٦٠٢ - (١) أَخْبَرَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا مُعَاوِيَةُ، ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ جَابِرٍ، عَنِ الْمِقْدَامِ ابْنِ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حَرَّمَ أَشْيَاءَ يَوْمَ خَيْبَرَ الْحِمَارَ وَغَيْرَهُ، ثُمَّ قَالَ: «لَيُوشِكُ بِالرَّجُلِ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدِّثُ بِحَدِيثِي فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، مَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ فَهُوَ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ» (^١).
رجال السند:
أَسَدُ بْنُ مُوسَى، هو المعروف بأسد السنة، إمام ثقة تقدم، ومُعَاوِيَةُ، هو ابن صالح صدوق له أوهام تقدم، والْحَسَنُ بْنُ جَابِرٍ، هو اللخمي، سكت عنه الإمامان وذكره ابن حبان في الثقات، فلابأس به تقدم، والْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيّ -﵁-.
الشرح:
قوله: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حَرَّمَ أَشْيَاءَ يَوْمَ خَيْبَرَ الْحِمَارَ وَغَيْرَهُ».
المراد ما روى أبو هريرة -﵁-: «أن رسول الله -ﷺ-، حرم يوم خيبر كل ذي ناب من السباع، والمجثمة: وهي المصبورة من الطير والأرانب وأشباههما، نهى أن تحبس وتتخذ هدفا فترمى، وسميت مجثمة؛ لأنها مما يجثم بالأرض إذا لزمتها ولبدت عليها، فإن حبسها إنسان قيل: جثمها فهي مجثمة أي محبوسة، فإن فعلت هي، قيل: جثمت فهي جاثمة، والحمار الإنسي» والخبر عند أحمد برقم (٨٧٨٩).
هذا مما حرمته السنة النبوية، زيادة على ما حرم الكتاب العزيز، قال الله -﷿-: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ (^٢)، فأضافت السّنة كل ذي مخلب من الطير، وكل ذي ناب
_________________
(١) فيه الحسن بن جابر اللخمي الكندي: مقبول. أخرجه أبو داود حديث (٤٦٠٤) والترمذي حديث (٢٦٦٤) وقال: حسن غريب من هذا الوجه، وابن ماجة حديث (١٢) وصححه الألباني.
(٢) من الآية (٣) من سورة المائدة.
[ ٢ / ١٧٥ ]
من السباع، وحرمت الحمر الإهلية: جمع حمار، فهي رجس نجسة، اندرج ما حرم في الكتاب وما حرم بالسنة تحت عموم قوله -ﷺ-: «… وحرم أشياء فلا تنتهكوها» (^١)، فكل ما أحل فهو من الطيبات، قال الله -﷿-: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (^٢)، وكل ما حرم فهو من الخبائث، وما سُكت عنه فهو رحمة من الله -﷿-، ورسوله -ﷺ-، وهو موافق لقوله -ﷺ-: «ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء
فدعوه» (^٣)، وكان الصحابة -﵃- قد فهموا ذلك وكفوا عن السؤال إلا فيما لا بد منه، وكان يعجبهم أن يجيء الأعراب يسألون رسول الله -ﷺ- فيسمعون ويعون.
قوله: «لَيُوشِكُ بِالرَّجُلِ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدِّثُ بِحَدِيثِي فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ
اللَّهِ».
هذا إخبار بما يؤيد صدقه -ﷺ- وهو الصادق في كل ما أخبر به فقد ظهر القائلون بهذا من زمن بعيد، وهم اليوم يسمون القرآنيون، والقرآن بريء منهم.
قوله: «مَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ». المراد عدم الاعتراف بالسنة النبوية، وهذا من الضلال، وإن زعموا أنهم مسلمون وإن كانوا يصلون فمن أين عرفوا أعداد ركعات الصلاة المفروضة، والسنن قبلها وبعدها والنوافل كالتراويح وقيام الليل، ومن أعرفوا أوقات الصلاة المفروضة بداية ونهاية، أليس من تعليم جبريل -﵇-، وبيان ذلك عمليا لنبينا محمد -ﷺ-، ومن أين عرفوا مقادير الزكاة في الأموال والثمار، وعروض التجارة وبهيمة الأنعام أليس من السنة، فالحمد لله على الهداية، والسلامة من الضلال.
قوله: «أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ فَهُوَ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ».
هذا تثبيت لما تحكم السنة بحله، كميتة الجراد والسمك، والكبد والطحال، قال رسول الله -ﷺ-: «أحلت لكم ميتتان ودمان، فأما الميتتان، فالحوت والجراد، وأما الدمان،
_________________
(١) المستدرك حديث (٧١١٤).
(٢) من الآية (٤) من سورة المائدة.
(٣) مسلم حديث (١٣٣٧).
[ ٢ / ١٧٦ ]
فالكبد والطحال» (^١)، أو بحرمته كتحريم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها «لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها» (^٢).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٦٠٣ - (٢) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: " السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الْقُرْآنِ، وَلَيْسَ الْقُرْآنُ بِقَاضٍ عَلَى السُّنَّةِ (^٣).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ عُيَيْنَةَ، هو الفزاري ثقة له غرائب بعد أن أضر تقدم، وأَبو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، هو إبراهيم بن محمد، والأَوْزَاعِيُّ، ويَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِير، هم أئمة ثقات تقدموا.
الشرح:
قوله: «السّنَّةُ قَاضيَةٌ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ».
المراد أنها تفسره، وتبين مقاصده، ولا يمكن فهمه والعمل به إلا بالسنة الموضحة والمبينة له، ويعمل بما ورد فيها مما لم يرد في الكتاب العزيز، قال الله -﷿-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (^٤).
قوله: «وَلَيْسَ الْقُرْآنُ بِقَاضٍ عَلَى السُّنَّةِ» المراد أنه لا يفسرها، ولا يبين مقاصدها.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٦٠٤ - (٣) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ حَسَّانَ قَالَ: " كَانَ جِبْرِيلُ -﵇- يَنْزِلُ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- بِالسُّنَّةِ كَمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ " (^٥).
مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، هو العبدي، إمام ثقة تقدم، والأَوْزَاعِيُّ، إمام ثقة تقدم، عَنْ وحَسَّانُ، هو بن عطية المحاربي، إمام ثقة تقدم.
_________________
(١) ابن ماجه حديث (٣٢١٤).
(٢) البخاري حديث (٥١٠٩).
(٣) فيه أبو إسحاق محمد بن عيينة الفزاري، مقبول، وانظر: القطوف رقم (٤٦٧/ ٥٩٨).
(٤) من الآية (٤٤) من سورة النحل.
(٥) فيه محمد بن كثير بن أبي عطاء الثقفي: صدوق كثير الغلط، ويؤيده حديث (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه) أخرجه أبو داود وغيره من حديث المقدام بن معد يكرب الكندي، تقدم وليست فيه هذه العبارة، وانظر: القطوف رقم (٤٦٨/ ٥٩٩).
[ ٢ / ١٧٧ ]
الشرح:
المراد أن السنة وحي ينزل به جبريل -﵇-، فالسنة هي وحي من الله -﷿- كالقرآن الكريم، وأن مصدرها هو مصدره ومُنزلها هو الله -ﷻ- مُنزله، قال الله -﷿-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (^١)، فالآيتان تدل صراحة على أنه كما ينزل عليه -ﷺ- الوحي الجلي المتلو وهو القرآن الكريم، فكذلك كان ينزل عليه -ﷺ- وحي آخر خفي غير متلو: كالقرآن هو السنة النبوية، وهي حجة كالقرآن، ما أحلته فهو حلال، وما حرمته فهو حرام، وانظر السابق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٦٠٥ - (٤) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: السُّنَّةُ سُنَّتَانِ: " سُنَّةٌ الأَخْذُ بِهَا فَرِيضَةٌ، وَتَرْكُهَا كُفْرٌ، وَسُنَّةٌ الأَخْذُ بِهَا فَضِيلَةٌ، وَتَرْكُهَا إِلَى غَيْرِ حَرَجٍ" (^٢).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، والأَوْزَاعِيُّ، ومَكْحُولٌ، هم أئمة ثقات تقدموا.
الشرح:
السنة التي تركها هي المسك بالكتاب والسنة، وهو ما أوصى به رسول الله -ﷺ- فقال: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْمُحْدَثَاتِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ» (^٣).
أما السنة التي ترْكها ليس كفرا، فهي من الأعمال ما يثاب فاعلها، ولا يعاقب تاركها
_________________
(١) الآيتان (٣، ٤) من سورة النجم.
(٢) فيه محمد بن كثير الثقفي: صدوق كثير الغلط، ويحتمل في مثل هذا، وانظر: القطوف رقم (٤٦٩/ ٦٠٠).
(٣) في إسناد عبد الرحمن بن عمرو بن عبسة السلمي، مقبول. والخبر أخرجه الترمذي حديث (٢٦٧٦) وقال: حسن صحيح، وأبو داود حديث (٤٦٠٧) وابن ماجه حديث (٤٣) وصححه الألباني عندهما.
[ ٢ / ١٧٨ ]
منها النوافل.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٦٠٦ - (٥) أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يَعْلَى ابْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: " أَنَّهُ حَدَّثَ يَوْمًا بِحَدِيثٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ رَجُلٌ: فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا يُخَالِفُ هَذَا!!. قَالَ: لَا أُرَانِي أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَتُعَرِّضُ فِيهِ بِكِتَابِ اللَّهِ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنْكَ " (^١).
رجال السند:
سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، هو أبو أيوب البصري، إمام ثقة تقدم، وحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، إمام ثقة تقدم، ويَعْلَى بْنُ حَكِيمٍ، هو مكي إمام ثقة تقدم، وسَعِيدُ ابْنُ جُبَيْر، شهيد الحجاج ﵀.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: