٤٨ - (١) أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنْبَأَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِى حَكِيمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ (^٢) بْنُ أَبَانَ، عَنْ
_________________
(١) هنا تعرف مكانة عمر -﵁- عند رسول الله -ﷺ-، إذ كان حريصا على بشارته بهذه البركة، ومكانة رسول الله -ﷺ- عند عمر -﵁-، إذ أنه عرف أن الله -﷿- سيوفي دين أبي جابر لإخبار رسول الله -ﷺ- بذلك، فقاتل الله من ينكر فضل أبي بكر وعمر.
(٢) ليس في بعض النسخ الخطية.
[ ١ / ١١٩ ]
عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ فَضَّلَ مُحَمَّدًا -ﷺ- عَلَى الأَنْبِيَاءِ وَعَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ. فَقَالُوا: يَا أَبَا (^١) عَبَّاسٍ بِمَ (^٢) فَضَّلَهُ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ لأَهْلِ السَّمَاءِ: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ (^٣) وَقَالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ -ﷺ-: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (^٤) قَالُوا: فَمَا فَضْلُهُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: قَالَ اللَّهُ -﷿-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ الآية (٤) من سورة إبراهيم، وَقَالَ اللَّهُ -﷿- لِمُحَمَّدٍ -ﷺ-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (^٥).
رجال السند:
إسحاق بن إبراهيم بن راهويه ثقة إمام حافظ تقدم، ويزيد بن أبي حكيم العدني، ليس بهبأس، والحكم بن أبان العدني، صدوق وله أوهام، وتقدموا جميعا، وعكرمة أبو عبد الله، مولى ابن عباس وراويته ثقة، لم يصب من تكلم فيه، تحققت من ذلك في دراستي له ولما روى في البخاري، فثبت أنه ثقة، إمام في التفسير، والرواية عن ابن عباس.
_________________
(١) في (ك) ابن، وفي (ت) يا أبا، والصواب: أبا عباس، وكلاهما صحيح، فهو ابن عباس، وأبو العباس.
(٢) في (ت، ك) لم، في هامشهما (بم).
(٣) الآية (٢٩) من سورة الأنبياء.
(٤) الآيتان (١، ٢) من سورة الفتح.
(٥) من الآية (٢٨) من سورة سبأ.
[ ١ / ١٢٠ ]
الشرح:
صدق ابن عباس ﵄ حين قال: " إن الله فضل محمدا -ﷺ- على الأنبياء، وعلى أهل السماء " وقد استند في قوله على كتاب الله -﷿-، ومعلوم تفضيل من جمع له بين النبوة والرسالة على من نُبئ ولم يرسل، وذلك لمزيد أعباء الرسالة وما يقع من التكذيب وعدم القبول من الأمم، وما يقع من قتلهم الرسل جراء ذلك، القاعدة في ذلك عدم التفضيل بالتعيين، بل على العموم، قال رسول الله -ﷺ-: «لا تخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأصعق معهم، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش جانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق، فأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله» (^١)، وقال -ﷺ-: «ما ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى» (^٢)، وهذا تقدير من رسول الله -ﷺ- ليونس -﵇- لما لحقه من البلاء، وقال في العموم: «أنا سيد الناس يوم القيامة» (^٣)، وهو سيدهم في الدنيا -ﷺ-.
ما يستفاد:
*فيما ذكر ابن عباس ﵄ في التنزيل عن أهل السماوات وعيد شديد.
*علو مكانة ابن عباس في فقه التنزيل.
* امتنان الله -ﷺ- على نبيه -ﷺ- بالفتح المبين.
_________________
(١) البخاري حديث (٢٤١١) ومسلم حديث (٢٣٧٣).
(٢) البخاري حديث (٤٦٠٣) ومسلم حديث (٤٦٦٩).
(٣) البخاري حديث (٣٣٤٠) ومسلم حديث (٣٢٨).
[ ١ / ١٢١ ]
* بشارة نبينا محمد -ﷺ- بمغفرة ذنبه، وأن الله -﷿- فتح له لكي يجعل ذلك أمارة وعلامة لغفرانه له، وهدايته الصراط المستقيم، ثم البشارة بالمغفرة في حد ذاتها نصر عظيم، وكذلك ما تحقق له من النصر بعد الحديبية، ولذلك قال رسول الله -ﷺ-: «لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعا» (^١). الآية هي أول سورة الفتح.
* أن رسالة نبينا محمد -ﷺ- عامة للناس، وفي هذا إلى نسخ جميع الأديان وعموم النبوة والرسالة.
* بيان ما فضل الله به نبينا محمد -ﷺ-.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٤٩ - (٢) أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيد، ثَنَا زَمْعَةُ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " جَلَسَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- يَنْتَظِرُونَهُ، فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُمْ سَمِعَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ، فَتَسَمَّعَ حَدِيثَهُمْ، فَإِذَا بَعْضُهُمْ يَقُولُ: عَجَبًا إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ مِنْ خَلْقِهِ خَلِيلًا، فَإِبْرَاهِيمُ خَلِيلُهُ. وَقَالَ آخَرُ: مَاذَا بِأَعْجَبَ مِنْ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (^٢).
وَقَالَ آخَرُ: فَعِيسَى كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوْحُهُ. وَقَالَ آخَرُ: وَآدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ. فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ وَقَالَ: " قَدْ سَمِعْتُ كَلَامَكُمْ وَعَجَبَكُمْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمُوسَى نَجِيُّهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَعِيسَى رُوْحُهُ وَكَلِمَتُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَآدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ كَذَلِكَ، أَلَا وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ وَلَا فَخْرَ، [وَأَنَا حَامِلُ
_________________
(١) مسلم حديث (١٧٨٦).
(٢) من الآية (١٦٤) من سورة النساء.
[ ١ / ١٢٢ ]
لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تَحْتَهُ آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ وَلَا فَخْرَ] (^١)، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ غَلَقَ الْجَنَّةِ وَلَا فَخْرَ، فَيَفْتَحُ اللَّهُ فَيُدْخِلُنِيهَا وَمَعِي فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَكْرَمُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ عَلَى اللَّهِ وَلَا فَخْرَ».
رجال السند:
عبيد الله بن عبد المجيد، أبو علي الحنفي، ثقة من شيوخ الدارمي هو وأخوه عبد الكبير، وزمعة بن صالح، يماني سكن مكة، ضعفه الجمهور، وحديثه عند مسلم مقرون لذلك، وسلمة بن وهرام، يماني من قرية جبا باليمن، يعتبر بحديثه من غير رواية زمعة لضعفه، وروايته عنه ما ينكر، وثقه ابن معين.
الشرح:
في سنده زمعة بن صالح الجندي ضعيف، وحديثه في مسلم مقرون، وأخرجه الترمذي حديث (٣٦٢٠) وقال: حسن غريب، ولغالبه شواهد في الصحيح، وانظر: القطوف رقم (١٨/ ٤٨).
قوله: " غَلَقَ " في بعض النسخ الخطية " بحلق": ووجه الصواب في المخطوطتين: أن الغلق: جمع أغاليق، وهي المفاتيح، فالمراد مفتاح الجنة، وانظر (النهاية ٣/ ٣٨٠) وما قبله.
وستأتي رواية " بحلق " الجنة، ولا تعارض فالحلق مسكة الباب، والغلق القفل. وليس في الرواية ما يستغرب، وما ذكر من ضعف بعض الرواة لا
_________________
(١) ما بين المعقوفين جاء لحقا في هامش (ك).
[ ١ / ١٢٣ ]
يرد به ما يوافق الواقع، من تفضيل النبي -ﷺ- وما أكرم الله -﷿- به الأنبياء المذكورين ﵈، وبيان ما من الله به عليه -ﷺ-، سقط من المتن ما نصه: (وقال آخر: فعيسى كلمة الله وروحه، وقال آخر: وآدم اصطفاه الله، فخرج عليهم فسلم وقال: قد سمعت كلامكم وعجبكم، إن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسى نجيه وهو كذلك، وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله تعالى وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم ال ٠ قيامة تحته آدم فمن دونه ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرك غلق الجنة ولا فخر، فيفتح الله فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر) وجل من لا يسهو.
ما يستفاد:
* بيان أن إبراهيم -﵇- خليل الرحمن -﷿-.
* وأن موسى -﵇- كليم الله -﷿-.
* وأن عيسى -﵇- روح الله -﵇-، وليس نفسه، فالروح غير النفس، لأن الروح فيها الطهر والقداسة والتزكية.
* وهو كلمة الله -﷿- التي خلق بها المخلوقات منها عيسى -﵇-، فالله -﷿- له الأمر ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^١).
*وآدم -﵇- اصطفاه الله -﷿-، واستخلفه في الأرض.
* بيان فضل نبيا محمد -ﷺ- وأنه حبيب الله -﷿-.
_________________
(١) من الآية (١١٧) من سورة البقرة.
[ ١ / ١٢٤ ]
* أن من الفخر له على الأنبياء أن حامل لواء الحمد يوم القيامة.
* بيان أن آدم فمن دونه من الأنبياء ﵈ ينضوون تحت لواء الحمد.
* بيان أنه -ﷺ- أول شافع وأول مشفع يوم القيامة.
* بيان أنه -ﷺ- أول من يحرك مفتاح الجنة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٠ - (٣) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ أَبِي الأَسْوَدِ، عَنْ
لَيْثٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَنَا أَوَّلُهُمْ خُرُوجًا، وَأَنَا قَائِدُهُمْ إِذَا وَفَدُوا على ربي (^١)، [وَأَنَا خَطِيبُهُمْ إِذَا أَنْصَتُوا، وَأَنَا مُسْتَشْفِعُهُمْ إِذَا حُبِسُوا، وَأَنَا مُبَشِّرُهُمْ إِذَا أَيِسُوا (^٢)، الْكَرَامَةُ وَالْمَفَاتِيحُ يَوْمَئِذٍ
_________________
(١) ليس في (ت).
(٢) في حاشية (ت) يئسوا، وكلاهما يصح، وفي (ك) ضبب على ما بين المعقوفين، وعلقه في الهامش، وكتب أسفل الصفحة (هذه الزيادة ليست في هذا الموضع، بل في الحاشية فوقه، إلى آخر الحديث …) وهي ملحقة في الحاشية بالحديث السابق، حديث سعيد بن سليمان، وهي كذلك في (ت) ولا وجود لها في حديث عبد الله بن عبد الحكم المصري في (ت).
[ ١ / ١٢٥ ]
بِيَدِي، وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَم] (^١) عَلَى رَبِّي، يَطُوفُ عَلَىَّ أَلْفُ خَادِمٍ كَأَنَّهُمْ بَيْضٌ مَكْنُونٌ أَوْ لُؤْلُؤٌ مَنْثُورٌ» " (^٢).
رجال السند:
سعيد بن سليمان أبو عثمان الضبي، المعروف بسعدويه، ثقة سكن بغداد وتوفي فيها (٢٢٥ هـ)، صحف اسم أبيه في المطبوعات، فقيل: ابن سفيان، ومنصور بن أبي الأسود، مولى لبني ليث، وكان تاجرا وكان من الشيعة الكبار، قال ابن معين: لابأس به، ولعله لم يكن رافضيا، وليث بن أبي سليم، كثير الغلط، واختلفوا في تحسن حديثه، والربيع بن أنس، من بكر ابن وائل من أنفسهم، هرب من الحجاج فأتى مرو فسكن قرية منها فكان فيها إلى أن مات في خلافة أبي جعفر المنصور، صدوق يُجتنب من حديثه ما رواه عن أبي جعفر الرازي، لضعفه في الحديث.
الشرح:
فيه المزيد من فضائل نبينا محمد -ﷺ-، والخبرحسن لغيره.
ما يستفاد:
*بيان أن نبينا محمد -ﷺ- أول من يبعث يوم القيامة من الأنبياء ﵈.
* بيان أنه -ﷺ- قائد الأنبياء إذا وفد على الله -﷿-.
* وأنه -ﷺ- المتكلم فيهم إذا أنصتوا لقوله.
_________________
(١) ما بين المعقوفين (ك) ضبب عليه، وكتب أسفل الصفحة (هذه الزيادة ليست في هذا الموضع، بل فوقه في الحاشية إلى آخر الحديث).
(٢) فيه ليث بن أبي سليم، مقبول وأخرجه الترمذي حديث (٣٦١٠) وقال: حسن غريب.
[ ١ / ١٢٦ ]
* وأنه -ﷺ- الشافع لهم بإذن الله إذا طال وقوفهم في المحشر.
* وأنه -ﷺ- بشيرهم إذا تمالكهم اليأس من الكرامة.
* ونه -ﷺ- بيده مفاتيح الجنة.
* وأنه كما تقدم أنه سيد ولد آدم، فهو أكرمهم على الله -ﷺ-.
* وأن من إكرام الله -﷿- له -ﷺ- أن يقوم على خدمته ألف خادم كأنهم بيض مكنون أو لؤلؤ منثور.
أسأل الله -﷿- أن يجمعنا بهذا النبي الكريم في لفردوس الأعلى في الجنة على ما ذكر له من الفضل والتكريم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥١ - (٤) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْمِصْرِيُّ، ثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ صَالِحٍ - هُوَ ابْنُ عَطَاءِ بْنِ خَباب مَوْلَى بَنِى الدُّئِلِ - عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «أَنَا قَائِدُ الْمُرْسَلِينَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ وَلَا فَخْرَ» (^١).
رجال السند:
عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن ليث المصري أبو محمد الفقيه، ثقة، جرحه ابن معين ولم يثبت، وله كتاب في سيرة عمر بن عبد العزيز، وبكر ابن مضر بن محمد ابن حكيم أبو محمد المصري، ثقة، مات سنة ثلاث
_________________
(١) فيه صالح بن عطاء، سكت عنه الإمامان: البخاري، وأبو حاتم، وذكره ابن حبان في الثقات (الثقات ٦/ ٤٥٥) وانظر: القطوف رقم (١٩/ ٥٠).
[ ١ / ١٢٧ ]
أو أربع وسبعين ومائة، وجعفر بن ربيعة، بن شرحبيل بن حسنة المصري، أبو شرحبيل ثقة، وصالح بن عطاء بن خباب مولى بني الدئل، وثقه العجلي وقال: حجازي ثقة، وابن حبان، وتوثيق ابن حبان يقبل في مثل هذه الرواية المتفقة في المعنى مع ما سبق، وعطاء بن أبي رباح أسلم القرشي، مولاهم، المكي، ثقة، فقيه.
الشرح:
الحديث مرادف لبعض ما سبق، وفيه المزيد من خصائص نبينا محمد -ﷺ-.
ما يستفاد:
* تأييد ما تقدم في شأن قيادته -ﷺ- للأنبياء -﵇-.
* بيان أنه -ﷺ- خاتم الأنبياء ﵈، وأنه لا نبي بعده.
* بيان أنه -ﷺ- أول من يشفع يوم القيامة.
* وأنه -ﷺ- وأول من تقبل شفاعته.
أسأل الله أن يجعله شفيعنا من هول يوم القيامة، ومن النار.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٢ - (٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، ثَنَا سُفْيَانُ - هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنِ ابْنِ جُدْعَانَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَأْخُذُ بِحَلْقَةِ باب الْجَنَّةِ فَأُقَعْقِعُهَا (^١)». قَالَ أَنَسٌ: " كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يُحَرِّكُهَا" وَصَفَ
_________________
(١) أي أحركها، فيصدر عنها صوت القعقعة.
[ ١ / ١٢٨ ]
لَنَا سُفْيَانُ كَذَا، وَجَمَعَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَصَابِعَهُ وَحَرَّكَهَا، قَالَ: وَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ: " مَسِسْتَ يَدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِيَدِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَعْطِنِيهَا أُقَبِّلْهَا " (^١).
رجال السند:
محمد بن عباد المكي، ابن الزبرقان، أبو عبد الله لابأس به، وسفيان بن عيينة إمام ثقة، وابن جدعان، علي بن زيد ضعيف، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة.
الشرح:
رواية ابن جدعان هذه يشهد لها ما تقدم من الروايات، وتقدم قوله: أول من يحرك غلق، وكلاهما يصح فالغلق المراد به قفل الباب، وصح هنا
بتحريك الحلَق بالحاء.
ما يستفاد: انظر ما تقدم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٣ - (٦) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ في الْجَنَّةِ» (^٢).
_________________
(١) فيه علي بن زيد بن جدعان ضعيف، وأخرجه الترمذي حديث (٣١٤٨) وقال: حسن، من حديث أبي سعيد -﵁-، وفي آخره قول سفيان: ليس عن أنس، إلا هذه الكلمة" فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها".
(٢) سنده حسن، وأخرجه مسلم حديث (٣٣١) وتقدم من حديث جابر بن عبد الله، أتم برقم (٥٠).
[ ١ / ١٢٩ ]
رجال السند:
أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي، أبو عبد الله الكوفي ثقة متقن، وحسين ابن علي الجعفي، أبو عبد الله المقرئ ثقة أذن في مسجد ستين سنة، وكان يقرئ الناس، وزائدة ابن قدامة الثقفي، أبو الصلت إمام ثقة، لا يحدث أحدا حتى يسأل عنه، فإن كان صاحب سنة حدثه، وإلا لم يحدثه، والمختار بن فلفل، مولى عمرو بن حريث، تابعي ثقة.
الشرح: انظر ما تقدم.
ما يستفاد: انظر ما تقدم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٤ - (٧) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قال: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ - عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنِّي لأَوَّلُ النَّاسِ تَنْشَقُّ الأَرْضُ عَنْ جُمْجُمَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأُعْطَى لِوَاءَ الْحَمْدِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَآتِي باب الْجَنَّةِ فَآخُذُ بِحَلْقَتِهَا فَيَقُولُونَ: مَنْ هَذَا؟ فَأَقُولُ: أَنَا مُحَمَّدٌ. فَيَفْتَحُونَ لِي فَأَدْخُلُ فَأَجِدُ، فَأَجِدُ الْجَبَّارَ مُسْتَقْبِلِي فَأَسْجُدُ لَهُ فَيَقُولُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ يَا مُحَمَّدُ، وَتَكَلَّمْ يُسْمَعْ مِنْكَ، وَقُلْ يُقْبَلْ مِنْكَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَرْفَعُ رَأْسِى فَأَقُولُ: أُمَّتِي أُمَّتِي يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: اذْهَبْ إِلَى أُمَّتِكَ، فَمَنْ وَجَدْتَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنَ الإِيمَانِ فَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، فَأَذْهَبُ فَمَنْ وَجَدْتُ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَلِكَ أَدْخَلْتُهُمُ الْجَنَّةَ]، وَفُرِغَ مِنْ حِسَابِ النَّاسِ، وَأُدْخِلَ مَنْ بَقِيَ مِنْ أُمَّتِي النَّارَ مَعَ أَهْلِ النَّارِ فَيَقُولُ أَهْلُ النَّارِ: مَا أَغْنَي عَنْكُمْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ
[ ١ / ١٣٠ ]
تَعْبُدُونَ اللَّهَ لَا تُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا، فَيَقُولُ الْجَبَّارُ: فَبِعِزَّتِي لأَعْتِقَنَّهُمْ مِنَ النَّارِ، فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ وَقَدِ امْتُحِشُوا، فَيَدْخُلُونَ فِي نَهْرِ الْحَيَاةِ فَيَنْبُتُونَ فِيهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي غُثَاءِ السَّيْلِ، وَيُكْتَبُ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ: هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللَّهِ، فَيُذْهَبُ بِهِمْ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ: هَؤُلَاءِ الْجَهَنَّمِيُّونَ، فَيَقُولُ الْجَبَّارُ: بَلْ هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الْجَبَّارِ» (^١).
رجال السند:
عبد الله بن صالح كاتب الليث، حسن الحديث، تقدم وشيخه الليث بن سعد، ويزيد بن عبد الله بن الهاد ثقة، وعمرو بن أبي عمرو ميسرة، مولى المطلب ابن عبد الله بن حنطب المخزومي، توفي عمرو في أول خلافة أبي جعفر المنصور، ليس بهبأس، وكان صاحب مراسيل، وليس هذا منها.
الشرح:
هذا الحديث جُمع فيه ما تفرق فيما سبق من الروايات، وتقدم القول في كل رواية، وزاد هنا أنه لما يأخذ بحلق باب الجنة ويقعقعه يقول الملائكة: من،
_________________
(١) فيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، المرجح أنه حسن الحديث، وهو من رجال الصحيحين، ذكر ذلك الحفاظ: المزي، والذهبي، وابن حجر، تقدم من حديث أنس وجابر انظر: رقم (٤٩) وما بعده. وقد كتب لحقا في الهامش في (ك) ما نصه: " فأجد الجبار مستقبلي، فأسجد له فيقول: ارفع رأسك يا محمد وتكلم، يسمع منك، وقل، يقبل منك، واشفع تشفع. فأرفع رأسي فأقول: أمتي أمتي يا رب، فيقول: اذهب إلى أمتك فمن وجدت في قلبه مثقال حبة من شعير من الإيمان، فأدخله الجنة. فأذهب، فمن وجدت في قلبه مثقال ذلك أدخلتهم الجنة" وهو مكرر، ولعله بالنظر بين وزن شعيرة، ووزن حبة خردل من الإيمان.
[ ١ / ١٣١ ]
فيخبرهم بأنه محمد -ﷺ-، فيفتحون له الباب فيدخل -ﷺ-، ويرى رب العزة والجلال في استقباله -ﷻ-، فيبادر -ﷺ- بالسجود تقديسا وتعظيما للجبار سبحانه، فيأمره ربه بأن يرفع رأسه، ويقول ما شاء ليُجب فيه -ﷺ-، ولكون الشفاعة للأمة من أسنى المطالب لنبينا -ﷺ-، فيبادر بالنهوض قائلا: أمتي أمتي يا رب، وهنا يتجلى التكريم لنبينا وأمته فيقول رب العزة والجلال: «اذهب إلى أمتك فمن وجدت في قلبه مثقال حبة من شعير من الإيمان فأدخله الجنة، فأذهب فمن وجدت في قلبه مثقال ذلك أدخلتهم الجنة»] (^١)، وبعد الفراغ من حساب الناس، ودخل من بقي من الأمة النار مع أهلها من الكفار، فيقول أهل النار: ما أغنى عنكم أنكم كنتم تعبدون الله لا تشركون به شيئا؟.
فيقول الجبار: «فبعزتي لأعتقهم من النار» فيرسل إليه فيخرجون من النار وقد احترقت جلودهم فيدخلون في نهر الحياة فينبتون فيه كما تنبت الحبة في غثاء السيل، ويكتب بين أعينهم: هؤلاء عتقاء الله، فيذهب بهم فيدخلون الجنة، فيقول لهم أهل الجنة: هؤلاء الجهنميون فيقول الجبار: «بل هؤلاء عتقاء الجبار».
اللهم أجرنا من النار، وأدخلنا الجنة بغير حساب، ولا عذاب.
ما يستفاد:
* من الزيادة على ما تقدم بيان إجلال الملائكة لنبينا محمد -ﷺ-.
* بيان أنه -ﷺ- أول من يدخل الجنة من بني آدم -﵇-.
_________________
(١) ما بين المعقوفين كتب لحقا في الهامش في (ك).
[ ١ / ١٣٢ ]
* بيان تكريم الله -﷿- لعبده ورسوله نبينا محمد -ﷺ- بكونه أول من يبعث، وأول من يدخل الجنة، وأول من يستقبل الله -﷿- من البشر في الجنة، وأول من يسجد لربه في الجنة تعظيما وتقديسا لله -﷿-، وأول من يؤمر بالشفاعة للأمة.
* بيان فضل الإيمان بالله -﷿-، وأنه من أسباب عدم دخول النار، وإن قل فهو من أسباب عدم الخلود فيها.
* بيان تفويض نبينا بإخراج من دخل النار من أمته، وإدخالهم الجنة،
بفضل الله ورحمته.
* بيان صلف الكفار واستهزائهم بمن دخل النار من المؤمنين.
* بيان رحمة الله -﷿- بمن دخل النار من لأمة وانتصاره لهم.
* بيان ما هيأ الله للخارجين من النار لزوال آثارها وتهيئتهم لدخول الجنة.
* ولبيان أنهم أخرجوا من النار بشفاعة محمد -ﷺ- فإنه يكتب بين أعينهم: هؤلاء عتقاء الله.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٥ - (٨) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ يُونُسَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِى إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنِ ابْنِ غَنْمٍ قَالَ: " نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَشَقَّ بَطْنَهُ، ثُمَّ قَالَ جِبْرِيلُ: قَلْبٌ وَكِيعٌ فِيهِ أُذُنَانِ سَمِيعَتَانِ وَعَيْنَانِ بَصِيرَتَانِ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ الْمُقَفي الْحَاشِرُ، خُلُقُكَ قَيِّمٌ، وَلِسَانُكَ صَادِقٌ، وَنَفْسُكَ مُطْمَئِنَّةٌ" (^١).
_________________
(١) فيه عبد الله بن صالح كاتب الليث: أرجح أنه حسن الحديث.
[ ١ / ١٣٣ ]
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَكِيعٌ يَعْنِي: شَدِيدًا.
رجال السند:
عبد الله بن صالح، تقدم وحديثه حسن، ومعاوية بن صالح بن حدير، صدوق له أوهام، ويونس بن ميسرة بن حلبس، أبو حلبس الأعمى، تابعي ثقة، قتل في المسجد وهو يصلي، وأبو إدريس الخولاني، عائذ ابن عبد الله بن عمرو العوذي القاضي، تابعي ثقة إمام، وابن غنم: عمرو ابن ثعلبة بن وهب بن عدى بن مالك بن غنم بن عدي بن النجار، شهد
بدرا.
الشرح:
تقدمت روايات في شق بطنه -ﷺ-، وأضافت هذه الرواية ذكر جبريل -﵇- أوصافا هي من خلق رسول الله -ﷺ-، وأنه ذا قلب شديد محكم يحتمل ما يلقي إليه من أعباء النبوة والرسالة، مشيدا بسمعه وبصره -ﷺ-، وهو أثر للعناية بقلبه -ﷺ-؛ لأن وعي القلب شرط في صحة السمع والبصر.
أما قول جبريل -﵇-: «محمد رسول الله المقفي الحاشر» فلم أقف على ذكر لمعنى ذلك، وأرى أن قوله: " المقفي" يراد به أنه خاتم الأنبياء والرسل، وأن دين الإسلام خاتمة الأديان، إذ جاء مقفيا للأنبياء والرسل والأديان، فصار من أسمائه قال -ﷺ-: «أنا محمد، وأحمد، والمقفي» (^١)، وقوله: " الحاشر" لعل المراد أن أمته أول من يحشر يوم القيامة، وأول من يحاسب،
_________________
(١) مسلم حديث (٢٣٥٥).
[ ١ / ١٣٤ ]
يؤيد هذا قوله -ﷺ-: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة» (^١)، أي: نحن الآخرون في الخلق السابقون في الحساب والدخول إلى الجنة، فصار ذلك اسما له، قال -ﷺ-: «أنا محمد، وأحمد، والمقفي، والحاشر» ثم وصف جبريل -﵇- خلقه -ﷺ- بأنه مستقيم عادل، وأن لسانه -ﷺ- صادق؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، أنه -ﷺ- ساكن النفس هادئ الطبع كريم الخلق.
ما يستفاد:
* ثبوت تلك الأوصاف لنبينا محمد -ﷺ- أيد هذا قول الله -﷿-: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى
خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (^٢).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٦ - (٩) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِى مُعَاوِيَةُ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ أَدْرَكَ بِيَ الأَجَلَ الْمَرْحُومَ (^٣)، وَاخْتَصَرَ لِيَ اخْتِصَارًا، فَنَحْنُ الآخِرُونَ وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنِّي قَائِلٌ قَوْلًا غَيْرَ فَخْرٍ: إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ، وَمُوسَى صَفِيُّ اللَّهِ، وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ وَمَعِي لِوَاءُ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ -﷿- وَعَدَنِي فِي أُمَّتِي
_________________
(١) البخاري حديث (٢٣٨) ومسلم (٨٥٥).
(٢) الآية (٤) من سورة القلم.
(٣) لعله المحتوم.
[ ١ / ١٣٥ ]
وَأَجَارَهُمْ مِنْ ثَلَاثٍ: لَا يَعُمُّهُمْ بِسَنَةٍ (^١)، وَلَا يَسْتَأْصِلُهُمْ عَدُوٌّ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ عَلَى ضَلَالَةٍ» (^٢).
رجال السند:
عبد الله بن صالح تقدم حسن الحديث، ومعاوية، تقدم صدوق له أوهام، وعروة بن رُوَيم اللخمي أبو القاسم صدوق يرسل كثيرًا، ولم يدرك ابن أم مكتوم، عمرو بن قيس بن زائدة بن أم مكتوم مؤذن رسول الله -﵁-. هذه الرواية معضلة والخبرصحيح فيما تقدم من ألفاظه، وفيه زيادة بشارة للأمة.
الشرح:
تقدم بعض ألفظه، وقوله: «إن الله أدرك بي الأجل المرحوم» أي: جعل زمانه رحمة للأمة، وضاعف الله فيه لأجر لعباده الصاحين، رغم قلة العمل، كفرض الصلاة خمس مرات في اليوم، وهي خمسون في الأجر، ولذلك ضرب رسول الله -ﷺ- مثلا للأمة فقال: «مثلكم ومثل أهل الكتابين، كمثل رجل استأجر أجراء، فقال: من يعمل لي من غدوة إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط؟ فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين؟ فأنتم هم "، فغضبت اليهود،
_________________
(١) أي قحط وإجداب، انظر (الصحاح ١/ ٦٢١).
(٢) فيه كاتب الليث: أرجح أنه حسن الحديث. وتقدم برقم (٥٠ - ٥١). وزاد هنا إن الله وعدني في أمتي … الخ، وانظر: القطوف رقم (٢١/ ٥٥).
[ ١ / ١٣٦ ]
والنصارى، فقالوا: ما لنا أكثر عملا، وأقل عطاء؟ قال: «هل نقصتكم من حقكم؟ قالوا: لا، قال: فذلك، فضلي أوتيه من أشاء" (^١).
قوله -ﷺ-: «واختصر لي اختصارا» أي: أعطاه جوامع الكلم، فتملك الإيجاز، والإعجاز في الفصاحة، ويصح أن يكون المراد القرآن اختصر له أخبار من سبق من الأمم، وما نزل من الكتب، والتفضيل على الأمم لذلك قال -ﷺ-: «فنحن الآخرون، ونحن السابقون يوم القيامة» (^٢)، والمعنى ما ورد في قوله -ﷺ-: «نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق» (^٣)،
قوله -ﷺ-: «وإن الله وعدني في أمتي وأجارهم من ثلاث: لا يعمهم بسنة (^٤)، ولا يستأصلهم عدو، ولا يجمعهم على ضلالة» هذا الوعد من الله -﷿- تكريم لنبينا محمد -ﷺ-، فقد سأل ربه ذلك زيادة فقال: «إني سألت ربي أن لا يهلك أمتي بسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فيستبيحهم فأعطانيها، وسألته أن لا يلبسهم شيعا، ويذيق بعضهمبأسبعض فأبى علي، أو قال فمنعنيها، فقلت: حمى إذا أو طاعونا، حمى إذا أو طاعونا، حمى إذا أو طاعونا» ثلاث مرات (^٥)، والمراد أن الله -﷿- أمن الأمة من هلاك عام بشدة وجوع يقع فيها فتهلك عن بكرة أبيها، ولم يؤمن بعض
_________________
(١) البخاري حديث (٢٢٦٨).
(٢) البخاري حديث (٢٣٨) ومسلم (٨٥٥).
(٣) مسلم حديث (٨٥٦).
(٤) أي قحط وإجداب، انظر (الصحاح ١/ ٦٢١).
(٥) أحمد حديث (٢٢١٣٦).
[ ١ / ١٣٧ ]
الأمة من وقوع شيء من ذلك، كما هو الحال في كل زمان، وأمنهم من عدو يستأصل الأمة بأسرها، وليس من ذلك ما قد يقع لبعض الأمة من عدوها، وأمنها من إجماع علمائها وعقلائها على ضلال، وليس منه وقوع الضلال من بعض الأمة، وفي رواية أحمد ﵀ عدم منع الأمن من الاختلاف والتفرق، فقد يكون ذلك سخطا من الله عليها، ومن عقوبة الأمة وقوع الأمراض الفتاكة، كما هو الحال في اليمن اليوم من وباء الكلرا، بسبب تسلط بعضهم على بعض، وما يحدث في سوريا والعراق اليوم وغيرها، لا ريب أن ذلك عقوبة من الله -﷿-.
ما يستفاد:
*زيادة على ما سبق بيان بركة رسول الله -ﷺ- فكان زمنه رحمة للعالمين.
* بيان فضل الأمة إذ جعلها الله -﷿- آخر الأمم وجودا في الدنيا، وأولها بعثا في الآخرة ودخولا الجنة.
* بيان حرص نبينا محمد -ﷺ- على الأمة كافة وسؤال ربه -﷿- ألا يعمهم بعذاب.
* بيان أن عموم الأمة آمنة من الهلاك بالقحط الشامل.
* وأنها آمنة من عدو يبيدها عن بكرة أبيها.
* أن الأمة لا يجتمع علماؤها وعقلاؤها إلا على الحق، وهذا كله من رحمة الله -﷿- بالأمة.
[ ١ / ١٣٨ ]
* بيان أن اختلاف الأمة وتفرقها شر ولاسيما في الاعتقاد، وإن حدث فهو عقوبة من الله -﷿-، ولذلك توعد الله -﷿- بذلك فقال: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ (^١).
قال الدارمي رحمه الله تعالى: