٥٣٢ - (١) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَجَّاجِ، ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: "جَهَدْنَا بإبرَاهِيمَ أَنْ نُجْلِسَهُ (^٣) إِلَى سَارِيَةٍ فَأَبَى " (^٤).
رجال السند:
أَحْمَدُ بْنُ الْحَجَّاجِ، هو أبو العباس المروزي ثقة تقدم، وسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، والأَعْمَشُ، إمامان ثقتان تقدما، وإِبْرَاهِيم، هو النخعي تابعي إمام.
_________________
(١) مسلم حديث (٩٤٨).
(٢) من الآية (٢٤) من سورة الإسراء.
(٣) في الأصل وفي (ر) حتى أن نجلسه، وفي (د) أن نسنده.
(٤) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٤٠٤).
[ ٢ / ١٣٥ ]
الشرح:
المراد خوف أن يعرف مجلسه فيشتهر بذلك، وكان الرعيل الأول يكرون الشهرة وكثرة اجتماع الناس حولهم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٣٣ - (٢) أَخْبَرَنَا عَفَّانُ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: " أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَى السَّارِيَةِ " (^١).
رجال السند:
عَفَّانُ، وأَبُو عَوَانَةَ، ومُغِيرَةُ، وإِبْرَاهِيمُ، أئمة ثقات تقدموا.
وتقدم آنفا أن ذلك كرها للشهرة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٣٤ - (٣) أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ بْنُ الْمُبَارَكِ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: " كَانَ إِبْرَاهِيمُ لَا يَبْتَدِئُ الْحَدِيثَ حَتَّى يُسْأَلَ " (^٢).
رجال السند:
الْحَكَمُ بْنُ الْمُبَارَكِ، وأَبُو عَوَانَةَ، ومُغِيرَةُ وإِبْرَاهِيمُ، هم ثقات تقدموا.
الشرح:
فيه تواضع وبعد عن إشهار نفسه بالعلم؛ ولأن السؤال مفتاح العلم والرغبة فيه.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٣٥ - (٤) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، أَنْبَأ الأَعْمَشُ عَنْ خَيْثَمَةَ قَالَ: " كَانَ الْحَارِثُ بْنُ قَيْسٍ الْجُعْفِيُّ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ وَكَانُوا مُعْجَبِينَ بِهِ، فَكَانَ يَجْلِسُ إِلَيْهِ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ فَيُحَدِّثُهُمَا، فَإِذَا كَثُرُوا قَامَ وَتَرَكَهُمْ " (^٣).
_________________
(١) رجاله ثقات، والمراد التواضع والبعد عن الشهرة والتميز عن الآخرين، وانظر: القطوف رقم (٤٠٦).
(٢) سنده حسن.
(٣) سنده حسن.
[ ٢ / ١٣٦ ]
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، ثقة تقدم، ويُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، هو أبو بكر الشيباني الجمال، صدوق روى له مسلم، والأَعْمَشُ، ثقة تقدم، وخَيْثَمَةُ، هو ابن عبد الرحمن بن سبرة، تابعي فقيه، والده وجده صحابيان ﵄، والْحَارِثُ بْنُ قَيْسٍ الْجُعْفِيّ، هو تابعي فقيه.
الشرح: المراد بتركه إياهم لما كثروا الهروب من الشهرة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٣٦ - (٥) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، ثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: " قِيلَ لَهُ حِينَ مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ -﵁-: لَوْ قَعَدْتَ فَعَلَّمْتَ النَّاسَ السُّنَّةَ. فَقَالَ: أَتُرِيدُونَ أَنْ يُوطَأَ عَقِبِي؟! ".
رجال السند:
أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، هو التميمي ثقة متقن تقدم، وأَبُو شِهَابٍ، هو عبد ربه ابن نافع الكناني، صدوق روى له الشيخان، والأَعْمَشُ، وإِبْرَاهِيمُ، عَلْقَمَةُ، هم أئمة ثقات تقدموا.
الشرح:
سنده حسن، وانظر: القطوف رقم (٤٠٨/ ٥٣١).
وفيه توكيد لما تقدم من كراهة العلماء للشهرة، وكثرة الإحاطة بهم والسير خلفهم، ولكن حصل تيسير الأمر ممن جاء بعدهم، وكان الشافعي ﵀، يجلس في حلقته إذا صلى الصبح فيجيئه أهل القرآن فإذا طلعت الشمس قاموا، وجاء أهل الحديث فيسألونه تفسيره ومعانيه، فإذا ارتفعت الشمس قاموا فاستوت الحلقة للمذاكرة والنظر، فإذا ارتفع الضحى تفرقوا، وجاء أهل العربية والعروض والنحو والشعر، فلا يزالون إلى قرب انتصاف النهار (^١)، وعلى هذا سار العلماء في عقد مجالس التعليم مع الهيبة والتواضع، فكان يجلس بين يدي العالم العشرات، والمئات والآلاف يلتمسون العلم والفقه في الدين.
_________________
(١) تاريخ التشريع الإسلامي (١/ ٣٦٢.
[ ٢ / ١٣٧ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٣٧ - (٦) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَنْبَأَ ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ: سَمِعْتُ هَارُونَ ابْنَ عَنْتَرَةَ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ حَنْظَلَةَ قَالَ: " أَتَيْنَا أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ لِنَتَحَدِّثَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَامَ قُمْنَا وَنَحْنُ نَمْشِي خَلْفَهُ، فَرَهَقَنَا عُمَرُ رضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ، فَتَبِعَهُ فَضَرَبَهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ، قَالَ: فَاتَّقَاهُ بِذِرَاعِهِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا تَصْنَعُ؟، قَالَ: أَوَ مَا تَرَى فِتْنَةً لِلْمَتْبُوعِ مَذَلَّةً لِلتَّابِعِ " (^١).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أبو كريب إمام ثقة تقدم، وابْنُ إِدْرِيسَ، عبد الله قدوة ثقة تقدم، وهَارُونُ بْنُ عَنْتَرَةَ، هو الشيباني لابأس به تقدم، وسُلَيْمُ بْنُ حَنْظَلَةَ، هو السعدي، وقيل: البكري، لذلك فرق بينهما البخاري، ولم يفرق ابن حبان بينهما، تابعي من أفراد الدارمي، ليس له عنده إلا هذا، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ -﵁-.
الشرح:
المراد تبعهم عمر -﵁- حتى لحقهم، فضرب أبيا بعصاة، اتقاها أبي -﵁- وأنكر فعل عمر -﵁-، فأخبره أن من يمشون خلفه في ذلك فتنة له بأن يقع في نفسه شيء من الغرور والكبر، وهو لمن يمشي ذلة وإهانة، ولذلك الفضلاء من العلماء لا يرضون بذلك، وقد رأى ابنَ مسعود -﵁- ناسٌ فجعلوا يمشون خلفه، فقال: " ألكم حاجة؟ " قالوا: لا، قال: " ارجعوا فإنها ذلة للتابع فتنة للمتبوع " (^٢).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٣٨ - (٧) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، ثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: " كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ تُوطَأَ أَعْقَابُهُمْ" (^٣).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، وجَرِيرٌ، ومَنْصُورُ، وإِبْرَاهِيمُ، هم أئمة ثقات تقدموا.
_________________
(١) فيه سليم بن حنضلة السعدي: سكت عنه الإمامان: البخاري، وأبو حاتم (التاريخ ٤/ ١٢٢، ١٢٤، والجرح ٤/ ٢١٢) وانظر: القطوف رقم (٤٠٩/ ٥٣٢).
(٢) ابن أبي شيبة حديث (٢٦٣١٤).
(٣) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٤١٠، ٥٣٣).
[ ٢ / ١٣٨ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٣٩ - (٨) أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ بِسْطَامِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: " كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ إِذَا مَشَى مَعَهُ الرَّجُلُ قَامَ فَقَالَ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ قَضَاهَا، وَإِنْ عَادَ يَمْشِي مَعَهُ قَامَ فَقَالَ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ " (^١).
رجال السند:
سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ (^٢)، هو الضبعي، إمام ثقة تقدم، وبِسْطَامِ بْنِ مُسْلِمٍ، هو العوذي بصري من ثقات أصحاب ابن سيرين، إمام ثقة رفيع، ومُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، هو من سادات التابعين ﵀.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٤٠ - (٩) أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثَنَا حَسَنُ بْنُ صَالِحٍ بن حي (^٣)، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ (^٤) عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: " إِيَّاكُمْ أَنْ تُوطَأَ أَعْقَابُكُمْ " (^٥).
رجال السند:
أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، هو الفضل بن دكين إمام ثقة تقدم، حَسَنُ بْنُ صَالِحٍ بن حي، هو أبو عبد الله إمام عابد ثقة تقدم، وأَبو حَمْزَةَ، هو ميمون من أصحاب إبراهيم ضعيف تقدم، وإِبْرَاهِيمُ، هو النخعي إمام ثقة تقدم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٤١ - (١٠) أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ مَالِكٍ، ثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأَ شُعْبَةُ، عَنِ الْهَيْثَمِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ: أَنَّهُ رَأَى نَاسًا يَتْبَعُونَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، قَالَ: - فَأُرَاهُ (^٦) قَالَ:
_________________
(١) رجاله ثقات.
(٢) زاد في المطبوع (حميد بن أسود) بين سعيد بن عامر، وبسطام بن مسلم، وأرجح أن يكون هو الصواب، فسعيد من التاسعة، وحميد من الثامنة، وبسطام من السابعة، أو هما شيخا سعيد في هذا.
(٣) سقطت من جميع النسخ الخطية عدا الأصل.
(٤) في المطبوع (عن حمزة) وهو خطأ.
(٥) فيه أبو حمزة صاحب إبراهيم النخعي، ضعيف يقويه ما تقدم.
(٦) في (الأصل، وفي (ف، ك، و) فأريه.
[ ٢ / ١٣٩ ]
نَهَاهُمْ، وَقَالَ: إِنَّ صَنِيعَكُمْ هَذَا أَوْ مَشْيَكُمْ هَذَا مَذَلَّةٌ لِلتَّابِعِ فِتْنَةٌ لِلْمَتْبُوعِ ".
رجال السند:
مَخْلَدُ بْنُ مَالِكٍ، هو الجمال إمام ثقة تقدم، وحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، هو المصيصي أبو محمد إمام ثقة تقدم، وشُعْبَةُ، هو ابن الحجاج إمام ثقة تقدم، والْهَيْثَمُ، هو ابن حبيب الصيرفي، ثقة لم يرو له الستة، وعَاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ، هو السلولي من أصحاب علي ابن أبي طالب مقدم فيه، ثقة روى له الأربعة، وسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، شهيد الحجاج.
الشرح:
قوله: " مشيكم هذا " قال أبو عاصم: ليست في (ك) ولعله الصواب (فتح المنان ٣/ ٣١٦) بل هي في (ك) كذلك، كتبت لحقا في الهامش، والخبر سنده حسن، وانظر: رقم (٥٢٩) وانظر: القطوف رقم (٤١٣/ ٥٣٦). وهذا في سياق ما تقدم من كراهة العلماء للتجمهر حولهم والسير معهم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٤٢ - (١١) أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، ثَنَا حُمَيْدُ بْنُ أَسْوَدَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: "شَاوَرْتُ مُحَمَّدًا فِي بِنَاءٍ أَرَدْتُ أَنْ أَبْنِيَهُ فِي الْكَلاَّءِ (^١)، قَالَ: فَأَشَارَ عَلَيَّ، وَقَالَ: إِذَا أَرَدْتَ أَسَاسَ الْبِنَاءِ فَآذِنِّي حَتَّى أَجِئ مَعَكَ. قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، قَالَ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَمْشِي إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَمَشَى مَعَهُ فَقَامَ، فَقَالَ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟، قَالَ: لَا. قَالَ: أَمَّا لَا فَاذْهَبْ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ، فَقَالَ: أَنْتَ أَيْضًا فَاذْهَبْ. قَالَ: فَذَهَبْتُ حَتَّى خَالَفْتُ الطَّرِيقَ " (^٢).
رجال السند:
سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، هو الضبعي إمام ثقة تقدم، وحُمَيْدُ بْنُ أَسْوَدَ، هو الكرابيسي وثقه أبو حاتم تقدم، وابْنُ عَوْنٍ، هو عبد الله إمام ثقة تقدم، ومُحَمَّد، هو ابن سيرين من سادات التابعين.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٤٣ - (١٢) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ نُسَيْرٍ:
_________________
(١) اسم محلة مشهورة، وسوق بالبصرة (معجم البلدان ٤/ ٤٧٢).
(٢) سنده حسن.
[ ٢ / ١٤٠ ]
" أَنَّ الرَّبِيعَ كَانَ إِذَا أَتَوْهُ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّكُمْ، يَعْنِى أَصْحَابَهُ " (^١).
رجال السند:
أَحْمَدُ بْنُ الْحَجَّاجِ، هو المروزي إمام ثقة تقدم، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، إمام ثقة تقدم، وسُفْيَانَ، هو ابن عيينة إمام ثقة تقدم، ونُسَيْرٌ، هو ابن ذعلوق كوفي ثقة، روى له ابن ماجة، والرَّبِيعُ، هو ابن خثيم أبو يزيد الكوفي، إمام ثقة عابد له أقوال وفضائل مذكورة في الحلية وغيرها.
الشرح:
قوله لأصحابه: " أعوذ بالله من شركم " أراد ما قد يحدث من الشهرة، وأن يوطأ عقبه.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٤٤ - (١٣) أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ مَالِكٍ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ رَجَاءٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ قَالَ: " كُنَّا عِنْدَ خَباب بْنِ الأَرَتِّ -﵁- فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ وَهُوَ سَاكِتٌ، فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تُحَدِّثُ أَصْحَابَكَ قَالَ: أَخَافُ أَنْ أَقُولَ لَهُمْ (^٢) مَا لَا أَفْعَلُ " (^٣).
رجال السند:
مَخْلَدُ بْنُ مَالِكٍ، إمام ثقة تقدم آنفا، ويَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، هو القطان، والأَعْمَشُ، هما إمامان ثقتان تقدما، رَجَاءٌ الأَنْصَارِيُّ، كوفي مقبول لم يرو عنه سوى الأعمش، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، هو الأنصاري أبو بشر تابعي صدوق روى له مسلم، وخَباب ابْنُ الأَرَتِّ، أبو عبد الله من السابقين -﵁-.
الشرح:
هذا من ورع خباب -﵁-، قال ثابت بن قيس بن شماس -﵁- " لما نزلت: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية (٣) من سورة الحجرات: قال: يا نبي الله، لقد خشيت أن أكون قد هلكت، نهانا الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك، وأنا امرؤ جهير الصوت، ونهى الله المرء أن يحب أن يحمد بما لم يفعل، وأجدني أحب الحمد، ونهى الله عن
_________________
(١) سنده حسن.
(٢) سقطت من (ت).
(٣) فيه رجاء الأنصاري مقبول.
[ ٢ / ١٤١ ]
الخيلاء وأجدني أحب الجمال، فقال النبي -ﷺ-: «يا ثابت أما ترضى أن تعيش حميدا، وتقتل شهيدا، وتدخل الجنة؟ " فعاش حميدا، وقتل شهيدا يوم مسيلمة (^١).
فمن سدد وقارب، ولم يجفوا ويتعمد فالمرجو من الله -﷿- الرحمة والعفو، وقد قال رسول الله -ﷺ-: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار» (^٢)، وانظر ما تقدم برقم ٥٢٥ - (١) وما بعده.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٤٥ - (١٤) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ صَالِحٍ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ قَالَ: " وَدِدْتُ أَنِّي نَجَوْتُ مِنْ عِلْمِي (^٣) كَفَافًا لَا لِي وَلَا عَلَيَّ " (^٤).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، هو الفريابي، وسُفْيَانُ، هو ابن عييتة، هما إمامان ثقتان تقدما، وصَالِحٌ، هو ابن صالح بن حي، والد الحسن وعلي وهو خير منهما، تابعي ثقة روى له الستة، قَالَ: والشَّعْبِيُّ، هو عامر تابعي جليل.
الشرح:
قال هذا؛ العالم مسئول عن علمه يوم القيامة، ماذا عمل به، صح بذلك الخبر عن رسول الله -ﷺ-.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٤٦ - (١٥) أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَ ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ الْحَسَنِ: " أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ -﵁- كَانَ يَمْشِى وَنَاسٌ يَطَئُونَ عَقِبَهُ، فَقَالَ: لَا تَطَئُوا عَقِبِي، فَوَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أُغْلِقُ عَلَيْهِ بابي مَا تَبِعَنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ " (^٥).
رجال السند:
يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وابْنُ عَوْنٍ، عبد الله، والْحَسَنُ، البصري، هم أئمة ثقات تقدموا،
_________________
(١) عبد الرزاق حديث (٢٩٢٥).
(٢) البخاري حديث (٣٤٦١).
(٣) في الأصل وفي (ت، ك) عملي، وكلاهما له وجه.
(٤) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٤١٧/ ٥٤٠).
(٥) رجاله ثقات، وفيه انقطاع بين الحسن وبين مسعود -﵁-.
[ ٢ / ١٤٢ ]
وابْنُ مَسْعُودٍ -﵁-.
الشرح:
هذا ورع منه وتواضع -﵁-، وحاشاه أن يقارف الذنوب في بيته -﵁-، وإنما أراد إبعادهم عنه، وقدر يرى التقي ما ليس ذنبا معصية، وهو من باب مباحات العوام سيئات الأبرار، وحسنات الأبرار سيئات المقربين.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٤٧ - (١٦) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ سَعِيدِ ابْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: " فِتْنَةٌ لِلْمَتْبُوعِ مَذَلَّةٌ لِلتَّابِعِ " (^١).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، هو الرازي وثقه يحيى بن معين، وتكلم فيه آخرون، وجَرِيرٌ، جرير، هو ابن عبد الحميد الضبي، ومُغِيرَةُ، هو ابن مقسم، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، هم أئمة ثقات تقدموا.
الشرح: انظر ما تقدم بالأرقام ٥٣٦، ٥٤٠.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٤٨ - (١٧) أَخْبَرَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أُمَيٍّ قَالَ: مَشَوْا خَلْفَ عَلِيٍّ -﵁- فَقَالَ: " عَنِّي خَفْقَ نِعَالِكُمْ فَإِنَّهَا مُفْسِدَةٌ لِقُلُوبِ نَوْكَى (^٢) الرِّجَالِ " (^٣).
رجال السند:
شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ، هو أبو الصلت الواسطي، إمام ثقة روى له الشيخان، وسُفْيَانُ، هو ابن عيينة، إمام ثقة تقدم، وأُمَيٌّ، هو ابن ربيعة المرادي، ثقة، ليس له في الستة رواية، وعَلِيٌّ، هو ابن أبي طالب -﵁-.
الشرح:
المراد بنَوْكى الرجال الحمقى من الناس؛ بكثرة الأتباع، فيصابون بالكبر، وانظر التالي.
_________________
(١) فيه محمد بن حميد الرازي: حافظ ضعيف، وهو محتمل في مثل هذا، ويقويه ما ورد برقم (٥٣٦).
(٢) الحمقى، جمع أنوك. (النهاية ٥/ ١٢٩).
(٣) رجاله ثقات.
[ ٢ / ١٤٣ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٤٩ - (١٨) أَخْبَرَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: " إِنَّ خَفْقَ النِّعَالِ حَوْلَ الرَّجَالِ قَلَّمَا يُلَبِّثُ الْحَمْقَى" (^١).
رجال السند:
أَبُو النُّعْمَانِ، هو عارم، وحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، ويَزِيدُ بْنُ حَازِمٍ، والْحَسَنُ، هو البصري، هم أئمة ثقات تقدموا.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٥٠ - (١٩) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ الْمُكْتِبُ، ثَنَا قَاسِمٌ بْنُ مَالِكٍ، ثَنَا لَيْثٌ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: " كَانَ إِذَا جَلَسَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ قَامَ فَتَنَحَّى " (^٢).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ الْمُكْتِبُ، ثقة روى له النسائي، وقَاسِمٌ بْنُ مَالِكٍ، هو أبو جعفر الكوفي، صدوق روى الستة سوى أبي داود، لَيْثٌ، هو ابن سليم مختلف في تحسين حديثه تقدم، وطَاوُسٌ، هو ابن كيسان، تابعي جليل.
الشرح: انظر رقم ٥٣٤.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٥١ - (٢٠) حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِى بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَا فَعَلَ بِهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ» (^٣).
رجال السند: أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، هو شاذان ثقة، روى له الستة، وأَبُو بَكْرٍ، هو ابن عياش ثقة تقدم، والأَعْمَشُ، إمام ثقة تقدم، وسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُرَيْجٍ، هو مولى أبي برزة، لابأس به وأَبو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ، هو نضلة بن عبيد -﵁-.
_________________
(١) رجاله ثقات، وقوله: (قل ما تلبث الحمقى) أي: أن تتأثر فيصيبها التيه والغرور، انظر قول علي -﵁- المتقدم.
(٢) فيه ليث، ويحتمل في مثل هذا، ويقويه ما ورد برقم (٥٣٠).
(٣) سنده حسن، وأخرجه الترمذي حديث (٢٤١٧) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
[ ٢ / ١٤٤ ]
الشرح:
قوله: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ». المراد لا تغادر قدما أحد من موقفه للحساب حتى يجيب عن هذه الأسئلة،
وأن هذا على وجه العموم فكل أحد يسأل عن سني عمره من سن التكليف بعد البلوغ حتى الموت فيم قضى ذلك، فإن كان الخير فيها أكثر من الشر نجا، وإن كان العكس هلك والعياذ بالله -﷿- من الهلاك.
قوله: «وَعَنْ عِلْمِهِ مَا فَعَلَ بِهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ».
هذا على وجه الخصوص بمن كان له علم فإنه يسأل عن العمل به في طاعة الله -﷿- وما يقرب إليه؛ لأن العلم ثمرته العمل به، أم جعل غايته ما حقق به في الدنيا من الشهرة والجاه، وغير ذلك مما يشوب إخلاصه لله -﷿-.
وكذلك من كان له مال يسأل عن كسبه مما أباح الله -﷿-، أو مما حرم، وكذلك يسأل فيم أنفقه، وعلى ذلك يترتب الثواب والعقاب.
قوله: «وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ».
وهذا على سبيل العموم فكل أحد يسأل عن جسده، وقوته وزمانه الذي يتمكن منه على أقوى العبادة، وما منَّ الله -﷿- عليه من نعم لا تحصى، من أظهرها نعمة العقل، والسمع والبصر، والقلب النابض، قال الله -﷿-: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (^١)، وغير ذلك من نعمة اللسان والصحة العامة مما لا يحصى، فيسأل عن استخدام ذلك، أكان فيما يرضي الله -﷿-، أم اتبع فيها الهوى والشهوات، نسأل الله -﷿- أن يوزعنا شكر ما أنعم به علينا، واستنفادها فيما يرضيه ويقربنا إليه -ﷻ-، فكل ما أوتي الإنسان من عمر وصحة ومال وعلم هي ملك الله -﷿-، يجب إلا تصرف إلا في طاعته -﷿- وما يقرب إليه، ليس في حاجة إلى شيء من ذلك، ولكنه ابتلاء منه لبني آدم وعلى النتائج يكون الجزاء.
ما يستفاد:
* الإيمان بالسؤال عن هذه الخصال الأربع.
_________________
(١) الآية (٣٦) من سورة الإسراء.
[ ٢ / ١٤٥ ]
* الحذر من طلب العلم لغير طاعة الله -﷿-.
* أن ثمرة العلم العمل، فلا يعتد بعلم لا ثمرة له.
* وجوب توخي السلامة من كسب المال؛ لأنه يميل بصاحبة عن طاعة لله -﷿- إلا من رحم الله -﷿-.
* وللسلامة من عاقبة الكسب يجب توخي الأسباب المباحة للكسب.
* الحذر من إنفاق المال في غير طاعة الله -﷿-؛ لأنه سيكون وبالا على صاحبه يوم القيامة.
* وجوب حفظ سني العمر عما حرم الله -﷿-، وصرف الوقت في الطاعات، وما يعود على الإنسان بالنفع في الدين والدنيا، والعاقبة الطيبة في الآخرة.
* وجوب حماية الجسد من كل ما حرم الله -﷿-، واستعمال قوة الجوارح فيما يرضي الله -﷿-.
* أن هذه الأسئلة تدل على هول الموقف، وعاقبة المصير.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٥٢ - (٢١) أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ قَالَ، حَدَّثَنِي فُلَانٌ الْعُرَنِيُّ عَنْ مُعَاذِ ابْنِ جَبَلٍ -﵁- قَالَ: "لَا يَدَعُ اللَّهُ الْعِبَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ حَتَّى يَسْأَلَهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَمَّا أَفْنَوْا فِيهِ أَعْمَارَهُمْ، وَعَمَّا أَبْلَوْا فِيهِ أَجْسَادَهُمْ، وَعَمَّا كَسَبُوا فِيمَا أَنْفَقُوا، وَعَمَّا عَمِلُوا فِيمَا عَلِمُوا " (^١).
رجال السند:
سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، هو أبو عثمان المروزي، صاحب السنن إمام ثقة تقدم، وعَبْدُ الْعَزِيزِ ابْنُ مُحَمَّدٍ، هو الدراوردي إمام ثقة تقدم، وعُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ، هو المدني صدوق، روى له مسلم، ويَحْيَى بْنُ رَاشِدٍ، هو أبو هشام الليثي، تابعي ثقة روى له أبو داود، وفُلَانٌ الْعُرَنِيُّ، هو مجهول، ومُعَاذُ ابْنُ جَبَلٍ -﵁-. انظر السابق.
_________________
(١) فيه راو مبهم (فلان العرني) ولعله الحسن بن عبد الله العرني ثقة، أرسل عن ابن عباس.
[ ٢ / ١٤٦ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٥٣ - (٢٢) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَدِيِّ ابْنِ عَدِيٍّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -﵁- قَالَ: " لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا وَضَعَهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ " (^١).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، هو الفريابي، وسُفْيَانُ، هو الثوري، هما ثقتان تقدما، ولَيْثٌ، هو ابن أبي سليم مختلف في تحسين حديثه تقدم، عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ، أبو فروة الجزري، والي الموصل لعمر بن عبد العزيز، فاضل لابأس به، ليس له رواية في الصحيحين، وأَبو عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ، هو عبد الرحمن بن عسيلة، تابعي ثقة قدم لملاقاة النبي -ﷺ-، فمات النبي وهو في الطرق، ومُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ -﵁-.
الشرح: تقدم برقم ٥٤٩.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٥٤ - (٢٣) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ لَيْثٍ قَالَ: " قَالَ لِي طَاوُسٌ: مَا تَعَلَّمْتَ فَتَعَلَّمْ لِنَفْسِكَ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ ذَهَبَتْ مِنْهُمُ الأَمَانَةُ " (^٢).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، وسُفْيَانُ، ولَيْثٌ، تقدموا آنفا، وطَاوُسٌ إمام تقدم.
الشرح:
المراد بالأمانة: أمانة نقل العلم والعمل به، وهذه الملاحظة من طاوس ﵀ في القرن الأول من القرون المفضلة، فكيف بحال الأمة اليوم ونحن في القرن الخامس عشر؟!، والله المستعان، ولكن ذهاب أمانة العلم والعمل به وتعليمه لا تزال باقية في الأمة، وإن ذهبت عند البعض قال رسول الله -ﷺ-: «لا يزال ناس من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون» (^٣)، والمراد ظهورهم على العموم في
_________________
(١) فيه ليث، والخبر حسن، انظر: ما تدم، وانظر: القطوف رقم (٤٢٤/ ٥٤٨).
(٢) ليث محتمل في مثل هذا. وانظر: القطوف رقم (٤٢٥/ ٥٤٩).
(٣) البخاري حديث (٣٦٤٠) وعند مسلم أتم حديث (١٩٢٠).
[ ٢ / ١٤٧ ]
حماية الدين، ورد كل ما يخالفه، وإن قلوا في الأمة فإن دينهم واعتقادهم وشرع الله -﷿- يبقى ظاهرا فيهم حتى يأتيهم أمر الله -﷿-، وفي رواية «إلى يوم القيامة» (^١)، وهذا يدل على العموم في الأمة، وليس في مكان مخصص، ولا زمان دون آخر.
ما يستفاد:
* الحث على طلب العلم ليعود نفعه على المتعلم أولا.
* أهمية الضبط والأمانة في نقل العلم ونشره.
* الإشارة إلى أناس يقع منهم التفريط في أمانة العلم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٥٥ - (٢٤) أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: " أَدْرَكْتُ النَّاسَ، وَالنَّاسِكُ (^٢) إِذَا نَسَكَ لَمْ يُعْرَفْ مِنْ قِبَلِ [مَنْطِقِهِ، وَلَكِنْ يُعْرَفُ مِنْ قِبَلِ] عَمَلِهِ، فَذَاكَ الْعِلْمُ النَّافِعُ ".
رجال السند:
سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، هو أبو أيوب البصري، أزدي إمام ثقة تقدم، وعُمَارَةُ ابْنُ مِهْرَانَ، هو المعولي أبو سعيد البصري، أزدي ثقة عابد من أفراد الدارمي، ليس له رواية في الستة، والْحَسَنُ، هو البصري.
الشرح:
ما بين المعقوفين كتب لحقا في هامش (الأصل) والخبر سنده حسن، والمراد إذا تعبد العابد من الناس فلا يعرف من جهة كلامه أنه عابد، بل من جهة عمله بما علم، وهذا يستدعي أن يعمل العالم بعلمه، أو على الأقل بشيء من علمه في ذات نفسه وفي غيره بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ما يستفاد:
* أهمية العلم في صحة العبادة، العباد يبنى أداؤها على العلم بفرائضها وأركانها وشروطها وواجبتها ونوافلها، وارتباط ذلك بموافقة الكتاب والسنة.
_________________
(١) مسلم حديث (١٥٦).
(٢) هو العابد، والنسك: الطاعة والعبادة. (النهاية ٥/ ٤٨).
[ ٢ / ١٤٨ ]
* أن عبادة الرجل تكشف درجته من العلم، ولذلك كانوا في الصدر الأول إذا أتوا الرجل ليأخذوا عنه العلم نظروا إلى صلاته كيف يؤديها، وإلى سمته وهيئته فيها، فإن أحسن ذلك وإلا انصرفوا عنه، وقد قال رسول الله -ﷺ-: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (^١).
قال الدارمي رحمه الله تعالى: