٥٧ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، ثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ يَحْيَى، ثَنَا أَرْطَاةُ بْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ ضَمُرَةَ بْنِ حَبِيبٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَسْلَمَةَ السَّكُونِيَّ - وَقَالَ غَيْرُ مُحَمَّدٍ: سَلَمَةَ السَّكُونِيَّ - قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِذْ قَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ أُتِيتَ بِطَعَامٍ مِنَ السَّمَاءِ؟ قَالَ: «نَعَمْ أُتِيتُ بِطَعَامٍ». قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هَلْ كَانَ فِيهِ مِنْ فَضْلٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: فَمَا فُعِلَ بِهِ؟ قَالَ: «رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ وَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنِّي غَيْرُ لَابِثٍ فِيكُمْ إِلاَّ قَلِيلًا، ثُمَّ تَلْبَثُونَ حَتَّى تَقُولُوا مَتَى مَتَى؟ ثُمَّ تَأْتُونِي أَفْنَادًا يُفْنِي بَعْضُكُمْ بَعْضًا (^٢)، بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ مُوتَانٌ (^٣)، شَدِيدٌ، وَبَعْدَهُ سَنَوَاتُ الزَّلَازِل» (^٤).
رجال السند:
_________________
(١) من الآية (٦٥) من سورة الأنعام.
(٢) في حاشية (ت) أي تصيرون فرقا مختلفين.
(٣) جاء في حاشية (ت) الموتان: الطاعون وهو الموت يفشو في الناس. وفي حاشية (ت) موتا شديدا وعليه الرمز (خ ط) والأول صحيح فهو الموت الكثير. انظر (النهاية ٤/ ٣٧٠)
(٤) حسن، فيه أبو مطيع معاوية بن يحي: صدوق له أوهام، والخبرأخرجه أحمد حديث (١٦٩٦٤).
[ ١ / ١٣٩ ]
محمد بن المبارك، أبو عبد الله القلانسي، ثقة إمام، ومعاوية بن يحيى، هو أبومطيع الدمشقي، صدوق، أرطأة بن المنذر، هو أبو عدي الحمصي، ثقة إمام، لم يرو له الشيخان، وضمرة بن حبيب أبو عتبة الزبيدي الحمصي، ثقة، ومسلمة السكوني، وقال غير محمد بن المبارك: سلمة السكوني، فإن وقع التصحيف في الاسم فقط، فسلمة له صحبة، وهو من زبيد باليمن نزل حمص.
الشرح:
هذا حديث حسن، قوله: " إذ قال قائل " القائل صحابي دون شك، كأن علمه بمائدة عيسى -﵇- دفعه إلى هذا، قوله: «نعم أتيت بطعام» وثبت، أن الصحابة -﵃- كانوا في صلاة الخسوف مع رسول الله -ﷺ- فقالوا: يا رسول الله، رأيناك تناولت شيئا في مقامك، ثم رأيناك تكعكعت، قال: «إني أريت الجنة، فتناولت منها عنقودا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا» (^١)، قوله: "هل كان فيه من فضل؟ " المراد الطعام وهو غير العنب، ثم بين أنه رفع إلى السماء.
قوله: «وقد أوحي إليّ أني غير لابث فيكم إلا قليلا».
هذا إخبار بدنو أجله -ﷺ-، وأنهم يبقون بعده والخطاب للأمة حتى يقول الصالحون منهم متى، متى؟ اللحوق به -ﷺ- لما يرون من الفتن، وإن خاصا بالصحابة -﵃- فالمراد أنهم يقولون: متى؟ متى؟، يعني اللحوق بالرسول -ﷺ- شوقا إلى صحبته في الجنة كما صحبوه في الدنيا، قوله: «ثم تأتوني أفنادا
_________________
(١) البخاري حديث (٧٤٨) ومسلم حديث (٩٠٧).
[ ١ / ١٤٠ ]
يفني بعضكم بعضا» أي: جماعات مختلفين، فيه إشارة إلى ما وقع بين الصحابة من الخلاف وقتال بعضهم بعضا، وليس هذا واقع حالهم بل يعم حال الأمة إلى يوم القيامة، بسبب اختلافهم في الاعتقاد، وحب الدنيا وشهواتها، ونهى عن اقتتال الأمة أشد النهي فقال: «لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض» (^١)، ولعل هذا لا يراد به الكفر الحقيقي؛ لأن بعض الأعمال يطلق عليه الكفر تغليظا، إلا من استحل ما حرم الله -﷿-، قوله: «بين يدي الساعة موتان» أي: موت بسبب المرض كالطاعون، وآخر بسبب كثرة القتل قال -ﷺ-: «لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج: وهو القتل القتل، حتى يكثر فيكم المال فيفيض، بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ مُوتَان شديد، وبعده سنوات الزلازل» (^٢)، وقد كثر القتل بأسباب كثيرة منها قتل الناس بعضهم بعضا، وما يكون بسبب الزلازل، والعواصف، والفيضانات، وحوادث الطرق، وقد ذكر من ذلك الطاعون كتب لحقا في هامش بعض النسخ الخطبة، ولعل هذا أبرز الأسباب في زمان المعلق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٨ - (٢) أَخْبَرَنَاْ عثمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ فَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَي الْقَوْمِ، فَتَعَاقَبُوهَا إِلَى الظُّهْرِ مِنْ غُدْوَةٍ يَقُومُ قَوْمٌ
_________________
(١) البخاري حديث (١٢١) ومسلم حديث (١١٨).
(٢) البخاري حديث (١٠٣٦) ومسلم حديث (١٥٧).
[ ١ / ١٤١ ]
وَيَجْلِسُ آخَرُونَ، فَقَالَ رَجُلٌ لِسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: أَمَا كَانَتْ تُمَدُّ؟ فَقَالَ سَمُرَةُ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَعْجَبُ؟ مَا كَانَتْ تَمُدُّ إِلاَّ مِنْ هَاهُنَا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى السَّمَاءِ" (^١).
رجال السند:
عثمان بن محمد بن أبي شيبة، أبو الحسن ثقة إمام، حديثه في الصحيحين، ويزيد بن هارون، أبو خالد الواسطي، ثقة إمام قدوة، وسليمان التيمي ابن طرخان، أبو المعتمر، إمام ثقة، وأبو العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير البصري، ثقة إمام.
الشرح:
الحديث حسن، وفيه ذكر معجزة وكرامة لنبينا محمد -ﷺ- ودلالة على صدق
نبوته ورسالته، قوله: " فقال رجل لسمرة بن جندب: أما كانت تمد؟ " كأن القائل استغرب كثرة القوم يأكلون من القصعة، دون أن يزاد الطعام فيها، ولذلك قال سمرة -﵁-: "من أي شيء تعجب؟ ما كانت تمد إلا من ههنا، وأشار بيده إلى السماء" أي: ما كان يزاد الطعام في القصعة من الأرض، وإنما المدد من عند الله -﷿-، ولو بقي القوم عليها سنة جلوسا لأكلون دون مدد من الأرض؛ لأنها معجزة لنبينا محمد -ﷺ-.
ما يستفاد:
* التصديق بالمعجزات وأنها تأييد من الله للرسل ﵈.
* الإيمان بأن الله -﷿- على كل شيء قدير.
_________________
(١) فيه سليمان التيمي: صدوق يخطئ، والخبرأخرجه الترمذي حديث (٣٦٢٥) وقال: حديث حسن صحيح.
[ ١ / ١٤٢ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى: