٤٤ - (١) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ (^٣) بْنِ أَبَانَ قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ (^٤) الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ عَبْدِ
_________________
(١) ليس في (ع/ أ، ف، و) منصوب، وكلاهما يصح.
(٢) رجاله ثقات، والخبرصحيح تقدم رقم (٣١) وما بعده، وتقدم في رقم (٣٦) أنه بقي عند أبي بن كعب.
(٣) في بعض النسخ الخطية" عمرو" وهو خطأ.
(٤) في (ك) مخلد، وهو خطأ.
[ ١ / ١٠٨ ]
الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: " حَدِّثْنِي بِحَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- سَمِعْتَهُ مِنْهُ أَرْوِيهِ عَنْكَ. فَقَالَ جَابِرٌ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ الْخَنْدَقِ نَحْفُرُهُ، فَلَبِثْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا نَطْعَمُ طَعَامًا، وَلَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَعَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ كُدْيَةٌ (^١) فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ كُدْيَةٌ قَدْ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ، فَرَشَشْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ، فَقَامَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ، فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ أَوِ الْمِسْحَاةَ، ثُمَّ سَمَّى ثَلَاثًا، ثُمَّ ضَرَبَ فَعَادَتْ كَثِيبًا أَهْيَلَ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي، قَالَ: فَأَذِنَ لِي، فَجِئْتُ امْرَأَتِي فَقُلْتُ: ثَكِلَتْكِ أُمُّكِ فَقُلْتُ قَدْ رَأَيْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- شَيْئًا لَا صَبْرَ لِي عَلَيْهِ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟، فَقَالَتْ: عِنْدِي صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَعَنَاقٌ (^٢)، قَالَ: فَطَحَنَّا الشَّعِيرَ، وَذَبَحْنَا الْعَنَاقَ وَسَلَخْتُهَا، وَجَعَلْتُهَا فِي الْبُرْمَةِ (^٣)، وَعَجَنْتُ الشَّعِيرَ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَلَبِثْتُ سَاعَةً ثُمَّ اسْتَأْذَنْتُهُ الثَّانِيَةَ، فَأَذِنَ لِي فَجِئْتُ فَإِذَا الْعَجِينُ قَدْ أَمْكَنَ (^٤)، فَأَمَرْتُهَا بِالْخَبْزِ، وَجَعَلْتُ الْقِدْرَ عَلَى الأَثَاثِى، -
_________________
(١) هي الأرض الصلبة (الصحاح ٢/ ٣٨١) وقد ورد في بعض الروايات تفسيرها (صخرة).
(٢) هي الأنثى الصغيرة من الماعز (الصحاح ٢/ ١٦٨).
(٣) القدر: والجمع بُرام (الصحاح ١/ ٨).
(٤) اختمر، وأصبح صالحا للخبز.
[ ١ / ١٠٩ ]
قَالَ: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِنَّمَا هيِ الأَثَافِيُّ (^١) وَلَكِنْ هَكَذَا (^٢) قَالَ - ثُمَّ جِئْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقُلْتُ: إِنَّ عِنْدَنَا طُعَيْمًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَقُومَ مَعِي أَنْتَ وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ مَعَكَ. فَقَالَ: «وَكَمْ هُوَ؟» قُلْتُ: صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ وَعَنَاقٌ. فَقَالَ: «ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ وَقُلْ لَهَا لَا تَنْزِعِ الْقِدْرَ مِنَ الأَثَاثِي وَلَا تُخْرِجِ الْخُبْزَ مِنَ التَّنُّورِ حَتَّى آتِىَ» ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: «قُومُوا إِلَى بَيْتِ جَابِرٍ» قَالَ: فَاسْتَحْيَيْتُ حَيَاءً لَا يَعْلَمُهُ إِلاَّ اللَّهُ، فَقُلْتُ لاِمْرَأَتِي: ثَكِلَتْكِ أُمُّكِ، قَدْ جَاءَكِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ. فَقَالَتْ: أَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- سَأَلَكَ كَمِ الطَّعَامُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَتْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَدْ أَخْبَرْتَهُ بِمَا كَانَ عِنْدَنَا. قَالَ: فَذَهَبَ عَنِّى بَعْضُ مَا كُنْتُ أَجِدُ وَقُلْتُ: لَقَدْ صَدَقْتِ، فَجَاءَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَدَخَلَ ثُمَّ قَالَ لأَصْحَابِهِ: «لَا تَضَاغَطُوا (^٣)» ثُمَّ بَرَّكَ عَلَى التَّنُّورِ وَعَلَى الْبُرْمَةِ، قَالَ: فَجَعَلْنَا نَأْخُذُ مِنَ التَّنُّورِ الْخُبْزَ، وَنَأْخُذُ اللَّحْمَ مِنَ الْبُرْمَةِ، فَنُثَرِّدُ (^٤) وَنَغْرِفُ لَهُمْ، وَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «لِيَجْلِسْ عَلَى الصَّحْفَةِ سَبْعَةٌ أَوْ ثَمَانِيَةٌ» فَإِذَا أَكَلُوا كَشَفْنَا عَنِ التَّنُّورِ، وَكَشَفْنَا عَنِ الْبُرْمَةِ، فَإِذَا هُمَا أَمْلأُ مِمَّا كَانَا، فَلَمْ [يَزَلْ نَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّمَا فَتَحْنَا التَّنُّورَ، وَكَشَفْنَا عَنِ الْبُرْمَةِ] (^٥) وَجَدْنَاهُمَا أَمْلأَ مِمَّا كَانَا، حَتَّى شَبِعَ الْمُسْلِمُونَ
_________________
(١) ثلاثة أحجار توضع عليها القدر (النهاية ١/ ٢٣، والصحاح ١/ ٨).
(٢) القائل شيخ الدارمي، يعني: أنه سمعها كذا من شيخه عبد الرحمن بن محمد المحاربي.
(٣) لا يزاحم بعضكم بعضا.
(٤) الثرد: تكسير الخبز قطعا صغيرة، وخلطها باللحم والمرق انظر (الصحاح ١/ ١٥٤).
(٥) ما بين المعقوفين سقط من بعض النسخ الخطية وكتب بعضه لحقا في الهامش.
[ ١ / ١١٠ ]
كُلُّهُمْ، وَبَقِىَ طَائِفَةٌ مِنَ الطَّعَامِ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ النَّاسَ (^١) قَدْ أَصَابَتْهُمْ مَخْمَصَةٌ (^٢)، فَكُلُوا وَأَطْعِمُوا» فَلَمْ نَزَلْ يَوْمَنَا نَأْكُلُ وَنُطْعِمُ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُمْ كَانُوا ثَمَانَمِائَةٍ، أَوْ قَالَ ثَلَاثَمِائَةٍ. قَالَ أَيْمَنُ: لَا أَدْرِى أَيُّهُمَا قَالَ (^٣).
رجال السند:
عبد الله بن عمر بن أبان، أبو عبد الرحمن الكوفي صدوق، وعبد الرحمن ابن محمد المحاربي، ثقة مدلس، وعبد الواحد بن أيمن المكي، أبو القاسم ثقة، وأبوه أيمن المكي حبشي وثقة أبو زرعة، ولم ينفرد ابنه بالرواية عنه.
الشرح:
قال أنس -﵁-: خرج رسول الله -ﷺ- إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع، قال: «اللهم إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة» فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدا … على الجهاد ما بقينا أبدا (^٤).
فدل هذا أنهم يحفرون بأنفسهم طلبا للأجر، وهم في بداية الأمر ليس لهم عبيد بكثرة، ولاسيما المهاجرون.
_________________
(١) ليس في بعض النسخ الخطية.
(٢) مجاعة (الصحاح ٢/ ٣٧٣).
(٣) إسناد حسن، وأخرجه البخاري حديث (٤١٠١) وأخرجه مسلم حديث (٢٠٣٩) وانظر: (اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان حديث ١٣٢٢).
(٤) البخاري حديث (٢٨٣٤).
[ ١ / ١١١ ]
ويدل قوله -ﷺ-: «اللهم إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة» على التعب والجوع الذي لحق الأصحاب -﵃-، فأراد أن ينشطهم بما قال، ويرغبهم فيما عند الله -﷿-، ولا ريب أنه -ﷺ- لحقه من الجوع والتعب ما لحقهم، ورغم هذا لما عرضت الكدية للصحابة وأعياهم كسرها، لا ريب أنهم شكوا ذلك لرسول الله -ﷺ- فأمرهم أن يرشوها بالماء، والكدية: صخرة أمد الله -﷿- رسوله -ﷺ- بقوة ظهرت من خلا ضربه لها معجزة، فقد ضربها «بمعول أو مسحاة» شك الراوي وهما لآلتان: المعول للكسر، والمسحاة للحفر، فضرب رسول الله -ﷺ- بالمعول «فعادت كثيبا أهيل» أي: تفتت حتى صارة كثبة من الرمل تهال باليد دون هناء، ظهرت المعجزة فقد حدث هذا بعد أن عجز عنه الجم الغفير من الصحابة، فكان عمل رسول الله -ﷺ- رغم ما ظهر عليه من التعب والجوع، فلما رأى جابر -﵁-، استأذن وانصرف إلى أمرأته واسمها سهيلة ﵂، وذكر لها ما رأى من حال رسول الله -ﷺ-، فقالت: عندي صاع من شعير وعناق، العناق: الصغيرة من المعز، وهيأت ذلك كله، فرجع جابر -﵁- ليدعو رسول الله -ﷺ-، فقالت امرأته: صحيح؟ لا تفضحني برسول الله -ﷺ- وبمن معه (^١)، قوله: «طعيم» فيه تحقير وتقليل إشارة إلى اختصاصه لرسول الله -ﷺ-، ولكن الرحمة المهداة تأبا ذلك، فأمره بالعودة إلى امرأته، «ولا تخرج الخبر من التنور» وأشمل من هذا قوله: «لا تنزلن برمتكم، ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء» (^٢)، لتناله من الله بركة
_________________
(١) البخاري حديث (٤١٠٢) ومسلم حديث (٢٠٣٩).
(٢) البخاري حديث (٤١٠٢).
[ ١ / ١١٢ ]
يد رسول الله -ﷺ-، ثم قال للناس: قوموا إلى جابر، فولى جابر إلى امرأته خائفا من فضحها فقال: " قد جاء رسول الله بأصحابه أجمعين " كلهم على صاع من شعير وعناق، فجلس رسول الله -ﷺ- على المخبز يخبر للقوم، وكشف عن القدر ليأخذ من اللحم والمرق، فبارك الله لنبيه فيما صنع جابر وأمرته، وبقي طائفة من الطعام بعد عدد كبير من المهاجرين والأنصار -﵃-، وقال -ﷺ-: «إن الناس، قد أصابتهم مخمصة، فكلوا وأطعموا» قال جابر -﵁-: فلم نزل يومنا نأكل ونطعم، هذا من فضل الله -﷿- ثم بركة يد رسول الله -ﷺ-، ولهذا الإعجاز نظائر لا ريب فيها.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٤٥ - (٢) أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِىٍّ، ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ عَمْرٍو - عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: " أَمَرَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ أَنْ تَجْعَلَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- طَعَامًا يَأْكُلُ مِنْهُ، قَالَ: ثُمَّ بَعَثَنِي أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: بَعَثَنِي إِلَيْكَ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ لِلْقَوْمِ: «قُومُوا» فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ الْقَوْمُ مَعَهُ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا صَنَعْتُ طَعَامًا لِنَفْسِكَ خَاصَّةً. فَقَالَ: «لَا عَلَيْكَ انْطَلِقْ» قَالَ: فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ الْقَوْمُ، قَالَ: فَجِيءَ بِالطَّعَامِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدَهُ وَسَمَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ» قَالَ: فَأَذِنَ لَهُمْ. فَقَالَ: «كُلُوا بِاسْمِ اللَّهِ»
[ ١ / ١١٣ ]
فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ قَامُوا، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ كَمَا صَنَعَ في الْمَرَّةِ الأُولَى وَسَمَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ» فَأَذِنَ لَهُمْ، فَقَالَ: «كُلُوا بِاسْمِ اللَّهِ» فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ قَامُوا حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِثَمَانِينَ رَجُلًا، وَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَهْلُ الْبَيْتِ وَتَرَكُوا سُؤْرًا (^١).
رجال السند:
زكريا بن عدى، ثقة تقدم، وعبيد الله بن عمرو الرقي، ثقة تقدم، وعبد الملك ابن عمير، ثقة فقيه، تغير حفظه وربما دلس، وعبد الرحمن بن أبي ليلى يسار ابن بلال، وأبو عيسى، من كبار التابعين ثقة، قال: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب النبي -ﷺ-، غرق ليلة دجيل مع ابن الأشعث سنة ثلاث وثماني ومائة.
الشرح:
هذه رواية أخرى في واقعة لأبي طلحة زيد بن سهل لأنصاري -﵁-، يرويها ربيبه أنس -﵁-، وأم سليم هي أم أنس بنت ملحان ﵂، والقصة من جنس ما تقدم في رواية جابر -﵁-، وكان عدد من حضر دعوة أبي طلحة ثمانين رجلا أوردهم رسول الله -ﷺ- عشرة عشر، فأكلوا حتى شبعوا، وتركوا سؤرا من الطعام، ولا شك أن هذا بفضل الله ثم بركة يد رسوله -ﷺ-.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٤٦ - (٣) أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ - هُوَ الْعَطَّارُ - حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِى عُبَيْدٍ: " أَنَّهُ طَبَخَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- قِدْرًا، فَقَالَ لَهُ: «نَاوِلْنِي ذِرَاعَهَا» وَكَانَ يُعْجِبُهُ الذِّرَاعُ، فَنَاوَلَهُ الذِّرَاعَ، ثُمَّ قَالَ: «نَاوِلْنِي
_________________
(١) رجاله ثقات، وأخرجه البخاري حديث (٣٥٧٨، ومسلم حديث (٢٠٤٠) وانظر: اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان حديث ١٣٢٣).
[ ١ / ١١٤ ]
ذِرَاعًا» فَنَاوَلَهُ ذِرَاعًا، ثُمَّ قَالَ: «نَاوِلْنِي ذِرَاعا» فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَكَمْ لِلشَّاةِ مِنْ ذِرَاعٍ؟، فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَنْ لَوْ سَكَتَّ لأُعْطِيتُ أَذْرُعًا مَا دَعَوْتُ بِهِ» (^١).
رجال السند:
مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، ثقة تقدم، وأبان بن يزيد العطار، أبو زيد البصري ثقة، وقتادة بن دعامة السدوسي، ثقة حافظ مدلس، وشهر بن حوشب، أبو سعيد مولى أسماء بنت يزيد، تابعي متكلم فيه رغم توثيق أحمد له، روى له مسلم في المتابعات والشواهد، وحسن البخاري حديثه، وأبو عبيد -﵁- مولى النبي -ﷺ- وخادمه.
الشرح:
هذا حديث حسن وكان -ﷺ- يحب من اللحم الذراع، فكان يطلب من خادمه الذراع، لكنه قال في الثالثة: «ناولني ذراعا» وهو يعلم أن الشاة ليس لها إلا ذراعان، ولكن أراد أن يبين كرامته عند الله -﷿-، فقال: «والذي نفسي بيده أن لو سكت لأعطيتُ أذرعا ما دعوتُ به» فلو أن الخادم لم يسأل وسكت، لظهرت معجزة الدراع الثالث، وأكثر.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٤٧ - (٤) أَخْبَرَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ نُبَيْحٍ الْعَنَزِىِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: " خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الْمُشْرِكِينَ
_________________
(١) فيه شهر بن حوشب: متكلم فيه، ونرجح قبول روايته، وأخرجه أحمد حديث (١٥٩٦٧).
[ ١ / ١١٥ ]
لِيُقَاتِلَهُمْ فَقَالَ أَبِي: عَبْدُ اللَّهِ: يَا جَابِرُ لَا عَلَيْكَ أَنْ تَكُونَ فِي نَظَّارِي (^١) أَهْلِ الْمَدِينَةِ حَتَّى تَعْلَمَ إِلَى مَا يَصِيرُ أَمْرُنَا، فَإِنِّي وَاللَّهِ لَوْلَا أَنِّي أَتْرُكُ بَنَاتٍ لِي بَعْدِي لأَحْبَبْتُ أَنْ تُقْتَلَ بَيْنَ يَدَيَّ. قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا فِي النَّظَّارِينَ (^٢) إِذْ جَاءَتْ عَمَّتِي بابي وَخَالِي لِتَدْفِنَهُمَا فِي مَقَابِرِنَا، فَلَحِقَ رَجُلٌ يُنَادِي: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَرُدُّوا الْقَتْلَى فَتَدْفِنُوهَا في مَضَاجِعِهَا (^٣) حَيْثُ قُتِلَتْ. فَرَدَدْنَاهُمَا فَدَفَنَّاهُمَا فِي مَضْجَعِهِمَا حَيْثُ قُتِلَا فَبَيْنَا أَنَا فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ إِذْ جَاءَنِي رَجُلٌ فَقَالَ: يَا جَابِرُ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ لَقَدْ أَثَارَ (^٤) أَبَاكَ عُمَّالُ مُعَاوِيَةَ فَبَدَا، فَخَرَجَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ. فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِ فَوَجَدْتُهُ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي دَفَنْتُهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ (^٥) إِلاَّ مَا لَمْ يَدَعِ الْقَتِيلَ، قَالَ: فَوَارَيْتُهُ، وَتَرَكَ أَبِي عَلَيْهِ دَيْنًا مِنَ التَّمْرِ، فَاشْتَدَّ عَلَيَّ بَعْضُ غُرَمَائِهِ (^٦) فِي التَّقَاضِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي أُصِيبَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا وَإِنَّهُ تَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا مِنَ التَّمْرِ، وَإِنَّهُ قَدِ اشْتَدَّ عَليَّ بَعْضُ غُرَمَائِهِ فِي الطَّلَبِ، فَأُحِبُّ أَنْ تُعِينَنِي عَلَيْهِ، لَعَلَّهُ يُنْظِرُنِي طَائِفَةً مِنْ تَمْرِهِ إِلَى هَذَا الصِّرَامِ الْمُقْبِلِ.
_________________
(١) الإنظار في الأصل: التأخير والإمهال، والمراد به هنا: الملاحظة والمراقبة، يفسره ما بعده " فبينما انا في النظارين" قال في (الصحاح ٢/ ٥٨١): والنظارة: القوم ينظرون إلى الشيء، وانظر (النهاية ٥/ ٧٨).
(٢) في بعض النسخ الخطية" الناظرين" وكلاهما يصح.
(٣) في بعض النسخ الخطية" مضجعها" وكلاهما يصح.
(٤) أي أظهره بإزالة التراب عنه.
(٥) وقد مضى على دفنه ما يقارب سبعا وثلاثين سنة، فسبحان من كرمهم.
(٦) أصحاب الدَّين.
[ ١ / ١١٦ ]
قَالَ: «نَعَمْ آتِيكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَرِيبًا مِنْ وَسَطِ النَّهَار» قَالَ: فَجَاءَ وَمَعَهُ حَوَارِيُّوهُ (^١)، قَالَ: فَجَلَسُوا فِي الظِّلِّ وَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَاسْتَأْذَنَ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْنَا، قَالَ: وَقَدْ قُلْتُ لاِمْرَأَتِي: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- جَائِيَّ الْيَوْمَ وَسَطَ النَّهَارِ، فَلَا يَرَيَنَّكِ وَلَا تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي شَيْءٍ وَلَا تُكَلِّمِيهِ، فَفَرَشَتْ فِرَاشًا وَوِسَادَةً فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ، فَقُلْتُ لِمَوْلًى لِي: اذْبَحْ هَذِهِ الْعَنَاقَ، وَهِيَ دَاجِنٌ (^٢) سَمِينَةٌ فَالْوَحَا (^٣)، وَالْعَجَلَ افْرُغْ مِنْهَا، قَبْلَ أَنْ يَسْتَيْقِظَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَنَا مَعَكَ فَلَمْ نَزَلْ فِيهَا حَتَّى فَرَغْنَا مِنْهَا وَهُوَ نَائِمٌ، فَقُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ يَسْتَيْقِظُ يَدْعُو بِطَهُورٍ، وَأَنَا أَخَافُ إِذَا فَرَغَ أَنْ يَقُومَ فَلَا يَفْرُغُ مِنْ طُهُورِهِ حَتَّى يُوضَعَ الْعَنَاقُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ قَالَ: «يَا جَابِرُ ائْتِنِي بِطَهُورٍ» قَالَ: نَعَمْ فَلَمْ يَفْرُغْ مِنْ وُضُوئِهِ (^٤) حَتَّى وَضَعْتُ الْعَنَاقَ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيَّ فَقَالَ: «كَأَنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ حُبَّنَا اللَّحْمَ، ادْعُ أَبَا بَكْرٍ» (^٥) ثُمَّ دَعَا حَوَارِيِّيهِ، قَالَ فَجِيءَ بِالطَّعَامِ فَوُضِعَ، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ وَقَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ كُلُوا» فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا وَفَضَلَ مِنْهَا لَحْمٌ كَثِيرٌ، وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ مَجْلِسَ بَنِي سَلَمَةَ لَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ أَعْيُنِهِمْ، مَا يَقْرَبُونَهُ مَخَافَةَ أَنْ يُؤْذُوهُ، ثُمَّ قَامَ وَقَامَ أَصْحَابُهُ، فَخَرَجُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَانَ يَقُولُ: «خَلُّوا ظَهْرِي لِلْمَلَائِكَةِ» قَالَ:
_________________
(١) أي أنصاره، قال في (الصحاح ١/ ٣١٢): الحواري: الناصر.
(٢) العناق: الأنثى من ولد المعز (الصحاح ٢/ ١٦٨) والداجن: المعلوفة.
(٣) بالحاء المهملة: السرعة (النهاية ٥/ ١٦٣) ويفسرها ما بعدها أيضا (العجل).
(٤) في بعض النسخ الخطية" طهوره" وكلاهما يصح.
(٥) فكيف يتجرأ الظلمة المفسدون على القول في أبي بكر وعمر وهما حواريي رسول الله -ﷺ-، يذكرهما في كل موقف.
[ ١ / ١١٧ ]
فَاتَّبَعْتُهُمْ حَتَّى بَلَغْتُ سَقْفَة الْباب، فَأَخْرَجَتِ امْرَأَتِي صَدْرَهَا، وَكَانَتْ سِتِّيرَةً، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَلِّ عَليَّ وَعَلَى زَوْجِي. قَالَ: «صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكِ وَعَلَى زَوْجِكِ» ثُمَّ قَالَ: «ادْعُوا لِي فُلَانًا» لِلْغَرِيمِ الَّذِي اشْتَدَّ عَلَيَّ فِي الطَّلَبِ، فَقَالَ: «أَنْسِيْء جَابِرًا طَائِفَةً مِنْ دَيْنِكَ الَّذِي عَلَى أَبِيهِ إِلَى هَذَا الصِّرَامِ (^١) الْمُقْبِلِ» قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ. قَالَ: وَاعْتَلَّ وَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ مَالُ يَتَامَى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَيْنَ جَابِرٌ؟» قَالَ: قُلْتُ: أَنَا ذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «كِلْ لَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَوْفَ يُوَفِّيهِ» فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا الشَّمْسُ قَدْ دَلَكَتْ قَالَ: «الصَّلَاةُ يَا أَبَا بَكْر" قَالَ: فَانْدَفَعُوا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقُلْتُ لِغَرِيمِي: قَرِّبْ أَوْعِيَتَكَ، فَكِلْتُ لَهُ مِنَ الْعَجْوَةِ فَوَفَّاهُ اللَّهُ، وَفَضَلَ لَنَا مِنَ التَّمْرِ كَذَا وَكَذَا، وَكِلْتُ لَهُ مِنْ أَصْنَافِ التَّمْرِ فَوَفَّاهُ اللَّهُ، وَفَضَلَ لَنَا مِنَ التَّمْرِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَجِئْتُ أَسْعَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي مَسْجِدِهِ كَأَنِّي شَرَارَةٌ، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ صَلَّى فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ كِلْتُ لِغَرِيمِي تَمْرَهُ فَوَفَّاهُ اللَّهُ، وَفَضَلَ لَنَا مِنَ التَّمْرِ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَيْنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ؟» قَالَ: فَجَاءَ يُهَرْوِلُ قَالَ: «سَلْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ غَرِيمِهِ وَتَمْرِهِ» قَالَ: مَا أَنَا بِسَائِلِهِ، قَدْ عَلِمْتُ
_________________
(١) جداد النخل، انظر (الصحاح ١/ ٧١٨) وهو بمعنى الحصاد، سواء النخل أو غيره من الثمار.
[ ١ / ١١٨ ]
أَنَّ اللَّهَ سَوْفَ يُوَفِّيهِ (^١) قَالَ: مَا أَنَا بِسَائِلِهِ، قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ سَوْفَ يُوَفِّيهِ. فَرَدَّدَ عَلَيْهِ وَرَدَّدَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْكَلِمَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: مَا أَنَا بِسَائِلِهِ.
وَكَانَ لَا يُرَاجَعُ بَعْدَ الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ فَقَالَ: مَا فَعَلَ غَرِيمُكَ وَتَمْرُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: وَفَّاهُ اللَّهُ، وَفَضَلَ لَنَا مِنَ التَّمْرِ كَذَا وَكَذَا، فَرَجَعْتُ إِلَى امْرَأَتِي فَقُلْتُ: أَلَمْ أَكُنْ نَهَيْتُكِ أَنْ تُكَلِّمِي رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي بَيْتِي؟، فَقَالَتْ: تَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُورِدُ نَبِيَّهُ فِي بَيْتِي ثُمَّ يَخْرُجُ وَلَا أَسْأَلُهُ الصَّلَاةَ عَلَيَّ وَعَلَى زَوْجِي".
رجال السند:
أبو النعمان، محمد بن الفضل بعارم ثقة، وأبو عوانة الوضاح ثقة، والأسود بن قيس ثقة، ونبيح العنزي حسن الحديث تقدموا.
الشرح:
قوله: " أَنْسِيْء " أي: أخر طائفة من دينك، وجميع الأحاديث المتقدمة في ذكر بعض المعجزات التي أيد الله -﷿- بها نبوة محمد -ﷺ- منها ما هو في أعلى درجات الصحة، ومنها الصحيح، ومنها الحسن، ومنها ما هو ضعيف السند، وكلها يصدق بعضها بعضا، وما يكذب بها إلا من لم يوفق للفهم الصحيح، وقد تكرر شرح ألفاظها، فأغنى عن الإعادة، والخبر فيه نبيح العنزي: الصحيح أنه ثقة، وأخرجه أحمد حديث (١٥٢٨١).
قال الدارمي رحمه الله تعالى: