٢٩٧ - (١) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قال: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ: جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -﵁- قَالَ:
_________________
(١) فيه عون بن عبد الله، لم يسمع من جد أبيه: عبد الله بن مسعود -﵁-.
[ ١ / ٤٧٣ ]
" كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَشَخَصَ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ: «هَذَا أَوَانُ يُخْتَلَسُ الْعِلْمُ مِنَ النَّاسِ حَتَّى لَا يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ» فَقَالَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ (^١) الأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يُخْتَلَسُ مِنَّا وَقَدْ قَرَأْنَا الْقُرْآنَ؟ فَوَ اللَّهِ لَنَقْرَأَنَّهُ وَلَنُقْرِئَنَّهُ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا، فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا زِيَادُ، إِنْ كُنْتُ لأَعُدُّكَ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، هَذِهِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَمَاذَا تُغْنِى عَنْهُمْ؟» قَالَ جُبَيْرٌ: فَلَقِيتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ -﵁- قَالَ: قُلْتُ: " أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي قَالَ، قَالَ: صَدَقَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، إِنْ شِئْتَ لأُحَدِّثَنَّكَ بِأَوَّلِ عِلْمٍ يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ، الْخُشُوعُ، يُوشِكُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَ الْجَمَاعَةِ فَلَا تَرَى فِيهِ رَجُلًا خَاشِعًا " (^٢).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، هو كاتب الليث صدوق، ومُعَاوِيَةُ، هو ابن صالح صدوق، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، هو أبو حمير الحضرمي، تابعي إمام ثقة، روى له مسلم في الصحيح، وأَبوه: جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، هو ثقة من كبار التابعين، أَبو الدَّرْدَاءِ، هو عويمر -﵁-.
_________________
(١) قال بن حجر: رواية النسائي لبيد بن زياد وهو مقلوب ولزياد بن لبيد ذكر في ترجمة عكرمة بن أبي جهل (الإصابة ٢/ ٥٨٦).
(٢) فيه عبد الله بن صالح: أرجح أنه حسن الحديث، أخرجه الترمذي حديث (٢٦٥٣) وقال: هذا حديث حسن غريب. وشاهده من حديث أبي أمامة.
[ ١ / ٤٧٤ ]
الشرح:
تقدم برقم ٢٤٨، من حديث أبي أمامة -﵁-، وتم شرحه فأغنى عن الإعادة فلينظر.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٩٨ - (٢) حدثنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ جَمِيلٍ الْكِنَانيُّ، ثَنَا مَكْحُولٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^١) إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ وَالنُّونَ فِي الْبَحْرِ، يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ الْخَيْرَ» (^٢).
رجال السند:
يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هو الدورقي إمام ثقة تقدم، ويَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، هو الواسطي إمام ثقة تقدم، والْوَلِيدُ بْنُ جَمِيلٍ، الْكِنَانيُّ، هو أبو الحجاج الفلسطيني، لابأس به، مَكْحُولٌ، هو إمام ثقة تقدم.
الشرح:
قوله: «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^٣)».
_________________
(١) من الآية (٢٨) من سورة فاطر.
(٢) هذا مرسل سنده حسن، أخرجه الترمذي موصولا من حديث أبي أمامة -﵁- حديث (٢٦٨٥) وقال: هذا حديث حسن غريب.
(٣) من الآية (٢٨) من سورة فاطر.
[ ١ / ٤٧٥ ]
تقدم برقم ٢٥٤، نحو هذا، ثم بين فضل العالم المتفقه في دين الله -﷿- على المشتغل بالعبادة س وى العلم كفضل رسول الله -ﷺ- على أدنا رجل من المسلمين، بل ورد " كفضلي على أمتي " وهذا يبين أهمية العلم وأيد هذا بقول الله -﷿-: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^١)، لأنهم اعتبروا بما عرفوا من الدلائل على الخالق -ﷻ-، وعلموا قيام الحجة بها، فحصّلوا الخشية من الله -﷿-؛ لأن خشية من يعلم ذلك ويؤمن به أعظم من خشية من لا يعلم.
قوله: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ سَمَاوَاتِهِ».
الصلاة من الله -﷿- البركة والرحمة والمغفرة، ومن الملائكة الدعاء، والمراد عموم أهل السماء.
قوله: «وَأَرَضِيهِ وَالنُّونَ فِي الْبَحْرِ، يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ
الْخَيْرَ». المراد عموم من في الأرض، وهذا إكرام للعالم بما أنزل الله -﷿-، والمراد بالنون الحوت ذكر المفرد وأراد به الجنس، وقد وردت التسميتان في القرآن الكريم في قصة يونس -﵇- فقال -﷿-: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (^٢)، أي: صاحب النون وهو الحوت، وقال -﷿-: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ (^٣)، وقد ورد ذكر سوى الحوت النملة في جحرها رواه الترمذي (^٤).
_________________
(١) من الآية (٢٨) من سورة فاطر.
(٢) من الآية (٨٧) من سورة الأنبياء.
(٣) الآية (١٤٢) من سورة الصافات.
(٤) حديث (٢٦٨٥).
[ ١ / ٤٧٦ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٩٩ - (٣) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَسَدٍ أَبُو عَاصِمٍ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: " لَا يَكُونُ الرَّجُلُ عَالِمًا حَتَّى لَا يَحْسُدَ مَنْ فَوْقَهُ، وَلَا يَحْقِرَ مَنْ دُونَهُ، وَلَا يَبْتَغِىَ بِعِلْمِهِ ثَمَنًا " (^١).
رجال السند:
أَحْمَدُ بْنُ أَسَدٍ أَبُو عَاصِمٍ، سكت عنه الإمامان، ووثقه ابن حبان فلابأس به تقدم، ويَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، هو الكوفي أبو زكريا المقرئ، أكثر عن الثوري صدوق روى له مسلم في الصحيح، وسُفْيَانَ، هو الثوري إمام ثقة تقدم، ولَيْثُ، هو ابن سعد إمام ثقة تقدم، ورَجُلٍ، مجهول، وابْنُ عُمَرَ، هو عبد الله ﵄.
الشرح:
قول: «لَا يَكُونُ الرَّجُلُ عَالِمًا حَتَّى لَا يَحْسُدَ مَنْ فَوْقَهُ».
هذه أركان السيادة فطالب العلم على الحقيقة لا يحسد من فوقه في العلم وغيره، والحسد لا يكون في الغالب إلا بين ذوي المهنة الواحدة، يتغايرون فيها سلبا وإيجابا، والحسد خلق ذميم؛ وهو تمني زوال النعمة عن الغير، وإن سعى في زوالها فقد بغى، والبغي حرام، فإذا كان التمني مجرد خاطرة نفس ولم يعمل على إظهارها فذلك معفو عنه، مالم يسعى في تحقيق ذلك، وقد حذر رسول الله -ﷺ-: «إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل
_________________
(١) فيه يحي بن يمان: صدوق يخطئ كثيرا، وليث بن أبي سليم صدوق اختلط جدا، والواسطة بينه وبين ابن عمر غير معروف، وانظر: القطوف رقم (١٨٩/ ٢٩٣).
[ ١ / ٤٧٧ ]
النار الحطب» (^١)، ومعناه صحيح في الترهيب منه؛ لأنه خلق ذميم، قال -ﷺ-: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا …» (^٢).
قوله: «وَلَا يَحْقِرُ مَنْ دُونَهُ».
والمراد العموم ومن فوقه أيضا، وذكر من هو دونه؛ لأنه أدعى للاستصغار، واحتقار الناس خلق سيء، لا يليق بأحد، ولا يفعله إلا اللؤماء، قال رسول الله -ﷺ-: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره» (^٣).
قوله: «وَلَا يَبْتَغِىَ بِعِلْمِهِ ثَمَنًا».
لأن طلب العلم لابد أن يبنى على نية خالصة لله -﷿-، وإن حصل له من الدنيا شيء فهو تبع لقصده فلا حرج فيه مع الإخلاص، ومن طلب به الدنيا واستشرف به لها فقد خرج عن القصد، ولم يكن من ذوي العلم الحقيقي الذي يلازم التقوى والخوف من الله -﷿-.
ما يستفاد:
* الحرص على تعلم العلم، والتخلق بأخلاق العلماء.
* الحث على التواضع، والحذر من الحسد.
* الحذر من استصغار الناس، فإن أكرم الناس أتقاهم.
* وجزب الإخلاص في طلب العلم، وآلا يقصد به متاع الدنيا وشهواتها.
* لا حرج فيما يكون من الدنيا بغير استشراف مع القصد الحسن.
_________________
(١) أبو داود حديث (٤٩٠٣).
(٢) مسلم حديث (٢٥٦٤).
(٣) مسلم حديث (٢٥٦٤).
[ ١ / ٤٧٨ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٠٠ - (٤) أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الأَعْلَى التَّيْمِيَّ يَقُولُ: مَنْ أُوتِىَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَا يُبْكِيهِ، لَخَلِيقٌ أَنْ لَا يَكُونَ أُوتِيَ عِلْمًا يَنْفَعُهُ، لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَعَتَ الْعُلَمَاءَ (^١) ثُمَّ قَرَأَ [القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾] (^٢).
رجال السند:
سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، هو سعدويه إمام ثقة تقدم، وأَبو أُسَامَةَ، هو حماد بن
أسامة إمام ثقة تقدم، مِسْعَرُ، هو ابن كدام إمام ثقة تقدم، وعَبْدُ الأَعْلَى التَّيْمِيُّ، هو من أفراد الدارمي، سكت عنه الإمامان، ووثقه ابن حبان فلابأس.
الشرح:
قوله: «مَنْ أُوتِىَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَا يُبْكِيهِ، لَخَلِيقٌ أَنْ لَا يَكُونَ أُوتِيَ عِلْمًا يَنْفَعُهُ»؛ لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَعَتَ الْعُلَمَاءَ ثُمَّ قَرَأَ القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ كأنه لم يتأثر بعلمه؛ لأن الله -﷿- يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^٣)، فالعلم يقتضي الخشية،
_________________
(١) فيه عبد الأعلى التيمي سكت عنه البخاري وأبو حاتم (التاريخ ٦/ ٧٢ والجرج والتعديل ٦/ ٢٨) وذكره ابن حبان (الثقات ٧/ ١٣١)، وانظر: القطوف رقم (١٩٠).
(٢) ما بين المعقوفين سقط من الأصل ومن (ت) واستدرك في هامش (ت).
(٣) من الآية (٢٨) من سورة فاطر.
[ ١ / ٤٧٩ ]
والخشية تقتضي الخوف، والخوف يُدمع العين، وقد وصف الله -﷿- العلماء فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (^١).
ما يستفاد:
* أن من علامة العلم النافع خشوع العالم وبكاؤه.
* أن العلم غير النافع يورث القسوة.
* أن من صفات العلماء الخشية والخوف عند تلاوة القرآن.
* أن من علامة تأثر القارئ أن يخر ساجدا باكيا داعيا ربه -﷿-.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٠١ - (٥) أَخْبَرَنَا عِصْمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، ثَنَا زَيْدُ بْنُ حُباب، عَنْ مُبَارَكِ ابْنِ فَضَالَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: " لَا تَكُونُ عَالِمًا حَتَّى تَكُونَ فِيكَ ثَلَاثُ خِصَالٍ: لَا تَبْغِي عَلَى مَنْ فَوْقَكَ، وَلَا تَحْقِرُ مَنْ دُونَكَ، وَلَا تَأْخُذُ عَلَى عِلْمِكَ دُنْيَا " (^٢).
رجال السند:
عِصْمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، هو النميري إمام ثقة تقدم، وزَيْدُ بْنُ حُباب، هو العكلي ثقة تقدم، ومُبَارَكِ بْنُ فَضَالَةَ، هو البصري كثير التدليس، ثقة إذا صرح
_________________
(١) الآيات من (٧ - ٩) من سورة الإسراء.
(٢) سنده حسن، وانظر: القطوف رقم (١٩١/ ٢٩٥).
[ ١ / ٤٨٠ ]
بالسماع، وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ، هو أبو عثمان إمام ثقة تقدم، وأَبو حَازِمٍ، هو سلمة بن دينار تابعي ثقة تقدم.
الشرح:
انظر السابق برقم ٢٩٧ - (٣) وما بعده فإنه يغني عن الإعادة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٠٢ - (٦) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَسَدٍ، ثَنَا عَبْثَرٌ، عَنْ بُرْدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى الدِّمَشْقِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: " لَا تَكُونُ عَالِمًا حَتَّى تَكُونَ مُتَعَلِّمًا، وَلَا تَكُونُ بِالْعِلْمِ عَالِمًا حَتَّى تَكُونَ بِهِ عَامِلًا، وَكَفي بِكَ إِثْمًا أَنْ لَا تَزَالَ مُخَاصِمًا (^١)، وَكَفي بِكَ إِثْمًا أَنْ لَا تَزَالَ مُمَارِيًا (^٢)، وَكَفي بِكَ
كَاذِبًا أَنْ لَا تَزَالَ مُحَدِّثًا فِي غَيْرِ ذَاتِ اللَّهِ -﷿- " (^٣).
رجال السند:
أَحْمَدُ بْنُ أَسَدٍ، وعَبْثَرٌ، وبُرْدُ بْنُ سِنَانٍ، وسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى الدِّمَشْقِيُّ، تقدموا في رقم ٢٥٣، وهو سند حسن، وأَبو الدَّرْدَاءِ -﵁-.
الشرح:
لاريب أن طريق العلم التعلم، وأن طريق كثرة العلم العمل به وتعليمه الناس، وهو الشيء الذي يزيد بالإنفاق منه ولا ينقص، والمخاصمة بالعلم هي:
_________________
(١) أي: مجادلا، أنظر (لسان العرب ١٢/ ١٨٠ - ١٨١).
(٢) أي: مجادلا، والمماراة: المجادلة، ويقال للمناظرة: مماراة؛ لأن كل واحد منهما يستخرج ما عند صاحبه ويمتريه، كما يمتري الحالب اللبن من الضرع (النهاية ٤/ ٣٢٢).
(٣) سنده حسن، وفيه انقطاع بين سليمان وأبي الدرداء -﵁-، وانظر: القطوف رقم (١٩٢/ ٢٩٦).
[ ١ / ٤٨١ ]
المجادلة بالباطل، ودحض الحق، أما لنصرة الحق ورد الباطل فهي المحاورة، والمخاصمة مذمومة؛ المخاصم لا يطلب الحق، وهو عكس المحاور، قال رسول الله -ﷺ-: «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم». المراد بالمواعظ والتعليم، وليس كل من حدث في غير ذات الله كاذبا ولا ظالما، فهمنا من الحديث في المنافع المباحة وتعليم الناس ما ينفعهم فيها، فمن يحدث بها وبالأخبار الصادقة ليس كاذبا ولا ظالما، ورحم الله أبا الدرداء فما كان همه إلا الآخرة، والحديث أخرجه البخاري حديث (٢٤٥٧) ومسلم حديث (٢٦٦٨).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٠٣ - (٧) أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، ثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَخِيهِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عِمْرَانَ الْمِنْقَرِيِّ قَالَ: " قُلْتُ لِلْحَسَنِ يَوْمًا فِي شَيْءٍ قَالَهُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ لَيْسَ هَكَذَا يَقُولُ الْفُقَهَاءُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ (^١) وَرَأَيْتَ أَنْتَ فَقِيهًا قَطُّ، إِنَّمَا الْفَقِيهُ الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا، الرَّاغِبُ فِي الآخِرَةِ، الْبَصِيرُ بِأَمْرِ دِينِهِ، الْمُدَاوِمُ عَلَى عِبَادَةِ رَبِّه -﷿- " (^٢).
رجال السند:
الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، هو أبو علي المؤدب، إمام لابأس به، الْمُبَارَكُ بْنُ سَعِيدٍ، هو أبو عبد الرحمن الكوفي، أخو سفيان الثوري، ثقة، وسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ،
_________________
(١) قال ابن الأثير: كلمة ترحّم وتوجّع، تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وقد يقال بمعنى المدح والتعجب (النهاية ٥/ ٢٣٥) وانظر (الصحاح ٢/ ٧١٨).
(٢) سنده حسن، وانظر: القطوف رقم (١٩٣/ ٢٩٧).
[ ١ / ٤٨٢ ]
إمام ثقة تقدم، وعِمْرَانُ الْمِنْقَرِيُّ، هو ابن مسلم أبو بكر البصري، لابأس به روى له الشيخان، واِلْحَسَنِ، هو البصري من سادات التابعين.
الشرح:
هذه رواية المنقري لم يذكر ما قال الحسن، وكان الرد من الحسن ﵀ عنيفا؛ لأن رد المنقري رحمه كان فيه إعلاء لمن وصفهم بالفقهاء، ولم يكن تعبيره ألطف، وعنفه الحسن ﵀ حين قال: ورأيت أنت فقيها قط، أي: أنت لم تر فقيها على الإطلاق، ثم ذكر الحسن من يستحق في نظره أن يوصف بالفقه، وهو الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بأمر دينه، المداوم على عبادة ربه -﷿-، وصدق الحسن ﵀ إذا اجتمعت هذه الصفات في شخص فهو الفقيه حقا، ولكن المنقري ﵀ أراد من خالف الحسن ﵀ في المسألة المذكورة له.
وقد وردت رواية أخرى عن الحسن قال مطر الوراق: " سألت الحسن عن مسألة، فقال فيها، فقلت: يا أبا سعيد يأبى عليك الفقهاء ويخالفونك، فقال: ثكلتك أمك مطر، وهل رأيت فقيها قط؟ وهل تدري ما الفقيه؟ الفقيه الورع الزاهد الذي لا يسخر ممن أسفل منه، ولا يهمز من فوقه، ولا يأخذ على علم علمه الله حطاما " (^١)، وفي رواية أخرى بين مطر المسألة فقال: " يا أبا سعيد إن امرأة جعلت على نفسها إن قدم زوجها أن تصوم من يومها شهرا
_________________
(١) أخلاق العلماء للآجري ١/ ٧٣.
[ ١ / ٤٨٣ ]
فقدم في أول يوم من رمضان. فقال الحسن: صامت شهرها ووُفّي نذرها. قال مطر: إن بعض الفقهاء يقول غير هذا، .. " (^١).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٠٤ - (٨) أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، ثَنَا النَّضْرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قِيلَ لَهُ: " مَنْ أَفْقَهُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؟ قَالَ: أَتْقَاهُمْ لِرَبِّهِ -﷿- " (^٢).
رجال السند:
الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، إمام لابأس به تقدم آنفا، والنَّضْرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبَجَلِيُّ، إمام مسجد الكوفة، يقبل حديثه في الترغيب والترهيب، ومِسْعَرُ، ابن كدام إمام ثقة تقدم، وسَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هو ابن عبد الرحمن بن عوف -﵁-، إمام ثقة تقدم.
_________________
(١) ذم من لا يعمل بعلمه لابن عساكر ١/ ٣٩.
(٢) فيه إسماعيل البجلي: ليس بالقوي، وانظر: القطوف رقم (١٩٤/ ٢٩٨).
[ ١ / ٤٨٤ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٠٥ - (٩) أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: " إِنَّمَا الْفَقِيهُ مَنْ يَخَافُ اللَّهَ تَعَالى " (^١).
رجال السند:
الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، تقدم آنفا، والْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، هو الجعفي أبو عبد الله المقرئ ثقة تقدم، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، كثير الغلط، واختلفوا في تحسن حديثه تقدم، عَنْ مُجَاهِدٍ، هو ابن جبر إمام ثقة تقدم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٠٦ - (١٠) أَخْبَرَنَا إِسْمَاعيلُ بْنُ أَبَانَ، عَنْ يَعْقُوبَ الْقُمِّيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي لَيْثُ بْنُ أَبِى سُلَيْمٍ، عَنْ يَحْيَى - هُوَ ابْنُ عَبَّادٍ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: " إِنَّ الْفَقِيهَ حَقَّ الْفَقِيهِ مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ فِي مَعَاصِي اللَّهِ، وَلَمْ يُؤَمِّنْهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَلَمْ يَدَعِ الْقُرْآنَ رَغْبَةً عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، إِنَّهُ لَا خَيْرَ فِي عِبَادَةٍ لَا عِلْمَ فِيهَا، وَلَا عِلْمَ لَا فَهْمَ فِيهِ، وَلَا قِرَاءَةَ لَا تَدَبُّرَ فِيهَا " (^٢).
رجال السند:
إِسْمَاعيلُ بْنُ أَبَانَ، هو الوراق إمام ثقة تقدم، يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، هو ابن عبد الله ابن سعد الأشعري، أبو الحسن، من رجال الشيعة لابأس به، ولَيْثُ ابْنُ أَبِى سُلَيْمٍ، مختلف في تحسين حديثة، يقبل في مثل هذا، ويَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ، هو الأنصاري أبو هبيرة الكوفي، تابعي ثقة روى له مسلم في الصحيح، وعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁-.
الشرح:
قوله: «الْفَقِيهَ حَقَّ الْفَقِيهِ مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ».
أي: لا يجعل الناس ييأسون من رحمة الله -﷿- وقد كرر في كتابه العزيز أنه غفور رحيم (٥٢) مرة، وهذه بشارة لكل مسلم؛ ولأنه -﷿- حكى قول إبراهيم:
_________________
(١) سنده حسن، وانظر: القطوف رقم (١٩٥/ ٢٩٩).
(٢) سنده حسن، وفيه انقطاع بين يحي بن عباد، وعلي بن أبي طالب -﵁-، وانظر: القطوف رقم (١٩٦/ ٣٠٠).
[ ١ / ٤٨٥ ]
﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ (^١)؛ ولأنه قال -﷿-: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (^٢)، ولأن رسول الله -ﷺ- قال: «إن الله لما قضى الخلق، كتب عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي» (^٣)؛ ولأن رسول الله -ﷺ- قال: «جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا، وأنزل في الأرض جزءا واحدا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق، حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها، خشية أن تصيبه» (^٤)، ولأن رسول الله -ﷺ- قال: «كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسا، فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله، فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط، فأتاهم ملك في صورة
_________________
(١) من الآية (٥٦) من سورة الحجر.
(٢) الآية (٥٣) من سورة الزمر.
(٣) البخاري حديث (٧٣٢٢).
(٤) البخاري حديث (٦٠٠٠).
[ ١ / ٤٨٦ ]
آدمي، فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة» (^١)، قال قتادة: فقال الحسن ذكر لنا، أنه لما أتاه الموت نأى بصدره.
اللهم إنا لا نثق بأعمالنا فليس لنا إلا رحمتك وعفوك وكرمك، يا ذا الجلال ولإكرام. قوله: «وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ فِي مَعَاصِي اللَّهِ».
المراد المتساهل في الفتوى، فيقع الناس بسبب ذلك في المعاصي، وإذا كان الله -﷿- غفورا رحيما فإنه قال في كتابه العزيز: شديد العقاب (١٦) مرة، وقال -﷿-: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (^٢)، فيجب على العالم أن يحتاط من ذلك، ومن يأمن مكر الله وهو على معصية صغرت أو كبرت؟!، وقد رخص علماء الرافضة في ترك صوم رمضان بالخروج لعدة كيلوات كل يوم ليأكل ويشرب ويعود للبيت ولا حرج عليه، وفتاواهم في المتعة تحليل حرام، ومن تابع فتاواهم في الفضائيات يسمع من الكذب والزور ما لا يخطر على قلوب كثير من الفساق فضلا عن غيرهم.
قوله: «وَلَمْ يُؤَمِّنْهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ».
_________________
(١) مسلم حديث (٢٧٦٦).
(٢) الآية (٩٩) من سورة الأعراف.
[ ١ / ٤٨٧ ]
لأن الله -﷿- قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^١)، فالذي يؤمن الناس من عذب الله -﷿- ليس من العلماء؛ لأن العالم يخاف الله -﷿- فهو لا يأمن على نفسه فكيف يؤمن غيره من عذاب الله -﷿-؟!، وقد يستغرب بعض الناس أن يكون في المسلمين من يؤمن الناس من عذاب الله، فنقول خذا مثلا حيا من فتاوى علماء الرافضة في ترك صوم رمضان بالخروج لعدة كيلوات ليأكل ويشرب ويعود للبيت ولا حرج عليه، وفتاواهم في المتعة تحليل حرام، وإعطاء صكوك دخول الجنة، فهل يأمن العلماء والعامة منهم عذاب الله؟!، اشتغل علماء الرافضة بتأويل القرآن، بما يوافق هواهم، فكذبوا الله ورسوله، وكذبوا على آل البيت، ومن أقوالهم أن فاطمة ﵂، ولدت قبل أبيها -ﷺ-، وأن نوجا -﵇- استغاث بعلي، وأن آل البيت معصومون ويعلمون ما كان وما يكون وما هو كائن، وهذا من أقل زورهم فضلوا وأضلوا أتباعهم.
قوله: «وَلَمْ يَدَعِ الْقُرْآنَ رَغْبَةً عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ».
الذين وقعوا في هذا هم أصحاب البدع والتصوف الغالي، والرافضة يهونون
من شأن القرآن فتجد من علمائهم حسب زعمهم من لا يحسن قراءة الآية الواحدة، ويسخر ممن يحفظ القرآن من أهل السنة متناسيا أو متأولا بالباطل قول الله -﷿-: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (^٢)، وسبحان الله حينما نسمع كلام من يزعمون أنهم علماء من الرافضة عبر
_________________
(١) من الآية (٢٨) من سورة فاطر.
(٢) من الآية (٤٩) من سورة العنكبوت.
[ ١ / ٤٨٨ ]
الفضائيات نتذكر هذه الآية ولا سيما قوله -﷿- في آخرها: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ فهم يجحدون آيات الله -﷿- بتأويل دلالاتها، وربما كان تحريف اليهود والنصارى أقل خطرا منهم.
وقد حكى الله -﷿- قول الرسول -ﷺ- عن القرآن فقال: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾ (^١)، ذكر الله -﷿- قول الرسول -ﷺ- في الدنيا وتشكّيه ما يلقى من قومه من عدم قبول القرآن وهجر الإيمان به، وهو تنبيه للمؤمنين على كثرة تلاوة القرآن وتدبره؛ لأنه من أجل العبادات، فلا يهجر ويشتغل بغيره، وهجر القرآن يشمل عدم الإيمان به، وعدم تلاوته، وعدم العمل بما أحل وما حرم، والدعوة إليه.
قوله: «إِنَّهُ لَا خَيْرَ فِي عِبَادَةٍ لَا عِلْمَ فِيهَا».
لأن العبادة مرتكز صحتها العلم بفروضها وواجباتها وسننها، العلم ثمرته العبادة؛ لأن العلم شجرة والعمل به ثمرة.
قوله: «وَلَا عِلْمَ لَا فَهْمَ فِيه».
لأن الله -﷿- ذكر أن فيما خلق دلائل وبراهين لقوم يعقلون أي: يفهمون المراد على الوجه الصحيح، وقد أثبت ذلك ونفاه عن غيرهم، فالعلم من غير فهم عدم.
قوله: «وَلَا قِرَاءَةَ لَا تَدَبُّرَ فِيهَا».
المراد أن الأصل في القراءة الفهم ومعرفة مرامي الآيات في الحلال والحرام والترغيب والترهيب والعبرة مما قص الله -﷿- في كتابه العزيز، ولقد رأيت
_________________
(١) الآية (٣٠) من سورة الفرقان.
[ ١ / ٤٨٩ ]
بعض القراء لو سئل بعد تمامه عن السورة التي قرأها لما عرف، وذلك من سرعة قراءته وعدم تدبر ما قرأ.
ما يستفاد:
* تحريم تقنيط الناس من رحمة الله -﷿-،
* الترغيب في التوبة وتأنيس الناس برحمته وعفوه.
* تحريم الترخيص فيما حرم الله -﷿- وهو ما يفعله الرافضة اليوم.
* تحريم تأمين الناس من العذاب على المعصية وإن صغرت، قال ابن عباس ﵄: لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار.
* العناية بالتعليم ولاسيما العلم الشرعي.
* التحذير من هجر القرآن، والعدول عنه إلى غيره من العلوم.
* الترغيب في تلاوة القرآن وتدبر معانيه ودلالاته.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٠٧ - (١١) أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ: " الْفَقِيهُ حَقُّ الْفَقِيهِ الَّذِي لَا يُقَنِّطُ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَلَا يُؤَمِّنُهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَلَا يُرَخِّصُ لَهُمْ فِي مَعَاصِي اللَّهِ، إِنَّهُ لَا خَيْرَ فِي عِبَادَةٍ لَا عِلْمَ فِيهَا، وَلَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَا فَهْمَ فِيهِ، وَلَا خَيْرَ فِي قِرَاءَةٍ لَا تَدَبُّرَ فِيهَا " (^١).
_________________
(١) سنده حسن، وانظر: القطوف رقم (١٩٧/ ٣٠١).
[ ١ / ٤٩٠ ]
رجال السند:
أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، إمام لابأس به تقدم، وإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هو ابن عليه إمام ثقة تقدم، لَيْثٍ، هو ابن أبي سليم كثير الغلط، واختلفوا في تحسين حديثه ويقبل في مثل هذا تقدم، يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ، هو ابن عبد الله بن الزبير بن العوام، مات قديما وهو ابن ست وثلاثين، ثقة وكانت له مروة، ولم يدرك عليا، وعَلِيٌّ، هو ابن أبي طالب -﵁-.
الشرح: تقدم آنفا برقم ٣٠٤، فأغنى عن الإعادة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٠٨ - (١٢) أَخْبَرَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَازِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي جَرِيرُ بْنُ زَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ تُبَيْعًا يُحَدِّثُ عَنْ كَعْبٍ قَالَ: " إِنِّي لأَجِدُ نَعْتَ قَوْمٍ يَتَعَلَّمُونَ لِغَيْرِ الْعَمَلِ، وَيَتَفَقَّهُونَ لِغَيْرِ الْعِبَادَةِ، وَيَطْلُبُونَ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ، وَيَلْبَسُونَ جُلُودَ الضَّأْنِ وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، فَبِي يَغْتَرُّونَ، أَوْ إِيَّايَ يُخَادِعُونَ، فَحَلَفْتُ بِي لأُتِيحَنَّ لَهُمْ فِتْنَةً تَتْرُكُ الْحَلِيمَ فِيهَا حَيْرَانَ " (^١).
رجال السند:
أَبُو النُّعْمَانِ، هو المعروف بعارم، وحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، ويَزِيدُ بْنُ حَازِمٍ، أئمة ثقات تقدموا في رقم ١٤٦، قَالَ: عَمِّي جَرِيرُ بْنُ زَيْدٍ، هو الأزدي أبو سلمة البصري صدوق، وتُبَيْعٌ، هو ابن عامر الحميري، تابعي كان له علم
_________________
(١) سنده حسن، وكعب يروي أشياء من علم أهل الكتاب، ولا أستبعد أن هذا منها، والسياق يؤيد، وانظر: القطوف رقم (١٩٨/ ٣٠٢).
[ ١ / ٤٩١ ]
بالتوراة استفاده من زوج أمه كعب الأحبار، صدوق لم يرو له الدارمي غيرها.
الشرح:
قوله: «إِنِّي لأَجِدُ نَعْتَ قَوْمٍ يَتَعَلَّمُونَ لِغَيْرِ الْعَمَلِ، وَيَتَفَقَّهُونَ لِغَيْرِ الْعِبَادَةِ، وَيَطْلُبُونَ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ، وَيَلْبَسُونَ جُلُودَ الضَّأْنِ وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ».
هذا قول كعب الأحبار وقد علم هذا من الكتب الأولى، والموصوفون هم من بني إسرائيل، وهو لائق بهم، يؤيد هذا قول وهب: قال اللَّه -﷿- فيما يعيب به بنى إسرائيل: «تفقهون لغير الدين، وتعلمون لغير العمل، وتبتاعون الدنيا بعمل الآخرة» (^١)، وفي هذا تحذير للأمة مما وقع فيه بنوا إسرائيل، ولم يسلم من هذا من لم يسلمه الله -﷿-، نسأل الله الحفظ والتوفيق. قوله: «فَبِي يَغْتَرُّونَ، أَوْ إِيَّايَ يُخَادِعُونَ، فَحَلَفْتُ بِي لأُتِيحَنَّ لَهُمْ فِتْنَةً تَتْرُكُ الْحَلِيمَ فِيهَا حَيْرَانَ».
القائل هو الله -﷿-، وأراد أنهم مغترون بإمهال الله -﷿-، فأمنوا مكره ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، أو يخادعون الله -﷿- بأعمالهم وما يخدعون إلا أنفسهم، فحلف بذاته -ﷻ-، ليجعلهم في فتنة تجل العاقل الحكيم حيران في دفعها والخلاص منها، وفي هذا تحذير للأمة من ذلك والسالم من سلمه الله -﷿-.
_________________
(١) الكشاف ١/ ٦٩.
[ ١ / ٤٩٢ ]
ما يستفاد:
* الحذر من تعلم شرع الله -﷿- لغير العمل به.
* الحذر من التفقه في شرع الله لغير الله -﷿-.
* الحذر من طلب الدنيا بعمل الآخرة.
* الحذر من خداع الناس بأن يظهر لهم خلاف ما يبطن.
* الحذر من الاغترار بحلم الله -﷿- وإمهاله.
* الحذر من توهم خداع الله -ﷻ-، فإنه بكل شيء عليم.
* توقي الفتن بطاعة الله -﷿- والاستقامة على دينه.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٠٩ - (١٣) أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عبد الصمد الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ هَرِمِ بْنِ حَيَّانَ أَنَّهُ قَالَ: " إِيَّاكُمْ وَالْعَالِمَ الْفَاسِقَ. فَبَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ وَأَشْفَقَ مِنْهَا: مَا الْعَالِمُ الْفَاسِقُ؟، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ هَرِمٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ بِهِ إِلاَّ الْخَيْرَ، يَكُونُ إِمَامٌ يَتَكَلَّمُ بِالْعِلْمِ وَيَعْمَلُ بِالْفِسْقِ، فَيُشَبِّهُ عَلَى النَّاسِ فَيَضِلُّوا " (^١).
رجال السند:
بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، هو أبو عبد الرحمن النيسابوري إمام ثقة تقدم، وعَبْدُ الْعَزِيزِ
ابْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ، هو أبو عبد الصمد إمام ثقة روى له الستة، وأَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، هو عبد الملك بن حبيب البصري، تابعي إمام ثقة، هَرِمُ
_________________
(١) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (١٩٩/ ٣٠٣).
[ ١ / ٤٩٣ ]
ابْنُ حَيَّانَ، هو العبدي عامل عمر بن الخطاب، تابعي بصري إمام ثقة، من أفراد الدارمي.
الشرح:
شك عمر -﵁- في هذه المقولة وخشي أن يلحقه منها شيء، ولاسيما وهو عالم، شديد المحاسبة لنفسه ولغيره -﵁-، فاستفسر عن المراد فبين له هرم ﵀ أنه لم يقصد سوى من حذر منهم رسول الله -ﷺ- حين قال: «إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين» (^١).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣١٠ - (١٤) أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ مُطَرِّفٍ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى الْمُهَاجِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: " مَنْ أَرَادَ أَنْ يُكْرِمَ دِينَهُ فَلَا يَدْخُلْ عَلَى السُّلْطَانِ، وَلَا يَخْلُوَنَّ بِالنِّسْوَانِ، ولَا يُخَاصِمَنَّ أَصْحَابَ الأَهْوَاءِ " (^٢).
رجال السند:
سَعِيدُ بْنُ الْمُغِيرَة، هو المصيصي أبو عثمان، كان من خيار الناس ثقة، والْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، هو القرشي أبو العباس دمشقي كثير التدليس والتسوية، ثقة إذا سلم من ذلك، ومُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، هو أبو غسان الليثي المدني لابأس به، وَعَبْدِ الْعَزِيزبْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى الْمُهَاجِرِ لابأس به، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ -﵁-.
_________________
(١) أحمد حديث (٢٢٣٩٣).
(٢) رجاله ثقات.
[ ١ / ٤٩٤ ]
الشرح:
قوله: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُكْرِمَ دِينَهُ فَلَا يَدْخُلْ عَلَى السُّلْطَانِ».
المراد السلطان الجائر المعروف بالظلم والطغيان؛ لأن في الدخول عليه وحضور مجلسه تزكية له، إلا لمن كان ناصحا أمينا، أما من عرف الصلاح والعدل فالدخول عليه وحضور مجلسه فيه خير؛ لأنه يغلق الباب على الفساق ومن لا يرجى منهم خير، وقد كان الصحابة يدخلون على الخلفاء الراشدين، لمشورة أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، كذلك من بعدهم من الخلفاء والملوك والأمراء، لا مانع من دخول العالم الناصح الأمين. قوله: «وَلَا يَخْلُوَنَّ بِالنِّسْوَانِ».
لأن الخلوة بغير ذات المحرم حرام قال رسول الله -ﷺ-: «لا يخلون رجل بامرأة، ولا تسافرن امرأة إلا ومعها محرم»، فقام رجل فقال: يا رسول الله، اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وخرجت امرأتي حاجة، قال: «اذهب فحج مع امرأتك» (^١)، ولأن ذلك من الشبهات وخطورة الخلوة بالمرأة الأجنبية وذلك فرصة للشيطان لإثارة ما بين الرجل والمرأة من الميل إلى ما حرم الله -﷿-، وقد قال رسول الله -ﷺ-: " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء" (^٢)، ولذلك رسول الله -ﷺ- لم يرخص للرجل المكتتب في الخروج للجهاد في سبيل الله -﷿- لما أخبر أن امرأته ستحج، وأمره رسول الله -ﷺ- أن يترك ما عزم عليه من الخروج ويحج مع امرأته، ومن هنا أخذ بعض العلماء ﵏ أن
_________________
(١) البخاري حديث (٣٠٠٦) ومسلم حديث (١٣٤١).
(٢) البخاري حديث (٥٠٩٦) ومسلم حديث (٢٧٤٠).
[ ١ / ٤٩٥ ]
عدم المحرم من عدم الاستطاعة، واختلفوا في المرأة إذا كانت موسرة ولم يكن لها المحرم، هل تحج؟، فقال بعض أهل العلم: لا يجب عليها الحج؛ لأن المحرم من السبيل لقول الله -﷿- ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (^١)؛ لأن الاستطاعة في حق النساء الزاد والراحلة والمحرم، فقالوا: إذا لم يكن لها محرم فلا تستطيع الحج، وقال بعض أهل العلم: إذا كان الطريق آمنا فإنها تخرج مع الناس في الحج، وفي هذا رفق وسعة وقال به الإمام مالك والشافعي رحمهما الله، ولاسيما في هذا الزمان، يسرت الرواحل، واتسعت مساحة الرفقة الآمنة، ولكل قاعدة شذوذ.
قوله: «وَلَا يُخَاصِمَنَّ أَصْحَابَ الأَهْوَاءِ».
لأن أصحاب البدع اعتمدوا الهوى في دين الله -﷿-، ولم يلتزموا نهج الكتاب والسنة، وتقدم قول ابن مسعود -﵁- في الإنكار على بدعة عد التسبيح بالحصى برقم ٢١١ - (٥).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣١١ - (١٥) أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يُونُسَ قَالَ: "كَتَبَ إِلَيَّ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: إِيَّاكَ وَالْخُصُومَةَ وَالْجِدَالَ فِي الدِّينِ، لَا تُجَادِلَنَّ عَالِمًا وَلَا جَاهِلًا، أَمَّا الْعَالِمُ فَإِنَّهُ يَخْزُنُ عَنْكَ عِلْمَهُ وَلَا يُبَالِي مَا صَنَعْتَ، وَأَمَّا الْجَاهِلُ فَإِنَّهُ يُخَشِّنُ بِصَدْرِكَ وَلَا يُطِيعُكَ " (^٢).
_________________
(١) من الآية (٩٧) من سورة آل عمران.
(٢) رجاله ثقات.
[ ١ / ٤٩٦ ]
رجال السند:
سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، هو الضبعي، إمام ثقة تقدم، وإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هو ابن علية غمام ثقة تقدم، ويُونُسُ، هو ابن عبيد بن دينار البصري، أبو عبد الله تابعي إمام ثقة، ومَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، هو الجزري ثقة فقيه تقدم.
الشرح:
قوله: «إِيَّاكَ وَالْخُصُومَةَ وَالْجِدَالَ فِي الدِّينِ».
نهى عن هاتين الخلتين؛ لأنها ممقوتة وليس في العلم خصومة، وإنما بيان الحق، واجتناب الباطل، ولا جدال في الدين؛ لأنه مبني على البرهان الصحيح من الكتاب والسنة.
قوله: «لَا تُجَادِلَنَّ عَالِمًا وَلَا جَاهِلًا، أَمَّا الْعَالِمُ فَإِنَّهُ يَخْزُنُ عَنْكَ عِلْمَهُ وَلَا يُبَالِي مَا صَنَعْتَ، وَأَمَّا الْجَاهِلُ فَإِنَّهُ يُخَشِّنُ بِصَدْرِكَ وَلَا يُطِيعُكَ».
لأن العالم يكتشف جهل المجادل من منطقه، فيكف عن مجاراته ويحتفظ بما لديه من علم صحيح.
أما الجاهل يجابه بسفالة واحتقار، ولو احتملت جهله لم يطعك، وما أكثر الجهلاء اليوم بأخلاق العلم والعلماء.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣١٢ - (١٦) أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، ثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ
[ ١ / ٤٩٧ ]
قَالَ: "قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉ لاِبْنِهِ: دَعِ الْمِرَاءَ فَإِنَّ نَفْعَهُ قَلِيلٌ وَهُوَ يُهَيِّجُ الْعَدَاوَةَ بَيْنَ الإِخْوَانِ " (^١).
رجال السند:
أَبُو الْمُغِيرَةِ، هو عبد القدوس الخولاني، إمام ثقة تقدم، والأَوْزَاعِيُّ، هو عبد الرحمن بن عمرو، إمام ثقة تقدم، ويَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ، هو أبو نصر اليماني، إمام ثقة ربما دلس وتقدم السند عن أبي قلابة برقم ١٤٤، سُلَيْمَانُ ابْنُ دَاوُدَ ﵉، هما نبيان كريمان.
الشرح:
قوله: «دَعِ الْمِرَاءَ فَإِنَّ نَفْعَهُ قَلِيلٌ».
المراء هو الجدال والتخاصم في الآراء، والتمسك بوجهة النظر المجردة عن الدليل الصحيح، وهذا لا ريب ضرره أكثر من نفعه.
«وَهُوَ يُهَيِّجُ الْعَدَاوَةَ بَيْنَ الإِخْوَانِ».
هذا حق وكم من طلبة علم كانوا إخوة فشانهم الجدل، وفرقتهم الخصومة، واشتغلوا بتتبع بعضهم والبحث عن العثرات، والتشهير، فكثر جدلهم في ذلك والنكير.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣١٣ - (١٧) أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵀ يَقُولُ:
_________________
(١) رجاله ثقات، وفيه انقطاع بين يحي وسليمان -﵇-، وانظر: القطوف رقم (٢٠٢/ ٣٠٦).
[ ١ / ٤٩٨ ]
" مَنْ جَعَلَ دِينَهُ غَرَضًا لِلْخُصُومَاتِ أَكْثَرَ التَّنَقُّلَ ".
رجال السند:
يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، هو أبو زكريا التنيسي، إمام ثقة تقدم، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، هو الأودي، أبو محمد إمام قدوة ثقة تقدم، وإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ، هو العدني كاتب عمر بن عبد العزيز، الأودي، أبو محمد الكوفي، طلبه الرشيد للقضاء فامتنع، إمام قدوة ثقة، ثقة قليل الحديث، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، هو الخليفة ﵀.
الشرح: في سنده يحي بن حسان: مقبول، وهو هنا من القبول ضد الرد. وقوله: (أكثر التنقل) أي: التردد بين الآراء، وهذا تفسير الدارمي له في الأثر التالي، وانظر: القطوف رقم (٢٠٣/ ٣٠٧).
قوله: «مَنْ جَعَلَ دِينَهُ غَرَضًا لِلْخُصُومَاتِ أَكْثَرَ التَّنَقُّلَ».
المراد أن الدين يستقى من الكتاب والسنة، ومن اشتغل بالآراء والخصومات فيها فإنه يكثر التنقل بين الآراء، فتتجاذبه الأهواء، وهذا من أسباب كثرة الملل والنحل.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣١٤ - (١٨) أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: " كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ: إِنَّهُ مَنْ تَعَبَّدَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ، وَمَنْ عَدَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلاَّ فِيمَا يَعْنِيهِ، وَمَنْ جَعَلَ دِينَهُ غَرَضًا لِلْخُصُومَاتِ كَثُرَ تَنَقُّلُهُ " (^١).
_________________
(١) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٢٠٤/ ٣٠٨).
[ ١ / ٤٩٩ ]
رجال السند:
مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، هو الطاطري غمام ثقة تقدم، وسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، هو شيخ العلم بعد الأوزاعي، إمام ثقة تقدم، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، هو الخليفة ﵀.
الشرح:
قوله: «إِنَّهُ مَنْ تَعَبَّدَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ».
يؤيد هذا قوله -ﷺ-: «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^١) إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ وَالنُّونَ فِي الْبَحْرِ، يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ الْخَيْرَ» (^٢)، وانظر ما تقم برقم ٢٤٧.
قوله: «وَمَنْ عَدَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلاَّ فِيمَا يَعْنِيهِ».
يؤيد هذا قول الله -﷿-: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (^٣)، وقوله -ﷺ-: " … ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت " (^٤).
قوله: «وَمَنْ جَعَلَ دِينَهُ غَرَضًا لِلْخُصُومَاتِ كَثُرَ تَنَقُّلُهُ».
_________________
(١) من الآية (٢٨) من سورة فاطر.
(٢) هذا مرسل سنده حسن، أخرجه الترمذي موصولا من حديث أبي أمامة -﵁- حديث (٢٦٨٥) وقال: هذا حديث حسن غريب.
(٣) الآية (٣٦) من سورة الإسراء.
(٤) البخاري حديث (٦٠٨١) ومسلم حديث (٧٤).
[ ١ / ٥٠٠ ]
تقدم البيان آنفا.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣١٥ - (١٩) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، عَنْ عُمَرَ ابْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: " سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأَهْوَاءِ، فَقَالَ: عَلَيْكَ بِدِينِ الأَعْرَابِيِّ وَالْغُلَامِ في الْكُتَّابِ، وَالْهَ عَمَّا سِوَى ذَلِكَ " (^١).
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ (^٢): كَثُرَ تَنَقُّلُهُ أَيْ يَنْتَقِلُ مِنْ رَأْي إِلَى رَأْيٍ.
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، هو الفريابي، سُفْيَانَ، هو ابن عيينة، هما إمامان ثقتان تقدما، وجَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، هو الجزري الرقي، إمام ثقة في غير الزهري، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، هو الخليفة ﵀.
الشرح:
قوله: «عَلَيْكَ بِدِينِ الأَعْرَابِيِّ».
لبعدهم عن المدن سلموا من الأهواء، وبقوا على الفطرة، والتوحيد الخالص، يؤيد هذا قول رسول الله -ﷺ-: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن» (^٣)؛ لأن في ذلك البقاء على الفطرة، والبعد عن الفتن، والأهواء من أعظم الفتن، والفطرة تعين على التأمل والاهتداء ومعرفة الحق، سأل الأصمعي أعرابيا قائلا: بم عرفت ربك؟، فقال البعرة تدل على البعير، وأثر الأقدام يدل على المسير،
_________________
(١) سنده حسن، وانظر: القطوف رقم (٢٠٥/ ٣٠٩).
(٢) في (ت) أبو بكر، وفي الحاشية (محمد).
(٣) البخاري حديث (١٩).
[ ١ / ٥٠١ ]
فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا تدل على اللطيف الخبير، نعم هذا ليس لكل أحد، ولكن العقلاء لهم حدس ونظر، ولهذا لما سمع بعض العرب قارئا يقرأ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ (^١)؛ " والله غفور رحيم ".
قال: ليس هذا كلام الله، فقال القارئ: أَتُكَذِّبُ بكلام الله تعالى؟، فقال: لا، ولكن ليس هذا بكلام الله تعالى، فعاد إلى حفظه وقرأ: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فقال الأعرابي: صدقت: عزَّ، فحكمَ، فقطعَ، ولو غفر ورحِمَ لما قطع.
قوله: «وَالْغُلَامِ في الْكُتَّابِ».
كذلك؛ لأنه على الفطرة، وسلامة الذهن، فيلقى العلم في الكتاب شيئا فشيئا، بعيدا عن التقعر في الألفاظ، وفلسفة الأفكار.
«وَالْهَ عَمَّا سِوَى ذَلِكَ».
أله فعل أمر بمعنى أترك، وهذا اللفظ لا زال حيا في كلام أبناء زهران، فيقال لشخص أُمر بعمل ما: إِلْه، أي: أترك فعل ما أُمرت به، فقوله: «وَالْهَ عَمَّا سِوَى ذَلِكَ» أي: أترك ما سوى ذلك من الآراء والأهواء، وكن على الفطرة؛ لأنها لا تخالف الشرع، إلا بتدخل مفسد، قال رسول الله -ﷺ-: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه» (^٢).
_________________
(١) من الآية (٣٨) من سورة المائدة.
(٢) البخاري حديث (١٣٥٨) ومسلم حديث (٢٦٥٨).
[ ١ / ٥٠٢ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى: