٦٤٣ - (١) أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: " قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَوْ جَمَعْتَ النَّاسَ عَلَى شَيْءٍ. فَقَالَ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا. قَالَ: ثُمَّ كَتَبَ إِلَى الآفَاقِ وَإِلَى الأَمْصَارِ: لِيَقْضِ كُلُّ قَوْمٍ بِمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فُقَهَاؤُهُمْ " (^١).
رجال السند:
يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حُمَيْدٌ، هو ابن هلال، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز، هم أئمة ثقات تقدموا.
الشرح:
الاختلاف المؤدي إلى الفرقة والشقاق نهى عنه الله -﷿- في كتابه العزيز قال -﷿-: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (^٢)، وجه الله -﷿- المؤمنين إلى التمسك بالقرآن وهو حبل الله الذي أقام به شريعة الإسلام، فالتمسك بشريعة الإسلام والاجتماع عليها، يمنع الوقوع في الفرقة والشقاق، فنهى عن ذلك لخطورته على الإيمان قال الله -﷿-: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ (^٣)، فأرى والله أعلم أن المراد بالكتاب القرآن الكريم، وأن الذين اختلفوا فيه هم المسلمون الذين آمنوا بأنه كلام الله -﷿- منزل من عند الله -﷿- على رسول الله -ﷺ-، وخالفهم اليهود والنصارى الذين كتموا ما
_________________
(١) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٥٠٥/ ٦٣٩).
(٢) من الآية (١٠٣) من سورة آل عمران.
(٣) من الآية (١٧٦) من سورة البقرة.
[ ٢ / ١٩٥ ]
يؤكد ذلك ويصدقه في كتابهم التوراة والإنجيل، فالفريقان في خلاف بعيدٌ أمده لا يلتقيان إلى يوم القيامة؛ لأنه خلاف على الإيمان وأجاز بعض العلماء أن يراد بالكتاب التوراة والإنجيل، والذين اختلفوا فيه اليهود والنصارى، وأجازوا أيضا أن يراد به القرآن، والذين اختلفوا فيه هم مشركوا العرب اختلفوا في وصفه بأنه شعر أو سحر وغير ذلك، فهدى الله المؤمنين إلى الحق، قال تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ (^١)، وهذا أمر جرى به القلم، وقد علم الله -﷿- مسبقا أهل الهداية، وعلم كذلك أهل الضلال، وكل ميسر لما خلق له، فالهداية بيده وحده لا شريك له، يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
ولخطورة الخلاف في الثوابت الشرعية توعد الله -﷿- المخالفين فوجه نبيه -ﷺ- بذلك الوعيد فقال: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ (^٢)، بين أنه القادر على أن يرسل عليهم بعض ما عنده من العذاب؛ فيرسل عليهم عذابا من السماء، أو يبعثه من الأرض من تحت أرجلهم، أو يجعلهم طوائف وأحزابا، والفرقة وشتات الأمر نوع من العذاب، أو يقتل بعضهم بعضا، وانغماس المكذبين في الضلال، وبعدهم عن الهدى قال الله -﷿- لنبيه محمد -ﷺ-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (^٣)، المراد عموم من خالفوا في الدين الحق، ووصفهم بالشيَع؛ لأن كل طائفة منهم لها فرق واختلافات، ففي الآية حض لأمة محمد -ﷺ- على الائتلاف وعدم الاختلاف، وقوله: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ لست على منهجهم أنت على هدى، وليسوا منك، هم أهل البدع، وأهل الشبهات، وأهل الضلالة من هذه الأمة، والحكم فيهم إلى الله -﷿- يوم القيامة، ومن تأمل ما عليه الرافضة اليوم من الاختلافات فيما يزعمون أنه
_________________
(١) من الآية (٢١٣) من سورة البقرة.
(٢) من الآية (٦٥) من سورة الأنعام.
(٣) من الآية (٦٥) من سورة الأنعام.
[ ٢ / ١٩٦ ]
الدين يعلم بالضرورة دخولهم في الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، وصدق عليهم قول الله -﷿-: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ الآية (٣٢) من سورة الروم.
وقد نهى الله -﷿- عن الخلاف في مواجهة العدو فقال -ﷻ-: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ اللَّهَ﴾ من الآية (٤٦) من سورة الأنفال، فهذا الخلاف محرم في الإسلام.
أما الخلاف الذي استحبه الخليفة عمر بن عبد العزيز ﵀ فهو الخلاف الناتج عن الاجتهاد في فهم المسائل العلمية، وليس المراد منه الشقاق وتفريق الأمة، ومن هذا النوع ما حدث بين الصحابة -﵃-، وما وقع بين التابعين، وكذلك من بعدهم، وما حدث بين الأئمة الأربعة وغيرهم، ومن جاء بعدهم، لهذا رأى عمر ﵀ أن هذا النوع من الخلاف فيه رحمة بالأمة، ولذلك كتب إلى الأمصار" ليقض كل قوم بما اجتمع عليه فقهاؤهم" وهذا من فقهه ﵀، وقد كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كتابه " رفع الملام عن الأئمة الأعلام " بين أسباب اختلافهم في فهم المسائل، وأن لكل واحد منهم وجهة نظر فيما فهم وبين مستنده في ذلك، ومعلوم أن مدار الخلاف بين العلماء هو في الفروع، ولا خلاف بينهم في الأصول.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: …
٦٤٤ - (٢) أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: " مَا
أُحِبُّ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ -ﷺ- لَمْ يَخْتَلِفُوا، فَإِنَّهُمْ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى شَيْءٍ فَتَرَكَهُ رَجُلٌ تَرَكَ السُّنَّةَ، وَلَوِ اخْتَلَفُوا فَأَخَذَ رَجُلٌ بِقَوْلِ أَحَدٍ أَخَذَ بِالسُّنَّةِ " (^١).
رجال السند: يَزِيدُ، هو ابن هارون، والْمَسْعُودِيُ، هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة ابن عبد الله بن مسعود ثقة تغير، وعَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، هم ثقات تقدموا.
_________________
(١) سنده حسن، وأخرجه الخطيب من رواية عون بن عبد الله قال: قال لي عمر يعني ابن عبد العزيز (الفقيه والمتفقه ٢/ ٥٩ - ٦٠).
[ ٢ / ١٩٧ ]
الشرح: هذا يفيد أن كل مجتهد مصيب فللعامي أن يعمل بما ذهب إليه.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٦٤٥ - (٣) أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثَنَا حَسَنٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: " رُبَّمَا رَأَى ابْنُ عَبَّاسٍ الرَّأْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ " (^١).
رجال السند:
أَبُو نُعَيْمٍ، هو الفضل، وحَسَنٌ، هو ابن صالح، هما ثقتان تقدما، ولَيْثٌ، ضُعّف، وطَاوُسٌ، تابعي إمام، وابْنُ عَبَّاسٍ -﵁-.
الشرح:
المراد أنه اجتهد ثم تبين له أنه أخطأ، وقد كان يرى جواز الصرف مدة، فكان يقول: إنما الربا في النسيئة فلقيه أبو سعيد الخدري فقال له: يا ابن عباس ألا تتقي الله؟ إلى متى توكل الناس الربا؟ أما بلغك أن رسول الله -ﷺ- قال ذات يوم وهو عند زوجته أم سلمة: إني «لأشتهي تمر عجوة» فبعثت صاعين من تمر إلى رجل من الأنصار، فجاء بدل صاعين صاع من تمر عجوة، فقامت فقدمته إلى رسول الله -ﷺ-، فلما رآه أعجبه، فتناول تمرة، ثم أمسك، فقال: «من أين لكم هذا؟» فقالت أم سلمة: بعثت صاعين من تمر إلى رجل من الأنصار، فأتانا بدل صاعين هذا الصاع الواحد، وها هو كل، فألقى التمرة بين يديه فقال: «ردوه لا حاجة لي فيه التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يدا بيد، عينا بعين، مثلا بمثل، فمن زاد فهو ربا» ثم قال: «كذلك ما يكال ويوزن أيضا» فقال ابن عباس: جزاك الله يا أبا سعيد الجنة، فإنك ذكرتني أمرا كنت نسيته أستغفر الله
_________________
(١) فيه ليث صدوق اختلط جدا. وقوله (ثم تركه) المراد الرجوع عن الخطأ، من ذلك قوله في الصرف والمتعة، وهذا هو المال في العلم والفقه، فالحق ضالة المؤمن، وهو مسلك الصحابة والتابعين ومن تبعهم. انظر (فتح المنان ٣/ ٤٣١ - ٤٣٢).
[ ٢ / ١٩٨ ]
وأتوب إليه.
فكان ينهى عنه بعد ذلك أشد النهي (^١).
وكذلك غيره من الصحابة -﵃-، منهم، وقد ألف في الخلاف " الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف ".
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٦٤٦ - (٤) أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، ثَنَا حَمَّادٌ - هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ - أَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: " قَالَ لِي عُثْمَانُ ابْنُ عَفَّانَ -﵁-: إِنَّ عُمَرَ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ قَالَ لِي: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ فِي الْجَدِّ (^٢) رَأْيًا، فَإِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تَتَّبِعُوهُ فَاتَّبِعُوهُ. قَالَ عُثْمَانُ: إِنْ نَتَّبِعْ رَأْيَكَ فَإِنَّهُ رُشْدٌ، وَإِنْ نَتَّبِعْ رَأْىَ الشَّيْخِ قَبْلَكَ فَنِعْمَ ذُو الرَّأْىي كَانَ. قَالَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَجْعَلُهُ أَبًا " (^٣).
رجال السند:
الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، وحَمَّادٌ، هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ، وهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، وعُرْوَةُ هو ابن الزبير، ومَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، هو ابن أبي العاص الأموي أبو عبد الملك، قبض رسول الله -ﷺ- ومروان ابن ثماني سنين، ولم يزل مروان مع أبيه بالمدينة حتى مات أبوه في خلافة عثمان، ثم لازم عثمان وكان كاتبه فلما قتل عثمان خرج إلى البصرة مع الزبير وطلحة، ثم رجع إلى المدينة وبقي بها حتى ولي معاوية الخلافة فولاه سنة ٤٢ هـ المدينة، ثم عزله وولي سعيدا، ثم عزل سعيدا وولاه ثانية، ثم عزله وبقي بالمدينة حتى أخرجه أهل المدينة في زمن يزيد بن معاوية سنة ٦٣ هـ، ولما مات معاوية بن يزيد بايعه بنو أمية وبعض أهل الشام، ثم قاتل بمن بايعه بقية أجناد الشام، ثم أخذ مصر من ولاية ابن الزبير، ومات قبل أن يتم له الأمر.
_________________
(١) المستدرك حديث (٢٢٨٢).
(٢) أب الأب، والمراد مسألة ميراثه من ابن ابنه.
(٣) مروان بن الحكم هو الخليفة: قال عنه هشام: سمعت مروان ولا إخاله يتهم علينا (العلل لأحمد ٢/ ١٦٠)، وانظر: القطوف رقم (٥٠٨/ ٦٤٢).
[ ٢ / ١٩٩ ]
وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة (^١)، وعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ -﵁-.
الشرح:
هذا النص يؤيد ما تقدم برقم ٦٣٨، وقد اختلف الصحابة -﵃- في ميراث الجد وكان لأبي بكر -﵁- رأي، ولعمر -﵃- أقوال، ومظنة القول في هذا كتاب الفرائض.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: