٦٧٧ - (١) أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، ثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، ثَنَا حُصَيْنٌ الْحِمْيَرِيُّ، أَخْبَرَنَي أَبُو سَعِيدٍ الْخَيْرُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنِ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ (^١)، مَنْ أَكَلَ فَلْيَتَخَلَّلْ، فَمَا تَخَلَّلَ فَلْيَلْفِظْ، وَمَا لَاكَ (^٢) بِلِسَانِهِ فَلْيَبْتَلِعْ، مَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ كَثِيبَ رَمْلٍ فَلْيَسْتَدْبِرْهُ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ يَتَلَاعَبُونَ بِمَقَاعِدِ بَنِي آدَمَ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» (^٣).
رجال السند:
أَبُو عَاصِمٍ، هو الضحاك إمام ثقة تقدم، وثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، هو الحمصي إمام ثقة تقدم، وحُصَيْنٌ الْحِمْيَرِيُّ، ويقال الحبراني، وحبران بطن من حمير، وهو غير معروف وتفرد بالرواية عنه ثور، وأَبُو سَعِيدٍ الْخَيْرُ، (^٤) زعم بعضهم أن له صحبة، ولا دليل، وأَبو هُرَيْرَةَ -﵁-.
_________________
(١) ما بين القوسين كتب لحقا في هامش الأصل.
(٢) أي أداره في فمه. انظر (النهاية ٤/ ٢٧٨).
(٣) فيه أبو سعيد الحبراني الحمصي: ضعيف، ومختلف فيه، أخرجه أبو داود حديث (٣٥)، وابن ماجة حديث (٣٣٧) وضعفه الألباني.
(٤) مختلف فيه: قيل أبو سعيد الحبراني، وقيل: أبو سعد الأنماري، وقيل: هما اثنان، واختلف في اسمه أيضا، انظر (تهذيب الكمال ٣٣/ ٣٥٣) وجزم الداراني أنه أبو سعد تصحف عند الدارمي. انظر تحقيقه في موارد الظمآن (حديث رقم ١٣٢) ولا يقبل منه هذا لثبوت الاختلاف في كنيته واسمه، فالبخاري كناه أبا سعد (التاريخ ٣/ ٦) وابن أبي حاتم قال: أبو سعيد وأبو سعد (الجرح ٣/ ١٩٩، ٩/ ٣٧٨) ولعله يرى أنهما واحد، وقال: سألت أبا زرعة عنه فقال: لا أعرفه، وأشار الذهبي إلى الاختلاف في الكنية وقال: وكذا سماه في ثقاته ابن حبان (٥/ ٥٦٨) ولا يدرى من ذا ولا من حصين (الميزان ٦/ ٢٠٤). قلت حصين قال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه فقال: شيخ (الجرح ٣/ ٢٠٠) أما أبو سعيد فما عرف، ومع هذا حكم الأستاذ الداراني على سند المصنف بالحسن، ولعله نظر إلى توثيق ابن حبان.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
وقال الحاكم ﵀: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (^١)، ووافقه الذهبي، كيف وقد قال في الميزان والضعفاء والديوان: مجهول.
الشرح:
هذه الأمور فعلها على سبيل الاستحباب، ولم أقف على ما يدل على أن الاكتحال سنة، وزعم ابن عباس ﵄ أن رسول الله -ﷺ- كانت له مكحلة يكتحل منها كل ليلة ثلاثا في هذه وثلاثا في هذه (^٢).
قوله: «مَنِ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ» المراد بالإيتار أن يجعل ذلك ثلاثا فما فوق، عملا بقوله -ﷺ-: «وإن الله وتر، يحب الوتر» (^٣).
قوله: «مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» المراد أن ذلك مستحب وليس لازما، وفعل المستحب أولى.
قوله: «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» الاستجمار هو إزالة النجاسة بحصيات هي الجمار، ولم برد الفرد أن يستجمر بواحد. فلما ذكر الوتر علم أن المراد التنقية، وذلك لا يحصل بالواحد على الغالب، فوجب الحمل على الوتر الذي هو خلاف الشفع، وهو ما يحصل به النقاء، وأقله الثلاث.
والاستجمار بالحجارة خاصة ليس واجبا لا يجوز بغيرها، فالممنوع ما ورد النهي عن الاستجمار به كالعظم والروث، ومن استجمر بالحجارة فليجعله وترًا، ويطلب النقاء بثلاث أو أكثر.
قوله: «مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» فيه دليل على أن أنه الأفضل والأكمل، ولذلك قال: «وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» أي:
_________________
(١) المستدرك حديث (٧١٩٩).
(٢) انظر مسند الطيالسي حديث (٢٨٠٣).
(٣) مسلم حديث (٢٦٧٧)، والبخاري حديث (٦٤١٠).
[ ٢ / ٢٤٣ ]
لا إثم على من لم يوتر إذا حصلت التنقية.
قوله: «مَنْ أَكَلَ فَلْيَتَخَلَّلْ، فَمَا تَخَلَّلَ فَلْيَلْفِظْ، وَمَا لَاكَ بِلِسَانِهِ فَلْيَبْتَلِعْ» في هذا توجيه إلى الحرص على نظافة الفم، فلا يبقى فيه ما يدعو لرائحة كريهة أو تكاثر الأشياء الضارة، ثم قال: «فَمَا تَخَلَّلَ فَلْيَلْفِظْ» فيه توجيه طبي فإن من يتخلل لابد وأن يخرج من دم اللثة ما لوا ابتلعه لأضر به، ولذل أمر -ﷺ- بأن يلفظ، ثم قال:
«وَمَا لَاكَ بِلِسَانِهِ فَلْيَبْتَلِعْ» لأنه آمن من خروج الدم ولو وُجد فيه الدم لشعر بذلك ولفظه.
قوله: «مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» هنا لفتة هامة وهي أن الخلال ليس بالضرورة أن يخرج معه دم اللثة، ولاحتمال أن المضمضة تذهب بقايا الطعا، ولو تيقن خروج الدم لحرم بلعه.
قوله: «مَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ كَثِيبَ رَمْلٍ فَلْيَسْتَدْبِرْهُ» المراد بالغائط مكان قضاء الحاجة، وهو ما انخفض من الأرض، أمر رسول الله -ﷺ- المرتاد أن يحتجب عن أنظار الناس، فلا يكشف ستره بأي سبب، وليبالغ في الستر ما أمكنه ذلك، ولو بكثيب من الرمل.
قوله: «فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ يَتَلَاعَبُونَ بِمَقَاعِدِ بَنِي آدَمَ» لعل المراد أن من لم يفعل ذلك فالشيطان يُجري ما يضره في طهارته، ككشف العورة للناظرين، أو إحداث ريح تصيبه برذاذ البول وغير ذلك.
قوله: «مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» هذا فيه نظر، ولاسيما والخبر في سنده كلام، وفي هذا مخالفة لما ورد من الأمر بالاستتار، وعدم تمكين الشيطان من العبث والإفساد، وقد ثبت أن رسول الله -ﷺ- كان يبعد حتى يتوارى عن الأنظار، انظر ما تقدم برقم ٦٨٠ - (١)، ٦٨١ - (٢) وقد مر النبي -ﷺ- بحائط من حيطان المدينة،
[ ٢ / ٢٤٤ ]
أو مكة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال النبي -ﷺ-: «يعذبان، وما يعذبان في كبير» ثم قال: «بلى، كان أحدهما لا يستتر من بوله …» (^١).
ما يستفاد:
* استحباب الوتر في الاكتحال وغيره وهو الأفضل.
* أقل الوتر ثلاث.
* ومن شفع الاكتحال فلا إثم عليه.
* وجوب الاستجمار بثلاثة أحجار، ويجوز الأقل بشرط الإنقاء.
* من استجمر بثلاث فقد أحسن العمل، ومن شفع الأحجار فلا إثم عليه.
* استحباب تخليل الأسنان ونظافة الفم.
* عدم جواز بلع ما ينتج عن تخليل الأسنان لاحتمال نزيف دم اللثة، وبلع الدم حرام.
* عدم جواز بلع ما يخلله لأن في ذلك فائدة صحية.
* جواز بلع ما يحركه بسانه ويلوكه، للأمن مما يؤذيه صحيا.
* وجوب الاستتار عند قضاء الحاجة، وعدم التساهل في ذلك.
* وجوب الاستعاذة عند قضاء الحاجة لصيانة المسلم من عبث الشيطان، ولذلك كان رسول الله -ﷺ- يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» (^٢).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٦٧٨ - (٢) أَخْبَرَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، ثَنَا مَهْدِيٌّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ:
_________________
(١) البخاري حديث (٢١٦) ومسلم حديث (٢٩٢).
(٢) البخاري حديث (٦٣٢٢) ومسلم حديث (٣٧٥).
[ ٢ / ٢٤٥ ]
" كَانَ أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ النَّبِيُّ -ﷺ- لِحَاجَتِهِ هَدَفٌ (^١) أَوْ حَائِشُ (^٢) نَخْلٍ " (^٣).
رجال السند:
حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، هو أبو محمد مظهر السنة، إمام ثقة تقدم، ومَهْدِيٌّ، هو ابن ميمون إمام ثقة تقدم، ومُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ، هو بصري ثقة، روى له الستة، والْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، هو كوفي ثقة، روى له مسلم، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ صحابي صغير، والده جعفر الطيار، ﵄.
الشرح:
الهدف ما على عن الأرض من شجر وحجر وحائط وغير ذلك، والحائش والحش مجموعة النخل، وفيه توكيد ما تقدم في وجوب الاستتار، ويستحب البعد والتغييب على الأنظار.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: