٣٧٠ - (١) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ ثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ قَالَ: " سَمِعْتُ سُفْيَانَ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ: مَا كَانَ طَلَبُ الْحَدِيثِ أَفْضَلَ مِنْهُ الْيَوْمَ، قَالُوا لِسُفْيَانَ: إِنَّهُمْ يَطْلُبُونَهُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، قَالَ: طَلَبُهُمْ إِيَّاهُ نِيَّةٌ " (^٢).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ، هو الأصبهاني، ثقة تقدم، ويَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، هو المقرئ، أكثر عن الثوري صدوق، وسُفْيَانَ، هو الثوري إمام ثقة تقدم.
الشرح:
المراد أن داخل في الأعمال التي لا تصح إلا بنية عملا بقول رسول الله -ﷺ-: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» (^٣)، فمباشرة العمل تصحح القصد،
_________________
(١) سنده حسن، وانظر: رقم (٣٤٤، ٣٤٧، ٣٦١).
(٢) فيه يحي بن يمان: صدوق يخطئ كثيرا، ويحمل أمره في هذا على عدم الخطأ، وانظر: القطوف رقم (٢٥٦/ ٣٦٣).
(٣) البخاري حديث (١).
[ ٢ / ٢٩ ]
ولذلك قال سفيان الثوري ﵀: " طَلَبُهُمْ إِيَّاهُ نِيَّةٌ "، ولا يلتزم التصريح بالنية، فمحلها القلب، والعمل يصدق ذلك، وانظر ما تقدم برقم ٢٦٢.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٧١ - (٢) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الأَجْلَحِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: " طَلَبْنَا هَذَا الْعِلْمَ وَمَا لَنَا فِيهِ كَبِيرُ نِيَّةٍ، ثُمَّ رَزَقَ اللَّهُ بَعْدُ فِيهِ النِّيَّةَ " (^١).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، هو الأشج إمام ثقة تقدم، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الأَجْلَحِ، هو الكندي لابأس به تقدم، وأَبوه، هو الأجلح بن عبد الله الكندي، له أحاديث صالحة تقدم، ومُجَاهِد، هو ابن جبر إمام ثقة تقدم.
الشرح:
المراد أن طالب العلم في الابتداء قد لا يدرك قيمة العلم ولاسيما في سن المراهقة، فإذا عايش العلم والعلماء وتجاوز مرحلة المراهقة أدرك أهمية العلم واستصحب إخلاص النية فيه وهذا لا يكون إلا بتوفيق من الله -﷿-.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٧٢ - (٣) أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ الْبَزَّارُ، ثَنَا حَسَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ يُونُسَ ابْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: " لَقَدْ طَلَبَ أَقْوَامٌ الْعِلْمَ مَا أَرَادُوا بِهِ اللَّهَ وَلَا مَا عِنْدَهُ، فَمَا زَالَ بِهِمُ الْعِلْمُ حَتَّى أَرَادُوا بِهِ اللَّهَ -﷿- وَمَا عِنْدَهُ " (^٢).
رجال السند:
بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ الْبَزَّارُ، لابأس به تقدم، وحَسَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، هو المكور اسمه في المطبوعات" حسان بن صالح " ولم أقف على ترجته، ويُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، هو تابعي إمام ثقة تقدم، والْحَسَنُ، هو البصري.
الشرح: أنظر السابق.
_________________
(١) سنده حسن، وانظر: القطوف رقم (٢٥٧/ ٣٦٤).
(٢) فيه حسان بن مسلم: ذكره المزي في ترجمة بشر من شيوخه لا غير (تهذيب الكمال ٤/ ٩٨)، وانظر: القطوف رقم (٢٥٨/ ٣٦٥).
[ ٢ / ٣٠ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٧٣ - (٤) أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: " قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ: الْعُلَمَاءُ ثَلَاثَةٌ: فَرَجُلٌ عَاشَ فِي عِلْمِهِ وَعَاشَ مَعَهُ النَّاسُ فِيهِ، وَرَجُلٌ عَاشَ فِي عِلْمِهِ وَلَمْ يَعِشْ مَعَهُ أَحَدٌ، وَرَجُلٌ عَاشَ النَّاسُ فِي عِلْمِهِ وَكَانَ وَبَالًا عَلَيْهِ" (^١).
رجال السند:
سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وأَيُّوبُ، أئمة ثقات تقدموا، وأَبو قِلَابَةَ، هو عبد الله بن زيد إمام ثقة تقدم، وأَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ، هو عبد الله الداراني، تابعي إمام ثقة عابد.
الشرح:
هذه موعظة من أبي مسلم ﵀، وأساسها قول رسول الله -ﷺ-: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقية، قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» (^٢)، وعلى هذا بنى أبو مسلم، فالعالم الذي عاش معه الناس هو من تعلم وعلم وعمل بما علم، والعالم الذي لم يعش معه أحد هو من تعلم وعمل بعلمه ولم يعلم غيره، فهو في الأجر أقل من سابقه، والذي كان علمه وبالا عليه، هو من تعلم ولم يعمل بعلمه فكان حجة عليه ويوم يسأل عن علمه ماذا عمل به أو أنه الذي يأمر الناس بالخير ولا يفعله، وهو المقصود بقول الله -﷿-: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (^٣)، والعبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب، وكذلك قوله: -﷿- ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا
_________________
(١) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٢٥٩/ ٣٦٦).
(٢) البخاري حديث (٧٩) ومسلم حديث (٢٢٨٢).
(٣) الآية (٤٤) من سورة البقرة.
[ ٢ / ٣١ ]
مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (^١)، وقال رسول الله -ﷺ-: «يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه» (^٢).
وقد صور هذا أبو الأسود الدؤلي ﵀ فقال:
يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُعَلِّمُ غَيْرَهُ … هَلَّا لِنَفْسِكَ كَانَ ذَا التَّعْلِيمُ
وَنَرَاكَ تُلْقِحُ بِالرَّشَادِ عُقُولَنَا … صِفَةً وَأَنْتَ مِنَ الرَّشَادِ عَدِيمُ
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ … عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ
وَابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا … فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ
فَهُنَاكَ تُقْبَلُ إِنْ وَعَظْتَ وَيُقْتَدَى … بِالْقَوْلِ مِنْكَ وَيَنْفَعُ التَّعْلِيمُ
قال الدارمي رحمه الله تعالى: