٦٦٨ - (١) أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا أَبَانُ - هُوَ ابْنُ يَزِيدَ - ثَنَا يَحْيَى ابْنُ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي سَلاَّمٍ، عَنْ أَبِي مِالِكٍ الأَشْعَرِيِّ -﵁- أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «الطُّهُورُ (^٢) شَطْرُ الإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ يَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَلَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، تَمْلآنِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالْوُضُوءُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، وَكُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا» (^٣).
_________________
(١) فيه محمد بن حميد الرازي، وشيخه سلمة بن الفضل الأبرش: في كل منهما كلام، وأخرجه أبو داود مختصرا حديث (٤٨٧) وقال الألباني: حسن. قلت: والخبر صحيح، انظر سابقه.
(٢) فيه ثلاث أقوال:
(٣) بالضم المراد به الفعل، وبالفتح الماء. ٢ - قيل: بالضم فيهما. ٣ - قيل: بالفتح فيهما.
(٤) رجاله ثقات، أخرجه مسلم حديث (٢٢٣).
[ ٢ / ٢٢٦ ]
رجال السند:
مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هو الفراهيدي، إمام ثقة تقدم، أَبَانُ، هُوَ ابْنُ يَزِيدَ العطار ثقة تقدم، يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ، هو الطائي، إمام ثقة ربما دلس تقدم، عَنْ زَيْدٍ، هو ابن سلام ثقة، روى له الستة عدا البخاري، وأَبو سَلاَّمٍ، هو ممطور الأسود تابعي ثقة، روى له السنة عدا البخاري، وأَبو مِالِكٍ الأَشْعَرِيُّ، مختلف في اسمه -﵁-.
الشرح:
قوله: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ».
المراد إسباغ الوضوء ورد هذا في رواية ابن ماجه (^١)، وتقدم بيان أن الطهارة المعنوية وهي الإيمان بالله والخلوص من الشرك، هي أس الطهارة الحسية، فلا تصح الطهارة الحسية إلا بها، وبها يحصل المسلم على شطر الإيمان، والشطر الثاني يتم بممارسة الطهارة الحسيىة، فيحصل بهما تطهير الباطن والظاهر، انظر رقم ٦٧٠، وما بعده، ومن وجه آخر هنا أن الوضوء والصلاة هما الإيمان فالشطر الأول إسباغ الوضوء، والثاني الصلاة يؤيد هذا قول الله -﷿-: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (^٢)، يعني صلاتكم إلى بيت المقدس.
ولا تجوز الصلاة إلا بوضوء، فهما شيئان، كل واحد منهما مكمل للآخر، وفي فضل جاء عن النبي -ﷺ- أنه قال: «سددوا وقاربوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» (^٣)، وفي رواية فثبت بهذه الأخبار أن الوضوء إحدى شعب الإيمان، ومن فضله أن الله -﷿- خص به هذه الأمة، قال رسول الله -ﷺ- لما سألوه: كيف تعرف أمتك؟، يعنون يوم القيامة قال: «أرأيت لو أن رجلا له خيل
_________________
(١) حديث (٢٨٠).
(٢) من الآية (١٤٣) من سورة البقرة.
(٣) صحيح ابن حبان ٣/ ٣١١.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ " قالوا: بلى يا رسول الله قال: «فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض» (^١).
قوله: «وَالْحَمْدُ لِلَّهِ يَمْلأُ الْمِيزَانَ».
لما في الحمد من تعظيم الله -﷿- والثناء عليه، وليس هذا خاصا بالحمد ففي الصحيح، وهو خاتمة كتاب البخاري، قوله -ﷺ-: «كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» (^٢)، وقد قال رسول الله -ﷺ-: «يؤتى بابن آدم يوم القيامة، فيوقف بين كفتي الميزان، ويوكل به ملك، فإن ثقل ميزانه، نادى الملك بصوت يسمع الخلائق: سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا. وإن خف ميزانه، نادى الملك بصوت يسمع الخلائق: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا» (^٣)، وفي هذا دليل على أن الأعمال توزن ولا يكون وزنها إلا بعد محاسبة العبد؛ لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقرير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها ليكون الجزاء بحسبها، ويؤيد هذا قول رسول الله -ﷺ-: «إن الله -﷿- يستخلص رجلا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا، كل سجل مد البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ قال: لا، يا رب، فيقول: ألك عذر، أو حسنة؟ فيبهت الرجل، فيقول: لا، يا رب، فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم اليوم عليك، فتخرج له بطاقة، فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فيقول: أحضروه، فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم "، قال: " فتوضع السجلات في كفة"، قال: " فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة» (^٤). قوله: «وَلَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، تَمْلآنِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ». هذا لأن فيها تحقيق وحدانية الله -ﷻ- أنه لا معبود بحق إلا الله -﷿-، يؤيد هذا قول موسى -﵇-: " يا رب دلني على عمل إذا عملته كان شكرا
_________________
(١) مسلم حديث (٢٤٩).
(٢) البخاري حديث (٦٦٨٢) ومسلم حديث (٢٦٩٤).
(٣) اللالكائي حديث (٢٢٠٥).
(٤) أحمد حديث (٦٩٩٤).
[ ٢ / ٢٢٨ ]
لك، فيما اصطفيت إلي"، قال: يا موسى قل: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» قال: " فكأن موسى أراد من العمل ما هو أنهد لجسمه مما أمر به "، قال: فقال له: «يا موسى لو أن السماوات السبع، والأرضين السبع، وضعت في كفة، ووضعت لا إله إلا الله في كفة، لرجحت بهن» (^١).
وقول الله أكبر، فيه تعظيم الله -﷿- وأنه لا شيء أكبر من الله -ﷻ-، ولذلك بها تفتتح الصلاة ويكون المصلي مستحضرا هذه الصفة العظيمة لله -﷿-، ومثل هذا قول الله -﷿-: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ (^٢)؛ لأنه يقتضي الجواب بقول: لا شيء أكبر شهادة من الله -﷿-.
قوله: «وَالصَّلَاةُ نُورٌ»؛ لأن الصلاة نظافة للباطن والظاهر، فتنير طريق المؤمن إلى الصراط المستقيم.
قوله: «وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ» المراد الزكاة المفروضة أداؤها بنفس طيبة حجة لطالب الأجر فهي عبادة يجازي الله بها فاعلها، وبالأولى غيرها من الصدقات المندوب إليها، وقيل: هي دليل على صحة إيمان صاحبها لطيب نفسه بإخراجها، وذلك لعلاقة ما بين النفس والمال من الحب.
قوله: «وَالْوُضُوءُ ضِيَاءٌ» المراد وضاءة وبهاء في الدنيا، وذلك؛ لأن الله -﷿- يجعل أثر الوضوء في عين الرائي حسنا تابعا للإجلال الذي في نفسه، ومتى أجلّ الإنسان أمرا حسُن عنده منظره، ويحتمل أن تكون علامتهم يوم القيامة تحصيلهم الغرة والحسن والبهاء في موضع الوضوء قال رسول الله -ﷺ-: «إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء» (^٣).
_________________
(١) ابن أبي شيبة حديث (٢٩٤٦٣).
(٢) من الآية (١٩) من سورة الأنعام.
(٣) البخاري (١٣٦) ومسلم حديث (٢٤٦)،
[ ٢ / ٢٢٩ ]
قوله: «وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ».
المراد أنه حجة لمن آمن به، وعمل بحلاله، وحرّم حرامه، وتلاه حق تلاوته، ودعا إلى تعلمه والعمل به.
وحجة على من ضيعه وهجره فيما ذكرت آنفا، وانطبق عليه ما حكى الله عن رسوله -ﷺ-، قال الله -﷿-: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (^١).
قوله: «وَكُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا» المراد كل أحد يكدح في الدنيا فمن أشغل نفسه في طاعة الله -﷿- واتباع رسوله، وقضى عمره في أعمال الخير، فقد باع نفس لله -﷿-، وأعتقها من الضلال وسوء المآل، قال الله -﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (^٢)، وهذا يعم جميع الطاعات، وإنما ذكر القتال والقتل في سبيل الله؛ لأنه من أعظم القربات، ولا يمنع من العموم.
أما من ضيع عمره في ضد ما ذكرت آنفا فقد أوبق نفسه في الضلال وسوء المآل، وهذا كله هو معنى قول الله -﷿-: أما من ضيع عمره في ضد ما ذكرت آنفا فقد أوبق نفسه في الضلال وسوء المآل، وهذا كله هو معنى قول الله -﷿-: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ (^٣)، وذلك الكدح يترتب عليه فلاح الإنسان في الآخرة، إما معتقها أو موبقها.
ما يستفاد:
* وجوب إسباغ الوضوء، لبناء صحة الصلاة عليه.
_________________
(١) الآية (٣٠) من سورة الفرقان.
(٢) من الآية (١١١) من سورة التوبة.
(٣) الآية (٦) من سورة الانشقاق، وما بعدها.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
* الإكثار من قول الحمد لله؛ لأنها تمجيد لعظمة الله لتضمنها كمال الشكر والثناء على الله -﷿-
* الإكثار من قول لا إله إلا الله، لكمالها في النفي الإثبات، قال رسول الله -ﷺ-: «من قال حين يسمع المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا، وبالإسلام دينا، غفر له ذنبه» (^١)، وتقدم ذكر حديث البطاقة، وكذلك من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة، على معناه الصحيح.
* وكذلك الإكثار من قول الله أكبر لما فيها من تعظيم الرب -ﷻ-، قال ابن عمر ﵄: " بينما نحن نصلي مع رسول الله -ﷺ- إذ قال رجل من القوم: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا "، فقال رسول الله -ﷺ-: «من القائل كلمة كذا وكذا؟» قال رجل من القوم: أنا، يا رسول الله قال: «عجبت لها، فتحت لها أبواب السماء " قال ابن عمر: «فما تركتهن منذ سمعت رسول الله -ﷺ- يقول ذلك" (^٢).
* الحرص على الصدقة المفروضة وهي الزكاة لمن وجبة عليه، فإنها طهرة للمزكي ونما لماله وبركة فيه، وكذلك الصدقة النافلة فإنها تطفي غضب الرب وتدفع ميتة السوء (^٣)، وهي تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار (^٤)، فهذه الروايات وغيرها في الصدقة إذا قصد بها وجه الله -﷿- هي سلاح المؤمن للسلامة من غضب الله -ﷻ-، والسلامة من الميتة السيئة، وإطفاء عقوبة الذنب.
* المحافظة على الصلاة فهي نور المؤمن ووضاءته، وهي خير الأعمال، وعلى الصلاة مدارها.
_________________
(١) مسلم حديث (٣٨٦).
(٢) مسلم حديث (٦٠١).
(٣) صحيح الجامع حديث (٣٧٦٠).
(٤) الترمذي حديث (٦١٤).
[ ٢ / ٢٣١ ]
* المحافظة على الوضوء في كل وقت وعند كل صلاة لما فيه من كمال الطهارة، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (^١).
* الإكثار من تلاوة القرآن كلام ربنا -ﷻ-، وتدبره وتعليمه والعمل بمحكمه، والإيمان بمتشابهه والوقوف عند أوامره ونواهيه، قال الله -﷿-: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (^٢)، وقال -ﷻ-: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ (^٣)،
* الحرص على تصفية الطاعات وخلوصها لله -﷿-، وتخليتها من شوائب الاعتقاد والرياء، ولا يطلب بها حظوظ الدنيا وشهواتها، قال الله -﷿-: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٤).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٦٦٩ - (٢) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ جُرَيٍّ النَّهْدِيِّ، عَنْ رَجُلٍ (^٥) مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ قَالَ: عَقَدَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي يَدِي - أَوْ قَالَ -: عَقَدَهُنَّ فِي يَدِهِ، وَيَدُهُ فِي يَدِي: «سُبْحَانَ اللَّهِ نِصْفُ الْمِيزَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ يَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ يَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَالْوُضُوءُ نِصْفُ الإِيمَانِ، وَالصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ» (^٦).
_________________
(١) من الآية (١٠٨) من سورة التوبة.
(٢) الآية (٩) من سورة الإسراء.
(٣) من الآية (٤٤) من سورة فصلت.
(٤) الآية (١٦٢) من سورة الأنعام وما بعدها.
(٥) قال ابن حجر: له صحبه.
(٦) فيه جري: مقبول، أخرجه الترمذي من طريق أخرى عن أبي إسحاق … نحوه حديث (٣٥١٩) وقال: هذا حديث حسن.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
رجال السند:
سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، هو الضبعي، إمام ثقة تقدم، وشُعْبَةَ، هو ابن الحجاج إمام ثقة تقدم، وأَبو إِسْحَاقَ، هو السبيعي إمام ثقة تقدم، وجُرَيٍّ النَّهْدِيِّ، هو ابن كليب الكوفي السدوسي لم يذكر بجرح ولا تعديل، ورَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، هو صحابي -﵁- لا تضر جهالته.
الشرح: انظر السابق.
وقوله: «والصوم نصف الصبر»؛ لأن الصبر يجمع مشقتين مشقة الصبر المطلق على جميع الطاعات القليل منها والكثير والناس يتفاوتون في ذلك، وصبر على مشقة حبس النفس عن جميع المعاصي ما قل مناه وما كثر والناس يتفاوتون في ذلك، والصوم يحبس النفس عن الشهوات ومنها شهوة الأكل والشرب، والرفث في النهار، وهذه مشقة تستدعي الصبر؛ لأن الصائم حقا لا يتمكن من ذلك إلا بقوة من الصبر، والصوم خفي لا يظهر على الجوارح، ولذلك ورد في الحديث القدسي قول الله -﷿-:
«الصوم لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي، والصوم جنة، وللصائم فرحتان: فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» (^١)، ولم ترد هذه
الخصوصية في غير الصوم.
ما يستفاد:
* وجوب الإخلاص في الصوم، وحبس النفس على ذلك.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٦٧٠ - (٣) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَالأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «اسْتَقِيمُوا
_________________
(١) البخاري حديث (٧٤٩٢) ومسلم حديث (١١٥١).
[ ٢ / ٢٣٣ ]
وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ» وَقَالَ الآخَرُ (^١): «إِنَّ مِنْ خَيْرِ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةَ، وَلَنْ يُحَافِظَ عَلَى الْوُضُوءِ
إِلاَّ مُؤْمِنٌ» (^٢).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، هو الفريابي، وسُفْيَانُ، هو الثوري، ومَنْصُورٍ، هو ابن المعتمر، وَالأَعْمَشِ، هو سليمان، وسَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، لم يسمع من ثوبان، وهم أئمة ثقات تقدموا، ثَوْبَانَ، هو مولى رسول الله -﵁-.
الشرح:
هذا فيه أمر بالاستقامة على منهج الكتاب والسنة، والاستقامة تأتي بعد الإيمان بالله -﷿-، قال سفيان بن عبد الله الثقفي: قلت: يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به، قال: «قل ربي الله ثم استقم» (^٣)، فالاستقامة شاقة وأمرها عظيم، ومع ذلك فالعبد مهما اجتهد في الاستقامة، فلن يوف الله -﷿- حقه، فحق الله عظيم لا يدركه أحد بعمله، ولكن رحمة الله -ﷻ- قريب ممن أحسن العمل، وفي التالي من حديث ثوبان «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا» فالنجاة في رحمة الله وعفوه وكرمه، وليست في أعمال العباد، قال رسول الله -ﷺ-: «لن ينجي أحدا منكم عمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة، سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا» (^٤)، فمن طلب في عمله الصواب، ولم يغلوا ولم يفرط، وكان بين ذلك قواما فقد بلغ وأفلح.
_________________
(١) هو الأعمش.
(٢) رجاله ثقات، وفيه انقطاع بين سالم وثوبان، أخرجه ابن ماجة حديث (٢٧٧) وصححه الألباني.
(٣) الترمذي حديث (٢٤١٠).
(٤) البخاري حديث (٦٤٦٣) ومسلم حديث (٢٨١٦).
[ ٢ / ٢٣٤ ]
قوله: «وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ» هذه وصية من رسول الله -ﷺ- بالحرص على الصلاة؛ لأنها خير الأعمال فقد تضمنت جوانب عظيمة في عبادة الله -﷿-، منها مناجاة العبد ربه في قراءة الفاتحة قال الله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجّدني عبدي، وقال مرة: فوض إليّ عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل " (^١)، وفيها الثناء على الله -﷿- والقراءة، والتسبيح، والتضرع وتوحيد الله في التشهد، والخضوع لله في الركوع والسجود والتكبير، وفيها يتكرر ذلك ليلا ونهارا، فبهذا وغير كانت الصلاة خير الأعمال.
قوله: «وَلَنْ يُحَافِظَ عَلَى الْوُضُوءِ إِلاَّ مُؤْمِنٌ»؛ لأن الوضوء ظهارة للظاهر، ولأنه شرط في صحة الصلاة، ولأن من الثلاث المنجيات «إسباغ الوضوء في السبرات» (^٢)، فالمؤمن بهذا لا يفرط في الوضوء.
ما يستفاد:
* وجوب الاستقامة على طاعة الله -﷿-؛ نها فسيمة الإيمان.
* عدم القدرة على الكمال في ذلك؛ لأن العبد لا قدرة له على الوفاء بما يستحق الرب -﷿- من العبادة.
والمراد من قول الله -ﷻ-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (^٣)، أن يتقوا الله فيطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى،
_________________
(١) في صحيحه (١/ ٢٩٦ - رقم ٣٩) وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان حديث (٢١، ٤٦) وأطال المحقق في تخريجه فليعد إليه الراغب.
(٢) انظر صحيح الجامع الصغير حديث (٣٠٤٥).
(٣) من الآية (١٠٢) من سورة آل عمران.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
بحسب أوامره ونواهيه، وأن يتقوا الله حق تقاته فيما يستطاع، وقد جعل تعالى الدين يسرا، يؤيد هذا قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (^١)، وأمرهم بالاستعداد للموت على الإسلام والمداومة على الطاعة وأن يستمروا على ذلك ويثبتوا عليه ويستقيموا إلى الممات، فيكونوا وفَّوا بتقوى الله حق تقاته.
* المحافظة على الصلاة فرضا ونفلا؛ لأنها خير الأعمال.
* المحافظة على الوضوء في كل وقت وعند كل صلاة لما فيه من كمال الطهارة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٦٧١ - (٤) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا ابْنُ ثَوْبَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي حَسَّانُ بْنُ (^٢) عَطِيَّةَ أَنَّ أَبَا كَبْشَةَ السَّلُولِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَخَيْرُ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ، وَلَا (^٣) يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلاَّ مُؤْمِنٌ» (^٤).
رجال السند:
يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ، هو أحد الراويين عن الوليد، فإن كان الحريري فهو ثقة روى له مسلم، وإن كان الفلاس البلخي فهو ثقة أحد شيوخ البخاري في الصحيح، والْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، هو كثير التدليس والتسوية، ثقة إذا سلم من ذلك تقدم، وابْنُ ثوبان، هو عبد الرحمن بن ثابت، نسب إلى جده، يعتبر بحديثه روى له الأربعة، وحَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، هو المحاربي إمام ثقة تقدم، وأَبو كَبْشَةَ السَّلُولِيّ، هو تابعي ثقة تقدم، وثَوْبَانَ -﵁-.
الشرح: انظر السابق.
_________________
(١) من الآية (١٦) من سورة التغابن.
(٢) في المطبوع (عن).
(٣) في المطبوع (ولن) وكلاهما يصح.
(٤) سنده حسن، أخرجه أحمد حديث (٢٢٤٣٣).
[ ٢ / ٢٣٦ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى: