٥٢٦ - (١) أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ، ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: حَدَّثَنَاهُ عَاصِمٌ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ جَرِيرٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً عُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقَصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقَصَ مِنْ أَوْزَارِهِ شَيْءٌ» (^١).
رجال السند:
الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ، وسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وعَاصِمٌ، هو ابن أبي نجود، وشَقِيقٌ، هو ابن سلمة ثقات تقدموا، وجَرِيرٌ، هو ابن عبد الله -﵁-.
الشرح:
قال جرير بن عبد الله -﵁-: " جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله -ﷺ- عليهم الصوف فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة، فحث الناس على الصدقة، فأبطئوا عنه حتى رئي ذلك في وجهه. قال: ثم إن رجلا من الأنصار جاء بصرة من ورق، ثم جاء آخر، ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه"، فقال رسول الله -ﷺ-: «من سن في
_________________
(١) رجاله ثقات، وأخرجه مسلم حديث (١٠١٧).
[ ٢ / ١٢٧ ]
الإسلام سنة حسنة، فعمل بها بعده، كتب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، فعمل بها بعده، كتب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء» (^١)، وقال -ﷺ-: «من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» (^٢)، فالداعي الى ما يهتدى به من العمل الصالح يكتب له مثل أجر من اهتدى بدعوته، وكذلك الداعي إلى ضلالة، يحمل مثل إثم من ضل بدعوته، ولدفع توهم أن أجر الداعي يكون بالنقص من أجر التابع وضمه الى أجر الداعي نفى النقصان من أجر التابع، وكذلك الحال في إثم الداعي إلى ضلاله، وأصل هذا قول الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (^٣)، وقوله -﷿-: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ (^٤)، وهذا يؤكد أثر المتابعة في الخير والشر، لذلك قال الله -﷿-: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ (^٥)، وهذا يتناول ما قلَّ وما جلَّ من الخير والشر، ولذلك لما جاء قوم حفاة عراة فتمعر وجه رسول الله -ﷺ- لِما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالا فأذن وأقام، فصلى ثم خطب ومما قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (^٦)، «تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة» (^٧) فلم يفرق بين قليل ولا كثير، وقد رضي الله القليل من ذلك الصحابي -﵁-، الذي جاء بنصف صاع،
_________________
(١) مسلم حديث (١٠١٧).
(٢) مسلم حديث (٢٦٧٤).
(٣) الآية (٢٥) من سورة النحل.
(٤) من الآية (١٣) من سورة العنكبوت.
(٥) من الآية (١٢) من سورة يس.
(٦) من الآية (١٨) من سورة الحشر.
(٧) مسلم حديث (١٠١٧).
[ ٢ / ١٢٨ ]
وجاء إنسان بشيء كثير، فقالوا: إن الله غني عن صدقة هذا، وقالوا: هذا مراء، فنزلت ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^١).
ما يستفاد:
* الحرص على الدعوة إلى الخير والأعمال الصالحة وسن كل ما يتفق مع الكتاب والسنة.
* الحذر من البدع بما لا يتفق مع الكتاب والسنة، والبعد عن الدعوة إليها.
* إظهار التعاون على البر والتقوى، تحقيقا لقول رسول الله -ﷺ-: «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى عضوا تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى» (^٢).
* عدم احتقار ما قل من عمل الخير، ولو كان شق تمرة، جاءت امرأة إلى عائشة ﵂ تسأل ومعها صبيان فأعطتها ثلاث تمرات، فأعطت كل صبي تمرة تمرة، وأمسكت لنفسها تمرة، فأكل الصبيان التمرتين، فعمدت إلى التمرة فشقتها نصفين فأعطت كل صبي لها نصف تمرة، فجاء النبي -ﷺ- فأخبرته فقال: «وما يعجبك منها لقد رحمها الله برحمتها صبيها» (^٣)، وفي رواية: قال رسول الله -ﷺ-:
«حاملات، والدات، مرضعات، رحيمات بأولادهن، لولا ما يأتين إلى أزواجهن دخل مصلياتُهن الجنة» (^٤).
عدم احتقار ما صغر من الذنوب، وإن قل عملا بقول رسول الله -ﷺ- في خطبته يوم الحج الأكبر: «ألا إن الشيطان قد يئس أن يعبد في بلدكم هذا أبدا، ولكن ستكون طاعة في بعض ما تحقرون من أعمالكم يرضى بها» (^٥).
_________________
(١) الآية (٧٩) من سورة التوبة.
(٢) البخاري حديث (٦٠١١) ومسلم حديث (٢٥٨٦).
(٣) المستدرك حديث (٧٣٤٩).
(٤) الطبراني حديث (٧٩٨٥).
(٥) ابن أبي شيبة حديث (٥٦١).
[ ٢ / ١٢٩ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٢٧ - (٢) أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ - مَوْلَى الْحُرَقَةِ - عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنِ اتَّبَعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» (^١).
رجال السند:
الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ، هو أبو همام الكوفي، لابأس به تقدم، وإِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، هو ابن كثير الأنصاري، إمام ثقة تقدم، والْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ يَعْقُوبَ، مَوْلَى الْحُرَقَةِ، أبو شبل المدني ثقة، وأَبوه، عبد الرحمن تابعي ثقة، روى له الستة عدا البخاري، وأَبو هُرَيْرَةَ -﵁-.
الشرح: انظر السابق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٢٨ - (٣) أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، ثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ - يَعْنِى ابْنَ صُبَيْحٍ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ الْعَبْسِيِّ، عَنْ جَرِيرِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ -﵁- قَالَ: " خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَحَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَأَبْطَئُوا حَتَّى بَانَ فِي وَجْهِهِ الْغَضَبُ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ جَاءَ بِصُرَّةٍ فَتَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رُئِىَ فِي وَجْهِهِ السُّرُورُ، فَقَالَ: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهُ وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقَصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهُ وَمِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقَصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» (^٢).
رجال السند:
الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ، تقدم آنفا، أَبُو مُعَاوِيَةَ، هو محمد بن خازم السعدي، إمام ثقة من أثبت الناس في الأعمش تقدم، والأَعْمَشُ، سليمان بن مهران إمام ثقة تقدم، ومُسْلِمُ
_________________
(١) سنده حسن، وأخرجه مسلم حديث (٢٦٧٤).
(٢) رجاله ثقات، وانظر سابقه.
[ ٢ / ١٣٠ ]
ابْنُ صُبَيْحٍ، هو أبو الضحى، الكوفي مشهور بكنيته ثقة تقدم، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ هِلَالٍ الْعَبْسِيُّ، هو ثقة روى له مسلم، وجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ -﵁-.
الشرح: انظر رقم ٥٢٥.
وبالمناسبة:
وأنا أكتب هذا وصلتني رسالة في هذا اليوم الاثنين ٣٠/ ٤/ ١٤٣٩ هـ تخبر بوفاة لأخ سعيد بن سحيم الزهراني نسأل الله -﷿- أن يكرم ضيافته، ويغفر له ويرحمه رحمة واسعة، ويرحمنا إذا صرنا إلى ما صار إليه، وأن يجعل خير أيامنا يوم القدوم عليه، وأن يجعل ما بعده مغفرة ورحمة وفوزا بالجنة ونجاة من النار.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٢٩ - (٤) أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا شُعَيْبٌ - هُوَ ابْنُ إِسْحَاقَ- ثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «أَنَا أَعْظَمُكُمْ أَجْرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لأَنَّ لِي أَجْرِى وَمِثْلَ أَجْرِ مَنِ اتَّبَعَنِي» (^١).
رجال السند:
عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ سَعِيدٍ، هو أبو محمد السلمي صدوق تقدم، وشُعَيْبٌ بْنُ إِسْحَاقَ، هو أبو شعيب الدمشقي، فقيه من ثقات أهل الرأي تقدم، والأَوْزَاعِيُّ، إمام ثقة اقدم، وحَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، هو المحاربي، إمام ثقة، أثنى عليه الأوزاعي تقدم.
الشرح:
صدق رسول الله -ﷺ-، كيف لا وهو القائل لعلي -﵁-: «فو الله لأن يهدى بك رجل واحد خير لك من حمر النعم» (^٢)، وقد هدى الله -﷿- به أمة هي خير الأمم بشهادة القرآن قال الله -﷿-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (^٣)، وأتباعه -ﷺ- أكثر من أتباع غيره من الرسل ﵈، قال رسول الله -ﷺ-: «عرضت علي الأمم، فجعل النبي والنبيان يمرون معهم الرهط، والنبي ليس معه أحد، حتى رفع لي سواد عظيم، قلت: ما
_________________
(١) سنده حسن.
(٢) البخاري حديث (٢٩٤٢).
(٣) من الآية (١١٠) من سورة آل عمران.
[ ٢ / ١٣١ ]
هذا؟ أمتي هذه؟ قيل: بل هذا موسى وقومه، قيل: انظر إلى الأفق، فإذا سواد يملأ الأفق، ثم قيل لي: انظر ها هنا، وها هنا في آفاق السماء، فإذا سواد قد ملأ الأفق، قيل: هذه أمتك» (^١)، وقال -ﷺ-: «والذي نفسي بيده، إني أرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة» فكبرنا، فقال: «أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة» فكبرنا، فقال: «أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة» فكبرنا (^٢)، وفي رواية قال -ﷺ-: «أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة» قلنا: نعم، قال: «أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة» قلنا: نعم، قال: «أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة» قلنا: نعم، قال: «والذي نفس محمد بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة» (^٣).
الشرح:
سبحان من خص نبينا محمدا -ﷺ-، وأمته بهذا الفضل، ورحم به أتباعه، قال الله -﷿-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (^٤)، أي: لجميع الناس؛ لأنه خاتم الأنبياء، فلا تبي بعده، فمن أطاعه نجا، ومن عصاه هلك، ولذلك قال -ﷺ-: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبا» قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟، قال: «من أطاعني قلنا: نعم، قال: «والذي نفس محمد بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل دخل الجنة ومن عصاني فقد أبا» (^٥).
ما يستفاد:
* بيان شرف نبينا محمد -ﷺ- وأمته على الأنبياء ﵈ وأممهم.
* أهمية العمل بالكتاب والسنة اتباعا لنبينا محمد -ﷺ-.
* وجوب الاقتداء برسول الله -ﷺ- في الدعوة إلى الهدى، والتحذير من الضلال.
* تحقق دخول الجنة لكل من أطاع الله -﷿-، ورسوله -ﷺ-.
_________________
(١) البخاري حديث (٥٧٠٥) ومسلم حديث (٢٢٠).
(٢) البخاري حديث (٣٣٤٨).
(٣) البخاري حديث (٦٥٢٨).
(٤) الآية (١٠٧) من سورة الأنبياء.
(٥) البخاري حديث (٧٢٨٠).
[ ٢ / ١٣٢ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٣٠ - (٥) أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا عَبْدُالسَّلَامِ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ بِشْرٍ، عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ دَعَا إِلَى أَمْرٍ - وَلَوْ رَجُلٌ رَجُلًا - كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَوْقُوفًا بِهِ، لَازِمًا بِغَارِبِهِ» (^١) ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ (^٢).
رجال السند:
مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، هو النهدي، إمام ثقة تقدم، وعَبْدُ السَّلَامِ، هو ابن حرب النهدي، أبو بكر الكوفي إمام ثقة، روى له الستة، ولَيْثٌ، هو ابن أبي سليم مختلف في تحسين حديثه، وبِشْرٌ، هو مجهول، وقد يكون بشير تصحف، فإن صح فهو بشير بن نهيك، وأَنَسٌ، هو خادم رسول الله -﵁-.
الشرح:
المراد أنه سيختصم الداعي والتابع يوم القيامة، قال الله -﷿-: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ (^٣)، وهذا غاية في الخصومة والنكال أن يكون المضلون من الأنس أو الجن تحت أقدام الأتباع، في النار؛ لأن الله -﷿- أمر بإيقافهم للحساب، قال -﷿- للملائكة: (^٤)، من المتسبب في الإضلال، ومن التابع، فينال كل جزاءه، على غرار ما تقدم برقم ٥٢، وما بعده.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٣١ - (٦) أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: " أَرْبَعٌ يُعْطَاهُنَّ الرَّجُلُ بَعْدَ مَوْتِهِ: ثُلُثُ مَالِهِ إِذَا كَانَ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ
_________________
(١) فيه بشر صاحب أنس، لا يعرف، وأخرجه الترمذي حديث (٣٢٢٨) وقال: هذا حديث غريب، وابن ماجة من حديث بشير بن نهيك، عن أبي هريرة نحوه، حديث (٢٠٨) وضعفه الألباني.
(٢) الآية (٢٤) سورة الصافات.
(٣) الآية (٢٩) من سورة فصلت.
(٤) الآية (٢٤) سورة الصافات.
[ ٢ / ١٣٣ ]
لِلَّهِ مُطِيعًا، وَالْوَلَدُ الصَّالِحُ يَدْعُو لَهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ، وَالسُّنَّةُ الْحَسَنَةُ يَسُنُّهَا الرَّجُلُ فَيُعْمَلُ بِهَا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَالْمِائَةُ إِذَا شَفَعُوا لِلرَّجُلِ شُفِّعُوا فِيهِ " (^١).
رجال السند:
عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، هو القيسي صالح تقدم، وحَمَّادٌ بْنُ سَلَمَةَ، وعَاصِمٌ، هو ابن بهدلة والشَّعْبِيُّ، هم أئمة ثقات تقدموا، وابْنُ مَسْعُودٍ -﵁-.
الشرح:
قوله: «أَرْبَعٌ يُعْطَاهُنَّ الرَّجُلُ بَعْدَ مَوْتِهِ: ثُلُثُ مَالِهِ إِذَا كَانَ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ لِلَّهِ مُطِيعًا».
المراد مطيعا لله -﷿- في الكسب من الحلال، والنفقة في حلال، كإخراج الزكاة، والإنفاق في وجوه الخير، وأداء ما يلزمه شرعا من النفقة على الوالدين وأهل بيته، وغير ذلك، فإن أجر ذلك يلحقه ثوابه بعد الموت؛ عرف فيه حق الله -﷿-، ولذلك «نعم المال الصالح للمرء الصالح» (^٢)، والمراد بالثلث ما يوصي به الرجل بعد موته، قال سعد بن مالك -﵁-: قال: " عادني النبي -ﷺ- عام حجة الوداع، من مرض أشفيت منه على الموت، فقلت: يا رسول الله، بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟، قال: «لا»، قال: فأتصدق بشطره؟، قال: «الثلث يا سعد، والثلث كثير، إنك أن تذر ذريتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ولست بنافق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا آجرك الله بها حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك» (^٣). قوله: «أ وَالْوَلَدُ الصَّالِحُ يَدْعُو لَهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ».
هذا مقتبس من قول رسول الله -ﷺ-: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (^٤).
قوله: «وَالسُّنَّةُ الْحَسَنَةُ يَسُنُّهَا الرَّجُلُ فَيُعْمَلُ بِهَا بَعْدَ مَوْتِهِ».
المراد ما تقدم بيانه برقم ٥٢٥ - (١) وما بعده.
_________________
(١) سنده حسن.
(٢) الأدب المفرد (٢٩٩).
(٣) البخاري حديث (٣٩٣٦)
(٤) البخاري حديث (١٦٣١).
[ ٢ / ١٣٤ ]
قوله: «وَالْمِائَةُ إِذَا شَفَعُوا لِلرَّجُلِ شُفِّعُوا فِيهِ».
هذا القول لم أقف عليه مرفوعا، وهو ممالا مجال فيه للرأي؛ لأن الشفاعة أمر غيبي لا يعلمه إلا الله -﷿-، لكن قال رسول الله -ﷺ-: «ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلا، لا يشركون بالله شيئا، إلا شفعهم الله فيه» (^١).
ما يستفاد:
* وجوب الكسب مما أحله الله -﷿-، والإنفاق فيما أحل -ﷻ-.
* استحباب الوصية عند الموت بالثلث فأقل.
*وجوب تربية الأولاد وإحسان تعليمهم العمل بالكتاب والسنة.
* الحرص على الدعاء للوالدين وبرهم بذلك بعد الموت، والإكثار من قول: ﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (^٢).
*الحرص على الدعوة إلى الخير، وأن يكون الداعي قدوة في ذلك.
* الحرص على مرافقة الأخيار من لا يشرك بالله -﷿- فإنهم شفعاء لمن يصلون عليه ويقومون على جنازته.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: