.
(٣) في (ت، ك) عمر.
[ ١ / ٤٦٢ ]
وأَيُّوبُ، هو السختياني إمام ثقة تقدم، ومُحَمَّدُ، هو ابن سيرين تقدم آنفا، وأَنَسٌ -﵁-. وتقدم بيان السبب في قوله: أو كما قال -ﷺ-.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٨٧ - (١٣) حَدثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: " حَدَّثَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ سَعْدٍ -﵁- إِلَى مَكَّةَ فَمَا سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ " (^١).
رجال السند:
سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، ويَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، هم أئمة ثقات تقدموا، والسَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ صحابي ذكر في أسد الغابة، والإصابة، وهو صحابي صغير ابن صحابيين حج به أبوه وأمه مع النبي، -ﷺ- في حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، ويقال: ابن عشر سنين (^٢)، سَعْدٌ، هو ابن
أبي وقاص -﵁-.
الشرح: انظر ما تقدم وكله من التحفظ.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٨٨ - (١٤) أَخْبَرَنَا سَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ، ثَنَا شُعْبَةُ، ثَنَا بَيَانٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ قَرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ: " أَنَّ عُمَرَ -﵁- شَيَّعَ الأَنْصَارَ حِينَ خَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: أَتَدْرُونَ لِمَ شَيَّعْتُكُمْ؟ قُلْنَا: لِحَقِّ الأَنْصَارِ، قَالَ: إِنَّكُمْ تَأْتُونَ قَوْمًا
_________________
(١) رجاله ثقات، وأخرجه ابن ماجة: المقدمة، حديث (٢٩).
(٢) انظر الإصابة في تمييز الصحابة (٣/ ٢٢) وأسد الغابة (٢/ ٤٠١) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (١٤/ ١٢٠).
[ ١ / ٤٦٣ ]
تَهْتَزُّ أَلْسِنَتُهُمْ بِالْقُرْآنِ اهْتِزَازَ النَّخْلِ (^١)، فَلَا تَصُدُّوهُمْ بِالْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَنَا شَرِيكُكُمْ، قَالَ: فَمَا حَدَّثْتُ بِشَيْءٍ وَقَدْ سَمِعْتُ كَمَا سَمِعَ أَصْحَابِي" (^٢).
رجال السند:
سَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ، هو العنقزي لابأس به تقدم، وشُعْبَةُ، إمام ثقة تقدم، وبَيَانٌ، هو ابن بشر إمام ثقة تقدم، والشَّعْبِيُّ، إمام ثقة تقدم، وقَرَظَةُ بْنُ كَعْبٍ، هو أبو عمرو الأنصاري صحابي، كان ممن فتح الري -﵁-، وعُمَرَ، هو ابن الخطاب -﵁-.
الشرح:
هذا رأي عمر في نقل السنة كان شديد التحفظ على الرواية، والحاجة إلى
العناية بالقرآن وفهمه، أولى من مزاحمة السنة له في ذلك الوقت، وطمأنهم بأنه شريك لهم فيما نهاهم عنه، حتى لا يقع في أنفسهم التأثم من عدم الحديث عن رسول الله -ﷺ-.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٨٩ - (١٥) أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأ أَشْعَثُ (^٣)، عَنِ الشَّعْبيِّ، عَنْ قَرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: " بَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رِضْوَانُ الله عَلَيْهِ رَهْطًا مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى الْكُوفَةِ فَبَعَثَنِي مَعَهُمْ، فَجَعَلَ يَمْشِي مَعَنَا حَتَّى أَتَى صِرَارَ -
_________________
(١) هكذا في هامش الأصل وعليها الرمز (ح) وفي (ت) وفي صلب الأصل" النخل" ولا أراه صوابا فتشبيه حركة الألسنة بحركة النحل أولى، وتؤيده رواية المصنف رقم (٥).
(٢) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (١٨٧/ ٢٨٦).
(٣) في (ك) علق في الهامش" شعيب".
[ ١ / ٤٦٤ ]
وَصِرَارُ مَاءٌ فِي طَرِيقِ الْمَدِينَةِ -، فَجَعَلَ يَنْفُضُ الْغُبَارَ عَنْ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكُمْ تَأْتُونَ الْكُوفَةَ فَتَأْتُونَ قَوْمًا لَهُمْ أَزِيزٌ بِالْقُرْآنِ فَيَأْتُونَكُمْ، فَيَقُولُونَ: قَدِمَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ قَدِمَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ فَيَأْتُونَكُمْ فَيَسْأَلُونَكُمْ عَنِ الْحَدِيثِ، فَاعْلَمُوا أَنَّ أَسْبَاغَ الْوُضُوءِ ثَلَاثٌ، وَثِنْتَانِ تُجْزِيَانِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكُمْ تَأْتُونَ الْكُوفَةَ فَتَأْتُونَ قَوْمًا لَهُمْ أَزِيزٌ بِالْقُرْآنِ، فَيَقُولُونَ: قَدِمَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ قَدِمَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ فَيَأْتُونَكُمْ يَسْأَلُونَكُمْ عَنِ الْحَدِيثِ، فَأَقِلُّوا الرِّوَايَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَنَا شَرِيكُكُمْ فِيهِ، قَالَ قَرَظَةُ: وَإِنْ كُنْتُ لأَجْلِسُ فِي الْقَوْمِ فَيَذْكُرُونَ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِنِّي لَمِنْ أَحْفَظِهِمْ لَهُ، فَإِذَا ذَكَرْتُ وَصِيَّةَ عُمَرَ رِضْوَانُ الله عَلَيْهِ سَكَتُّ ".
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: " مَعْنَاهُ عِنْدِي الْحَدِيثُ عَنْ أَيَّامِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَيْسَ السُّنَنَ وَالْفَرَائِضَ" (^١).
_________________
(١) فيه أشعث بن سوار: ضعيف ويتقوى بما سبق. وقول أبي محمد الدارمي يزيل توهم إطلاق المنع من الحديث، بل المراد ما يخص أيام الرسول -ﷺ- فالناس عهدهم بالنبوة قريب، ويتشوفون إلى الحديث عن أحداثها، أما ما يتعلق بالحلال والحرام والفرائض والسنن فلا يمنعه عمر -﵁-.
[ ١ / ٤٦٥ ]
رجال السند:
يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وأَشْعَثُ، والشَّعْبيُّ، هم أئمة ثقات تقدموا قريبا، وقَرَظَةَ ابْنِ كَعْبٍ -﵁-.
الشرح:
انظر السابق، وقول الدارمي: «مَعْنَاهُ عِنْدِي الْحَدِيثُ عَنْ أَيَّامِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَيْسَ السُّنَنَ وَالْفَرَائِضَ».
المراد نهي عمر -﵁- ليس المراد منه النهي عن أحاديث السنن والفرائض، فذاك أمر مطلوب ومن أجله بعثهم عمر -﵁-، يؤيد هذا أن رسول الله -ﷺ- لما بعث معاذا -﵁- إلى اليمن قال: «إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم وإذا فعلوها فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم فترد على فقرائهم فإذا أطاعوا بهذا فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس» (^١)، إذن عمر -﵁- أراد نهيهم عن الحديث عن الغزوات، ولا ريب أن ذلك يصرف عن الأهم، وقد أحسن الدارمي ﵀ في هذا البيان، وسيأتي مزيد بيان في باب البلاغ عن رسول الله -ﷺ-.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٩٠ - (١٦) أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ
مِغْوَلٍ، عَنِ الشَّعْبيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: " قَالَ عَبْدُ اللَّهِ -﵁-: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ثُمَّ ارْتَعَدَ، ثُمَّ قَالَ: نَحْوَ ذَلِكَ، أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ " (^٢).
رجال السند:
مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، هو الخوارزمي ثقة تقدم، وابْنُ نُمَيْرٍ، هو عبد الله إمام ثقة تقدم، ومَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، سكت عنه الإمامان، ووثقة ابن حبان فلابأس به، والشَّعْبيُّ، تقدم آنفا، وعَلْقَمَةُ، هو ابن قيس إمام ثقة تقدم، قَالَ: وعَبْدُ اللَّه، ابن مسعود -﵁-.
_________________
(١) ابن حبان حديث (١٥٦).
(٢) رجاله ثقات، وانظر الآثار (٢٧٥ - ٢٧٨).
[ ١ / ٤٦٦ ]
الشرح:
تقدم نحو هذا وذلك من هيبة النقل عن رسول الله -ﷺ-.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٩١ - (١٧) أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: " صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِحَدِيثٍ إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ، فَقَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرًا مِثْلَ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ» فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ فَسَكَتُّ، فَقَالَ عُمَرُ رِضْوَانُ الله عَلَيْهِ: وَدِدْتُ أَنَّكَ قُلْتَ وَعَلَىَّ كَذَا " (^١).
رجال السند:
بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، هو إمام ثقة تقدم، وسُفْيَانُ، هو ابن عيينة إمام ثقة تقدم، وابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، هو عبد الله إمام ثقة تقدم، ومُجَاهِدٌ، هو ابن جبر إمام فقيه تقدم، وابْنُ عُمَرَ، هو عبد الله ابن عمر بن الخطاب ﵃.
الشرح:
قوله: «فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ، قَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرًا مِثْلَ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ» فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ فَسَكَتُّ، فَقَالَ عُمَرُ رِضْوَانُ الله عَلَيْهِ: وَدِدْتُ أَنَّكَ قُلْتَ وَعَلَىَّ كَذَا».
_________________
(١) رجاله ثقات، وأخرجه البخاري حديث (٧٢) ومسلم حديث (٦٤) واللفظ المتفق عليه من حديث ابن عمر أيضا: البخاري حديث (٦١) ومسلم حديث (٢٨١١) وأنظر: (اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان حديث ١٧٩٢).
[ ١ / ٤٦٧ ]
الجمار هو قلب النخل لونه ابيض كالشحم، يستخرج ويوكل وفيه حلاوة، ذكرها مثلا للمسلم لطيبها ومنافعها للناس، عرف ابن عمر أنها النخلة ومنعه من قول ذلك احترامه لمن هو أكبر سنا، وتمنى أبوه عمر -﵁- أن لو قال ذلك لما فيه من ذكاء وفطنة مع صغر سن ابن عمر ﵄.
ما يستفاد:
* جواز أكل الجمار، وهو قلب النخلة.
* النخلة شجرة طيبة ومنافعها كثيرة ولذلك شُبه الرجل المسلم بها.
* ذكرها الله -﷿- مثلا للكلمة الطيبة فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ (^١)، فكذلك الرجل المسلم ينبغي له أن يكن
كالنخلة شجرة طيبة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٩٢ - (١٨) أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، ثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْهَدَادِيّ، حَدَّثَنَا صَالِحٌ الدَّهَّانُ قَالَ: مَا سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولَ قَطُّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِعْظَامًا وَاتِّقَاءً أَنْ يَكْذِبَ عَلَيْهِ (^٢).
رجال السند: بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، هو ثقة تقدم آنفا، وخَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْهَدَادِيّ لابأس به، وصَالِحٌ الدَّهَّانُ، هو ابن إبراهيم، من أفراد الدارمي، لابأس به، وجَابِرُ ابْنُ زَيْدٍ، هو أبو الشعثاء إمام ثقة تقدم.
_________________
(١) الآيتان (٢٤، ٢٥) من سورة إبراهيم.
(٢) سنده حسن، وانظر: القطوف رقم (١٨٨/ ٢٩٠).
[ ١ / ٤٦٨ ]
الشرح:
المراد أن أبا لشعثاء لم يقل قال رسول الله -ﷺ- تحفظا من الزلل، وإعظاما للقول عليه -ﷺ-.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٩٣ - (١٩) (^١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَا رَوْحٌ، عَنْ كَهْمَسِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: جَاءَ أَبُو هُرَيْرَةَ -﵁- إِلَى كَعْبٍ يَسْأَلُ عَنْهُ، وَكَعْبٌ فِي الْقَوْمِ، فَقَالَ كَعْبٌ: مَا تُرِيدُ مِنْهُ؟ فَقَالَ: أَمَا إِنِّي لَا أَعْرِفُ لأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَكُونَ أَحْفَظَ لِحَدِيثِهِ مِنِّى، فَقَالَ كَعْبٌ:
أَمَا إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَالِبَ شَيْءٍ إِلاَّ سَيَشْبَعُ مِنْهُ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، إِلاَّ طَالِبَ عِلْمٍ، أَوْ طَالِبَ دُنْيَا، فَقَالَ: أَنْتَ كَعْبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لِمِثْلِ هَذَا جِئْتُ (^٢).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، هو الرقاشي إمام ثقة تقدم، ورَوْحٌ، هو ابن عبادة القيسي، أبو محمد إمام حافظ ثقة مصنف، روى له الستة، وكَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ، هو القيسي ثقة، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ، هو العقيلي، أبو عبد الرحمن، ثقة جاور أبا هريرة سنة، وأَبُو هُرَيْرَةَ، هو عبد الرحمن بن صخر -﵁-، وكَعْبٍ، هو ابن ماتع إمام عالم تقدم.
_________________
(١) من هنا بداية السقط من (ت، ك) وذلك عدد أربعة أحاديث متوالية، وقد جعلتها برقم متكرر.
(٢) ت: وأخرجه الحاكم حديث (٣١٣) وقال الذهبي: فيه انقطاع.
[ ١ / ٤٦٩ ]
الشرح:
قوله: «أَمَا إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَالِبَ شَيْءٍ إِلاَّ سَيَشْبَعُ مِنْهُ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، إِلاَّ طَالِبَ عِلْمٍ، أَوْ طَالِبَ دُنْيَا، فَقَالَ: أَنْتَ كَعْبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لِمِثْلِ هَذَا جِئْتُ».
هذا صحيح، في كل مناحي الحياة وشهواتها عدا شهوة طلب العلم، وشهوة طلب الدنيا المال، قال الله -﷿-: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (^١)؛ المذكور في الآية متاع متملك، ولذلك قال رسول الله -ﷺ-: «منهومان لا يشبعان طالبهما: طالب علم،
وطالب الدنيا» (^٢)، وقال -ﷺ-: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» (^٣).
ما يستفاد:
* الحرص على تعلم العلم والتوسع في طلبة والتكثر منه.
* الحذر من التمادي في طلب الدنيا، والغفلة عن الآخرة.
_________________
(١) من الآية (١٤) من سورة آل عمران.
(٢) المعجم الكبير حديث (١٠٣٨٨).
(٣) البخاري حديث (٦٤٣٦) ومسلم حديث (١٠٤٨).
[ ١ / ٤٧٠ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٩٤ - (٢٠) أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، نَا شِبْلٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ قَالَ: «مَنْ جَمَعَ عِلْمَ النَّاسِ إِلَى عِلْمِهِ، وَكُلُّ طَالِبِ عِلْمٍ غَرْثَانُ (^١) إِلَى عِلْمٍ» (^٢).
رجال السند:
يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هو الدورقي إمام ثقة تقدم، ويَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، هو العبدي، ثقة تقدم، وشِبْلٌ، هو ابن عباد مقرئ مكة تلا على بن كثير، ثقة قيل: إنه يرى القدر، وعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، إمام ثقة تقدم، وطَاوُسٌ، هو ابن كيسان إمام ثقة تقدم.
الشرح:
مراد طاوس ﵀ أن طالب العلم لا يقف في طلبه عند حد، وعليه
طرق أبواب العلماء والاستزادة مما لديهم، ولذلك كثر الترحال في القرون الأولى، حتى إن الرجل ليرحل في طلب الحديث الواحد، وذكر طاوس ﵀ أن طالب العلم جائع للعلم، ولا يشبع منه.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٩٥ - (٢١) أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنِ الْخَلِيلِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ ابْنِ قُرَّةَ قَالَ: " كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا الْمَشْيَخَةُ وَهُمْ يَتَرَاجَعُونَ، فِيهِمْ عَائِذُ بْنُ عَمْرٍو، فَقَالَ شَابٌّ فِي نَاحِيَةِ الْقَوْمِ: أَفِيضُوا فِي ذِكْرِ اللَّهِ بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ،
_________________
(١) أي: جائع (النهاية ٣/ ٢٦٩).
(٢) رجاله ثقات.
[ ١ / ٤٧١ ]
فَنَظَرَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ: فِي أَيِّ شَيْءٍ رَآنَا؟ ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قُمْ لَئِنْ عُدْتَ، لَنَفْعَلَنَّ وَلَنَفْعَلَنَّ " (^١).
رجال السند:
سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، هو الضبعي إمام ثقة تقدم، والْخَلِيلُ بْنُ مُرَّةَ، هو البصري جرحه ابن حبان، وقال ابن شاهين: ثقة، قال أحمد بن صالح: ما رأيت أحدا يتكلم فيه ورأيت أحاديثه عن قتادة ويحيى بن أبي كثير صحاحا، وانما استغنى عنه البصريون؛ لأنه كان خاملا، ولم أر أحدا تركه وهو ثقة، ومُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ، هو ابن إياس بن هلال المزني ثقة عالم.
الشرح:
قوله: «وَهُمْ يَتَرَاجَعُونَ، فِيهِمْ عَائِذُ بْنُ عَمْرٍو».
المراد يتدارسون العلم، وعائذ بن عمرو، هو المزني -﵁-، وكان من أصحاب الشجرة، قال الحسن البصري ﵀: وكان من خيار أصحاب رسول الله -ﷺ-، روى ثابت البناني" أن أبا برزة كان يلبس الصوف، فقال له رجل: إن أخاك عائذ بن عمرو يلبس الخز وهو يرغب عن لباسك، قال: ويحك ومن مثل عائذ ليس مثله!، ثم أتى عائذا فقال: إن أخاك أبا برزة يلبس الصوف وهو يرغب عن لباسك، قال: ويحك ومن مثل أبي برزة ليس مثله!، فمات أحدهما فأوصى أن يصلي عليه الآخر (^٢).
_________________
(١) فيه الخليل بن مرة: ضعيف.
(٢) الطبقات الكبرى ٤/ ٢٢٤.
[ ١ / ٤٧٢ ]
قوله: «فَقَالَ شَابٌّ فِي نَاحِيَةِ الْقَوْمِ: أَفِيضُوا فِي ذِكْرِ اللَّهِ بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ، فَنَظَرَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ: فِي أَيِّ شَيْءٍ رَآنَا؟ ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قُمْ لَئِنْ عُدْتَ، لَنَفْعَلَنَّ وَلَنَفْعَلَنَّ».
لعل الشاب كان يرى الذكر أفضل من تدارس العلم، ولم يفقه أن تدارسه من الذكر، فأنكر عليه القوم وتوعدوه.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٩٦ - (٢٢) أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، أَنَا أَبُو عَامِرٍ، نَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: " نِعْمَ الْمَجْلِسُ، مَجْلِسٌ تُنْشَرُ فِيهِ الْحِكْمَةُ، وَتُرْجَى فِيهِ الرَّحْمَةُ " (^١).
رجال السند:
يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، هو اليشكري صدوق تقدم، وأَبُو عَامِرٍ، هو عبد الملك ابن عمرو إمام ثقة، وقُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، هو أبو خالد السدوسي، إمام فقيه، وعَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، هو ابْن عتبَة بْن مَسْعُود الْهُذلِيّ، أبو عبد الله ثقة روى له مسلم، وهو أَخُو عبيد اللَّه بن عَبْد الله أحد الفقهاء السبعة، وعَبْدُاللَّهِ، هو ابن مسعود -﵁-.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: