مِنْ إِيمَانِ الشَّجَرِ بِهِ وَالْبَهَائِمِ وَالْجِنِّ
١٧ - (١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، ثَنَا أَبُو حَيَّانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي سَفَرٍ فَأَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَيْنَ تُرِيدُ؟». قَالَ: إِلَى أَهْلِي. قَالَ: «هَلْ لَكَ فِي خَيْر؟» قَالَ: وَمَا هُوَ؟، قَالَ: «تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» فَقَالَ: وَمَنْ يَشْهَدُ عَلَى مَا تَقُولُ؟، قَالَ: «هَذِهِ السَّلَمَةُ (^١)» فَدَعَاهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَهِىَ بِشَاطِئِ الْوَادِي، فَأَقْبَلَتْ تُخُدُّ الأَرْضَ خَدًّا (^٢) حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَاسْتَشْهَدَهَا ثَلَاثًا فَشَهِدَتْ ثَلَاثًا أَنَّهُ كَمَا قَالَ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى مَنْبَتِهَا، وَرَجَعَ الأَعْرَابِيُّ إِلَى قَوْمِهِ، وَقَالَ: إِنِ اتَّبَعُونِي أَتَيْتُكَ بِهِمْ، وَإِلاَّ رَجَعْتُ فَكُنْتُ مَعَكَ " (^٣).
_________________
(١) واحدة السلم وهو: بفتح اللام، شجر من العضاه (النهاية ٢/ ٣٩٥) وهذا من المعجزات التي أيد الله بها نبينا محمد -ﷺ-.
(٢) خد الأرض يخدها: إذا شقها، والأخدود: شق في الأرض (الصحاح ١/ ٣٣٢).
(٣) رجاله ثقات، لكن عطاء لم يسمع من ابن عمر شيئا، ولم يسمع أبو حيان من عطا، وانظر: القطوف (١٤/ ١٦).
[ ١ / ٧٥ ]
رجال السند:
محمد بن طريف، صدوق، ومحمد بن فضيل بن غزوان، صدوق رمي بالتشيع، وأبو حيان يحيى بن سعيد بن حيان، ثقة، وعطاء بن يسار، ثقة فقيه هو وإخوته.
الشرح:
هذا حديث حسن وفيه ركيزة من ركائز صدق نبينا محمد -ﷺ- المعجزات التي أيده الله بها وفي هذه الرواية عدة معجزات، معجزة فهم الشجرة لنداء رسل الله -ﷺ-، ومعجزة تحركها من مكانها في سرعة وعجل، تلبية لنداء رسول الله -ﷺ-، والمعجزة الثالثة نطقها بالشهادة بصوت سمعه الأعرابي، وهي تردد الشهادة بصدق نبينا محمد -ﷺ- ثلاث مرات، والمعجزة الرابعة عودتها إلى منبتها، والمعجزة الخامسة والأخيرة عدم تضررها بالحركة وكأنها لم تغادر منيتها، كل هذا لإظهار عظمة الخالق، وتأييد النبي الرسول -ﷺ-، والملاحظ تسليم الأعرابي فلم يدعٍ ما يبطل مشاهدته، بل آمن ووعد بدعوة قومه إلى الإيمان بنبوة نبينا محمد -ﷺ-.
ما يستفاد:
* تأييد نبينا محمد -ﷺ- بكل ما يظهر صدقه فيما حكى عن ربه تعالى.
* في هذا بيان عبودية كل المخلوقات لله -﷿-.
* بيان طاعة جميع المخلوقات واستجابتها لأمر الله -﷿- عدا الإنس والجن فمن بعضهم يحصل التردد أو عدم الاستجابة مطلقا، وقد أطاعته تعالى السماوات والأرض ومن فيهن حين قال تعالى: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا
[ ١ / ٧٦ ]
أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (^١)، وهذا شامل لكل ما في الأرض والسماوات من المخلوقات، إلا الإنس والجن لم يحظوا بالطاعة المطلقة، ولذلك خلق الله تعالى الجنة والنار.
* أن في هذا رد على الطبعيين الذين يزعمون أن كل ما يجري في الكون مجرد أمر طبعي، وهذا لا يقول به إلا من طبع الله على قلبه، وسمعه وبصره.
* أن المعجزات فيها تقوية للإيمان، ونصر للحق.
قال الدارمي ﵀:
١٨ - (٢) أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ
أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: " خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي سَفَرٍ، وَكَانَ لَا يَأْتِي الْبَرَازَ حَتَّى يَتَغَيَّبَ فَلَا يُرَى، فَنَزَلْنَا بِفَلَاةٍ مِنَ الأَرْضِ لَيْسَ فِيهَا شَجَرٌ وَلَا عَلَمٌ، فَقَالَ: " يَا جَابِرُ اجْعَلْ فِي إِدَاوَتِكَ مَاءً ثُمَّ انْطَلِقْ بِنَا» قَالَ: فَانْطَلَقْنَا حَتَّى لَا نُرَى، فَإِذَا هُوَ بِشَجَرَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَرْبَعُ (^٢) أَذْرُعٍ، فَقَالَ: «يَا جَابِرُ انْطَلِقْ إِلَى هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَقُلْ: يَقُلْ لَكِ (^٣) رَسُولُ اللَّهِ الْحَقِي (^٤) بِصَاحِبَتِكِ (^٥) حَتَّى أَجْلِسَ خَلْفَكُمَا» فَرَجَعَتْ إِلَيْهَا، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَلْفَهُمَا ثُمَّ رَجَعَتَا
_________________
(١) من الآية (١١) من سورة فصلت.
(٢) في (ر، ك) أربعة، وكلا هما صحيح.
(٣) زاد في (ع/ أ، ف، و) رسول الله -ﷺ-.
(٤) في (ر) إلحق، وهو خطأ.
(٥) في (ع/ ب) بصاحبك، صححت في الهامش.
[ ١ / ٧٧ ]
إِلَى مَكَانِهِمَا، فَرَكِبْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَرَسُولُ اللَّهِ (^١) بَيْنَنَا كَأَنَّمَا عَلَيْنَا الطَّيْرُ تُظِلُّنَا، فَعَرَضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ مَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنِي هَذَا يَأْخُذُهُ الشَّيْطَانُ كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ: فَتَنَاوَلَ الصَّبِيَّ فَجَعَلَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُقَدَّمِ الرَّحْلِ، ثُمَّ قَالَ: «اخْسَأْ عَدُوَّ اللَّهِ أَنَا رَسُولُ اللَّهِ، اخْسَأْ (^٢) عَدُوَّ اللَّهِ أَنَا رَسُولُ اللَّهِ» (^٣) ثَلَاثًا ثُمَّ دَفَعَهُ (^٤) إِلَيْهَا (^٥)، فَلَمَّا قَضَيْنَا سَفَرَنَا مَرَرْنَا بِذَلِكَ الْمَكَانِ فَعَرَضَتْ لَنَا الْمَرْأَةُ مَعَهَا صَبِيُّهَا، وَمَعَهَا كَبْشَانِ تَسُوقُهُمَا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْبَلْ مِنِّي هَدِيَّتِي، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عَادَ إِلَيْهِ بَعْدُ.
فَقَالَ: «خُذُوا مِنْهَا وَاحِدًا وَرُدُّوا عَلَيْهَا الآخَرَ» قَالَ: ثُمَّ سِرْنَا وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَنَا كَأَنَّمَا عَلَيْنَا الطَّيْرُ تُظِلُّنَا، فَإِذَا جَمَلٌ نَادٌّ (^٦) حَتَّى إِذَا كَانَ بَيْنَ سِمَاطَيْنِ (^٧) خَرَّ سَاجِدًا، فَحَبَس (^٨) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَقَالَ: «عَلَىَّ النَّاسَ مَنْ صَاحِبُ الْجَمَلِ؟» فَإِذَا فِتْيَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ قَالُوا: هُوَ لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: " فَمَا شَأْنُهُ؟» قَالُوا: اسْتَنَيْنَا عَلَيْهِ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ بِهِ شُحَيْمَةٌ فَأَرَدْنَا أَنْ نَنْحَرَهُ فَنُقَسِّمَهُ بَيْنَ غِلْمَانِنَا، فَانْفَلَتَ مِنَّا. قَالَ: " بِيعُونِيهِ» قَالُوا: لَا بَلْ هُوَ
_________________
(١) ليس في (ت).
(٢) في (ت، ر/ أ، ع/ ب، ك، م) إخس، في الموضعين.
(٣) زاد في (ع/ ب) -ﷺ-.
(٤) في هامش (م) رفعه، وكلاهما صحيح.
(٥) في (ك) إليه، وصححت في الهامش.
(٦) أي هارب.
(٧) هما من النخل، ومن الناس: الجانبان (الصحاح ١/ ٦١١).
(٨) في (ع/ أ، ع/ ب، ف) فجلس، وكلاهما صحيح، حبس: أي توقف.
[ ١ / ٧٨ ]
لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «أَمَّا لِي فَأَحْسِنُوا إِلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَهُ أَجَلُهُ» قَالَ الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ ذَلِكَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ أَحَقُّ بِالسُّجُودِ لَكَ مِنَ الْبَهَائِمِ.
قَالَ: «لَا يَنْبَغِي لِشَيْءٍ أَنْ يَسْجُدَ لِشَيْءٍ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كَانَ النِّسَاءُ (^١) لأَزْوَاجِهِنَّ» (^٢).
رجال السند:
عبيد الله بن موسى بن باذام العبسي، ثقة، وإسماعيل بن عبد الملك بن
أبي الصّغير، صدوق كثير الوهم، وأبو الزبير محمد بن مسلم المكي، صدوق مدلس، وجابر بن عبد الله ﵄.
الشرح:
قوله: " الْبَرَازَ " البَراز بالفتح اسم للفَضاء الواسع، فكنَّوا به عن قَضاء الغائط كما كَنوا عنه بالخلاء، لأنهم كانوا يتبرَّزُون في الأمكنة الخالية من الناس (النهاية).
قوله: " اسْتَنَيْنَا " أي: استعملنا سانية لسقي المزارع، وتسمّى النواضح أيضا.
وقوله: " شُحَيْمَةٌ " أي زاد شحمه (الصحاح ١/ ٦٥١).
قوله: " غِلْمَانِنَا " وهذا حديث فيه ضعف وقد تضمن أربع قضايا: الأولى تتعلق بتأييده -ﷺ- في صدق نبوته -ﷺ-، فقد وعى نبوته كل شيء في هذا
_________________
(١) في (ر/ أ) يسجدن.
(٢) فيه إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصّغير، صدوق كثير الوهم، وأبو الزبير مدلس، وروي بالعنعنة، وله شواهد يقوى بها، وأخرجه ابن أبي شيبة حديث (١١٨٠٣) ومختصرا في سطر (١/ ١٠٧) وعنه أبو داود، حديث (٢) وابن ماجه، حديث (١٨٥٣) بطرف السجود، وصححه الألباني.
[ ١ / ٧٩ ]
الكون، فالشجر، شهد بذلك، وقد تقدم في الحديث السابق جانب من هذا، والقضية الثانية، قصة الصبي، ومخاطبة نبينا محمد -ﷺ- من التبسه من الجن، وأمره بالخروج، مخبرا أنه رسول الله -ﷺ-، فلم يكن من الجني إلا السمع والطاعة، ولا يخلو حاله من أحد أمرين: إما أنه آمن وتاب وخرج من ذلك الصبي، وإما أنه خاف من عقاب الله له إذا لم يستجب لأمر نبيه -ﷺ-، والقضية الثالثة، قصة الجمل الذي لجأ إلى رسول الله -ﷺ-، وطرح رأس على الأرض إجلالا لرسول الله -ﷺ-، وعرف الرسول نبينا محمد -ﷺ- أنه استجار به، فطلب من صاحبه أن يبيعه إياه، ولمكان رسول الله -ﷺ- قال هو لك يا رسول الله هدية من غير ثمن، فأمرهم وبالإحسان إليه حتى يأتي أجله، ولا يمسوه بسوء، والقضية الرابعة، توثيق العلاقة بين الزوجين، فكما أمر الزوج بالمحافظة على المرأة والعناية بحقوقها الخاصة والعامة، بين للمرأة مكانة الزوج منها، وأنه لو كان السجود لغير الله جائزا لأمر -ﷺ- المرأة أن تسجد لزوجها لعظيم حقه عليها، والسجود عبادة لا يكون لغير الله سبحانه.
ما يستفاد:
* أهمية الاستتار عند قضاء الحاجة ولو كان الإنسان في فلاة من الأرض.
* التوكيد على ما تقدم من ذكر المعجزات للتدليل على صدق نبوة رسول الله -ﷺ-.
* بيان شفقته -ﷺ- ورحمته لا بالآدميين فحسب بل بغيرهم من مخلوقات الله. * بيان مكانة الرسول -ﷺ- في نفوس أصحابه -﵃-، وتسابقهم إلى خدمة وتعظيمه -ﷺ-، كما هو الحال من خدمة أنس -﵁-.
[ ١ / ٨٠ ]
* القدوة في الخير والعمل الصالح، فقد طلب الصحابة أن يسجدوا لرسول الله -ﷺ-، لما رأوا من فعل ذلك الجمل.
* تحريم السجود لغير الله -﷿-، وإنما سمى الصحابة فعل الجمل سجودا إما للمشابهة، وإما أنه سجود حقيقي لكنه جاز لكونه من غير بني آدم.
* صحة وقوع التلبس من الجن بالإنس، وقد خاطب الرسول -ﷺ- الجني بقوله: أخرج، والخروج لا يكون إلا بعد دخول.
* جواز قبول الهدية، ورد بعضها شفقة على المهدي.
* جواز أخذ الأجرة على الرقية الشرعية، ضمنا من هذا الحديث، ونصا
من حديث البخاري أن الفاتحة رقية أخذ الصحابي عليها العطاء (^١).
* بيان عظيم حق الزوج على الزوجة.
قال الدارمي ﵀:
١٩ - (٣) حَدَّثَنَا يَعْلَى (^٢) ثَنَا الأَجْلَحُ، عَنِ الذَّيَّالِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنْ جَابِرِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ (^٣) قَالَ: " أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى دَفَعْنَا إِلَى حَائِطٍ فِي بَنِي النَّجَّارِ، فَإِذَا فِيهِ جَمَلٌ لَا يَدْخُلُ الْحَائِطَ أَحَدٌ إِلاَّ شَدَّ عَلَيْهِ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- فَأَتَاهُ فَدَعَاهُ، فَجَاءَ وَاضِعًا مِشْفَرَهُ فِي الأَرْضِ حَتَّى بَرَكَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ:
_________________
(١) البخاري حديث (٢٢٧٦).
(٢) في (ع/ أ ف، و) معلّى، وكلاهما شيخ للدارمي، وهما ثقتان.
(٣) في (ع/ أ، ف، و) ﵄.
[ ١ / ٨١ ]
«هَاتُوا خِطَامًا» فَخَطَمَهُ وَدَفَعَهُ إِلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ الْتَفَتَ" فَقَالَ: «مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ أَحَدٌ إِلاَّ يَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلاَّ عَاصِيَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ» (^١).
رجال السند:
يعلى بن عبيد الطنافسي، مسند الكوفة، شيخ الإسلام، إمام ثقة، لينوه في سفيان بن عيينة، والأجلح، هو ابن عبد الله الكندي، الأجلح لقب وقيل: اسمه يحيى، له أحاديث صالحة، والذيال بن حرملة، سكت عنه الإمامان البخاري وأبو حاتم، وأرى أن من سكتا عنه فيحمل على الستر والصيانة، ولاسيما إذا ورد ما يشهد لروايته، وجابر بن عبد الله ﵄.
الشرح:
هذه الرواية يشهد لها ما تقدم في الحديث السابق، وذلك لتأييده -ﷺ- في صدق ما أخبر به -ﷺ- من أمر الوحي والنبوة، ولذلك بين أنه ما من أحد من المخلوقات، من غير عصاة الإنس والجن إلا وقد علم بصدقه فيما أخبر به -ﷺ-.
ما يستفاد:
* الدلالة على علم المخلوقات جميعها بنبوة رسول الله، إلا العصاة من الإنس والجن.
_________________
(١) فيه الذيال، سكت عنه الإمامان: البخاري، وأبو حاتم (التاريخ ٣/ ٢٦١، والجرح ٣/ ٤٥١) وذكرة ابن حبان (الثقات ٤/ ٢٢٢) وأخرجه أحمد حديث (١٤٣٣٣).
[ ١ / ٨٢ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٠ - (٤) أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: " أنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ بابنٍ لَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنِي بِهِ جُنُونٌ، وَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ عِنْدَ غَدَائِنَا وَعَشَائِنَا، فَيُخَبَّثُ عَلَيْنَا. فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَدْرَهُ وَدَعَا، فَثَعَّ (^١) ثَعَّةً، وَخَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ مِثْلُ الْجِرْوِ الأَسْوَدِ فَسَعَى" (^٢).
رجال السند:
الحجاح بن منهال، هو البصري، أبو محمد مظهر السنة، إمام ثقة،
وحماد بن سلمة، هو البزاز، أبو سلمة أعلم الناس بحديث البناني، إمام ثقة، وفرقد السبخي، هو الكوفي، من أفراد الدارمي، متكلم فيه، وسعيد ابن جبير، هو من سادان التابعين، إمام ثقة، استشهد على يدي الحجاج، وكان كابوس الحجاج في منامه.
الْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
الشرح:
ليس في القصة ما يستغرب صدوره عن رسول الله -ﷺ-، ومعجزاته تؤيد هذا.
_________________
(١) أي قاء (الصحاح ١/ ١٥٥) وفي (ك) ثغّ.
(٢) فيه فرقد بن يعقوب السبخي، لين الحديث كثير الخطأ، وأخرجه أحمد (١/ ٢٦٨).
[ ١ / ٨٣ ]
ما يستفاد:
* جواز أن يعرض المريض نفسه أو غيره على من يثق بدينه وصلاحه، للاستشفاء بدعاء أو تطبيب.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢١ - (٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ، أَنْبَأنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى بُكَيْر (^١) الْعَبْدِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنِّي لأَعْرِفُ حَجَرًا (^٢) بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ،
إِنِّي لأَعْرِفُهُ الآنَ» (^٣).
رجال السند:
محمد بن سعيد الأصبهاني، أبو جعفر الكوفي، من شيوخ البخاري، وهو في الصحيح (^٤)، يقال له حمدان ثقة مات سنة عشرين ومائتين، وإبراهيم ابن طهمان، ثقة، وسماك بن حرب، صدوق من أقواله: أدركت ثمانين من أصحاب النبي -ﷺ- وكان قد ذهب بصري، فدعوت الله فرد علي بصري، وجابر بن سمرة -﵁-.
_________________
(١) في (ف) بكر مكبّرا، وهو خطأ.
(٢) في (ر/ ب) علق فوقه: قيل: إنه الحجر الأسود.
(٣) سنده حسن، سماك صدوق، وهذه الرواية ليست من حديثه عن عكرمة، وأخرجه مسلم حديث (٢٢٧٧).
(٤) حديث (٢٨٠٥، ٣٤٠٢).
[ ١ / ٨٤ ]
الشرح:
هذا حديث حسن، فيه بيان لما كان يعرض لرسول الله -ﷺ- من الأمور التي فيها لفت نظر إلى أن امرا ما يعدّ له -ﷺ- وفي ذلك طمأنة له كيما يتلقى الأحداث فيما بعد في تدرج وقبول، فكون الحجر يسلم عليه قبل أن يبعث -ﷺ-، وفي ذلك المجتمع الجاهلي، الذي تُعبد فيه أصنام مصنوعة، لا تنطق ولا تنفع ولا تضر، لا بد أن يكون من وراء ذلك شأن عظيم، فقد أنطق الله تعالى ذلك الحجر، تمييزا لمحمد وتهيئة له، فأخبر بذلك نبينا محمد -ﷺ- بعد البعثة ليعلم أصحابه والأمة كلها أنه الصادق الأمين صلوات ربي وسلامه عليه.
ما يستفاد:
* بيان المزيد من العانية الربانية بنبينا محمد -ﷺ-.
* أن الإعداد المبكر من أساليب التربية الصحيحة الناجحة.
* جواز التحدث بنعمة الله تعالى، وليس ذلك من قبيل مدح النفس، وإن كان حقا لنبينا محمد -ﷺ- لو مدح نفسه، فهو المصطفي المختار، سيد الأولين والآخرين، أعلم الله بنبوته ورسالته وفضله -ﷺ- كل أحد في السماوات والأرض إلا من كتب له الشقاء من الإنس والجن.
قال الدارمي ﵀:
٢٢ - (٦) حَدَّثَنَا فَرْوَةُ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِى ثَوْرٍ الْهَمْدَانِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيِّ، عَنْ عَبَّادِ (^١) بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: " كُنَّا مَعَ
_________________
(١) في (ف، و) ابن أبي يزيد، وفي (ر) بين يزيد.
[ ١ / ٨٥ ]
النَّبِيّ (^١) -ﷺ- بِمَكَّةَ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ فِي بَعْضِ نَوَاحِيهَا، فَمَرَرْنَا بَيْنَ الْجِبَالِ وَالشَّجَرِ، فَلَمْ نَمُرَّ (^٢) بِشَجَرَةٍ وَلَا جَبَلٍ إِلاَّ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ" (^٣).
رجال السند:
فروة بن أبي المغراء معدي كرب، أبو القاسم صدوق، من شيوخ البخاري في الصحيح، والوليد بن عبد الله بن أبي ثور الهمداني ضعيف، وإسماعيل السدي، ثقة له أوهام، وهو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي، روى له مسلم، وهو صدوق، وعباد أبو يزيد، أو ابن أبي يزيد مجهول، عن علي بن أبي طالب -﵁-.
الشرح:
هذه الرواية فيها ضعفاء، وقد صح سلام الحجر والشجر، وتقدم برقم ١٧، ١٨، ٢٢.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٣ - (٧) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شِمْرِ ابْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ أَوْ جُهَيْنَةَ قَالَ: " صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْفَجْرَ
_________________
(١) في (ك) رسول الله.
(٢) في (ف، و) يمر.
(٣) فيه الوليد: ضعيف، وعبّاد: مجهول، وأخرجه الترمذي حديث (٣٦٢٦) وقال: حسن غريب، وعند أحمد: إني لأعرف حجرا بمكة، حديث (٢٠٨٢٣، ٢٠٨٨٨) وانظر السابق.
[ ١ / ٨٦ ]
فَإِذَا هُوَ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ ذِئْبٍ قَدْ أَقْعَيْنَ (^١)، وُفُودُ الذِّئَابِ" فَقَالَ (^٢) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «تَرْضَخُوا (^٣) لَهُمْ شَيْئًا مِنْ طَعَامِكُمْ وَتَأْمَنُونَ عَلَى مَا سِوَى ذَلِكَ» فَشَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الْحَاجَةَ قَالَ: «آذِنُوهُنَّ» (^٤) قَالَ: فَآذَنُوهُنَّ فَخَرَجْنَ وَلَهُنَّ عُوَاءٌ" (^٥).
رجال السند:
محمد بن يوسف، ثقة، وسفيان بن سعيد الثوري، ثقة، والأعمش سليمان ابن مهران الأسدي، شمر بن عطية، كان ثقة له أحاديث صالحة.
الشرح:
هذه الروية فيها انقطاع، وهي تحكي معجزات ثلاث:
الأولى: معرفة الذئاب رسول الله -ﷺ-، الثانية: فهم رسول الله -ﷺ- مراد الذئاب، وأنها تطلب أن تعطى شيئا من الطعام، ويأمن الناس اعتداءها.
الثالثة: فهم الذئاب اعتذار الصحابة، عن شيء يقدمونه لها، وانصرفت ولها عواء، وعلى فرض عدم صحة القصة لكنها ممكنة الوقوع؛ لأنه صح
_________________
(١) الإقعاء: الجلوس على الرجلين، ناصبا اليدين (الصحاح ٢/ ٣٢٩).
(٢) زاد في (ع/ ب) لهم.
(٣) في (ف) ترضخوا، وهو خطأ، والمراد إعطاءهم شيئا من الطعام، والرضخ: العطاء ليس بالكثير (الصحاح ١/ ٤٨٧).
(٤) في (ع/ أ، ف، و) فآذنوهن؟، وكلاهما صحيح، والمراد أخبروهم بشكواكم.
(٥) في هامش عوي (م) والعكس في (ت). سنده منقطع إذ أن شمر من الطبقة السادسة، وهم الذين لم يدركوا أحدا من أصحاب رسول الله -ﷺ-، وانظر: القطوف رقم (١٥/ ٢٢).
[ ١ / ٨٧ ]
من المعجزات ما يؤيدها من جنسها، كما في قصة الجملين، ومن غير جنسها كما في قصة الحجر والشجر.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٤ - (٨) أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنْبَأَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، ثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: " جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ جَالِسٌ حَزِينٌ، وَقَدْ تَخَضَّبَ بِالدَّمِ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ تُحِبُّ أَنْ أُرِيَكَ آيَةً؟ قَالَ: " نَعَمْ». فَنَظَرَ إِلَى شَجَرَةٍ مِنْ وَرَائِهِ فَقَالَ: ادْعُ بِهَا. فَدَعَا بِهَا فَجَاءَتْ فَقَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: مُرْهَا فَلْتَرْجِعْ. فَأَمَرَهَا فَرَجَعَتْ (^١)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «حَسْبِي حَسْبِي» (^٢).
رجال السند:
إسحاق بن إبراهيم، بن راهويه ثقة إمام حافظ تقدم، وأبو معاوية، هومحمد ابن خازم السعدي، لزم الأعمش عشرين سنة، وهو من أثبت الناس فيه، ثقة، والأعمش، سليمان، وأبو سفيان، هو طلحة بن نافع الواسطي، من صغار التابعين لابأس به، وأنس بن مالك -﵁-.
_________________
(١) زاد في (ك) إليه، وهو خطأ.
(٢) سنده حسن، والأعمش لم يسمع رواية أبي سفيان طلحة بن نافع القرشي، كما قال المزي: في التهذيب (١٢/ ٤٣٩) وقد ذكر محقق تهذيب الكمال ما نقله مغلطائي عن البزار قوله: لم يسمع يعني الأعمش من أبي سفيان طلحة شيئا، وقد روى عنه نحوا مائة حديث، وإنما هي صحيفة عرضت، وإنما يثبت يعني الأعمش من حديثه يعني أبا سفيان ما لا يحفظه من غيره، لهذه العلة (تهذيب الكمال ١٢/ ٧٩) أخرجه ابن ماجة حديث (٤٠٢٨) وصححه الألباني.
[ ١ / ٨٨ ]
الشرح:
هذه الرواية فيها عدم سماع الأعمش من أبي سفيان، وسبق شهادة الشجرة على صدقه -ﷺ- حديث (١٦) واستجابة الشجرتين لندائه -ﷺ- حديث (١٧) ولا غرابة في وقوع مثل هذا تأييدا لرسول الله نبينا محمد -ﷺ-.
أما قوله -ﷺ-: «حسبي حسبي» أي: يكفيني ما رأيت من تأييد ربي لي، وتصديقي بالمعجزات الخارقة للعادة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٥ - (٩) أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى ظَبْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: " أَتَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَلَا أُرِيكَ آيَةً؟» قَالَ: بَلَى. قَالَ: " فَاذْهَبْ فَادْعُ تِلْكَ النَّخْلَةَ» فَدَعَاهَا فَجَاءَتْ تَنْقُزُ (^١) بَيْنَ يَدَيْهِ. فَقَالَ: قُلْ لَهَا تَرْجِعْ. قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «ارْجِعِي» فَرَجَعَتْ حَتَّى عَاَدَتْ إِلَى مَكَانِهَا، فَقَالَ: يَا بَنِي عَامِرٍ مَا رَأَيْتُ رَجُلًا كَالْيَوْمِ أَسْحَرَ مِنْهُ (^٢).
رجال السند:
إسحاق بن إبراهيم، بن راهويه ثقة إمام حافظ، وجرير، هو ابن عبد الحميد الضبي، أبو عبد الله الكوفي، إمام ثقة صحيح الكتاب، وأبو معاوية، هو محمد بن خازم السعدي، لزم الأعمش عشرين سنة، وهو من أثبت الناس فيه،
_________________
(١) من قولهم: نقز الظبي: إذا قفز ووثب (الصحاح ٢/ ٦٠١).
(٢) رجاله ثقات، وأخرجه أحمد حديث (١٩٥٤) وزاد" فقال: يا رسول الله، أرني الخاتم الذي بين كتفيك، فإ ني من أطب الناس" والترمذي بنحوه حديث (٣٦٢٨) وقال: حسن غريب صحيح.
[ ١ / ٨٩ ]
ثقة تقدم، الأعمش، هو سليمان بن مهران، إمام ثقة، أبي ظبيان، هو حصين بن جندب الجنبي، ثقة صدوق، شارك في غزو القسطنطينية في جيش يزيد سنة خمسين من الهجرة، ابن عباس ﵄.
الشرح:
انظر السابق وهذه الرواية قوية السند، وهي تقوي ما سبق من الروايات.
ما يستفاد:
* إضافة إلى ما تقدم في الروايات المماثلة، بيان حلم نبينا محمد -ﷺ- ورفقه
بأمته.
* جواز استخدام أقصى ما يمكن من الدلائل والبراهين لبيان الحق.
* بيان عناد كفار قريش ومحاولتهم تكذيبه -ﷺ-.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: