٣٧٤ - (١) أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ (^٣) اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: " قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ أَيُّ عِبَادِكَ أَحْكَمُ؟، قَالَ: الَّذِي يَحْكُمُ لِلنَّاسِ كَمَا يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ، قَالَ: يَا رَبِّ أَيُّ عِبَادِكَ أَغْنَى؟، قَالَ: أَرْضَاهُمْ بِمَا قَسَمْتُ لَهُ. قَالَ: يَا رَبِّ أَيُّ عِبَادِكَ أَخْشَى لَكَ؟، قَالَ: أَعْلَمُهُمْ بِي" (^٤).
رجال السند:
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، هو العبسي ثقة تقدم، وعُثْمَانُ بْنُ الأَسْوَدِ، هو الجمحي إمام ثقة فقيه، روى له الستة، وعَطَاءٌ، هو ابن أبي رباح إمام ثقة تقدم، ومُوسَى -﵇-.
الشرح:
قوله: «أَيُّ عِبَادِكَ أَحْكَمُ؟، قَالَ: الَّذِي يَحْكُمُ لِلنَّاسِ كَمَا يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ».
_________________
(١) الآيتان (٢، ٣) من سورة الصف.
(٢) البخاري حديث (٣٢٦٧).
(٣) هكذا في الأصول الخطية، عدا (ت، ف، ل، و) ففيها (عبد الله) وهو خطأ.
(٤) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٢٦٠/ ٣٦٧).
[ ٢ / ٣٢ ]
المراد الحاكم العادل في الحكم بين الناس، بما لو كانت القضية عليه لحكم على نفسه لحكم بالحكم ذاته، عملا بقول الله -﷿-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (^١).
قوله: «أَيُّ عِبَادِكَ أَغْنَى؟، قَالَ: أَرْضَاهُمْ بِمَا قَسَمْتُ لَهُ».
المراد من إذا أصابته ضراء صبر، وإن أصابته سراء شكر، ومن كان هذا نهجه فإنه يرضى بما قسم الله له، عملا بقول الله -﷿-: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ (^٢)، وانظر ما تقدم برقم ٢٣٧، ففيه مزيد بيان.
قوله: «أَيُّ عِبَادِكَ أَخْشَى لَكَ؟، قَالَ: أَعْلَمُهُمْ بِي».
لأن الله -﷿- قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^٣)، فالعلم بالله -﷿- يورث الخشية وهي أقصى درجات الخوف.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٧٥ - (٢) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: " كَانَ يُقَالُ الْعُلَمَاءُ ثَلَاثَةٌ: عَالِمٌ بِاللَّهِ يَخْشَى اللَّهَ لَيْسَ بِعَالِمٍ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَعَالِمٌ بِاللَّهِ عَالِمٌ بِأَمْرِ اللَّهِ يَخْشَى اللَّهَ فَذَلِكَ الْعَالِمُ الْكَامِلُ، وَعَالِمٌ بِأَمْرِ اللَّهِ لَيْسَ بِعَالِمٍ بِاللَّهِ لَا يَخْشَى اللَّهَ فَذَلِكَ الْعَالِمُ الْفَاجِرُ " (^٤).
رجال السند: مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، هو الفيابي، وسُفْيَانُ، هو ابن عيينة، وهما إمامان ثقتان تقدما.
الشرح:
قول ابن عيينة هذا هو معني ما تقدم برقم ٣٧٢، وتم بيانه بما أغنى عن الإعادة.
_________________
(١) من الآية (١٣٥) من سورة النساء.
(٢) من الآية (٣٢) من سورة الزخرف.
(٣) من الآية (٢٨) من سورة فاطر.
(٤) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٢٦١/ ٣٦٨).
[ ٢ / ٣٣ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٧٦ - (٣) أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا هِشَامٌ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: " الْعِلْمُ عِلْمَانِ: فَعِلْمٌ فِي الْقَلْبِ فَذَلِكَ الْعِلْمُ النَّافِعُ، وَعِلْمٌ عَلَى اللِّسَانِ فَذَلِكَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى ابْنِ آدَمَ " (^١).
رجال السند:
مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هو الحنظلي أبو السكن الخراساني، إمام ثقة مأمون، وهِشَامٌ، هو ابن حسان، والْحَسَنُ، هو البصري هما إمامان ثقتان تقدما.
الشرح:
المراد أن العلم الكائن في القلب هو ما قصد به وجه الله -﷿- والدار الآخرة، فهو النافع لصاحبه في الدنيا؛ لأنه يؤجر على العمل به وتعليمه، ويستمر أجر العلم لصاحبه بعد الموت فلا ينقطع قال رسول الله -ﷺ-: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له» (^٢)، وقد قال الله -﷿-: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (^٣). وأما العلم الذي يكون حجة على صاحبه؛ لأنه تعلم لطلب الدنيا ومن ذلك السمعة والجاه، أو كان من الأئمة المضلين أصحاب البدع المجافين للكتاب والسنة، فإنه يوم القيامة يسأل عن علمه، قال رسول الله -ﷺ-: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه» (^٤).
قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٣٧٧ - (٤) أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ النبي -ﷺ-:
مِثْلَ ذَلِكَ (^٥).
رجال السند: عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ، هو اليربوعي لابأس به تقدم، وفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، هو التميمي إمام ثقة قدوة، وهِشَامٌ، هو ابن حسان إمام ثقة تقدم، والْحَسَنُ، هو البصري. وانظر السابق.
_________________
(١) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٢٦٢/ ٣٦٩).
(٢) الترمذي حديث (١٣٧٦).
(٣) من الآية (٣٠) من سورة الكهف.
(٤) الترمذي حديث (٢٤١٧).
(٥) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٢٦٣/ ٣٧٠).
[ ٢ / ٣٤ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٧٨ - (٥) أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: " تَعَلَّمُوا تَعَلَّمُوا، فَإِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا " (^١).
رجال السند:
عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، هو الواسطي، إمام ثقة تقدم، وخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، هو المزني، إمام ثقة تقدم، ويَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ ضعيف، وإِبْرَاهِيمُ، هو النخعي إمام ثقة، وعَلْقَمَةُ، هو النخعي، وهما إمامان ثقتان، وعَبْدُ اللَّهِ، هو ابن مسعود -﵁-.
الشرح:
لأن العلم ثمرته العمل، وصدق من قال: العلم شجرة، والعمل ثمر.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٧٩ - (٦) أَخْبَرَنَا أَبُو عُبَيْدٍ: الْقَاسِمُ بْنُ سَلاَّمٍ، ثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ - هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُؤَدِّبُ - عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -﵁- قَالَ: " مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لأَرْبَعٍ دَخَلَ النَّارَ - أَوْ نَحْوَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ - لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ لِيَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ، أَوْ لِيَأْخُذَ بِهِ مِنَ الأُمَرَاءِ" (^٢).
رجال السند: أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلاَّمٍ، هو الهروي مصنف كبير، وعالم جليل، إمام ثقة فقيه مجتهد قدوة، ليس له في الستة رواية سوى ما يتعلق بكلامه في غريب الحديث، وأَبُو إِسْمَاعِيلَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُؤَدِّبُ، هو الأردني صدوق يغرب، وعَاصِمُ الأَحْوَلِ، هو ابن سليمان، إمام ثقة، من حدثه عَنْ أَبِي وَائِلٍ، مجهول، وقد يكون الشعبي، فقد روى عاصم عن الشعبي، ورى الشعبي عن أبي وائل، وعَبْدُ اللَّهِ، هو ابن مسعود -﵁-.
الشرح:
لأن هذه مطالب دنيوية ليس لله -﷿- فيها قصد، وتقدم عن ابن مسعود -﵁- نحو هذا برقم ٢٦٢، وتم شرحه فلينظر.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
_________________
(١) فيه يزيد بن أبي زياد: ضعيف، وانظر: القطوف رقم (٢٦٤/ ٣٧١).
(٢) سنده حسن.
[ ٢ / ٣٥ ]
٣٨٠ - (٧) أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ هِشَامٍ صَاحِبِ الدَّسْتَوَاء (^١) قَالَ: " قَرَأْتُ فِي كِتَابٍ بَلَغَنِي أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ عِيسَى -﵇-: تَعْمَلُونَ لِلدُّنْيَا وَأَنْتُمْ تُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ عَمَلٍ، وَلَا تَعْمَلُونَ لِلآخِرَةِ وَأَنْتُمْ لَا تُرْزَقُونَ فِيهَا إِلاَّ بِالْعَمَلِ، وَإِنَّكُمْ عُلَمَاءَ السَّوْءِ، الأَجْرَ تَأْخُذُونَ وَالْعَمَلَ تُضَيِّعُونَ، يُوشِكُ رَبُّ الْعَمَلِ أَنْ يَطْلُبَ عَمَلَهُ، وَتُوشِكُونَ أَنْ تَخْرُجُوا مِنَ الدُّنْيَا الْعَرِيضَةِ، إِلَى ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَضِيقِهِ، اللَّهُ نَهَاكُمْ عَنِ الْخَطَايَا كَمَا أَمَرَكُمْ بِالصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ، كَيْفَ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ سَخِطَ رِزْقَهُ وَاحْتَقَرَ مَنْزِلَتَهُ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ؟ كَيْفَ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنِ اتَّهَمَ اللَّهَ فِيمَا قَضَى لَهُ، فَلَيْسَ يَرْضَى شَيْئًا أَصَابَهُ؟ كَيْفَ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ دُنْيَاهُ آثَرُ عِنْدَهُ مِنْ آخِرَتِهِ وَهُوَ فِي الدُّنْيَا أَفْضَلُ رَغْبَةً؟ كَيْفَ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ مَصِيرُهُ إِلَى آخِرَتِهِ وَهُو مُقْبِلٌ عَلَى دُنْيَاهُ وَمَا يَضُرُّهُ أَشْهَى إِلَيْهِ - أَوْ قَالَ أَحَبُّ إِلَيْهِ - مِمَّا يَنْفَعُهُ؟ كَيْفَ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يَطْلُبُ الْكَلَامَ لِيُخْبِرَ بِهِ وَلَا يَطْلُبُهُ لِيَعْمَلَ بِهِ؟ ".
رجال السند:
سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، هو الضبعي إمام ثقة تقدم، وهِشَامٌ صَاحِبِ الدَّسْتَوَاء، هو ابن أبي عبد الله سنبر، مولى لبني سدوس، وكان ثقة ثبتا في الحديث حجة، إلا أنه يرمي بالقدر، وقوله: صاحب الدستوائي: المراد أنه كان يبيع الثياب المجلوبة من دستواء من بلاد فارس.
الشرح: رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٢٦٦/ ٣٧٣) وهذه موعظة غنية عن الشرح، واضحة المباني بينة المعاني، لا مزيد على ما فيها من الترهيب، عد فاقرأها وتأمل
فحواها.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٨١ - (٨) أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، ثَنَا حَرِيزٌ (^٢)، عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: " كَانَ يُقَالُ: تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ وَانْتَفِعُوا بِهِ وَلَا تَعَلَّمُوهُ لِتَتَجَمَّلُوا بِهِ، فَإِنَّهُ يُوشِكُ إِنْ طَالَ بِكُمْ عُمُرٌ أَنْ يَتَجَمَّلَ ذُو الْعِلْمِ بِعِلْمِهِ كَمَا يَتَجَمَّلُ ذُو الْبِزَّةِ
_________________
(١) وقع مصحفا في المطبوع (الاستواء) والدستوائي نسبة هشام، وقد كان يبيع الثياب التي تجلب من دستواء، بلدة من بلاد الأهواز، فنسب إليها (الأنساب ٥/ ٣١٠) وانظر كتابي" نسبة ومنسوب".
(٢) تصحف في جميع النسخ الخطية إلى (جرير).
[ ٢ / ٣٦ ]
بِبِزَّتِهِ " (^١).
رجال السند:
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، هو أبو علي الحنفي ثقة تقدم، وحَرِيزٌ، هو ابن عثمان الرحبي، إمام ثقة، وحَبِيبُ بْنُ عُبَيْدٍ، هو الرحبي أبو حفص الحمصي، إمام ثقة روى له الستة عدا البخاري.
الشرح:
المراد لا تجعلوا تعلم العلم وجاهة وتميز، بل اعملوا به وكنوا قدوة حسنة في التواضع والزهد في الدنيا، فإنه سيكون من الناس من يتخذ العلم زينة وشهرة كما يشتهر الواحد من الناس بلباسه وأنقته، ولعمري إن في زماننا من يكون علمه بزة وشهرة وتفاخر.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٨٢ - (٩) أَخْبَرَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، ثَنَا بَقِيَّةُ، عَنِ الأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ -ﷺ- عَنِ الشَّرِّ فَقَالَ: «لَا تَسْأَلُونِي عَنِ الشَّرِّ وَسَلُونِي عَنِ الْخَيْرِ». يَقُولُهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا إِنَّ شَرَّ الشَّرِّ شِرَارُ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّ خَيْرَ الْخَيْرِ خِيَارُ الْعُلَمَاءِ» (^٢).
رجال السند:
نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، هو المروزي، فقيه فرضي، الصحيح أن حديثه لا يقل عن الحسن، وما أنكر عليه محدود تقدم، وبَقِيَّةُ، هو ابن الوليد، قوي إذا حدث عن ثقة، وصرح بالتحديث تقدم، والأَحْوَصُ بْنُ حَكِيمٍ، هو العنسي ضعيف، ويعتبر به إذا حدث عن ثقة، وأَبوه، هو حكيم بن عمير العنسي، تابعي لابأس به.
الشرح:
قال حذيفة بن اليمان -﵁-: " كان الناس يسألون رسول الله -ﷺ- عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني " (^٣)، فلعله الرجل المبهم هنا، وفي نهيه -ﷺ- عن السؤال عن الشر؛ لأنه إن أخبر به ففيه هم وحزن عظيم على الأمة لصدقه -ﷺ- فيما يخبر
_________________
(١) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٢٦٧/ ٣٧٤).
(٢) مرسل فيه الأحوص: ضعيف.
(٣) البخاري حديث (٣٦٠٦) ومسلم حديث (١٨٤٧).
[ ٢ / ٣٧ ]
به؛ ولأنه يحب التفاؤل، والسؤال عن الخير فيه تفاؤل وبشارة ورحمة بالأمة، ولأن شر العلماء خطير يهلك الأمة حذر منهم وأن شرهم أشر من كل شر؛ ولأن نفع العلماء الأخيار كبير بشر به، فهو أخير الخير وأطيبه، لما فيه من صلاح الأمة ونجاتها بإذن الله.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٨٣ - (١٠) أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، أَخْبَرَنَا بِهِ حُمَيْدُ بْنُ الأَسْوَدِ، عَنْ عِيسَى قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: " إِنَّمَا كَانَ يَطْلُبُ هَذَا الْعِلْمَ مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ خَصْلَتَانِ: الْعَقْلُ وَالنُّسُكُ، فَإِنْ كَانَ نَاسِكًا وَلَمْ يَكُنْ عَاقِلًا، قَالَ: هَذَا أَمْرٌ لَا يَنَالُهُ إِلاَّ الْعُقَلَاءُ فَلَمْ يَطْلُبْهُ، وَإِنْ كَانَ عَاقِلًا وَلَمْ يَكُنْ نَاسِكًا قَالَ: هَذَا أَمْرٌ لَا يَنَالُهُ إِلاَّ النُّسَّاكُ فَلَمْ يَطْلُبْهُ.
فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: وَلَقَدْ رَهِبْتُ أَنْ يَكُونَ يَطْلُبُهُ (^١) الْيَوْمَ مَنْ لَيْسَتْ فِيهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا لَا عَقْلٌ وَلَا نُسُكٌ ".
رجال السند:
سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، هو الضبعي إمام ثقة تقدم، وحُمَيْدُ بْنُ الأَسْوَدِ، هو الكرابيسي وثقه أبو حاتم، روى له الستة سوى مسلم، وعِيسَى، هو من أصحاب الشعبي ضعيف، والشَّعْبِيُّ، هو عامر إمام ثقة تقدم.
الشرح:
في سنده عيسى الحنّاط: متروك، وانظر: القطوف رقم (٢٦٩/ ٣٧٦).
وفي قول الشعبي هذا ذكر لبعض ما يشحذ الهمم لطلب العلم العبادة والعقل، إذا اجتمعت هاتان الصفتان دفعتا إلى طلب العلم، وإذا افترقتا كانت من المثبطات عن العلم، والعابد غير العاقل يتعلل بأن العلم لا يدركه إلا العقلاء، فيتكاسل عن الطلب، وإن كان عاقلا غير عابد تعلل بأن العلم لا يدركه إلا العباد، ولا ريب أن العبادة زينة وزمامها العقل، والعلم سراج الوصول بهما إلى الصراط المستقيم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٣٨٤ - (١١) أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: زَعَمَ لِي سُفْيَانُ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ لَا يَطْلُبُ الْعِلْمَ حَتَّى يَتَعَبَّدَ قَبْلَ ذَلِكَ أَرْبَعِينَ
_________________
(١) في صلب ت (يطالبه) وصوب في الهامش.
[ ٢ / ٣٨ ]
سَنَةً (^١).
رجال السند:
أَبُو عَاصِمٍ، هو النبيل إمام ثقة تقدم، وسُفْيَانُ، هو الثوري إمام ثقة تقدم.
الشرح:
هذا قول مشكوك فيه، ولذلك قال أبو عاصم زعم لي، وهو أيضا مخالف لما هو معروف في طلب العلم من سير العلماء، بدأ بحفظ الرآن وانتهاء بالرحلة في طلب وفي سن مبكر للكثيرين منهم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٨٥ - (١٢) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ بُرْدِ بْنِ سِنَانٍ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: " مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُمَارِىَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ لِيُبَاهِىَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ " (^٢).
رجال السند: مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، هو الفريابي إمام ثقة تقدم، وسُفْيَانُ، هو الثوري إمام ثقة تقدم، وبُرْدُ بْنُ سِنَانٍ أَبو الْعَلَاءِ، هو الدمشقي ثقة رمي بالقدر تقدم، ومَكْحُولُ، إمام ثقة تقدم.
الشرح: قول مكحول هذا تقدم نحوه برقم ٢٢٩، ٣٧٨، فأغني عن الإعادة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٨٦ - (١٣) أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ بِسْطَامَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ قال: حَدَّثَنِي النُّعْمَانُ، عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-:
«مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُبَاهِىَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِىَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يُرِيدُ أَنْ يُقْبِلَ بِوُجُوهِ النَّاسِ إِلَيْهِ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ جَهَنَّمَ» (^٣).
_________________
(١) رجاله ثقات، وفيه نظر: فإنه مخالف لواقع الحال في كل زمان ومكان، ولذلك قال عاصم: زعم، ومن حاول تأويله لم يصب، لقوله: (لا يطلب العلم) فإنه نفي الطلب، وانظر: القطوف رقم (٢٧٠/ ٣٧٧).
(٢) سنده حسن، وانظر: القطوف رقم (٢٧١/ ٣٧٩).
(٣) سنده حسن، وانظر: السابق.
[ ٢ / ٣٩ ]
رجال السند:
يَحْيَى بْنُ بِسْطَامَ، هو الزهراني أبو محمد البصري، صدوق قدري، من أفراد الدارمي، ويَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، هو الحضرمي إمام ثقة تقدم، والنُّعْمَانُ، هو ابن المنذر الغساني، قدري ليس بالقوي، ألف في القول بالقدر، وقد رفع هذا، وتقدم وقفه، وهو الصحيح، ومَكْحُول، إمام ثقة.
الشرح: تقدم عن مكحول موقوفا برقم ٣٨٤، فانظره، وفيه إحالة على ما سبق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٨٧ - (١٤) أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ ابْن خَلِيفَةَ، عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: " إِنَّمَا يُحْفَظُ حَدِيثُ الرَّجُلِ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ " (^١).
رجال السند:
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، هو الوراق إمام ثقة تقدم، ويَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، هو المقرئ صدوق تقدم، والْمِنْهَالِ بْنِ خَلِيفَةَ، هو العجلي مختلف في جرحه وتعديله، وهو صالح يكتب حديثه، ومَطَرٍ الْوَرَّاقِ، هو كاتب مصاحف حديثه حسن تقدم، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، هو تابعي متكلم فيه رغم توثيق أحمد له، وابْنُ عَبَّاسٍ ﵄.
الشرح:
أخذا من قول الرسول -ﷺ-: إنما الأعمال بالنيات، وتقدم البيان برقم ٢٦٢، فقرة وابتغوا بقولكم ما عند الله.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٨٨ - (١٥) أَخْبَرَنَا يَعْلَى، ثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنِ الْقَاسِمِ قَالَ: " قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنِّي لأَحْسَبُ الرَّجُلَ يَنْسَى الْعِلْمَ كَانَ يَعْلَمُهُ، لِلْخَطِيئَةِ كَانَ
يَعْمَلُهَا " (^٢).
_________________
(١) فيه المنهال: ضعيف، وبقية الإسناد قبله إلى الضعف أقرب.
(٢) سنده حسن، وفيه انقطاع بين القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي وبين عبد الله بن مسعود -﵁-، وانظر: القطوف رقم (٢٧٤/ ٣٨١).
[ ٢ / ٤٠ ]
رجال السند:
يَعْلَى، هو الطنافسي إمام ثقة تقدم، والْمَسْعُودِيُّ، هو عبدالرحمن ثقة تقدم، والْقَاسِمُ، هو ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود -﵁-، تابعي إمام ثقة تقدم، وعَبْدُ اللَّهِ، هو ابن مسعود -﵁-.
الشرح:
لأن العلم نور القلب والخطايا ظلامه، ولذلك قال رسول الله -ﷺ-: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودا، فأي قلب أشربها، نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها، نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز، مجخيا لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه» (^١)، ولا ريب أن المعاصي من الفتن.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٨٩ - (١٦) أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَنْبَأَ شُعَيْبُ بْنُ أَبِى حَمْزَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِى حُسَيْنٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ كَانَ يَقُولُ لاِبْنِهِ: " يَا بُنَيَّ لَا تَعَلَّمِ الْعِلْمَ لِتُبَاهِىَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِتُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ تُرَائِيَ بِهِ فِي الْمَجَالِسِ، وَلَا تَتْرُكِ الْعِلْمَ زُهْدًا فِيهِ، وَرَغْبَةً فِي الْجَهَالَةِ، يَا بُنَيَّ اخْتَرِ الْمَجَالِسَ عَلَى عَيْنِكَ، وَإِذَا رَأَيْتَ قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَاجْلِسْ مَعَهُمْ، فَإِنَّكَ إِنْ تَكُنْ عَالِمًا يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ، وَإِنْ تَكُنْ جَاهِلًا يُعَلِّمُوكَ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَةٍ فَيُصِيبَكَ مَعَهُمْ، وَإِذَا رَأَيْتَ قَوْمًا لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَلَا تَجْلِسْ مَعَهُمْ، فَإِنَّكَ إِنْ تَكُنْ عَالِمًا لَا يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ، وَإِنْ تَكُنْ جَاهِلًا زَادُوكَ غَيًّا، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ بِعَذَابٍ فَيُصِيبَكَ مَعَهُمْ " (^٢).
رجال السند: الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، هو البهراني، إمام ثقة تقدم، وشعيب بن أبي حمزة، هو الحمصي، إمام ثقة تقدم، وابْنُ أَبِى حُسَيْنٍ، هو عبد الله بن عبد الرحمن النوفلي،
إمام ثقة فقيه ثبت، روى له الستة، وشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، هو تابعي متكلم فيه رغم توثيق أحمد له تقدم آنفا، ولُقْمَانُ الْحَكِيمُ، قيل: كان لقمان الحكيم عبدا حبشيا، غليظ الشفتين، مصفح القدمين، قاضيا على بني إسرائيل، وقيل: أسود من سودان مصر،
_________________
(١) مسلم حديث (٢٣١).
(٢) سنده حسن، وانظر: القطوف رقم (٢٧٥/ ٣٨٢).
[ ٢ / ٤١ ]
كان عبدا نجارا قال له سيده: اذبح شاة وائتني بأطيبها بضعتين، فأتاه باللسان والقلب، ثم أمره بذبح شاة أخرى فقال له: ألق أخبثها بضعتين، فألقى اللسان والقلب، فقال: أمرتك أن تأتيني بأطيبها بضعتين فأتيتني باللسان والقلب، وأمرتك أن تلقي بأخبثها بضعتين فألقيت اللسان والقلب؟! فقال: ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا.
فائدة:
وَقَفَ رَجُلٌ عَلَى لُقْمَانَ الْحَكِيمَ، فَقَالَ: أَنْتَ لُقْمَانُ، أَنْتَ عَبْدُ بَنِي الْحِسْحَاسِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَنْتَ رَاعِي الْغَنَمِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَنْتَ الْأَسْوَدُ؟ قَالَ: أَمَا سَوَادِي فَظَاهِرٌ، فَمَا الَّذِي يُعْجِبُكَ مِنْ أَمْرِي؟ قَالَ: وَطْءُ النَّاسِ بِسَاطَكَ، وَغَشْيُهُمْ بابكَ، وَرِضَاهُمْ بِقَوْلِكَ. قَالَ: يا ابن أَخِي إِنْ صَغَيْتَ إِلَى مَا أَقُولُ لَكَ كُنْتَ كَذَلِكَ، قَالَ لُقْمَانُ: غَضِّي بَصَرِي وَكَفِّي لِسَانِي، وَعِفَّةُ طُعْمَتِي وَحِفْظِي فَرَجِي، وَقَوْلِي بِصِدْقٍ، وَوَفَائِي بِعَهْدِي، وَتَكْرِمَتِي ضَيْفِي، وَحِفْظِي جَارِي وَتَرْكِي مَا لَا يَعْنِينِي، فَذَاكَ الَّذِي صَيَّرَنِي إِلَى مَا تَرَى. اللهم إني أسألك زين الصفات.
الشرح:
قوله: «يَا بُنَيَّ لَا تَعَلَّمِ الْعِلْمَ لِتُبَاهِىَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِتُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ تُرَائِيَ بِهِ فِي الْمَجَالِسِ».
هذا تقدم نحوه برقم ٢٢٩، ٣٧٨، ٣٨٤، فأغني عن الإعادة.
قوله: «وَلَا تَتْرُكِ الْعِلْمَ زُهْدًا فِيهِ، وَرَغْبَةً فِي الْجَهَالَةِ».
لأنه هذا لا يفعله العقلاء، فالعلم يخرج من ظلمات الجهالة إلى نور الهداية، والجهالة تخرج من نور الهداية إلى ظلمات الضلال، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (^١).
قوله: «يَا بُنَيَّ اخْتَرِ الْمَجَالِسَ عَلَى عَيْنِكَ، وَإِذَا رَأَيْتَ قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَاجْلِسْ مَعَهُمْ، فَإِنَّكَ إِنْ تَكُنْ عَالِمًا يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ، وَإِنْ تَكُنْ جَاهِلًا يُعَلِّمُوك».
_________________
(١) الآية (٢٥٧) من سورة البقرة.
[ ٢ / ٤٢ ]
المراد بنظرة منك تعرف بها النافع من الضار، واختر الجلوس مع أهل العلم الذاكرين الله -﷿-، فإن كنت من أهل العلم نفعك علمك بما تشارك وتقول، وإن تكن جاهلا تتعلم الخير منهم، قال واقد الليثي -﵁-: " إن رسول الله -ﷺ- بينما هو جالس في المسجد والناس معه، إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله -ﷺ-، وذهب واحد، قال: فوقفا على رسول الله -ﷺ-، فأما أحدهما: فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر: فجلس خلفهم، وأما الثالث: فأدبر ذاهبا، فلما فرغ رسول الله -ﷺ- قال": «ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه» (^١). قوله: «وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَةٍ فَيُصِيبَكَ مَعَهُمْ».
قال رسول الله -ﷺ-: «لا يقعد قوم يذكرون الله ﷿ إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده» (^٢).
قوله: «وَإِذَا رَأَيْتَ قَوْمًا لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَلَا تَجْلِسْ مَعَهُمْ، فَإِنَّكَ إِنْ تَكُنْ عَالِمًا لَا يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ، وَإِنْ تَكُنْ جَاهِلًا زَادُوكَ غَيًّا».
المراد أنهم غير أهل لينتفعوا بعلمه ويقبلوا قوله، فليس إلا الجهالة، قال الله -﷿-: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (^٣)، ولولا أنهم من الجهال لم يخوضوا في آيات الله -﷿-.
قوله: «وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ بِعَذَابٍ فَيُصِيبَكَ مَعَهُمْ».
ومن دواعي العذاب الافتراء على الله -﷿- ولذلك أنذر موسى -﵇- فرعون وقومه فقال: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ (^٤)، فقد يقع من الجهال ما يستدعي ذلك.
_________________
(١) البخاري حديث (٩٦) ومسلم حديث (٢١٧٦).
(٢) مسلم حديث (٢٧٠٠).
(٣) الآية (٦٨) من سورة الأنعام.
(٤) من الآية (٦١) من سورة طه.
[ ٢ / ٤٣ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٩٠ - (١٧) أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، ثَنَا حَرِيزٌ، عَنْ سَلْمَانَ ابْنِ سُمَيْرٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ قَالَ: " لَا تُحَدِّثِ الْبَاطِلَ الْحُكَمَاءَ فَيَمْقُتُوكَ، وَلَا تُحَدِّثِ الْحِكْمَةَ لِلسُّفَهَاءِ فَيُكَذِّبُوكَ، وَلَا تَمْنَعِ الْعِلْمَ أَهْلَهُ فَتَأْثَمَ، وَلَا تَضَعْهُ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ فَتُجَهَّلَ، إِنَّ عَلَيْكَ فِي عِلْمِكَ حَقًّا، كَمَا أَنَّ عَلَيْكَ فِي مَالِكَ حَقًّا " (^١).
رجال السند:
يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، هو التستري من أفراد الدارمي، صدوق تقدم، وإِسْحَاقُ ابْنُ سُلَيْمَانَ، هو الرازي ثقة تقدم، حَرِيزٌ، هو ابن عثمان الرحبي، إمام ثقة تقدم، وسَلْمَانُ ابْنُ سُمَيْرٍ، هكذا سماه ابن حبان وقال: الألهاني من أهل الشام يروي عن جماعة من التابعي.
واختُلف في اسم أبيه فقيل: سُمير، أو شُمير، تفرد عن حريز بن عثمان، مقبول، وكَثِيرُ ابْنُ مُرَّةَ، هو الحضرمي، تابعي ثقة، روى له الأربعة.
الشرح:
قوله: «لَا تُحَدِّثِ الْبَاطِلَ الْحُكَمَاءَ فَيَمْقُتُوكَ».
هذه حِكم ينتفع بها العقلاء، فالباطل من القول في الغالب لا يكان يخفى على أحد، فالحكماء يكشفون زيفه من أول وهلة، فينكرون على قائله ويمقتونه.
قوله: «وَلَا تُحَدِّثِ الْحِكْمَةَ لِلسُّفَهَاءِ فَيُكَذِّبُوكَ».
لأنه السفاهة طغت على عقولهم، واحتواها الجهل فهم لا يفهمون ما يقال فيبادرون إلى تكذيب القائل، لذلك قال علي بن أبي طالب -﵁-: «حدثوا الناس، بما يعرفون أتحبون أن يكذب، الله ورسوله» (^٢)؛ السفهاء لا يتورعون عن تكذيب ما يستغربون من القول ولو كان حقا وصدقا، ولفقر عقولهم من العلم، ولذلك قال الله -﷿- عن المكذبين بالقرآن مع وضوح وجلاء أنه حق: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ
_________________
(١) فيه سلمان بن سُمير الألهاني: مقبول، وتقبل روايته في مثل هذا، وانظر: القطوف رقم (٢٧٦/ ٣٨٣).
(٢) البخاري حديث (١٢٧).
[ ٢ / ٤٤ ]
تَأْوِيلُهُ﴾ (^١)، أي: سارعوا إلى التكذيب قبل أن يأتيهم البيان، وذلك بسبب فرطهم في السفاهة والعناد، وقد أدرك هذا أبو هريرة -﵁- حين قال: «حفظت من رسول الله -ﷺ- وعاءين: فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم» (^٢)، أراد بالوعاء الذي لم يبثه ما يكون من الفتن التي أخبر بها رسول الله -ﷺ-، وذلك لشناعتها وغرابتها على الناس فإنه لو بثها فيهم لكذبوه ولربما لقتلوه، ومن ذلك ما وقع من قتل عمر -﵁-، وفتنة عثمان وقتله -﵁-، وما كان بين علي ومعاوية ﵄، وغير ذلك كثير إلى قيام الساعة.
قوله: «وَلَا تَمْنَعِ الْعِلْمَ أَهْلَهُ فَتَأْثَمَ» المراد لا تحبس ما لديك من العلم عن طالبه؛ لأن ذلك حق لطالب العلم على العالم، وقد ورد في الصحيح لغيرة «من كتم علما يعلمه، جاء يوم القيامة، ملجما بلجام
من نار» (^٣).
قوله: «وَلَا تَضَعْهُ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ فَتُجَهَّلَ».
المراد لا تحدث أحدا لا تراه ذا عقل ورغبة، فغير العاقل يجهلك فيما تقول، وسيأتي عند الدارمي عن الأعمش: " آفة العلم النسيان، وإضاعته، أن تحدث به غير أهله" لأنه من إضاعة الوقت عند قوم لا ينتفعون به، فكأنه من الهدر، لا تحدث من لا ينصت لك.
قوله: «إِنَّ عَلَيْكَ فِي عِلْمِكَ حَقًّا، كَمَا أَنَّ عَلَيْكَ فِي مَالِكَ حَقًّا».
المراد العمل به ونشره فيمن يرغب فيه ويسعى إليه، وهو الشيء الذي يزيد ويتسع
بالإنفاق منه.
أما المال فالحق الواجب فيه الزكاة فيما يحول عليه الحول، وقد قال رسول الله -ﷺ-: «ما نقص مال عبد من صدقة» (^٤)، والمراد بالصدقة العموم الزكاة المفروضة والنافلة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
_________________
(١) من الآية (٣٩) من سورة يونس.
(٢) البخاري حديث (١٢٠).
(٣) أحمد حديث (١٠٤٨٧).
(٤) الترمذي حديث (٢٣٢٥).
[ ٢ / ٤٥ ]
٣٩١ - (١٨) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قال: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ، أَنَّ أَبَا فَرْوَةَ حَدَّثَهُ: " أَنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ كَانَ يَقُولُ: لَا تَمْنَعِ الْعِلْمَ مِنْ أَهْلِهِ فَتَأْثَمَ، وَلَا تَنْشُرْهُ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ فَتُجَهَّلَ، وَكُنْ طَبِيبًا رَفِيقًا يَضَعُ دَوَاءَهُ حَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَنْفَعُ " (^١).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، هو كاتب الليث صدوق تقدم، ومُعَاوِيَةُ، هو ابن صالح صدوق له أوهام تقدم، وأبو فروة، هو عروة بن الحارث ثقة تقدم، وعِيسَى ابْنُ مَرْيَم -﵇-.
الشرح: أنظر السابق ففيه كفاية عن الإعادة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:٣٩٢ - (٢١) أَخْبَرَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، ثَنَا مَهْدِيٌ، عَنْ غَيْلَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ:
" لَا تُطْعِمْ طَعَامَكَ مَنْ لَا يَشْتَهِيهِ " (^٢).
رجال السند:
أَبُو النُّعْمَانِ، هو محمد بن الفضل الملقب بعارم، إمام ثقة تقدم، ومَهْدِيٌ، هو ابن ميمون الأزدي، أبو يحيى البصري، إمام ثقة روى له الستة، وغَيْلَانُ، هو ابن جيري البصري، إمام ثقة روى له الستة، ومُطَرِّفٌ، هو ابن عبد الله بن الشخير إمام ثقة تقدم.
الشرح:
مراد مطرف ﵀ العلم ورواية الحديث، إذا لم يكن له راغب فلا ينبغي رواية الحديث لمن لا يرغب فيه، فهو مثل الطعام حين يقدم لمن لا نية له فيه، ولا تشتهيه نفسه، وقد كان بعض العلماء يحدث الحديث لكل أحد من باب ترسيخه وحفظه، وهذه آراء للعلماء ﵏، ومن باب تكريم العلم وعدم وضعه في غير موضعه.
_________________
(١) في سنده عبد الله بن صالح: أرجح أنه حسن الحديث، وهو هنا لا يحتمل الغلط، وانظر: القطوف رقم (٢٧٧/ ٣٨٤).
(٢) رجاله ثقات، وهو ليس على ظاهره، شبه العلم بالطعام، أي: لا تقدم علمك لمن لا يرغب فيه، خلا أمر الدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الغلط، وانظر: القطوف رقم (٢٧٨/ ٣٨٥).
[ ٢ / ٤٦ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٩٣ - (٢٠) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ شَابُورٍ، سَمِعَ شَهْرَ ابْنَ حَوْشَبٍ يَقُولُ: قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ: " يَا بُنَيَّ لَا تَعَلَّمِ الْعِلْمَ لِتُبَاهِىَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، وَتُمَارِىَ بِهِ السُّفَهَاءَ، وَتُرَائِىَ بِهِ في الْمَجَالِسِ، وَلَا تَتْرُكِ الْعِلْمَ زَهَادَةً فِيهِ، وَرَغْبَةً فِي الْجَهَالَةِ، وَإِذَا رَأَيْتَ قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَاجْلِسْ مَعَهُمْ، إِنْ تَكُ عَالِمًا يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ، وَإِنْ تَكُ جَاهِلًا عَلَّمُوكَ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَةٍ فَيُصِيبَكَ بِهَا مَعَهُمْ، وَإِذَا رَأَيْتَ قَوْمًا لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَلَا تَجْلِسْ مَعَهُمْ، فَإِنْ تَكُ عَالِمًا لَمْ يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ، وَإِنْ تَكُ جَاهِلًا زَادُوكَ غَيًّا، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ بِسَخَطٍ فَيُصِيبَكَ بِهِ مَعَهُمْ " (^١).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، هو ابن أبي خلف إمام ثقة تقدم، وسُفْيَانُ، هو ابن عيينة إمام ثقة تقدم، ودَاوُدُ بْنُ شَابُورٍ، هو المكي أبو سليمان ثقة روى له الترمذي والنسائي، وشَهْرُ ابْنُ حَوْشَبٍ، هو تابعي متكلم فيه رغم توثيق أحمد له تقدم.
الشرح: تقدم نحوه برقم ٣٨٨، وتم شرحه فلينظر.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٩٤ - (٢١) أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ ثُوَيْرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ قَالَ: " يَا حَمَلَةَ الْعِلْمِ اعْمَلُوا بِهِ، فَإِنَّمَا الْعَالِمُ مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَوَافَقَ عِلْمُهُ عَمَلَهُ، وَسَيَكُونُ أَقْوَامٌ يَحْمِلُونَ الْعِلْمَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يُخَالِفُ عَمَلُهُمْ عِلْمَهُمْ، وَتُخَالِفُ سَرِيرَتُهُمْ عَلَانِيَتَهُمْ، يَجْلِسُونَ حِلَقًا فَيُبَاهِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَغْضَبُ عَلَى جَلِيسِهِ أَنْ يَجْلِسَ إِلَى غَيْرِهِ وَيَدَعَهُ، أُولَئِكَ لَا تَصْعَدُ أَعْمَالُهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ تِلْكَ إِلَى اللَّهِ " (^٢).
رجال السند:
الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ، هو ابن أسلم البجلي، صدوق، وأَبوه، هو بشر بن أسلم، من أفراد لدارمي، منكر الحديث، وليس هذا مما ينكر، وسُفْيَانُ، هو الثوري إمام ثقة تقدم،
_________________
(١) سنده حسن، وانظر: رقم (٣٨٢) وانظر: القطوف رقم (٢٧٩/ ٣٨٦).
(٢) فيه ثوير بن فاختة ضعيف، ويقويه ما في معناه، وانظر: القطوف رقم (٢٨٠/ ٣٨٧).
[ ٢ / ٤٧ ]
وثُوَيْر، هو ابن أبي فاختة كوفي ضعيف، يقبل في الترغيب والترهيب، لم يرو له الدارمي غير هذا، ويَحْيَى بْنُ جَعْدَةَ، هو المخزومي تابعي ثقة، جدته لأبيه أم هاني ﵂، وعَلِيٍّ -﵁-.
الشرح:
هذه من حكم الخليفة الراشد علي بن أبي طالب -﵁- أولها:
قوله: «يَا حَمَلَةَ الْعِلْمِ اعْمَلُوا بِهِ».
المراد بالعلم المحمول القرآن الكريم فهو أشرف العلوم وأجلها كلام الله -﷿- رب العالمين صفة من صفاته -ﷻ-، يؤيد هذا قول علي نفسه -﵁-: " أما إني قد سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «ألا إنها ستكون فتنة» فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟، قال: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم، وحُكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ (^١)، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم" (^٢)، نعم تكلم العلماء في سنده، ولم يروا أن ينسب إلى رسول الله -ﷺ-، ولكن معناه صحيح، وكل ما ذكر يليق أن يكون صفة للقرآن الكريم. قوله: «فَإِنَّمَا الْعَالِمُ مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَوَافَقَ عِلْمُهُ عَمَلَهُ».
تقدم عن علي -﵁- نحوه برقم ٢٦٧، ولا ريب أن العلم ثمرته العمل.
قوله: «وَسَيَكُونُ أَقْوَامٌ يَحْمِلُونَ الْعِلْمَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ».
منهم المنافقون المتدثرون بلباس الدين، ولا يخلو منهم زمان، ومنهم الخوارج وهم الذين قال عنهم رسول الله -ﷺ-: «إن من ضئضئ هذا، قوما يقرءون القرآن، لا
_________________
(١) الآيتان (١، ٢) من سورة الجن.
(٢) الترمذي حديث (٢٩٠٦).
[ ٢ / ٤٨ ]
يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد " (^١) ومنهم غلاة الصوفية الذين أوجدوا حلق الذكر البدعي، لإغواء العامة من الناس وصدهم عن العلم الصحيح، ومنهم الرافضة الذين لا يقولون بدلائل القرآن الصحيحة، ويؤولونه لموافقة أهوائهم وضلالاتهم، ومن ذكر هم المفرقون لجماعة المسلمين، وضرب وحدتهم على كتاب الله -﷿-، وسنة رسول الله -ﷺ-، ومنهم الأحزاب اليوم والجماعات التي تزعم أنها على الحق دون سواها، وتصنيف أهل العلم لمجرد التبعية ومقت من ينتمي لغيرهم.
قوله: «يُخَالِفُ عَمَلُهُمْ عِلْمَهُمْ، وَتُخَالِفُ سَرِيرَتُهُمْ عَلَانِيَتَهُمْ».
من ذكرنا آنفا يشملهم هذا القول، فكثيرون في هذا الزمان من يخالف عملُهم علمَهم.
قوله: «يَجْلِسُونَ حِلَقًا فَيُبَاهِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَغْضَبُ عَلَى جَلِيسِهِ أَنْ يَجْلِسَ إِلَى غَيْرِهِ وَيَدَعَهُ».
خذ مثالا اليوم وعلى مدار التاريخ أحوال المذاهب والفرق الضالة، وقد استحلوا السيف لقتل بعضهم، وما هو قائم في هذا الزمان شاهد يصرخ بكثر أهل الزيغ والضلال، وهذا من حزبنا وذاك ليس من حزبنا أو جماعتنا، فأينهم من قول الله -﷿-: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (^٢)، وقول رسول الله -ﷺ- في خطبة عرفة: «تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله» (^٣)، وقال -ﷺ-: «إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض» (^٤)، وفي هذا إشارة إلى تلازم الكتاب والسنة وعدم افتراق العمل بهما إلى يوم القيامة، ومن فرق بين الكتاب والسنة فهو زنديق، وسيلقى الله -﷿- بمحاربته -ﷻ- ومحاربة رسوله -ﷺ-.
وبالمناسبة
كانت لي رحلة إلى جدة برفقة أخي وصديقي الشيخ محمد أيوب ﵀، فلما قرب
_________________
(١) البخاري حديث (٣٣٤٤) مسلم حديث (١٠٦٤).
(٢) من الآية (١٠٣) من سورة آل عمران.
(٣) مسلم حديث (١٢١٨).
(٤) المستدرك حديث (٣١٩).
[ ٢ / ٤٩ ]
الظهر قال: ما رأيك أن نصلي الظهر مع فلان ونسلم عليه؟، قلت: أبرك الساعات صلاة الظهر في جماعة وإن كنا على سفر، وسلام على طالب علم، فذهبنا إلى المسجد ولم يخرج طالب العلم وهو الإمام إلا مع الإقامة، صلى بالناس وتقدم إليه الشيخ محمد أيوب فسلم ثم عرف بي فتغير وجهه وسلم علي ببرود، وانصرف، فلحقة الشيخ محمد في غرفته الخاصة، فلما عاد إلى قلت الإمام باق وإلا ذهب قال: ما أدري كأنه زعلان، قلت: خيرا بينكم شيء؟، قال: قال لي: أنت تمشي مع الوهابية، فعرفت لماذا تغير وجهه عند السلام علي ببرود، رحم الله أخي محمد أيوب وغفر لصاحبنا وهو حي يرزق، وهذا نموذج من الجزبيين غير السياسيين طبعا.
قوله: «أُولَئِكَ لَا تَصْعَدُ أَعْمَالُهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ تِلْكَ إِلَى اللَّهِ».
لأنهم حاربوا الله -﷿-، ورسوله -ﷺ- في مجالسهم بالبدع والقول على الله ورسوله بغير علم، فلم تكن مجالسهم للعمل بما قال الله ورسوله، وإنما بالأهواء والشذوذ عن وحدة الأمة على الكتاب والسنة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٩٥ - (٢٢) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، ثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: " كَفى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ، وَكَفي بِالْمَرْءِ جَهْلًا أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ " (^١).
رجال السند:
أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، هو التميمي، أبو عبد الله الكوفي ثقة متقن تقدم، وزَائِدَةُ، هو ابن قدامة الثقفي إمام ثقة، لا يحدث أحدا حتى يسأل عنه تقدم، والأَعْمَشُ، هو سليمان بن مهران، إمام ثقة تقدم، ومُسْلِمٌ، هو بن صبيح، بالتصغير، الهمداني أبو الضحى ثقة تقدم، ومَسْرُوقٌ، هو ابن سعيد إمام ثقة تقدم.
الشرح:
تقدم سندا ومتنا برقم ٣٢٢، وتم الشرح بما يغني عن الإعادة.
_________________
(١) رجاله ثقات، وانظر: رقم (٣١٧).
[ ٢ / ٥٠ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٩٦ - (٢٣) أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُجَيْرٍ (^١)، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قَالَ: " لَوْ أَنَّ أَدْنَى هَذِهِ الأُمَّةِ عِلْمًا أَخَذَتْ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ بِعِلْمِهِ لَرَشَدَتْ تِلْكَ الأُمَّةُ " (^٢).
رجال السند:
الْحَكَمُ بْنُ الْمُبَارَكِ، هو البلخي، ثقة تقدم، ويَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، هو القطان إمام ثقة تقدم، وعَبْد اللَّهِ بْنُ بُجَيْرٍ، هو التيمي أبو حمران البصري، من شيوخ القطان الثقات، ليس رواية في الستة، ومُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ، هو ابن أياس المزني ثقة عالم تقدم.
الشرح:
المراد علم الكتاب والسنة؛ الله -﷿- جعل كتابه العزيز وسنة نبيه المطهرة مسك الختام للأديان كافة، فلا يقبل من أتباع الأمم السابقة عدم الإيمان به، ولو عبدوا الله -﷿- بكتب السابقة ليل نهار لا يفترون إلى يوم القيامة لم يقبل منهم ذلك؛ الله -﷿- قال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (^٣)، هذا وعد من الله لكل من لم يؤمن بالإسلام، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (^٤).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٩٧ - (٢٤) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: "إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُصِيبُ الْباب مِنَ الْعِلْمِ فَيَعْمَلُ بِهِ فَيَكُونُ خَيْرًا لَهُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا لَوْ كَانَتْ لَهُ فَجَعَلَهَا فِي الآخِرَةِ. قَالَ: وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا طَلَبَ الْعِلْمَ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ يُرَى ذَلِكَ فِي بَصَرِهِ وَتَخَشُّعِهِ (^٥) وَلِسَانِهِ وَيَدِهِ وَصَلَاتِهِ وَزُهْدِهِ " (^٦).
_________________
(١) في المطبوع: جبير، وهو خطأ.
(٢) سنده حسن، وانظر: القطوف رقم (٢٨٣/ ٣٩١).
(٣) الآية (٨٥) من سورة آل عمران.
(٤) من الآية (٩) من سورة آل عمران.
(٥) في (ت) وحاشية الأصل (تخشيعة).
(٦) هو بالإسناد السابق.
[ ٢ / ٥١ ]
قَالَ: وَقَالَ مُحَمَّدٌ: " انْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ هَذَا الْحَدِيثَ، فَإِنَّمَا هُوَ دِينُكُمْ " (^١).
رجال السند:
أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، هو ابن يونس إمام ثقة تقدم قريبا، وزَائِدَةُ، هو ابن قدامة إمام ثقة تقدم قريبا، وهِشَامٌ، هو ابن حسان إمام ثقة تقدم، والْحَسَنُ، هو البصري، من لا يعرفه ﵀ تقدم.
الشرح:
هذا من بركة وتأثير علم الكتاب والسنة، ظهور التواضع والخشية والأمانة، وقد رأيت هذا عيانا وأنا عميد كلية الحديث في الجامعة الإسلامية، عام ١٤٠٥ هـ وما بعده، فقد كان طلاب كلية الحديث في الجملة أكثر علما وتواضعا وأمانة وتأثرا بما يدرسون، وقد كنا مرة في الاختبارات النهائية للمراحل الأربع وزارنا مدير الجامعة الدكتور عبد الله العبيد الله يحسن ختامنا وختامه متفقدا قاعات الاختبار، فلما انتهى من الزيارة قال لي لقد رأيت عجبا من طلاب الكلية، هدوء والتزام بالنظام عجيب، وأعتقد أننا لو أعطيناهم الأسئلة بدون من يراقب عليهم لما حاول أحد أن يسأل من بجواره عن شيء إطلاقا، فقلت: لا تعجب فهذا أثر الحديث، وكان بعض أعضا هيئة التدريس يصعب عليهم التدريس في كلية الحديث، لكثرة ما يصحح الطلاب لهم من أخطاء ولا سيما في أسانيد الروايات، ولا زالت كلية الحديث متميزة عن غيرها إلى هذا العام ١٤٣٩ هـ، وإن قل التأثر عن السابقين كثيرا.
أما قول أبي محمد الدارمي:
«انْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ هَذَا الْحَدِيثَ، فَإِنَّمَا هُوَ دِينُكُمْ»، فهو مقتبس من مقولة محمد بن سيرين ﵀: " إن هذا العلم دين. فانظروا عمن تأخذون دينكم" (^٢).
وقال مالك بن أنس ﵀: " إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، لقد أدركت سبعين ممن يقول: قال رسول -ﷺ- عند هذه الأساطين، وأشار إلى مسجد رسول
_________________
(١) هو بالإسناد السابق.
(٢) الثقات للعجلي ط الباز ١/ ٦.
[ ٢ / ٥٢ ]
الله -ﷺ- فما أخذت عنهم شيئا، وان أحدهم لو اؤتمن على بيت مال لكان أمينا، إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن " (^١).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٩٨ - (٢٥) أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ: " مَا ازْدَادَ عَبْدٌ عِلْمًا فَازْدَادَ فِي الدُّنْيَا رَغْبَةً إِلاَّ ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا " (^٢).
رجال السند:
بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، هو العبدي إمام ثقة تقدم، وسُفْيَانُ، هو ابن عيينة إمام ثقة تقدم.
الشرح:
المراد من لم يرع حق الله -﷿- في الكسب والإنفاق، أما العالم الذي يزداد رغبة في الدنيا بما أباح الله فيها من الطيبان فلا يلحقه هذا الوعيد؛ لأن الله -﷿- قال لنبينا محمد ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (^٣)، والطيبات لفظ عام يشمل كل مباح في الدنيا، وقال رسول الله -ﷺ- لعمرو بن العاص -﵁-: «خذ عليك ثيابك وسلاحك، ثم ائتني" فأتيته وهو يتوضأ، فصعد فيّ النظر ثم طأطأه، فقال: " إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك، وأرغب لك من المال رغبة صالحة، قال: فقلت: يا رسول الله، ما أسلمت من أجل المال، ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله -ﷺ- فقال: يا عمرو، نعما بالمال الصالح للرجل الصالح» (^٤)، وقال -ﷺ-: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسُلّط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها» (^٥).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٩٩ - (٢٦) أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، ثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ حَسَّانَ قَالَ:
_________________
(١) الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء ١/ ١٦.
(٢) رجاله ثقات.
(٣) من الآية (٣٢) من سورة الأعراف.
(٤) أحمد حديث (١٧٧٦٣).
(٥) البخاري حديث (٧٣) ومسلم حديث (٨١٥).
[ ٢ / ٥٣ ]
" مَا ازْدَادَ عَبْدٌ بِاللَّهِ عِلْمًا إِلاَّ ازْدَادَ النَّاسُ مِنْهُ قُرْبًا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ " (^١).
رجال السند:
أَبُو الْمُغِيرَةِ، هو عبد القدوس إمام ثقة تقدم، والأَوْزَاعِيُّ، هو عبد الرحمن ابن عمرو إمام ثقة تقدم، وحَسَّانُ، هو ابن عطية إمام ثقة تقدم.
وتقدم هذا السند برقم ١٠٠.
الشرح:
هذا صحيح ومعروف من زمن الصحابة -﵃-، خذ مثلا راوية الإسلام أبو هريرة وغيره من الصحابة -﵃-، ومن التابعين الإمام مالك بن أنس ﵀، ومن أتبا التبعين الإمام أحمد بن حنبل ﵀، وغيرهم كثير في كل زمان، كشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، ومن المعاصرين الإمام عبد العزيز بن بار ﵀، والشيخ ناصر الألباني، وغيرهم كثير ﵏.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٤٠٠ - (٢٧) وَقَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: " مَا ازْدَادَ عَبْدٌ عِلْمًا إِلاَّ ازْدَادَ قَصْدًا، وَلَا قَلَّدَ اللَّهُ عَبْدًا قِلَادَةً خَيْرًا مِنْ سَكِينَةٍ " (^٢).
هذا موصول بالسند السابق.
الشرح:
قوله: «مَا ازْدَادَ عَبْدٌ عِلْمًا إِلاَّ ازْدَادَ قَصْدًا» أي استقامة على الحق، وخشية لله -﷿-.
قوله: «وَلَا قَلَّدَ اللَّهُ عَبْدًا قِلَادَةً خَيْرًا مِنْ سَكِينَةٍ».
أي: زينة بها كالقلادة، والسكينة الهون والتواضع والوقار، قال الله -﷿-: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ (^٣)، وقال أسامة بن زيد -﵁-: " أن النبي -ﷺ- أفاض وعليه السكينة، وأمرهم بالسكينة " أخرجه ابن أبي شيبة حديث (١٦٩)، والمراد عليه الهون والهيبة والوقار، وأمر الناس بذلك، لما فيه من الرفق والتواضع.
_________________
(١) رجاله ثقات.
(٢) هو بالإسناد السابق.
(٣) من الآية (٦٣) من سورة الفرقان.
[ ٢ / ٥٤ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٤٠١ - (٢٨) أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شُرَيْحٍ يُحَدِّثُ، عَنْ عَمِيرَةَ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: " إِنَّ رَجُلًا قَالَ لاِبْنِهِ: اذْهَبِ اطْلُبِ الْعِلْمَ. فَخَرَجَ فَغَابَ عَنْهُ مَا غَابَ، ثُمَّ جَاءَهُ فَحَدَّثَهُ بِأَحَادِيثَ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: يَا بُنَيَّ اذْهَبْ فَاطْلُبِ الْعِلْمَ. فَغَابَ عَنْهُ أَيْضًا زَمَانًا ثُمَّ جَاءَهُ بِقَرَاطِيسَ فِيهَا كُتُبٌ فَقَرَأَهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: هَذَا سَوَادٌ فِي بَيَاضٍ، فَاذْهَبِ اطْلُبِ الْعِلْمَ. فَخَرَجَ فَغَابَ عَنْهُ مَا غَابَ، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ لأَبِيهِ: سَلْنِي عَمَّا بَدَا لَكَ. فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّكَ مَرَرْتَ بِرَجُلٍ يَمْدَحُكَ وَمَرَرْتَ بِآخَرَ يَعِيبُكَ (^١). قَالَ: إِذًا لَمْ أَلُمِ الَّذِي (^٢) يَعِيبُنِي وَلَمْ أَحْمَدِ الَّذِي يَمْدَحُنِي. قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ مَرَرْتَ بِصَفِيحَةٍ - قَالَ أَبُو شُرَيْحٍ (^٣): لَا أَدْرِي أَمِنْ ذَهَبٍ أَوَ وَرِقٍ - فَقَالَ: إِذًا لَمْ أُهَيِّجْهَا وَلَمْ أَقْرَبْهَا.
فَقَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ عَلِمْتَ (^٤).
رجال السند:
الْقَاسِمُ بْنُ كَثِيرٍ، هو القرشي صدوق تقدم، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ، هو المعافري لابأس به تقدم، وعَمِيرَةُ، هو ابن ناجية الرعيني أبو يحيى المصري، ثقة عابد روى له النسائي.
الشرح:
كأن هذا الحوار بين الابن والأب كان قصد الأب أن يتعلم الابن أخلاق العلماء، حتى يظهر ذلك في تعامله من الناس سلبا وإيجابا، فقوله: لَمْ أَلُمِ الَّذِي يَعِيبُنِي».
هذا مستفاد من قول الله -﷿-: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (^٥).
قوله: «وَلَمْ أَحْمَدِ الَّذِي يَمْدَحُنِي».
هذا مستفاد من السنة فقد أثنى رجل على رجل فقال رسول الله -ﷺ-: «ويلك قطعت عنق صاحبك، قطعت عنق صاحبك»
_________________
(١) في حاشية (ت) كتب (صوابه يغتابك).
(٢) في (ت) والذي.
(٣) في حاشية (ت) كتب (ولعله أبن شريح).
(٤) رجاله ثقات.
(٥) من الآية (٦٣) من سورة الفرقان.
[ ٢ / ٥٥ ]
مرارا (^١)؛ لأن ذلك قد يصيب الممدوح بالغرور، ولاسيما إذا يسمع كلام المادح، أما إذا كان في غيبته فقد قال رسول الله -ﷺ-: «من كان منكم مادحا أخاه لا محالة، فليقل أحسب فلانا، والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحدا أحسبه كذا وكذا، إن كان يعلم ذلك منه» (^٢)، وقد رأينا في هذا العصر من أكثر المدح في المجالس مع سماع الممدوح وتبادل العبارات بغلو يوحي بالكذب من الطرفين والله المستعان.
قوله: «أَرَأَيْتَ لَوْ مَرَرْتَ بِصَفِيحَةٍ أَمِنْ ذَهَبٍ أَوَ وَرِقٍ؟، فَقَالَ: إِذًا لَمْ أُهَيِّجْهَا وَلَمْ أَقْرَبْهَا.
هذا ينبئ عن الزهد وعدم الاهتمام بالدنيا وشهواتها، ومعلوم أن الشهوات زينت لبني آدم قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ الآية (^٣)، فمن وجد هذا ولم يلتفت إليه فقد بلغ الكمال البشري في العلم والعبادة والزهد في الدنيا، ومع هذا التزيين فقد حقر الله -﷿- الدنيا بأسرها، قال رسول الله -ﷺ-: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء» (^٤).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٤٠٢ - (٢٩) أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَنَا بَقِيَّةُ، عَنِ السَّكَنِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: " سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ يَقُولُ: يَا بُنَيَّ عَلَيْكَ بِالْحِكْمَةِ، فَإِنَّ الْخَيْرَ فِي الْحِكْمَةِ كُلُّهُ، وَتُشَرِّفُ الصَّغِيرَ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْعَبْدَ عَلَى الْحُرِّ، وَتُزِيدُ السَّيِّدَ سُؤْدُدًا، وَتُجْلِسُ الْفَقِيرَ مَجَالِسَ
الْمُلُوكِ" (^٥).
_________________
(١) البخاري حديث (٢٦٦٢) ومسلم حديث (٣٠٠٠).
(٢) البخاري حديث (٢٦٦٢) ومسلم حديث (٣٠٠٠).
(٣) من الآية (١٤) من سورة آل عمران.
(٤) الترمذي حديث (٢٣٢٠).
(٥) فيه السكن بن عميرة: إن كان (ابن أبي كريمة) فقد سكت عنه أبو حاتم (الجرح والتعديل ٤٢٨٨) وإلا فهو مجهول، وانظر ما روى وهب في العقل، رقم (٢٦٨).
[ ٢ / ٥٦ ]
رجال السند:
الْحَكَمُ بْنُ الْمُبَارَكِ، هو البلخي، ثقة تقدم، وبَقِيَّةُ، هو ابن الوليد التميمي، مدلس معروف بالراية عن الضعفاء والمجاهيل، تقبل روايته بشرط أن يصرح بالسماع، فهو ثقة إذا حدث عن الثقات تقدم، والسَّكَنُ بْنُ عُمَيْرٍ، هو مجهول ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، هو الذماري إخباري إمام ثقة تقدم.
الشرح:
المراد بالحكمة السنة النبوية، والعلم بالله -﷿-، قال الله -﷿-: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ (^١)، فالحكمة المراد بها السنة، وهي مبينة للكتاب العزيز قال -﷿-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٢)، وقد شرف بهذا فئام ممن ذكر ﵀، وكان لغير العرب الحظ الأوفر من الرفعة والفضل.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٤٠٣ - (٣٠) أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: أَخْبَرَنِى بَقِيَّةُ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: " وَمَا نَحْنُ لَوْلَا كَلِمَاتُ الْعُلَمَاءِ " (^٣).
رجال السند:
الْحَكَمُ بْنُ الْمُبَارَكِ، ثقة تقدم آنفا، وبَقِيَّةُ، مدلس تقدم آنفا، وعُتْبَةُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ، هو الأردني أبو العباس ضعيف، يقبل في الترغيب والترهيب من غير رواية بقية، وأَبو الدَّرْدَاءِ -﵁-.
الشرح:
هذا يؤيد ما سبق في أن العلم يرفع حملته ويُعلي شأنهم في الدنيا والآخرة، وكأن أبا الدرداء -﵁-، يقول: نحن لا شيء لولا ما تعلمنا من كلام العلماء والعمل به والاقتداء
_________________
(١) من الآية (١١٣) من سورة النساء.
(٢) من الآية (٤٤) من سورة النحل.
(٣) فيه، عتبة أبو العباس الأردني: صدوق يخطئ كثيرا.
[ ٢ / ٥٧ ]
بهم ﵏، فبذلك رفعنا الله -﷿-، قال الله -﷿-: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (^١).
قال الدارمي رحمه الله تعالى: