٣٣٠ - (١) أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ: " رَأَى مُجَاهِدٌ طَاوُسًا فِي الْمَنَامِ كَأَنَّهُ فِي الْكَعْبَةِ يُصَلِّى مُتَقَنِّعًا، وَالنَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى باب الكعبة فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، اكْشِفْ قِنَاعَكَ وَأَظْهِرْ قِرَاءَتَكَ. قَالَ: فَكَأَنَّهُ عَبَّرَهُ عَلَى الْعِلْمِ، فَانْبَسَطَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ " (^٢).
رجال السند:
بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، هو النيسابوري إمام ثقة تقدم، وسُفْيَانُ، هو ابن عيينة إمام
ثقة تقدم، وإِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ هو الطائفي، كان لا يرى رواية الحديث بالمعنى، إمام ثقة روى له الستة، ومُجَاهِدٌ، هو ابن جبر إمام ثقة تقدم، وطَاوُسُ، هو ابن كيسان إمام ثقة تقدم.
الشرح:
قوله: «اكْشِفْ قِنَاعَكَ وَأَظْهِرْ قِرَاءَتَكَ».
ذكروا أن مجاهدا ﵀ كان قليل التحديث، لا يكثر الرواية، فاتسعت روايته بعد الرؤيا.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٣١ - (٢) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا ابْنُ يَمَانٍ، عَنِ ابْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ كَعْبٍ قَالَ: " الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلاَّ مُتَعَلِّمَ خَيْرٍ أَوْ مُعَلِّمَهُ " (^٣).
_________________
(١) كتب قبالته في (د) ما نصه (بلغ السماع في الأول بقراءة كاتبه محمد بن أحمد المظفري، على الشيخ العلامة أمين الدين إمام جامع الغمري، فسمعه صالح بن أبي الطاهر القادري، وأجاز المستمع مرويه بتاريخ، ثامن رمضان سنة أربعين وسبعمائة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(٢) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٢٢٠).
(٣) سنده حسن، وانظر: القطوف رقم (٢٢١/ ٣٢٥).
[ ٢ / ٢ ]
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، هو ابن أبي شيبة إمام ثقة تقدم، وابْنُ يَمَانٍ، هو يحيى أبو زكريا المقرئ، صدوق تقدم، وابْنُ ثَوْبَانَ، هو عبد الرحمن بن ثابت ابن ثوبان الدمشقي، يعتبر بحديثه، وأَبوه، هو ثابت بن ثوبان الدمشقي، ثقة من أصحاب مكحول، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضَمْرَةَ، هو السلولين، أخو عاصم ثقة، وكَعْبٍ، هو المشهور بكعب الأحبار ثقة تقدم.
الشرح:
قوله: «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا».
المراد بلعنها طرد ما فيها من المتاع والشهوات، إذ أبغضها الله -﷿- وحقرها وأبغضها رسول الله -ﷺ-: فقال: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء» (^١).
قوله: «إِلاَّ مُتَعَلِّمَ خَيْرٍ أَوْ مُعَلِّمَهُ».
هذا استثناء من بغض ما فيها إلا ما كان من عمل يقرب من الله -﷿- من العبادات وتعلم الخير وتعليمه، فذاك مما أحبه الله ورسوله ودعا إليه وأمر به عباده.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٣٢ - (٣) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ بَحِيرٍ (^٢)، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ: " النَّاسُ عَالِمٌ وَمُتَعَلِّمٌ، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ هَمَجٌ لَا خَيْرَ فِيهِ " (^٣).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، هو الثقفي، أبو يوسف صدوق يخطئ تقدم، والأَوْزَاعِيُّ، هو عبد الرحمن إمام ثقة تقدم، وبَحِيرٌ، هو ابن سعد ثقة تقدم، وخَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ، هو الحمصي، إمام ثقة جليل تقدم.
_________________
(١) الترمذي حديث (٢٣٢٠).
(٢) زيادة في (ت) ابن سعد.
(٣) سنده حسن، إن كان محمد بن كثير صدوقا كثير الغلط، لكنه في مثل هذا يرجح عدم غلطه، وانظر: القطوف رقم (٢٢٢/ ٣٢٦).
[ ٢ / ٣ ]
الشرح:
تقدم عن ابن مسعود -﵁- ما يؤيد هذا وتم شرحه بما أغنى عن الإعادة، فلينظر.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٣٣ - (٤) أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ: " مَوْتُ الْعَالِمِ ثُلْمَةٌ (^١) فِي الإِسْلَامِ، لَا يَسُدُّهَا شَيْءٌ مَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ " (^٢).
رجال السند:
بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، هو إمام ثقة تقدم قريبا، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، هو المكي أبو عمران البصري، إمام ثقة، روى له الستة عدا البخاري، وربما وهم إذا حدث من حفظه، وهِشَامٌ، هو ابن حسان، والْحَسَنُ، هو البصري، هما إمامان ثقتان تقدما.
الشرح:
تقدم رقم ٩٨، في ضمنه ما يؤيد هذا؛ لأن العلماء سياج للأمة، فموت العالم الرباني خرم في السياج، وثغرة لا يسد مكانها أحد، وما كل عالم رباني، بل المراد الصفوة من العلماء كشيخنا عبد العزيز بن باز في هذا العصر، وشيخنا محمد الأمين الشنقيطي، وشيخنا حماد الأنصاري، والشيخ الألباني ﵏ وجمعنا بهم في الفردوس الأعلى من الجنة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٣٤ - (٥) أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَسَنِ الصَّنْعَانِيُّ، ثَنَا مُنْذِرٌ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: " مَجْلِسٌ يُتَنَازَعُ فِيهِ الْعِلْمُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ قَدْرِهِ صَلَاةً، لَعَلَّ أَحَدَهُمْ يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيَنْتَفِعُ بِهَا سَنَةً، أَوْ مَا بَقِىَ مِنْ عُمُرِهِ " (^٣).
رجال السند: يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، هو التستري إمام ثقة تقدم، وإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، هو الرازي، أبو إسحاق التميمي، إمام ثقة تقدم، ومُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّنْعَانِيُّ،
_________________
(١) الثلم في الشيء: الكسر، قال ابن الأثير: فيه (نهى عن الشرب من ثلمة القدح) أي موضع الكسر منه.
(٢) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٢٢٣/ ٣٢٧).
(٣) سنده حسن، محمد بن الحسن بن آتش الصنعاني صدوق إنشاء الله، انظر: (الميزان ٤/ ٤٣٦).
[ ٢ / ٤ ]
هو الأبناوي ليس بالقوي، روى له أبو داود في المراسيل، وليس له عند الدارمي سوى هذا، مُنْذِرٌ، هو ابن النعمان ثقة أحد أفراد الدارمي، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، هو الذماري أبو عبد الله إخباري إمام ثقة، له في البخاري حديث في كتابة الحديث عن أبي هريرة -﵁- (^١).
الشرح:
فيه الحث على مجالس العلم، والتحاور فيه لتّفقه فذلك خير من قدر وقت المجلس يقضيه في صلاة نافلة؛ لأن علما يستفيده في مجلس العلم قد ينتفع به دهرا يعمل به أو يعلمه غيره.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٣٥ - (٦) أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنَا وَكِيعٌ قَالَ: " قَالَ سُفْيَانُ: مَا أَعْلَمُ عَمَلًا أَفْضَلَ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ وَحِفْظِهِ لِمَنْ أَرَادَ اللَّهَ تَعَالَى بِهِ " (^٢).
رجال السند:
يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هو الدورقي إمام ثقة تقدم، ووَكِيعٌ، هو ابن الجراح إمام جليل ثقة، وسُفْيَانُ، هو الثوري إمام ثقة تقدم.
الشرح:
تقدم البيان ضمن رقم ٢٥٥، ٢٦٤، فأغنى عن الإعادة فلينظر، والمراد بقول سفيان ﵀: «مَا أَعْلَمُ عَمَلًا أَفْضَلَ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ» علم الحديث، وكذلك قول الحسن ابن صالح التالي المراد به علم الحديث.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٣٦ - (٧) قَالَ: وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ: " إِنَّ النَّاسَ لَيَحْتَاجُونَ إِلَى هَذَا الْعِلْمِ فِي دِينِهِمْ، كَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فِي دُنْيَاهُمْ ".
رجال السند:
تقدموا آنفا والقائل هو وكيع ﵀، والحسن بن صالح، هو ابن حي الهمداني، أبو عبد الله الكوفي إمام عابد ثقة.
_________________
(١) البخاري حديث (١١٣).
(٢) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٢٢٥/ ٣٢٩).
[ ٢ / ٥ ]
الشرح:
قوله: «إِنَّ النَّاسَ لَيَحْتَاجُونَ إِلَى هَذَا الْعِلْمِ فِي دِينِهِمْ، كَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فِي دُنْيَاهُمْ» وهو بالسند السابق.
المراد علم السنة، فإنها زادت أحكاما على ما في الكتاب العزيز، وهي قاضية على الكتاب ومبينة له، قال الله -﷿-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (^١)، فهي من الأهمية في الدين، كأهمية الطعام والشراب لحياة الإنسان.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٣٧ - (٨) أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، وَجَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ قَالَا: ثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: " قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ -﵁-: تَعَلَّمُوا قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ الْعِلْمُ، فَإِنَّ قَبْضَ الْعِلْمِ قَبْضُ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ وَالْمُتَعَلِّمَ فِي الأَجْرِ سَوَاءٌ " (^٢).
رجال السند:
أَبُو نُعَيْمٍ، هو الفضل بن دكين، إمام ثقة تقدم، وَجَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، هو المخزومي إمام ثقة تقدم، ومِسْعَرٌ، هو ابن كدام إمام ثقة تقدم، وعَمْرُو ابْنُ مُرَّةَ، هو أبو عبد الله الكوفي، ثقة إمام تقدم، وسَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، هو الكوفي، ثقة دلس الرواية عن عمر وعلي ﵄، وأَبُو الدَّرْدَاءِ، هو عويمر -﵁-.
الشرح:
تقدم من طريق عن سالم به برقم ٢٥٤، وتم البيان فغنى عن الإعادة فلينظر.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٣٣٨ - (٩) أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ الضَّحَّاكِ ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (^٣) قَالَ: " حَقٌّ عَلَى كُلِّ من قرأ الْقُرْآنَ أَنْ يَكُونَ
_________________
(١) من الآية (٤٤) من سورة النحل.
(٢) رجاله ثقات، وفيه انقطاع بين سالم وأبي الدرداء -﵁-، وانظر: القطوف رقم (٢٢٧/ ٣٣٠).
(٣) من الآية (٧٩) من سورة آل عمران. وكتب في هامش (ت) كنتم تدرسون، وكتب عليها الرمز (ط).
[ ٢ / ٦ ]
فَقِيهًا " (^١).
رجال السند:
هَارُونُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، هو الأشعري صدوق تقدم، عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، هو النخعي إمام ثقة تقدم، وأَبو عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ، هو ميمون سكت عنه الإمامان، وقال ابن حجر ﵀: مستور، والضَّحَّاكُ، هو ابن مزاحم الهلالي، ثقة أرسل روايته التفسير عن ابن عباس -﵁-.
الشرح:
استدل الضحاك ﵀ بالآية على استحقاق الفقه بالقرآن؛ لأن المطلوب ممن يقرأ القرآن أن يتدبر معانيه، ودلائله ومقاصده، وبذلك يكون ربانيا؛ لأنه ربَّى نفسه على فهم المسائل العلمية الجلية الواضحة، وفقه فيما دق منها على التفصيل، فإن العلم يورث الفقه، والفقه يورث الحلم، فاستحق أن يقال له:
رباني بما علِم وعلَّم وبما درس، فصار حليما حكيما.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٣٩ - (١٠) أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ، عَنِ الْحَسَنِ ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ (^٢) قَالَ: " الْحُكَمَاءُ الْعُلَمَاءُ " (^٣).
رجال السند:
هَارُونُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وحَفْصٌ، إمامان ثقتان تقدما آنفا، وأَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ، هو الكندي ضعيف، وضعفه محتمل في مثل هذا، والْحَسَن، هو البصري إمام ثقة تقدم.
الشرح: انظر السابق، وانظر التالي.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٣٤٠ - (١١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وأَبو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، عَنْ عَطَاءِ ابْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ (^٤) قَالَ:
_________________
(١) فيه ميمون أبو عبد الله الوراق، خراساني مستور، وانظر: القطوف رقم (٢٢٨/ ٣٣١).
(٢) من الآية (٦٣) من سورة المائدة.
(٣) فيه أشعث بن سوار: ضعيف يقويه ما تقدمه وما يليه، وانظر: القطوف رقم (٢٢٩/ ٣٣٢).
(٤) سورة آل عمران.
[ ٢ / ٧ ]
" عُلَمَاءُ فُقَهَاءُ " (^١).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ عُيَيْنَةَ، هو الفزاري لابأس به تقدم، وأَبو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، هو إبراهيم بن محمد ثقة إمام تقدم، وعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، هو أبو محمد الثقفي، صدوق اختلط، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، هو شهيد الحجاج إمام ثقة.
الشرح: انظر ما تقدم آنفا.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٤١ - (١٢) أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: " يُرَادُ لِلْعِلْمِ الْحِفْظُ وَالْعَمَلُ وَالاِسْتِمَاعُ وَالإِنْصَاتُ
وَالنَّشْرُ " (^٢).
رجال السند:
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، هو اليشكري، أبو قدامة السرخْسي، وهو أول من نشر السنة بها، إمام ثقة، وسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، إمام ثقة تقدم.
الشرح:
هذه مراحل تعلم العلم، وفيها لفّ ونشر غير مرتب، والترتيب يقتضي أن تكون المرحلة الأولى الإنصات بين يدي المعلم، وتليه الثانية الاستماع والمراد منه للإصغاء، ويلي ذلك حفظ ما سمع واتقانه، يلي ذلك العمل بما علم، ثم نشره في الناس ودعوتهم إليه.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٤٢ - (١٣) قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أحمد بن مُحَمَّدٌ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: " أَجْهَلُ النَّاسِ مَنْ تَرَكَ مَا يَعْلَمُ، وَأَعْلَمُ النَّاسِ مَنْ عَمِلَ بِمَا يَعْلَمُ، وَأَفْضَلُ النَّاسِ أَخْشَعُهُمْ لِلَّه -﷿- ".
_________________
(١) فيه محمد بن عيينة الفزاري المصيصي: لابأس به، ويقويه ما تقدم، وانظر: القطوف رقم (٢٣٠/ ٣٣٣).
(٢) أخرجه البيهقي من وجه آخر عن ابن عيينة، يقول: " أول العلم الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر" شعب الإيمان رقم (١٦٥٨).
[ ٢ / ٨ ]
قوله: " قال: وأخبرني " القائل هو عبيد الله بن سعيد، تقدم أنفا، وقوله: " وأخبرني أحمد " في النسخ الخطية (محمد) وقد نبه عليه صاحب فتح المنان، وصوبه من نسخت كُتِبت سنة (٨٠٠) رمزلها (م - م) وهي النسخة التي قوبلت عليها نسخة صديق حسن خان التي نسخها بيده في (٢٠/ ٣/ ١٢٨٠) هـ (فتح المنان ٣/ ٢٦) وانظر تحقيقي لمسند الدارمي.
رجال السند:
أحمد بن مُحَمَّدٌ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، هو ابن حنبل إمام السنة وشيخ الإسلام رابع الأئمة رأس في العلم والعمل، وسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، إمام ثقة تقدم.
الشرح:
قوله: " قال" القائل هو عبيد الله بن سعيد السرخسي، فهو موصول بالسند السابق.
قوله: «أَجْهَلُ النَّاسِ مَنْ تَرَكَ مَا يَعْلَمُ»؛ لأنه يكون عالة على غيرة من العلماء، ويكون خطأه في دينه ودنياه أكثر من صوابه.
قوله: «وَأَعْلَمُ النَّاسِ مَنْ عَمِلَ بِمَا يَعْلَمُ».
لأنه أعقلهم أيضا؛ ولأنه عقل أنه مسؤول عن علمه ماذا عمل به، فالعلم شجرة والعمل ثمرة.
قوله: «وَأَفْضَلُ النَّاسِ أَخْشَعُهُمْ لِلَّه -﷿-» وفي نسخة " وأخشاهم "؛ لأن
الله -﷿- قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^١)، والخشية هي منتهى الخوف والمراقبة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٤٣ - (١٤) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدٍ
- هُوَ ابْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ -، عَنْ سَيَّارٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: " مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: مَنْهُومٌ في الْعِلْمِ لَا يَشْبَعُ مِنْهُ، وَمَنْهُومٌ فِي الدُّنْيَا لَا يَشْبَعُ مِنْهَا، فَمَنْ تَكُنِ الآخِرَةُ هَمَّهُ وَبَثَّهُ وَسَدَمَهُ (^٢) يَكْفِي اللَّهُ ضَيْعَتَهُ وَيَجْعَلُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَمَنْ تَكُنِ الدُّنْيَا هَمَّهُ وَبَثَّهُ وَسَدَمَهُ،
_________________
(١) من الآية (٢٨) من سورة فاطر.
(٢) في حاشية (ت، ك) السدم: هو الندم، بفتح الدال: وهو خطأ، قال ابن الأثير: السدم: اللهج والولوع بالشيء (النهاية ٢/ ٣٥٥) والبث هنا: أشد الحزن والمرض الشديد (النهاية ١/ ٩٥).
[ ٢ / ٩ ]
يُفْشِى اللَّهُ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ وَيَجْعَلُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ لَا يُصْبِحُ إِلاَّ فَقِيرًا وَلَا يُمْسِي إِلاَّ فَقِيرًا" (^١).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ، هو أبو عبد الرحمن القرشي، ثقة روى له الستة، وعُبَيْدُاللَّهِ ابْنُ عَمْرٍو، هو أبو وهب الرقي، إمام ثقة تقدم، وزَيْدُ ابْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ، هو أبو أسامة الرهاوي، كان عالما فقيها، إماما ثقة روى له الستة، وسَيَّارُ، هو أبو الحكم العنزي، إمام ثقة روى له الستة، والْحَسَنُ، هو البصري من كبار التابعين إمام ثقة تقدم.
الشرح:
كأن الحسن ﵀ أراد شرح قول رسول الله -ﷺ-: «منهومان لا يشبعان طالبهما: طالب علم، وطالب الدنيا» (^٢)، فقال ﵀: " مَنْهُومٌ في الْعِلْمِ لَا يَشْبَعُ مِنْهُ، وَمَنْهُومٌ فِي الدُّنْيَا لَا يَشْبَعُ مِنْهَا، فَمَنْ تَكُنِ الآخِرَةُ هَمَّهُ وَبَثَّهُ وَسَدَمَهُ (^٣) يَكْفِي اللَّهُ ضَيْعَتَهُ وَيَجْعَلُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَمَنْ تَكُنِ الدُّنْيَا هَمَّهُ وَبَثَّهُ وَسَدَمَهُ، يُفْشِي اللَّهُ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ وَيَجْعَلُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ لَا يُصْبِحُ إِلاَّ فَقِيرًا وَلَا يُمْسِي إِلاَّ فَقِيرًا "
والمنهوم هو الأكولة الذي يملأ بطنه من الطعام ولا تزال هيئته نطلب المزيد، فهو لا يشبع من الطلب، فمنهوم العلم محمود لحرصه والزيادة فيه تنفع ولا تضر؛ لأن همه الآخرة، وندمه على التفريط كبير، ونتيجة هذا أن الله -﷿- يكفيه كسبه ويجعل غناه في قلبه، ومنهوم الدنيا لا يشبع منها والزيادة منه قد تضر ولا تنفع؛ لأنه مسئول عن مكاسبه، عن مداخلها ومخارجها، ونتيجة ذلك أن الله -﷿- يوسع عليه كسبه ويجعله دائما لا يرى إلا أنه فقير يطلب المزيد، كثير الولع والهلع بالدنيا، ويؤيد هذا قول رسول الله -ﷺ-: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» (^٤).
_________________
(١) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٢٣٣/ ٣٣٦).
(٢) الطبراني في الكبير حديث (١٠٣٨٨).
(٣) في حاشية (ت، ك) السدم: هو الندم، بفتح الدال: وهو خطأ، قال ابن الأثير: السدم: اللهج والولوع بالشيء (النهاية ٢/ ٣٥٥) والبث هنا: أشد الحزن والمرض الشديد (النهاية ١/ ٩٥).
(٤) البخاري حديث (٦٤٣٦) ومسلم حديث (١٠٤٨).
[ ٢ / ١٠ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٤٤ - (١٥) أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، عَنْ عَوْنٍ قَالَ: قَالَعَبْدُاللَّهِ -﵁-: " مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: صَاحِبُ الْعِلْمِ وَصَاحِبُ الدُّنْيَا وَلَا يَسْتَوِيَانِ، أَمَّا صَاحِبُ الْعِلْمِ: فَيَزْدَادُ رِضًا لِلرَّحْمَنِ، وَأَمَّا صَاحِبُ الدُّنْيَا فَيَتَمَادَى فِي الطُّغْيَانِ " (^١). ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (^٢) وقال للآخر: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^٣).
رجال السند:
جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، هو المخزومي إمام ثقة تقدم، وأَبُو عُمَيْسٍ، هو عتبة بن عبد الله ابن عتبة المسعودي، ثقة روى له الستة، وعَوْنٌ، هو ابن عبد الله ابن عتبة الكوفي، أبو عبد الله الهذلي، ثقة وروايته عن عبد الله بن مسعود مرسلة، وعَبْدُ اللَّهِ، هو ابن مسعود -﵁-.
الشرح:
تقدم آنفا نحو هذا عن الحسن البصري ﵀، فأغنى عن الإعادة فلينظر.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٤٥ - (١٦) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُخْتَارٍ، ثَنَا عَنْبَسَةُ بْنُ الأَزْهَرِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^٤) قَالَ: " مَنْ خَشِيَ اللَّهَ فَهُوَ عَالِمٌ " (^٥).
رجال السند: مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، هو الرازي وثقه يحيى بن معين، وتكلم فيه آخرون، وإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُخْتَارٍ، هو الرازي فيه كلام، والذي يظهر أنه لابأس به، وعَنْبَسَةُ بن
_________________
(١) رجاله ثقات، وفيه انقطاع بين عون بن عبد الله الهذلي وعبد الله بن مسعود، وانظر: القطوف رقم (٢٣٤/ ٣٣٧).
(٢) الآيتان (٦، ٧) سورة العلق.
(٣) من الآية (٢٨) من سورة فاطر.
(٤) من الآية (٢٨) من سورة فاطر.
(٥) فيه محمد بن حميد أبو عبد الله الرازي: ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه، وانظر: السابق.
[ ٢ / ١١ ]
الأَزْهَرِ، هو الشيباني أبو يحيى، قاضي الري وجرجان لابأس به، وسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، هو صدوق من أقواله: أدركت ثمانين من أصحاب النبي -ﷺ- وكان قد ذهب بصري، فدعوت الله فرد علي بصري، عِكْرِمَةَ، إمام تقدم، وابْنُ عَبَّاسٍ، هو عبد الله ﵄.
الشرح: أنظر السابق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٤٦ - (١٧) أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طَاووُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: " مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: طَالِبُ عِلْمٍ، وَطَالِبُ دُنْيَا " (^١).
رجال السند:
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، هو الوراق إمام ثقة تقدم، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، هو الأودي إمام ثقة تقدم، عَنْ لَيْثٍ، هو ابن أبي سليم، يقبل في المتابعات والشواهد تقدم، وطَاووُسٌ، هو ابن كيسان إمام ثقة تقدم، وابْنُ عَبَّاسٍ ﵄.
الشرح:
انظر ما تقدم برقم ٣٤١، وما بعده فقد أغنى عن الإعادة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٤٧ - (١٨) أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ الصَّنْعَانِيُّ، حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ ابْنُ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ وَاثِلَةَ بْنَ الأَسْقَعِ -﵁- يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ فَأَدْرَكَهُ كَانَ لَهُ كِفْلَانِ مِنَ الأَجْرِ، فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ كَانَ لَهُ كِفْلٌ مِنَ الأَجْرِ» (^٢).
رجال السند: مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، هو الطاطري إمام ثقة تقدم، ويَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ الصَّنْعَانِيُّ، نسبة لصنعاء الشام، أبو كامل الدمشقي، يقبل في الترغيب والترهيب، وهو من أفراد الدارمي، ورَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ، هو الإيادي إمام ثقة تقدم، وَاثِلَةَ بْنَ الأَسْقَعِ -﵁-.
_________________
(١) فيه ليث بن أبي سليم: صدوق اختلط جدا، وانظر رقد (٣٣٦، ٣٣٧)، وانظر: القطوف رقم (٢٣٦/ ٣٣٩).
(٢) فيه يزيد بن ربيعة أبو كامل: قال أبو حاتم: كان في بدء أمره مستويا ثم اختلط، وقال: ليس بشيء وانكر أحاديثه عن الأشعث (الجرح والتعديل ٩/ ٢٦١)، وانظر: القطوف رقم (٢٣٧/ ٣٤٠).
[ ٢ / ١٢ ]
الشرح:
في هذا بشارتان: الأولى لمن طلب العلم بإخلاص حتى استحق أن يقال: إنه عالم؛ لأنه أدرك غايته منه، فهذا له أجران؛ أجر الطلب وإدراك العلم النافع، والبشارة الثانية لمن طلب العلم واجتهد في التحصيل، ولم يدرك أن يقال: إنه من العلماء، فله أجر السعي في الطلب والاجتهاد في ذلك.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٤٨ - (١٩) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى شَيْبَةَ، ثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ عَبَّاسٍ (^١) الْعَمِّيِّ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ دَاوُدَ النَّبِيَّ (^٢) -﵇- كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي تَعَالَيْتَ فَوْقَ عَرْشِكَ، وَجَعَلْتَ خَشْيَتَكَ عَلَى مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، فَأَقْرَبُ خَلْقِكَ مِنْكَ مَنْزِلَةً أَشَدُّهُمْ لَكَ خَشْيَةً، وَمَا عِلْمُ مَنْ لَمْ يَخْشَكَ، أَوْ مَا حِكْمَةُ مَنْ لَمْ يُطِعْ أَمْرَكَ (^٣).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى شَيْبَةَ، إمام ثقة تقدم، ومَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، الفزاري أبو عبد الله قيل: إنه يدلس بالتسوية، إمام ثقة روى له الستة، وعَوْفُ، هو ابن أبي جميلة الأعرابي، روى له الستة، رمي بالتشيع والقدر، وعَبَّاسُ الْعَمِّيُّ، هو من أفراد الدارمي، ولا يقدح عدم معرفته في مثل هذا.
وهذا دعاء طيب من نبي طيب هو داود -﵇-.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٤٩ - (٢٠) أَخْبَرَنَا الْمُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، ثَنَا سَلاَّمٌ - هُوَ ابْنُ أَبِي مُطِيعٍ - قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْهَزْهَازِ يُحَدِّثُ عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ -﵁-: اغْدُ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا، وَلَا خَيْرَ فِيمَا سِوَاهُمَا.
_________________
(١) في (د) ابن عباس.
(٢) سقطت من (ت).
(٣) فيه عباس العمي: لم أقف عليه وليس في هذه الرواية ما ينكر، والاستفهام إنكاري، أي لا علم لمن لم يخش الله، ولا حكمة لمن لم يطع أمره، وانظر: القطوف رقم (٢٣٨/ ٣٤١).
[ ٢ / ١٣ ]
رجال السند:
الْمُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، هو العمي أبو الهيثم البصري، إمام ثقة متقن روى له الستة، وسَلاَّمٌ ابْنُ أَبِي مُطِيعٍ، هو البصري أبو سعيد الخزاعي، ثقة تكلموا في حديثه عن قتادة، روى له الشيخان في الصحيح، وأَبَو الْهَزْهَازِ، هو نصر بن زياد العجلي، سكت عنه الإمامان، ووثقه ابن حبان فلابأس، وهو من أفراد الدارمي، وله عنده هذا فقط، والضَّحَّاكُ، هو ابن مزاحم ثقة تقدم، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ -﵁-.
الشرح:
الحديث في سنده أبو الهزهاز نصر بن زياد العجلي: سكت عنه أبو حاتم (الجرح والتعديل ٨/ ٤٦٥) وذكره ابن حان في (الثقات ٥/ ٤٧٦)، وانظر: القطوف رقم (٢٣٩/ ٣٤٢). تقدم ضمن رقم ٢٥٥ - (١٠) وتم البيان بما أغنى عن الإعادة فلينظر.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٥٠ - (٢١) أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، أَنَا الْوَلِيدُ ابْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «سَتَكُونُ فِتَنٌ يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِى كَافِرًا إِلاَّ مَنْ أَحْيَاهُ اللَّهُ بِالْعِلْمِ».
رجال السند:
الْحَكَمُ بْنُ الْمُبَارَكِ، هو ثقة أثنى عليه الإمام أحمد تقدم، والْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، هو أبو العباس دمشقي كثير تدليس التسوية، ثقة إذا سلم من ذلك تقدم، والْوَلِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، هو القرشي أبو عبد الرحمن، ثقة أثنى عليه أبو حاتم، وعَلِىُّ بْنُ يَزِيدَ، هو الألهاني ضعيف تقبل روايته في الترغيب والترهيب، والْقَاسِمُ أَبو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هو ابن عبد الله ابن مسعود، وأَبو أُمَامَةَ -﵁-.
الشرح:
المراد بالفتنة: الاختلاف الذى يكون بين أهل الإسلام ولا إمام لهم مجتمع على الرضا بإمامته، لما يستنكر من سيرته في رعيته، فافترقت رعيته عليه حتى صار افتراقهم إلى القتال لمّا رضيت منهم فرقة إماما غيره، وأقامت فرقة على الرضا به، قالوا: وهى التي أمر النبى -ﷺ- بكسر السيوف فيها ولزوم البيوت، وهي التي قال رسول الله -ﷺ-: «ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي،
[ ٢ / ١٤ ]
والماشي فيها خير من الساعي، ومن يشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به» (^١)، وهي فتن لا تخص زمان دون آخر، بل هي دول في كل زمان إلى قيام الساعة، وممن قعد في الفتنة حذيفة، ومحمد بن سلمة، وأبو ذر، وعمران ابن حصين، وأبو موسى الأشعري، وأسامة بن زيد، وأهبان ابن صيفي، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وأبو بكرة -﵃-، ومن التابعين؛ شريح القاضي، وإبراهيم النخعي، ومحمد بن سيرين وغيرهم ﵏، والواجب على الناس إذا اقتتل حزبان من المسلمين بهذه الصفة ترك معاونة أحدهما على الآخر وعليهم لزوم البيوت، كما أمر النبي -ﷺ- أبا ذر، ومحمد بن سلمة، وعبد الله بن عمر، ومن تقدم ذكرهم -﵃-، ولكن من اعتزل الفريقين ودّخِل عليه منزله، وأتى من يريد نفسه، فعليه دفعه عن نفسه، وإن أتى الدفع على نفسه، عملا بإباحة الدفع عن النفس في الأخبار الواردة عن النبي -ﷺ- في قوله: «من قتل دون ماله فهو شهيد» (^٢)، وكذلك من قتل دون أهله عملا بقوله -ﷺ-: «من قاتل دون نفسه حتى يقتل فهو شهيد، ومن قاتل دون أهله حتى يقتل، فهو شهيد، ومن قتل في حب الله فهو شهيد» فالواجب على كل من أريدت نفسه وماله ظلما دفع ذلك ما وجد إليه السبيل، متأولا كان المريد أو معتمدا للظلم؛ لأن ذلك عندهم ظلم وعلى كل أحد دفع الظلم عن نفسه بما قدر عليه، والحديث في سنده علي بن يزيد الألهاني: صاحب القاسم، ضعيف، وأخرجه ابن ماجة (٩) حديث (٣٩٥٤).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٥١ - (٢٢) أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، ثَنَا الأَوْزَاعِىُّ قال: حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ رِئَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -﵁- أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " اغْدُ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا، وَلَا تَغْدُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ فَإِنَّ مَا بَيْنَ ذَلِكَ جَاهِلٌ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَبْسُطُ (^٣) أَجْنِحَتَهَا لِلرَّجُلِ غَدَا يَبْتَغِى الْعِلْمَ مِنَ الرِّضَا بِمَا يَصْنَعُ " (^٤).
_________________
(١) البخاري حديث (٣٦٠١) ومسلم حديث (٢٨٨٦).
(٢) البخاري حديث (٢٤٨٠) ومسلم حديث (١٤١).
(٣) في حاشية (ت) لتبسط وعليها (صح، والرمز ط).
(٤) سنده حسن.
[ ٢ / ١٥ ]
رجال السند:
أَبُو الْمُغِيرَةِ، هو عبد القدوس إمام ثقة تقدم، والأَوْزَاعِىُّ، هو عبد الرحمن إمام ثقة تقدم، وهَارُونُ بْنُ رِئَابٍ، هو البصري قليل الرواية جدا، ثقة زاهد، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ -﵁-.
الشرح:
تقدم ضمن رقم ٢٥٥، ورقم ٢٥٦، ورقم ٣٤٨، وتقدم البيان بما أغنى عن الإعادة فلينظر.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٥٢ - (٢٣) أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، ثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ (^١) قَالَ: " سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ رَجُلَيْنِ كَانَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَحَدُهُمَا كَانَ عَالِمًا يُصَلِّى الْمَكْتُوبَةَ ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ، وَالآخَرُ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «فَضْلُ هَذَا الْعَالِمِ الَّذِي يُصَلِّى الْمَكْتُوبَةَ ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ، عَلَى الْعَابِدِ الَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ، كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ رَجُلًا» (^٢).
رجال السند:
أَبُو الْمُغِيرَةِ، والأَوْزَاعِيُّ، تقدما آنفا، والْحَسَن، هو البصري تقدم.
الشرح: تقدم برقم ٢٩٦، وتم البيان فلينظر.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٥٣ - (٢٤) أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ ذَكْوَانَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَمَيَّلْتُ (^٣) إِلَى أَيِّهِمَا أَجْلِسُ؟ فَنَعَسْتُ، فَأَتَانِي آتٍ فَقَالَ: مَيَّلْتَ (^٤) إِلَى أَيِّهِمَا تَجْلِسُ؟ إِنْ شِئْتَ أَرَيْتُكَ مَكَانَ جِبْرِيلَ مِنْ حُمَيْدِ
_________________
(١) في (ك) علق (الحسين) وهو خطأ.
(٢) رجاله ثقات، وفيه انقطاع بين الأوزاعي والحسن، وتقدم من طريق مكحول مرسلا (٢٩٣).
(٣) في (ت) فمقلت، صوبت في الهامش.
(٤) أي: تردد، تقول العرب: إني لأميّل بين ذينك الأمرين، وأمايل بينهما أيهما آتي (النهاية ٤/ ٣٨٢).
[ ٢ / ١٦ ]
ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ " (^١).
رجال السند:
الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، هو البجلي ثقة من كبار شيوخ مسلم، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، هو العباداني أبو عاصم البصري، ليس به بأس من أفراد الدارمي، والْحَسَنُ بْنُ ذَكْوَانَ، هو أبو سلمة البصري، لابأس به روى عنه عبد الله بن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، وابْنُ سِيرِينَ، محمد من أئمة التابعين، والأسْوَدُ بْنُ سَرِيْعٍ، هو السعدي أبو عبد الله المنقري، صابي غزا أربع غزوات، ولعله كان يقصها في مسجد البصرة، إذ كان أول قاص في البصرة، وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هو فقيه البصرة، تابعي ثقة، أثنى عليه ابن سيرين تقدم.
الشرح:
المراد أن الحسن البصري ﵀ تردد إلى أي المجلسين يميل، وقوله: " فَنَعَسْتُ " القصة مختصرة، فصلت فيما روى ابن عبد البر في جامع بيان العلم، وأنه مال إلى حلقة الفقه، فلما رجع إلى بيته نام فرأى من بين له الأفضل من المجلسين، وهو مجلس حميد الذي يتكلم في الفقه وحضره جبريل -﵇-، وفي هذا بيان أن التفقه في الدين أفضل من سماع أحداث الغزوات لما في ذلك من بيان الحلال والحرام.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٥٤ - (٢٥) أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ عَاصِمِ ابْنِ رَجَاءِ ابْنِ حَيْوَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ جَمِيلٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: " كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِى الدَّرْدَاءِ -﵁- فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ إِنِّي أَتَيْتُكَ مِنَ الْمَدِينَةِ مَدِينَةِ الرَّسُولِ -ﷺ- لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: فَمَا جَاءَ بِكَ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: وَلَا جَاءَ بِكَ (^٢) غَيْرُهُ؟ قَالَ: لا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ بِهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ
_________________
(١) فيه عبد الله بن عبيد الله، قال الذهبي: واه (الميزان ٣/ ١٧٢) وقوى شأنه ابن حجر، عن ابن معين: ليس بهبأسصالح الحديث، وعن أبي زرعة: شيخ، وقال أبو حاتم: ليس بهبأس (لسان الميزان ٣/ ٣١٤) وانظر (الجرح والتعديل ٥/ ١٠٠ - ١٠١)، وانظر: القطوف رقم (٢٤٢/ ٣٤٦).
(٢) في المطبوع (بغاء لك).
[ ٢ / ١٧ ]
لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ النُّجُومِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظِّهِ (^١) - أَوْ (^٢) بِحَظٍّ وَافِرٍ».
رجال السند:
نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، هو الجهضمي أبو عمرو البصري، إمام ثقة قدوة، روى له الستة، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، هو الخريبي أبو عبد الرحمن الشعبي، إمام ثقة عابد روى له الستة عدا مسلم، وعَاصِمُ بْنُ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، هو الفلسطيني لابأس به، ودَاوُدَ بْنِ جَمِيلٍ، هو مجهول، وكَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ ضعيف، وهم فيه محمد بن يزيد الواسطي، فقال: قيس ابن كثير، وأَبو الدَّرْدَاءِ -﵁-.
الشرح:
قوله: «فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ إِنِّي أَتَيْتُكَ مِنَ الْمَدِينَةِ مَدِينَةِ الرَّسُولِ -ﷺ- لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-».
كانت الرحلة في طلب الحديث من غايات طلب العلم بدأت في عهد الصحابة واستمرت دهرا إلى آخر عصر الرواية، ومن فوائدها استيثاق الرواية، وعلو السند إليها، وبعد عصر الرواية بقيت للتبرك ولو حصل منها علو في السند، لكن ما بعد عصر الرواية لا يخضع للجرح والتعديل، لنضوج ذلك في عصر الرواية واستقرار أقوال أئمة الجرح والتعديل ﵏، وقد رحل جابر بن عبد الله -﵁- إلى عبد الله بن أنيس لطلب حديث واحد، واستغرقت رحلته شهرا كاملا، وكذلك رحل زر بن حبيش إلى صفوان ابن عسال ليسأله عن المسح على الخفين.
_________________
(١) أخرجه أبو داود حديث (٣٦٤١) وفيه داود بن جميل، وشيخه كثير بن قيس: ضعيفان، وكثير بن قيس هو الصواب، لا قيس بن كثير، قال المزي: فقد اتفقت الروايات كلها على أنه كثير بن قيس، إلا ما روي عن محمد بن يزيد الواسطي، في إحدى الروايتين عنه، والوهم في ذلك منه والله أعلم (تهذيب الكمال ٢٤/ ١٥٠) وأخرجه أبو داود حديث (٣٦٤١ - ٣٦٤٢) والترمذي حديث (٢٦٨٢) ويشهد له رواية ابن عباس اللاحقة عند المصنف.
(٢) سقطت من (ت).
[ ٢ / ١٨ ]
قوله: «قَالَ: فَمَا جَاءَ بِكَ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: وَلَا جَاءَ بِكَ غَيْرُهُ؟ قَالَ: لا».
سأله عن النية والقصد، فبين له أنه لم يخرج لحاجة سوى العلم، ولهذا عظم الأجر، لأهمية طلب العلم والإخلاص فيه، وهذا مما يندرج تحت الخروج في سبيل الله -ﷺ-، ولذلك أخبره أبو الدرداء فقال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ بِهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ».
المراد أن من سار في طريق إلى مجالس العلم، وفقه الله -﷿- ليسلك بالعلم طريقا يوصله إلى الجنة، والمراد بالعلم علم الشريعة.
قوله: «فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ».
المراد أنها تتواضع إجلالا لطالب العلم، وإكراما لما هو فيه من العمل. قوله: «وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ».
هذا من تعظيم طلب العلم، وعظم الله طالبه وكرمه، وجعل هذه المخلوقات تجله وتستغفر له، لجلالة ما هو فيه من العمل، ولذلك قال الله -﷿-: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ (^١)، فالصلاة من الله -﷿- الرحمة والبركة، ومن الملائكة وغيرهم الدعاء والاستغفار.
قوله: «وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ النُّجُومِ». في هذا بيان مكانة العالم وتميزه عن العابد وتقدم قوله -ﷺ- برقم ٢٩٦ - (٢): «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^٢)، إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ وَالنُّونَ فِي الْبَحْرِ، يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ الْخَيْرَ» (^٣).
قوله: «إنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ».
_________________
(١) من الآية (٤٣) من سورة الأحزاب.
(٢) من الآية (٢٨) من سورة فاطر.
(٣) هذا مرسل سنده حسن، أخرجه الترمذي موصولا من حديث أبي أمامة -﵁- حديث (٢٦٨٥) وقال: هذا حديث حسن غريب.
[ ٢ / ١٩ ]
لأن الأنبياء ﵈ هم أنصح الخلق للأمم ولذلك قال الله -﷿- لأمة محمد -ﷺ-: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (^١).
قال الحسن البصرى ﵀: ما زال لله ناس ينصحون لله في عباده، وينصحون لعباد الله في حق الله عليهم، ويعملون له في الأرض بالنصيحة، أولئك خلفاء الله في الأرض.
وقال الآجري ﵀: والنصيحة لرسول الله على وجهين: فنصيحة من صاحبه وشاهده، ونصيحة من لم يره.
فأما صحابته، فإن الله شرط عليهم أن يعزروه ويوقروه وينصروه، ويعادوا فيه القريب والبعيد، وأن يسمعوا له ويطيعوا، وينصحوا كل مسلم، فوفوا بذلك وأثنى الله عليهم به.
وأما نصيحة من لم يره: فأن يحفظوا سنته على أمته وينقلوها ويعلموا الناس شريعته ودينه ويأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر، فإذا فعلوا ذلك فهم ورثة الأنبياء.
ويذكر عن أبي هريرة -﵁- أنه مر يوما في السوق بقوم مشتغلين بتجاراتهم فقال: " أنتم هاهنا، وميراث رسول الله -ﷺ- يقسم في المسجد؟ فقاموا سراعا إليه فلم يجدوا فيه إلا القرآن والذكر ومجالس العلم فقالوا: أين ما قلت يا أبا هريرة؟، فقال: هذا ميراث محمد -ﷺ- يقسم بين ورثته، وليس من ميراثه دنياكم.
قوله: «وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ».
لأنه السبيل الصحيح لإظهار الإسلام ونشر الأحكام، والعلم بأحوال الظاهر والباطن على تباين أجناسه واختلاف أنواعه.
قوله: «فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظِّهِ، أَوْ بِحَظٍّ وَافِر».
أي: العلم من أخذ به أخذ نصيبا تاما لا حظ أوفر منه خيرا وبركة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٣٥٥ - (٢٦) حَدثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "مُعَلِّمُ الْخَيْرِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحُوتُ فِي الْبَحْرِ" (^٢).
_________________
(١) الآية (١٢٨) من سورة التوبة.
(٢) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٢٤٣/ ٣٤٩).
[ ٢ / ٢٠ ]
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ عُيَيْنَةَ، هو أبو عبد الله الثغري، لابأس به تقدم، وأَبو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، هو إبراهيم بن محمد إمام ثقة شديد على أهل البدع، والأَعْمَشُ، هو سليمان بن مهران إمام ثقة تقدم، وشِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ، هو الأسدي ثقة له أحاديث صالحة تقدم، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، شهيد الحجاج تابعي إمام ثقة تقدم، وابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
الشرح:
انظر رقم ٣٥٣، فقد تقدم البيان بما أغنى عن الإعادة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٥٦ - (٢٧) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، ثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَسْلُكُ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا إِلاَّ سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» (^١).
رجال السند:
أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، وزَائِدَةُ، والأَعْمَشُ، وأَبو صَالِحٍ، هو ذكوان، تقدموا جميعا وهم أئمة ثقات، وأَبو هُرَيْرَةَ -﵁-.
الشرح:
انظر رقم ٣٥٣ - (٢٤) فقد تقدم البيان بما أغنى عن الإعادة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٥٧ - ٢٨) حدثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، عَنْ يَعْقُوبَ - هُوَ الْقُمِّيُّ -، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: " مَا سَلَكَ رَجُلٌ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ الْعِلْمَ إِلاَّ سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ يُبْطِئْ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ" (^٢).
_________________
(١) أخرجه أبو داود حديث (٣٦٤٣) وأخرجه مسلم ضمن حديثه الطويل حديث (٢٦٩٩) واختصره الترمذي حديث (٢٦٤٦).
(٢) سنده حسن، وانظر: السابق.
[ ٢ / ٢١ ]
رجال السند:
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، هو الوراق إمام ثقة تقدم، ويَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، هو ابن عبد الله الأشعري، لابأس به، وهَارُونُ بْنُ عَنْتَرَةَ، هو الشيباني أبو عبد الرحمن الكوفي، لابأس به، وتجتب رواية ابنه عبد القدوس عنه، وأَبوه، هو عنترة ابن عبد الرحمن الشيباني، من ثقات التابعين روى له النسائي، وابْنُ عَبَّاسٍ ﵄.
الشرح:
تقدم البيان برقم ٣٥٢، فأغنى عن الإعادة.
وقوله: «مَا سَلَكَ رَجُلٌ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ الْعِلْمَ إِلاَّ سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ يُبْطِئْ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ».
هذا مقتبس من قول رسول الله -ﷺ-: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه» (^١).
والمراد بقوله: «ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه».
من أخره عمله عن دخول الجنة لم يسرع به نسبه إلى دخول الجنة؛ لأن المعتبر في ذلك الإيمان والتقوى، كما قال الله -﷿-: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (^٢)، العمل هو الذي يبلغ بالعبد درجات الآخرة، كما قال الله -﷿-: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ (^٣)، فمن أبطأ به عمله أن يبلغ به المنازل العالية عند الله -﷿- لم يسرع به
_________________
(١) مسلم حديث (٢٦٩٩).
(٢) من الآية (١٣) من سورة الحجرات.
(٣) من الآية (١٣٢) من سورة الأنعام.
[ ٢ / ٢٢ ]
نسبه فيبلغه تلك الدرجات؛ فإن الله رتب الجزاء على الأعمال لا على الأنساب، كما قال -﷿-: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (^١).
وفي هذا قال شاعر:
لعمرك ما الإنسان إلا بدينه … فلا تترك التقوى اتكالا على النسب
لقد رفع الإسلام سلمان فارس … وقد وضع الشرك النسيب أبا لهب
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٥٨ - (٢٩) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ، عَنْ مَطَرٍ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (^٢) قَالَ: " هَلْ مِنْ طَالِبِ خَيْرٍ فَيُعَانَ عَلَيْهِ " (^٣).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، هو ابن أبي عطاء صدوق يخطئ تقدم، وابْنُ شَوْذَبٍ، هو عبدالله البلخي ثقة تقدم، ومَطَرٌ (^٤)، هو ابن طهمان الوراق، حديثه حسن تقدم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٥٩ - (٣٠) قال: وَأَخْبَرَنَا مَرْوَانُ عَنْ ضَمْرَةَ قَالَ: طَالِبِ عِلْمٍ (^٥).
رجال السند:
وَأَخْبَرَنَا مَرْوَانُ، هو الطاطري إمام ثقة تقدم، وضَمْرَةُ، هو ابن ربيعة أبو عبد الله الفلسطيني، راوية حديث ابن شوذب، ثقة مأمون.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٦٠ - (٣١) أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، ثَنَا يَعْقُوبُ - هُوَ الْقُمِّيُّ - عَنْ عَامِرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ -﵁- إِذَا رَأَى طَلَبَةَ الْعِلْمِ قَالَ:
_________________
(١) الآية (١٠١) من سورة المؤمنون.
(٢) الآية (١٧) من سورة القمر.
(٣) فيه محمد بن كثير بن أبي عطاء: وشيخه مطر: كلاهما صدوق كثير الخطأ، وانظر: القطوف رقم (٢٤٥/ ٣٥١).
(٤) في (ك) مطرف: وهو تحريف.
(٥) سنده حسن.
[ ٢ / ٢٣ ]
" مَرْحَبًا بِطَلَبَةِ الْعِلْمِ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَوْصَى بِكُمْ " (^١).
رجال السند:
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، هو الوراق إمام ثقة تقدم، ويَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، هو ابن عبد الله الأشعري، لابأس به، وعَامِرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هو الأصبهاني كان مؤذنا، روى عنه شيخه القمي، وهو من رواية الأكابر عن الأصاغر، لابأس به، وأَبُو الدَّرْدَاءِ -﵁-.
والمراد من قول أبي الدرداء إكرام طالب العلم، وتشجيعه على الطلب، ولاسيما حينما قال: إن رسول الله -ﷺ- أوصى بكم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٦١ - (٤٠) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَرَّ بِمَجْلِسَيْنِ في مَسْجِدِهِ، فَقَالَ: «كِلَاهُمَا عَلَى خَيْرٍ، وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ، أَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَدْعُونَ اللَّهَ وَيُرَغِّبُونَ إِلَيْهِ، فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ، وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ، وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَتَعَلَّمُونَ الْفِقْهَ وَالْعِلْمَ وَيُعَلِّمُونَ الْجَاهِلَ فَهُمْ أَفْضَلُ، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا» قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ فِيهِمْ " (^٢).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، هو المقرئ إمام ثقة تقدم، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمَ، هو قاضي أفريقيا، شديد في وعظ الظلمة من الولاه، تقبل روايته في الترغيب والترهيب وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَافِعٍ، هو كتلميذه تولى القضاء في إفريقية، ضعيف وجدت له مناكير في حديثه، واتهم بها تلميذه زياد، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﵄.
الشرح: تقدمت المفاضلة بين المجلسين برقم ٣٥٢ - (٢٣) ولا ريب أن التفقه في الدين أولى، وهذه الرواية فيها ضعيفان، والرواية تدخل في الترغيب، وجميع حلقات العلم فيها خير إذا استندت إلى الكتاب والسنة، وابعدت عن البدع، ورأس الأمر فيها التفقه في الدين فقد قال رسول الله -ﷺ-: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» (^٣).
_________________
(١) سنده حسن.
(٢) فيه ضعيفان، ابن زياد وابن رافع، وانظر: القطوف رقم (٢٤٨/ ٣٥٤).
(٣) البخاري حديث (٧١) ومسلم حديث (١٠٣٧).
[ ٢ / ٢٤ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٦٢ - (٤١) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، ثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ عَوْنِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ أَنَّهُ قَالَ لاِبْنِهِ: " يَا بُنَيَّ إِنَّ الْعِلْمَ خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ " (^١).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، هو المقرئ إمام ثقة تقدم آنفا، والْمَسْعُودِيُّ، هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة ثقة تغير تقدم، وعَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، هو ابن عتبة أخو عبد الرحمن ثقة تقدم، ومُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، هو البصري أبو عبد الله العامري، أخو يزيد تابعي إمام ثقة ولأبيه صحبة، وابْنه، هو عبد الله بن مطرف تابعي عابد مات قبل أبيه.
الشرح:
المراد بقوله: " إن العلم خير من العمل " بيان أن الانقطاع للعبادة وترك العلم والتفقه خير منه العلم؛ لأن العلم أساس العبادة، ولذلك تقدم برقم ٢٩٧، قول رسول الله -ﷺ-: «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^٢).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٦٣ - (٤٢) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، ثَنَا حَيْوَةُ، أَنَبأ شُرَحْبِيلُ بْنُ (^٣) شَرِيكٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ يَقُولُ: " لَيْسَ هَدِيَّةٌ أَفْضَلَ مِنْ كَلِمَةِ حِكْمَةٍ تُهْدِيهَا لأَخِيكَ" (^٤).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، هو المقرئ إمام ثقة تقدم آنفا، وحَيْوَةُ، هو ابن شريح بن صفوان التجيبي المصري، إمام ثقة قدوة روى له الستة، وشُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكٍ، هو المعافري أبو محمد
_________________
(١) سنده حسن، وانظر: القطوف رقم (٢٤٩/ ٣٥٥).
(٢) من الآية (٢٨) من سورة فاطر.
(٣) في بعض النسخ الخطية" عن" وهو خطأ.
(٤) سنده حسن.
[ ٢ / ٢٥ ]
المصري، ليس به بأس روى له مسلم، وأَبو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيّ، هو عبد الله بن يزيد المعافري، تابعي أرسله عمر بن عبد العزيز إلى افريقيا ليعلم أهلها، ثقة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٦٤ - (٤٣) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، ومُحَمَّدُ ابْنُ عَجْلَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْمُجْتَهِدِ مِائَةُ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ، حُضْرُ الْفَرَسِ الْمُضَمَّرِ السَّرِيعِ.
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ، هو الأصبهاني، ثقة تقدم، ويَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، هو أبو زكريا المقرئ، أكثر عن الثوري صدوق تقدم، ومُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، هو القرشي إمام ثقة شبهه ابن المبارك بالياقوتة بين العلماء تقدم، والزُّهْرِيُّ، محمد مسلم إمام ثقة تقدم.
الشرح:
قوله: " حضر " الحضر بالضم: العَدْو، ومنه الحديث (أنه أقطع الزبير حُضر فرسه بأرض المدينة) النهاية ١/ ٣٩٨٩، والخبر مرسل سنده مقارب، وانظر: القطوف رقم (٢٥١/ ٣٥٧)، وقول الزهري هذا ليس مما يقال بالرأي، والمراد بالمجتهد المداوم على العبادة من صوم وصلاة ونافلة، وليس المراد المجتهد في العلم، وهذا مثل ما سبق من تفضيل العالم على العابد، انظر رقم ٢٩٧، ٣٦٠.
أما تقدير الدرجات فالمراد أن بين كل درجة وأخرى مسافة ما يجريه الفرس القوي المضمّر، وقد ورد هذا في وصف سرعة اجتياز الصراط حسب الأعمال فذكر منهم من يكون اجتياز على الصراط كسرعة الفرس المُحْضر، وطريقة تضمير الخيل أن تسمن ثم يقلل لها العلف حتى تجوع تضمر بطونها، ثم تجرى شيئا فشيئا، حتى تقوى عضلاتها، فتنازل أقرانها في الميدان.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٣٦٥ - (٤٤) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، ثَنَا حَيْوَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي السَّكَنُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال:
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ من الآية (١١) من سورة المجادلة.
رجال السند:
[ ٢ / ٢٦ ]
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، هو المقرئ إمام ثقة تقدم، وحَيْوَةَ هو ابن شريح إمام ثقة قدوة تقدم آنفا، السَّكَنُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ، هو شامي سكت عنه الإمامان، ووثقه ابن حبان فلابأس، وهو من أفراد الدارمي، وعِكْرِمَةُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، إمام ثقة تقدم، وابْنُ عَبَّاسٍ ﵄.
الشرح:
في سنده السكن، سكت عنه أبو حاتم (الجرح والتعديل ٤/ ٢٨٨) وانظر: القطوف رقم (٢٥٢/ ٣٥٨) وانظر السابق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٦٦ - (٤٥) أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ الْبَزَّارُ، ثَنَا نَصْرُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ كَثِيرٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ جَاءَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ لِيُحْيِىَ بِهِ الإِسْلَامَ، فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّينَ دَرَجَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ» (^١).
رجال السند:
بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ الْبَزَّارُ، هو أبو محمد البصري لابأس به روى له ابن ماجه، ونَصْرُ بْنُ الْقَاسِمِ، هو مجهول، ومُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، هو مجهول، وعَمْرُو ابْنُ كَثِيرٍ، هو مجهول، والْحَسَنُ، هو البصري.
الشرح:
يكفي أن سنده مسلسل بالمجاهيل، حاشا الحسن، وقد أرسله ﵀.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٦٧ - (٤٦) حدثنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ثَنَا مِهْرَانُ، ثَنَا أَبُو سِنَانٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: ذَهَبَ عُمَرُ بِثُلُثَي الْعِلْمِ، قال: فَذُكِرَ لإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ:
" ذَهَبَ عُمَرُ بِتِسْعَةِ أَعْشَارِ الْعِلْمِ " (^٢).
رجال السند: مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، هو الرازي وثقه يحيى بن معين، وتكلم فيه آخرون، ومِهْرَانُ، هو ابن أبي عمر العطار، أبو عبد الله الرازي لا يأس به، وأَبُو سِنَانٍ، هو
_________________
(١) سنده مجهول، عدا الحسن البصري، وانظر: القطوف رقم (٢٥٣/ ٣٥٩).
(٢) فيه محمد بن حميد الرازي: ضعيف، وانظر: القطوف رقم (٢٥٤/ ٣٦٠).
[ ٢ / ٢٧ ]
سعيد بن سنان البرجمي، عابد صالح، وأَبو إِسْحَاقَ، هو السبيعي إمام ثقة تقدم، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، هو الأودي إمام ثقة تقدم، وعُمَرُ، هو ابن الخطاب -﵁-.
الشرح:
ليس المراد العلم بالكتاب والسنة، ولم يكن من المكثرين في الرواية -﵁- وكان يستشير الصحابة -﵃- في كثير من الأمور، وقد قال: الأعمش ﵀: ليس هذا ولكنه العلم بالله -﷿-. وهذا فهم حسن فإن عمر -﵁- كان شديد المراقبة لنفسه، وكان يتفانا في الرعاية والإصلاح، وبناء دولة الإسلام، وكان بعيد النظر في مصالح الأمة، ولذلك حقق من الخير واتساع ديار الإسلام ما لم يستن لغيره -﵁-.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٦٨ - (٤٧) أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ، أَنْبَأ شُعْبَةُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ هَارُونَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: " مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ، يَتَذَاكَرُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلاَّ أَظَلَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِى بِهِ الْعِلْمَ سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا مِنَ الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ " (^١).
رجال السند:
بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ، هو البزاز لابأس به تقدم، وشُعْبَةُ، هو ابن الحجاج إمام ثقة تقدم، ويَزِيدَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، هو يزيد بن عبد الرحمن أبو خالد الأسدي، صدوق يخطئ كثيرا ويدلس، روى له الأربعة، وهَارُونُ، هو ابن عنترة، لابأس به، وتجتب رواية ابنه عبد القدوس عنه تقدم، وأَبوه، هو عنترة ابن عبد الرحمن الشيباني، من ثقات التابعين، وابْنُ عَبَّاسٍ ﵄.
الشرح:
تقدم برقم ٢٥٥، ٣٥٣، ٣٥٥، وتم البيان بما أغنى عن الإعادة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٦٩ - (٤٨) أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، ثَنَا حَمَّادٌ - هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ - عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ قَالَ: " غَدَوْتُ عَلَى صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ الْمُرَادِيِّ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنِ الْمَسْحِ
_________________
(١) سنده حسن، وانظر: رقم (٣٤٧، ٣٦١).
[ ٢ / ٢٨ ]
عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ؟، قُلْتُ: ابْتِغَاءَ الْعِلْمِ. قَالَ: أَلَا أُبَشِّرُكَ؟ قُلْتُ: بَلَى. فَقَالَ رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى النبي -ﷺ- "، وَقَالَ: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ» (^١).
رجال السند:
عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، هو القيسي أبو عثمان البصري، صالح روى له الستة، وحَمَّادٌ بْنُ سَلَمَةَ، إمام ثقة تقدم وعَاصِمٌ، هو ابن بهدلة إمام ثقة تقدم، وزِرٌّ، هو ابن حبيش أبو مريم الكوفي، تابعي مقرئ إمام ثقة، وصَفْوَانُ ابْنُ عَسَّالٍ الْمُرَادِيِّ، هو صحابي -﵁-.
الشرح: انظر السابق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: