[٢٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن مُحَمَّد، أخبرني أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رجلًا مر على النبي - ﷺوهو يبول فسلم عليه الرجل فرد ﵇، فلما جاوزه ناداه النبي - ﷺ - فقال: "إنما حملني على الرد عليك خشية أن تذهب فتقول: إني سلمت على رسول الله فلم يرد عليّ، فإذا رأيتني على هذِه الحال فلا تسلم عليّ، فإنك إن تفعل لا أرد عليك السلام" (٣).
[٣٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن مُحَمَّد، عن
_________________
(١) "الأم" (١/ ١٧) بتصرف.
(٢) انظر "جامع الترمذي" (١/ ١٠٩).
(٣) "المسند" ص (١١).
[ ١ / ١٢١ ]
أبي الحويرث، عن الأعرج، عن ابن الصمة قال: مررت على النبي - ﷺ - وهو يبول فسلمت عليه فلم يردَّ علي حتى قام إلا جدار فحته بعصى كانت معه ثم وضع يديه على الجدار فمسح وجهه وذراعيه ثم رد علي.
قال أبو العباس: هذان الحديثان ليسا في كتاب الوضوء ولكن أخرجته فيه لأنه موضعه وفي هذا الموضع من كتاب الوضوء قال الشافعي: وروى أبو الحويرث [عن] (١) الأعرج، عن ابن الصمة؛ أن رسول الله - ﷺ - بال فتيمم؛ فأخرجت الحديث بتمامه لهذِه العلّة (٢).
الشرح
إبراهيم: هو ابن مُحَمَّد بن أبي يحيى الأسلمي، مولاهم (١/ ق ١٣ - ب) المدني واسم أبي يحيى سمعان.
روى عن: يحيى بن سعيد، وموسى بن وردان، وزيد بن أسلم، وأبي بكر بن عمر، وأبي الحويرث.
وروى عنه: ابن جريج، والثوري، وعباد بن منصور، ومندل.
وكان ينسب إلى القدر، وتكلم فيه مالك ويحيى بن معين وغيرهما.
وقال مُحَمَّد بن إسماعيل البخاري: تركه ابن المبارك والناس، وعن أبي أحمد عبد الله بن عدي الحافظ أنه قال للربيع: ما حمل الشافعي على أن روى عنه -يعني: إبراهيم- مع وصفه إياه بأنه كان قدريًّا؟
فقال: كان الشافعي يقول: لأن يَخِرّ إبراهيم من بُعدٍ أحبّ إليه من
_________________
(١) سقط من "الأصل". والمثبت من "المسند".
(٢) "المسند" (١/ ١٢).
[ ١ / ١٢٢ ]
أن يكذب، وكان ثقة في الحديث (١).
وحسَّن القول فيه أيضًا أحمد بن مُحَمَّد بن سعيد (٢)، وأبو أحمد الحافظان، وقالا (٣): ليس في حديثه على كثرته منكر إلا من قبل من يروي علة، ويروي إبراهيم عنه، وله كتاب "الموطأ" وهو أضعاف "موطأ مالك" (٤).
وأبو بكر: هو ابن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي إن شاء الله، وأبو بكر هذا لا يعرف له اسم، وقد ينسب إلى جده فيقال: أبو بكر بن عبد الرحمن.
سمع: سعيد بن يسار.
وروى عنه: مالك (٥).
وأبو الحويرث: هو عبد الرحمن بن معاوية الزرقي الأنصاري المدني.
روى عن: نافع بن جبير بن مطعم، وعلي بن الحسين، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج.
وروى عنه: الثوري، وشعبة، ومالك (٦).
وابن الصمة: هو أبو جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري من أصحاب رسول الله - ﷺ -، ويقال، أبو جهم، والأول الأظهر، اسمه
_________________
(١) "الكامل في ضعفاء الرجال" (١/ ترجمة ٦١).
(٢) هو ابن عقدة، أبو العباس الهمداني.
(٣) "الكامل في ضعفاء الرجال" (١/ ترجمة ٦١).
(٤) انظر "التاريخ الكبير" (١/ ترجمة ١٠١٣)، و"الجرح والتعديل" (٢/ ترجمة ٣٩٠)، و"التهذيب" (٢/ ترجمته ٢٣٦).
(٥) انظر "الجرح والتعديل" (٩/ ترجمة ٧٣٩)، و"التهذيب" (٣٣/ ترجمة ٧٢٥١).
(٦) انظر "التاريخ الكبير" (٥/ ترجمة ١١٠٧)، و"الجرح والتعديل" (٥/ ترجمة ١٣٥٢)، و"التهذيب" (١٧/ ترجمته ٣٩٦٢).
[ ١ / ١٢٣ ]
عبد الله فيما روي عن وكيع وغيره، وذكر ابن أبي حاتم (١) قولًا آخر أن أبا جهم هو الحارث بن الصمة؛ والأول أظهر.
روى عنه: عمير مولى ابن عباس، وبُسر بن سعيد الحضرمي (٢).
وفي "الصحيحين" من رواية أبي جهيم حديثان بلا مزيد:
أحدهما: حديث السلام الذي نحن فيه (٣).
والثاني: حديث المارِّ بين يدي المصلي (٤).
وحديث ابن عمر رواه عن نافع: مُحَمَّد بن ثابت العبدي، وابن الهاد، والضحاك بن عثمان أيضًا، ومن رواية الضحاك أخرجه مسلم في "الصحيح" (٥) عن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه، عن سفيان، عن الضحاك.
ومعنى اللفظ في رواياتهم: أن الرجل سلَّم عليه حينئذ فلم يردَّ عليه حتى ضرب يده على الحائط فمسح وجهه ويديه، ويروى: وذراعيه.
وحديث ابن الصمة رواه البخاري في "الصحيح" (٦) عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن جعفر بن ربيعة (١/ ق ١٤ - أ) عن الأعرج، عن عمير مولى ابن عباس عن ابن الصمة، ولفظ الأعرج: سمعت عميرًا مولى ابن عباس يقول: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي
_________________
(١) "الجرح والتعديل" (٩/ ترجمة ١٥٩٩).
(٢) انظر "معرفة الصحابة" (٥/ ٣١٤٤)، و"الإصابة" (٧/ ترجمة ٩٦٩٢).
(٣) رواه البخاري (٣٣٧)، ومسلم (٣٦٩/ ١١٤) تعليقًا.
(٤) رواه البخاري (٥٠٩)، ومسلم (٥٠٧/ ٢٦١).
(٥) "صحيح مسلم" (٣٧٠/ ١١٥).
(٦) "صحيح البخاري" (٣٣٧).
[ ١ / ١٢٤ ]
- ﷺ - حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث، فقال أبو جهيم: أقبل رسول الله - ﷺ - من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد ﵇ حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد ﵇.
وأخرجه مسلم (١) معلقًا فقال: وقال الليث بن سعد فذكره هكذا، فقيل لذلك: في إسناد الشافعي اختصار فإن الأعرج لم يسمعه من ابن الصمة؛ إنما سمعه من عمير عنه، لكن يحتمل أن يكون سمعه من عمير ومن ابن الصمة فروى تارة عن هذا وتارة عن هذا؛ ويؤيده أن موسى بن عقبة رواه عن الأعرج عن أبي جهيم من غير توسيط عمير كما هو في رواية الشافعي، وبتقدير أن يكون مرسلًا فإذا صح الحديث موصولًا صح الاحتجاج به.
وفي الباب عن أبي هريرة، وجابر.
واحتج الشافعي بالقصة على أن البول ينقض الوضوء، ولولا ذلك لما تيمم (٢).
وقد روي أنه - ﷺ - قال: "لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم [أكن] (٣) على طهر" (٤).
_________________
(١) "صحيح مسلم" (٣٦٩/ ١١٤).
(٢) "الأم" ١/ ٤٤.
(٣) كلمة غير واضحة في "الأصل". والمثبت من مصادر التخريج.
(٤) أخرجه أبو داود (٣٣٠)، والدارقطني (١/ ١٧٧ رقم ٧) من طريق مُحَمَّد بن ثابت العبدي، عن نافع، عن ابن عمر بهذا اللفظ. قال الزيلعي في "نصب الراية" (١/ ٥): قال النووي في "الخلاصة": مُحَمَّد بن ثابت العبدي ليس بالقوي عند أكثر المحدثين، وقد أنكر عليه البخاري وغيره رفع هذا الحديث وقالوا: الصحيح أنه موقوف على ابن عمر. لكن صح الشاهد من حديث المهاجر بن قنفذ -بنحوه- وفيه: "إني كرهت أن أذكر الله -﷿- إلا على طهر". =
[ ١ / ١٢٥ ]
وبرواية ابن الصمة على أنه لا يقتصر في التيمم على المسح إلى الكوعين بل يدخلُ فيه الذراعان، واحتج برواية ابن عمر على أنه يجوز ذكر الله تعالى من غير طهارة فإنه - ﵇ - رد ﵇ وهو يبول أو عقيب فراغه منه والسلام اسم من أسماء الله تعالى، وفي هذا نظران:
أحدهما: أن الأئمة نزلوا هذه الرواية على ما أفصحت به سائر الروايات وهو أنه تيمم ثم رد ﵇، وقد أورد البخاري حديث ابن الصمة في باب ترجمه بـ "التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة" وذلك يشعر بأن التيمم في القصة وقع والحالة هذه، وحينئذ فالتيمم معتدّ به، فلا يكون الذكر على غير طهارة.
والثاني: أن هذا الاحتجاج يتفرع على قول من يقول: إن معنى "السلام": ترجمة السلام عليكم، ومعنى الجواب "وعليكم ": ترجمة السلام، ووراءه قول آخر وهو أن السلام بمعنى السلامة كما قال الشاعر:
فحيَّت بالسلامة أم بكر وهل لي بعد قومي من سلام
أي: من سلامة، وعلى هذا فليس في السلام ولا في الرد (١/ ق ١٤ - ب) ذكر الله تعالى إلا أن يقال: إن السلامة مسئولة من الله تعالى فتضمن ذلك ذكره، وفي "النهاية" لإمام الحرمين ﵀: أن رجلًا سلم على النبي - ﷺ - فتيمم ثم أجاب.
ثم قال: وقد قيل أنه كان جنبًا وكأن التيمم في الإقامة ووجود الماء بني عليه أن المحدث يحسن له أن يتيمم لقراءة القرآن مع وجود
_________________
(١) = رواه أبو داود (١٧) والنسائي (١/ ٣٧)، وابن ماجه (٣٥٠)، وابن خزيمة (٢٠٦)، وابن حبان (٨٠٦)، والحاكم (١/ ٢٧٢) وقال: صحيح على شرط الشيخين. وصححه الألباني في "الصحيحة" (٨٣٤)، و"صحيح أبي داود" (١٣).
[ ١ / ١٢٦ ]
الماء، وما رواه من الجنابة غير مشهور في الحديث؛ إنما المشهور البول، ثم الذي حكيناه من ترجمة البخاري يُنازعُ فيما ذكره من أنه تيمم مع وجود الماء، وقد يستدل بالحديث على أنه يحسن تخفيف الحدث بما دون الطهارة المشروعة لرفع ذلك الحدث إذا أراد الشروع في أمر ذي بال، وهو كاستحباب الوضوء للجنب عند الأكل والشرب والجماع.
وفي حديث ابن عمر بيان أنه ينبغي أن يتحرز عن الكلام الموهم لما لا يُحمد في حق الغير وإن كان ذلك صدقًا في نفسه؛ لأنه كره أن يقول: سلمت على النبي - ﷺ - فلم يرد علي وإن كان ذلك صدقًا إذا لم يرد عليه؛ لأن الاقتصار عليه يوهم ما لا يحمل، وأنه يحسن بالرجل صيانة الغير عن إساءة القول فيه، لئلا يقع به في الغيبة ولا يؤدي الحال بينهما إلى التباغض، وأنه لا ينبغي أن يسلم على من يقضي حاجته، وأن من سلم لا يستحق الجواب، وأن من لا يعرف ما يتحرز عنه ينبغي أن يعرف فإنه فرق بين حالة الجهل والإصرار بعد العلم، حيث رد في الحال وقال: إن فعلت بعد هذا لا أرد عليك السلام، وفي القصة أن الفصل القليل لا يبطل رد السلام إما مطلقًا أو عند العذر.
وفي قوله: "فحتَّه بعصى" إشارة إلى شيئين:
أحدهما: أن ضرب اليد على الجدار الأملس لا يكفي، فحتَّ ليرفع منه غبار.
والثاني: أن استصحاب العصى حسن أو جائز.
وعن الشافعي -﵁- أنه كان يحمل العصا ويقول: لأتذكر أني مسافر.
وفي رواية الشافعي أن ابن الصمة قال: "فسلمت عليه" وفي رواية
[ ١ / ١٢٧ ]
"الصحيح": "فلقيه رجل فسلم عليه" فيمكن أن يريد بالرجل نفسه ويمكن غيره.
وأما قول أبي العباس: "هذان الحديثان ليسا في كتاب الوضوء" فتعين أن الشافعي لم يورد ما فيه في "الأم" وإنما قال: إن كتاب الوضوء موضعهما لدلالة القصة على بطلان الطهارة بخروج البول؛ ولذلك أشار الشافعي فيه إلى حديث ابن الصمة (١/ ق ١٥ - أ) مختصرًا.
الأصل
[٣١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن سليمان بن يسار، عن المقداد بن الأسود؛ أن علي بن أبي طالب -﵁- أمره أن يسأل رسول الله - ﷺ - عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذي ماذا عليه؟
قال علي -﵁-: فإن عندي ابنة رسول الله - ﷺ - وأنا أستحيي أن أسأله.
فقال المقداد: فسألت رسول الله - ﷺ - عن ذلك فقال: "إِذَا وَجَد أَحَدُكُمْ ذَلْكَ فَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ وَليَتَوضَأْ وُضُوءَهُ للصَّلَاةِ" (١).
الشرح
أبو النضر: هو سالم بن أبي أمية مولى عمر بن عبيد الله بن معمر القرشي التيمي.
سمع: أبا مرة مولى أم هانيء، وعامر بن [سعد] (٢) وبسر بن سعيد، وأبا سلمة، وسليمان بن يسار.
_________________
(١) "المسند" ص (١٢).
(٢) في "الأصل": سعيد. تحريف، والمثبت من مصادر التخريج، وعامر بن سعد: هو ابن أبي وقاص.
[ ١ / ١٢٨ ]
وروى عنه: مالك، وابن عيينة، وموسى بن عقبة، والثوري، والمغيرة بن عبد الرحمن.
توفي في زمن مروان (١).
وسليمان بن يسار أبو أيوب أو أبو عبد الله مولى ميمونة بنت الحارث، هو أخو عطاء وعبد الله وعبد الملك.
سمع: ابن عباس، وعائشة، وأبا هريرة، ورافع بن خديج، وأبا رافع، و[عراك] (٢) بن مالك.
وروى عنه: الزهري، وعمرو بن ميمون، وبكير بن الأشج، وعبد الله بن دينار، ومكحول.
وكان من فقهاء المدينة وقرائها، توفي سنة سبع ومائة (٣).
والمقداد بن الأسود: هو أبو معبد أو أبو الأسود المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة الكندي حليف لهم وكان في حجر الأسود بن عبد يغوث الزهري فنسب إليه وهو من الصحابة المشهورين يعدُّ في أهل الحجاز.
روى عنه: علي بن أبي طالب، وعبيد الله بن عدي بن الخيار، وعبد الرحمن بن أبي ليلى.
مات سنة ثلاث وثلاثين (٤).
وعلي -﵁- أمير المؤمنين وَيعْسُوب الدين ابن أبي طالب عبد مناف بن
_________________
(١) انظر "التاريخ الكبير" (٤/ ترجمة ٢١٣٩)، و"الجرح والتعديل" (٤/ ترجمة ٧٧٩)، و"التهذيب، (١٠/ ترجمة ٢١٤١).
(٢) تحرفت في "الأصل" والمثبت من مصادر التخريج.
(٣) انظر "التاريخ الكبير" (٤/ ترجمة ١٩٠١)، و"الجرح والتعديل" (٤/ ترجمة ٦٤٣)، و"التهذيب" (١٢/ ترجمته ٢٥٧٤).
(٤) انظر "معرفة الصحابة" (٥/ ترجمة ٢٧٢٢)، و"الإصابة" (٦/ ترجمة ٨١٨٩).
[ ١ / ١٢٩ ]
عبد المطلب بن [هاشم] (١) بن عبد مناف بن قصي، أبو الحسن الهاشمي.
روى عنه: عبد الله بن عباس، وأبو جحيفة، وابناه الحسين ومحمد.
قتل بالكوفة صبيحة يوم الجمعة سنة أربعين في رمضان (٢).
والحديث رواه القعنبي عن مالك كما رواه الشافعي، ومن روايته أخرجه أبو داود (٣).
وعن الشافعي أنه قال في "حرملة" (٤): حديث سليمان بن يسار عن المقداد مرسل لا نعلمه سمع منه شيئًا، واستشهد لقوله بأن بكير بن الأشج رواه عن سليمان (١/ ق ١٥ - ب) عن ابن عباس، عن علي قال: أرسلت المقداد بن الأسود إلى رسول الله - ﷺ - يسأله عن المذي فذكره (٥)، ورواه جماعة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن المقداد، عن علي؛ وآخرون عن هشام عن أبيه أن عليًّا -﵁- قال للمقداد إلا آخره (٦).
وفي الباب عن علي، و[سهل] (٧) بن حنيف.
_________________
(١) في "الأصل": هشام. والمثبت من مصادر التخريج.
(٢) انظر "معرفة الصحابة" (١/ ترجمة ٤، ٤ ترجمة ٢٠٢٦)، و"الإصابة" (٤/ ترجمة ٥٦٩٢).
(٣) "سنن أبي داود" (٢٠٧). والحديث رواه النسائي (١/ ٩٧)، وابن ماجه (٥٠٥)، وابن الجارود (٥)، وابن خزيمة (١٦)، وابن حبان (١١٠١). وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (٨٢١)، و"صحيح أبي داود" (٢٠١).
(٤) يقصد "سنن حرملة" انظر "معرفة السنن والآثار" ١/ ٣٥٤.
(٥) رواه مسلم (٣٠٣/ ١٩)، والنسائي (١/ ٢١٤).
(٦) أخرجه أبو داود (٢٠٨)، والنسائي (١/ ٩٦). والحديث صحيح متفق عليه من رواية علي قال: "كنت رجلًا مذاءً ". رواه البخاري (١٣٢)، ومسلم (٣٠٣/ ١٧).
(٧) في "الأصل": سهيل. تحريف. والحديث رواه أبو داود (٢١٠)، والترمذي (١١٥)، وابن ماجه (٥٠٦)، عنه قال: =
[ ١ / ١٣٠ ]
والمذي: ماء يخرج عند الملاعبة أو التذكّر، يقال: مذى الرجل وأمذى، وقد يقال: مَذِيّ كمنيّ.
وقوله: "إذا دنا من أهله" يجوز أن يريد المجامعة، ويجوز أن يريد مطلق الدنو، والأول أشبه؛ لقوله: "فإن عندي ابنة رسول الله - ﷺ - وأنا أستحيي أن أسأله" والحكم لا يختلف بين أن يخرج المذي إذا دنا من أهله وبين أن يخرج في غير تلك الحالة؛ لكن صاحب الواقعة يحسن أن يتعرض في السؤال للأوصاف التي يجوز أن تكون مؤثرة في حكم الواقعة والدنو من الأهل من ذلك؛ لأن الرجل يحتاج إليه فيجوز أن يؤثر في نوع من التخفيف.
وقوله: "فلينضح فرجه" قد سبق أن النضح يطلق لمعنى الرش، وبمعنى الغسل، ويقرب من الرش قولهم: نضح عطشه إذا شرب دون الرّيّ، و"نضحت القربة" إذا رشحت، وحمله بعضهم على الرشِّ وقالوا: "يكفي الرشُّ في المذي" ونحن نحمله على الغسل؛ لما روي عن علي -﵁- أنه قال: كنت رجلًا مذاءً فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري، فذكرت ذلك للنبي - ﷺ - أو ذكر له- فقال: "إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ" (١) فاستدل الشافعي بالحديث على أن خروج المذي يوجب الوضوء (٢).
وقوله: "وضوءه للصلاة" يقطع احتمال حمل التوضؤ على
_________________
(١) = "كنت ألقى من المذي شدة ". قال الترمذي: حسن صحيح، وحسنه الألباني في "صحيح أبي داود" (٢٠٤).
(٢) رواه أبو داود (٢٠٦)، وابن خزيمة (٢٠)، وابن حبان (١١٠٧) من طريق الركين بن الربيع، عن حصين بن قبيصة، عنه. وصححه الألباني في "صحيح النسائي".
(٣) "الأم" ١/ ٣٣.
[ ١ / ١٣١ ]
الوضاءة الحاصلة لغسل الفرج، فإن غسل العضو الواحد قد يسمى وضوءًا كما ورد أن الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر (١) والمراد: غسل اليد، وقد يستدل به على نجاسة المذي حيث أمر بالغسل منه، وفيه إيقاع اسم الفرج على الذكر، وفيه ما يبين أنهم كانوا يعتمدون على خبر الواحد حيث أمر علي المقداد أن يسأل له.
الأصل
[٣٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عمرو بن حزم، أنه سمع عروة بن الزبير يقول: دخلت على مروان بن الحكم فتذاكرنا ما يكون منه الوضوء.
فقال مروان: ومن مسِّ الذكر الوضوء.
فقال عروة: ما علمت من ذلك.
فقال مروان: أخبرتني بسرة (١/ ق ١٦ - أ) بنت صفوان أنها سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوضَّأْ" (٢).
[٣٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سليمان بن عمرو، ومحمد بن عبد الله، عن يزيد بن عبد الملك الهاشمي، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "إِذَا أفضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلى ذَكَرِهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبِيْنَهَا شَيءٌ فَلْيَتَوضَّأْ" (٣).
[٣٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد الله بن نافع وابن أبي
_________________
(١) قال العجلوني في "كشف الخفاء" (رقم ٢٩٠٠): قال الصغاني: موضوع، وكذا قال الألباني في "ضعيف الجامع" (٦١٦٠).
(٢) "المسند" ص (١٢).
(٣) "المسند" ص (١٢) وفيه: "ليس بينه وبينه شيء" وكذا "الأم" (١/ ١٩).
[ ١ / ١٣٢ ]
فديك، عن ابن أبي ذئب، عن عقبة بن عبد الرحمن، عن مُحَمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلىِ ذَكَرِهِ فَلْيَتَوضَّأْ".
وزاد ابن نافع، فقال: عن مُحَمَّد بن عبد الرحمن بن [ثوبان] (١) عن جابر، عن النبي - ﷺ -[مثله] (٢).
قال الشافعي: وسمعت غير واحد من الحفاظ يرويه لا يذكرون فيه جابرًا (٣).
[٣٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أخبرني القاسم بن [عبيد الله] (٤) أظنه عن عبيد الله بن عمر، عن القاسم بن مُحَمَّد، عن عائشة قالت: إذا مست المرأة فرجها توضأت (٥).
الشرح
عبد الله بن أبي بكر بن مُحَمَّد: هو أبو مُحَمَّد الأنصاري المديني، أخو قاضي المدينة مُحَمَّد بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عمرو بن حزم.
سمع: أنس بن مالك، وغير واحد من التابعين.
وروى عنه: الزهري، وابن عيينة، ومالك.
توفي سنة خمس وثلاثين ومائة (٦).
ومروان: هو ابن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس،
_________________
(١) تحرف في "الأصل" إلى: بان. والمثبت من "المسند".
(٢) من "المسند".
(٣) "المسند" ص (١٣).
(٤) في "الأصل": عبد الله. خطأ، والمثبت من "المسند".
(٥) "المسند" ص (١٣).
(٦) انظر "التاريخ الكبير" (٥/ ترجمة ١١٩)، و"الجرح والتعديل" (٥/ ترجمة ٧٧)، و"التهذيب" (١٤/ ترجمة ٣١٩٠).
[ ١ / ١٣٣ ]
أبو عبد الملك القرشي الأموي، يقال أنه [لم ير] (١) النبي - ﷺ -، وتوفي وهو ابن ثمان سنين.
سمع: عثمان، وعليًّا، [وزيد] (٢) بن ثابت.
وروى عنه: سهل بن سعد، وعلي بن [الحسين] (٣) بن علي، وعروة بن [الزبير] (٤).
وتوفي بدمشق سنة ثلاث أو خمس وستين (٥).
وبسرة (٦) بنت صفوان بن [نوفل] (٧) بن أسد بن عبد العزى بن قصي بنت أخي ورقة بن نوفل كذلك حكاه [.. (٨) ..] ذلك عن مصعب بن عبد الله الزبيري، وقيل: هي بسرة بنت صفوان بن أمية بن (الحارث بن عمل) (٩) بن شقّ، تعدُّ في أهل الحجاز.
روى عنها: مروان، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأم كلثوم ابنتها.
وعن مالك بن أنس أنه قال: تدرون من بسرة بنت صفوان؟
هي جدّة عبد الملك بن مروان أم أمّه فاعرفوها، وعن الشافعي أنه
_________________
(١) بياض في "الأصل" والمثبت من "الاستيعاب" (٣/ ترجمة ٢٣٧٠) وفيه: لأنه خرج إلى الطائف طفلًا لا يعقل وذلك أن رسول الله - ﷺ - كان قد نفى أباه الحكم إليها.
(٢) بياض في "الأصل". والمثبت من التخريج.
(٣) في "الأصل": الحسن. والمثبت من مصادر التخريج.
(٤) بياض في "الأصل". والمثبت من التخريج.
(٥) انظر "التاريخ الكبير" (٧/ ترجمة ١٥٧٩)، و"الجرح والتعديل" (٨/ ترجمة ١٢٣٨)، و"التهذيب" (٢٧/ ترجمته ٥٨٧٠).
(٦) انظر "المعرفة" (٦/ ترجمة ٣٧٩٢)، و"الإصابة" (٧/ ترجمة ١٠٩٣١).
(٧) بياض في "الأصل". والمثبت من التخريج.
(٨) بياض في "الأصل" بمقدار كلمتين.
(٩) في مصادر التخريج وكذا "التهذيب" وملحقاته: محرث بن حمل.
[ ١ / ١٣٤ ]
وصفها بسبق الإِسلام وقدم الهجرة، ويذكر أنها ممن بايعت النبي - ﷺ -.
وسليمان بن عمرو، ومحمد بن عبد الله من شيوخ الشافعي -﵁ -، وهو محمَّد بن عبد الله بن دينار [] (١).
(١/ ق ١٦ - ب) وعبد الله (٢) بن نافع: هو [الصائغ] (٣) المدني، أبو محمَّد مولى بني مخزوم.
روى عن: مالك، وابن أبي ذئب، [.. (٤) ..] يعرف من حفظه وينكر، وذكر الخليل الحافظ في "الإرشاد" (٥) أنه كان مقدمًا في (٦)، وأنه أقدم من روى عن مالك "الموطأ" وأن الشافعي رضيه.
وابن أبي فديك: هو محمَّد بن إسماعيل بن أبي فديك، واسم أبي فديك دينار.
روى عن: أبيه، وعبد الرحمن بن حرملة، والضحاك بن عثمان،
_________________
(١) بياض في "الأصل" بمقدار ثمانية أسطر. قلت: وأما سليمان بن عمرو فهو مجهول كما في "تعجيل المنفعة" (٤١٧) وقال الحافظ: وأخشى أن يكون هو أبا داود النخعي فإنه من هذِه الطبقة وقد كذبه أحمد وغيره، وله ترجمة طويلة في "الميزان" وهو بكنيته أشهر. وأما محمَّد بن عبد الله فهو أبو عبد الله الديناري محمَّد بن عبد الله بن دينار، قال البيهقي في "بيان خطأ من أخطأ على الشافعي" (ص ٣١٤): شيخ لهم بالحجاز، وقد ذكره الحافظ الدارقطني في مشايخَ الشافعي. ولم أظفر له بترجمة. والله تعالى أعلم.
(٢) انظر "التاريخ الكبير" (٥/ ترجمة ٦٨٧)، و"الجرح والتعديل" (٥/ ترجمة ٨٥٧)، و"التهذيب" (١٦/ ترجمته ٣٦٠٩).
(٣) بياض في "الأصل". والمثبت من التخريج.
(٤) بياض في "الأصل" بمقدار كلمة. وقوله: يعرف من حفظه وينكر هو قول البخاري في "تاريخه".
(٥) "الإرشاد" (١/ ترجمة ١٥٣).
(٦) كذا في "الأصل" ولم أجد هذه الجملة في "الإرشاد".
[ ١ / ١٣٥ ]
وابن أبي ذئب.
وروى عنه: إبراهيم بن المنذر، ومحمد بن رافع.
مات سنة تسع وتسعين ومائة أو مائتين أو إحدى ومائتين (١).
وابن أبي ذئب: هو محمَّد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث ابن أبي ذئب هشام القرشي، أبو الحارث من بني عامر بن لؤي.
سمع: الزهري، وسعيد المقبري، ونافعًا.
وروى عنه: معن بن عيسى، وأبو نعيم، وآدم بن أبي إياس، وعبد الله بن وهب.
مات بالكوفة سنة تسع وخمسين ومائة (٢).
وعقبة بن عبد الرحمن: هو ابن عبد الرحمن بن معمر أو أبي معمر، ويقال له: الفهري، روى عنه: ابن أبي ذئب (٣).
والقاسم: هو ابن عبد الله بن عمر العمري.
روى عن: عبد الله بن محمَّد بن عقيل.
سكت عنه بعضهم، وتكلم فيه آخرون (٤).
وعبيد الله: هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن
_________________
(١) انظر "التاريخ الكبير" (١/ ترجمة ٥٨)، و"الجرح والتعديل" (٧/ ترجمة ١٠٧١)، و"التهذيب" (٢٤/ ترجمة ٥٠٦٨).
(٢) انظر "التاريخ الكبير" (١/ ترجمة ٤٥٥)، و"الجرح والتعديل" (٧/ ترجمة ١٧٠٤)، و"التهذيب" (٢٥/ ترجمته ٥٤٠٨).
(٣) انظر "التاريخ الكبير" (٦/ ترجمة ٢٩٠٣)، و"الجرح والتعديل" (٦/ ترجمة ١٧٤٦)، و"التهذيب" (٢٠/ ترجمته ٣٩٨٠). قال البخاري: ابن معمر، وقال أبو حاتم: ابن أبي معمر.
(٤) انظر "التاريخ الكبير" (٧/ ترجمة ٧٨٠)، و"الجرح والتعديل" (٧/ ترجمة ٦٤٣)، و"التهذيب" (٢٣/ ٤٧٩٨). =
[ ١ / ١٣٦ ]
الخطاب، أبو عثمان العدوي المديني.
سمع: نافعًا، والقاسم بن محمَّد، وغيرهما.
وروى عنه: يحيى القطان، وابن جريج، وغيرهما.
توفي سنة أربع أو خمس وأربعين ومائة (١).
والقاسم (٢): هو ابن محمَّد بن أبي بكر الصديق أبو محمَّد أو أبو عبد الرحمن.
سمع: عمته عائشة، وعبد الله بن عباس، وصالح بن خوات.
روى عنه: الزهري، ونافع، وابن أبي مليكة، وحنظلة بن أبي سفيان، وأيمن بن نابل [ (٣) ].
_________________
(١) = ونقل ابن أبي حاتم عن أحمد: أنه كذاب يضع الحديث، وعن أبيه: متروك، وعن أبي زرعة: أنه متروك منكر الحديث.
(٢) انظر "التاريخ الكبير" (٥/ ترجمة ١٢٧٣)، و"الجرح والتعديل" (٥/ ترجمة ١٥٤٥)، و"التهذيب" (١٩/ ترجمة ٣٦٦٨).
(٣) انظر "التاريخ الكبير" (٧/ ترجمة ٧٠٥)، و"الجرح والتعديل" (٧/ ترجمة ٦٧٥)، و"التهذيب" (٢٣/ ترجمته ٤٨١٩).
(٤) بياض بمقدار نصف وجه، وفيه كلام المصنف على الأحاديث. قلت: أما حديث بسرة فهو حديث صحيح رواه الترمذي (٨٢)، وابن ماجه (٤١١٩)، وابن خزيمة (٣٣)، وابن حبان (١١١٣)، وابن الجارود (١٧، ١٨)، والحاكم (١/ ٢٣١) من طريق هشام بن عمرو، عن أبيه، عن مروان، عن بسرة. وقال الترمذي: حسن صحيح. وتابعه عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، رواه أبو داود (١٨١)، والنسائي (١/ ١٠٠). قال البخاري كما في "علل الترمذي" (٥٠): أصح شيء عندي في مس الذكر حديث بسرة. وصححه الألباني في "الإرواء" (١١٦). وأما حديث أبي هريرة فإسناده ضعيف لضعف يزيد بن عبد الملك، لكن تابعه نافع بن =
[ ١ / ١٣٧ ]
ورواه عبد الله بن نافع عن يزيد عن أبي موسى الخياط عن سعيد فزاد الخياط بين يزيد وسعيد، ورأي الحفاظ الأول أثبت، وحديث محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان الأثبت منه عند علماء الحديث المرسل كما بينه الشافعي.
وأثر عائشة رواه عن عبيد الله أيضًا: عبد العزيز بن محمَّد (١).
وفي الباب عن ابن عمر، وأم حبيبة، وعبد الله بن عمرو.
ورواه يحيى بن أبي كثير عن رجال من الأنصار عن النبي - ﷺ -، وهذِه الأحاديث هي التي تعتمد في وجوب الوضوء من مس الذكر، ولا سبيل إلى حمل قوله: "فليتوضأ" على الاستحباب، فقد روي عن يحيى بن أبي كثير عن رجل من الأنصار؛ أن رسول الله - ﷺ - صلى ثم توضأ وأعاد الصلاة وقال: "إني كنت مسست ذكري فنسيت" (٢).
وعن عمر -﵁ - أنه كان يؤم الناس وقد صلى ركعة أو أكثر إذ زلت يده على ذكره فأشار إلى الناس أن امكثوا ثم خرج فتوضأ ثم رجع (٣).
_________________
(١) = أبي نافع، أخرجه ابن حبان من طريقهما (١١١٨). وقال: احتجاجنا في الخبر بنافع بن أبي نعيم دون يزيد؛ لأن يزيد تبرأنا من عهدته في كتاب الضعفاء وأما حديث ابن ثوبان فهو مرسل، وقد روي موصولًا عن جابر رواه ابن ماجه (٤٨٠). قال أبو حاتم في "العلل" (٢٣): هذا خطأ، الناس يروونه عن ابن ثوبان مرسلًا لا يذكرون جابرًا.
(٢) قال ابن المنذر في "الأوسط" (١/ ٢٠٨): ولا أحسبه ثابتًا، وقال الحاكم (١/ ٢٣٣): وقد صحت الرواية عن عائشة فذكره.
(٣) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (٤١٣). عن معمر بن راشد، عن يحيى بن أبي كثير، عن النبي - ﷺ -.
(٤) رواه البيهقي (١/ ١٣١).
[ ١ / ١٣٨ ]
وعن ابن عمر أنه كان يقول: إذا مس الرجل ذكره فقد وجب عليه الوضوء (١).
ولفظ الإفضاء يشير إلى تخصيص الحكم بالكف، فقد ذكر في "الصحاح" (٢) أنه (١/ ق ١٧ - ب) يقال: أفضى الرجل بيده إلى الأرض [] (٣).
الأصل
[٣٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن الزهري، عن رجلين أحدهما جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، عن أبيه؛ أن رسول الله - ﷺ - أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ (٤).
الشرح
جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، تابعي من أهل المدينة.
سمع: أباه عمرو، ووحشيًّا الحبشي.
وروى عنه: الزهري، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار.
ومات في خلافة الوليد بن عبد الملك، وكان أخا عبد الملك بن مروان من الرضاعة (٥).
وأبوه: عمرو بن أمية بن خويلد بن عبد الله بن إياس بن عبد بن ناشزة بن كعب بن جُدي بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة، أبو أمية الضمري.
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة (١/ ١٥١).
(٢) "الصحاح" مادة: أفضى.
(٣) بياض في "الأصل" بمقدار نصف وجه.
(٤) "المسند" ص (١٣).
(٥) انظر "التاريخ الكبير" (٢/ ترجمة ٢١٦٧)، و"الجرح والتعديل" (٢/ ترجمة ١٩٧٤)، و"التهذيب" (٥/ ترجمته ٩٤٦).
[ ١ / ١٣٩ ]
شهد بدرًا وأحدًا مع المشركين، ثم أسلم بعد انصراف المشركين من أحد وأول مشهد شهده مسلمًا بئر معونة، ويقال: أن رسول الله - ﷺ - بعثه رسولًا إلى النجاشي، كان شجاعًا ذا إقدامٍ.
روى عنه: بنوه جعفر وعبد الله والفضل، وابن أخيه الزبرقان.
توفي زمن معاوية بالمدينة وهو معدود في أهل الحجاز (١).
والحديث مخرج في "الصحيحين" ورواه البخاري (٢) عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن جعفر واللفظ: أن عمرًا رأى النبي - ﷺ - يحتز من كتف شاة ودعي إلى الصلاة فألقى السكين فصلى ولم يتوضأ، ورواه مسلم (٣) عن محمَّد بن الصباح، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري كذلك.
وروى الشافعي الحديث في "القديم" عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، كما رواه عمرو، وأخرجاه في "الصحيحين" (٤) برواية البخاري [ (٥) ].
أن الكتف كانت مشوية أو مطبوخة ويؤيده ما روى في "الصحيح" (٦) عن أبي رافع قال: أشهد لكنت أشوي بطن الشاة [لرسول الله (٧)]- ﷺ - ثم صلى ولم يتوضأ. أي: بعد ما أكل منه، ويروى من رواية
_________________
(١) انظر "معرفة الصحابة" (٤/ ترجمة ٢٠٤٤)، و"الإصابة" (٤/ ترجمة ٥٧٦٩).
(٢) "صحيح البخاري" (٢٠٨).
(٣) "صحيح مسلم" (٣٥٥/ ٩٢).
(٤) رواه البخاري (٢٠٧) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم (٣٥٤/ ٩١) عن القعنبي، كلاهما عن مالك.
(٥) بياض في "الأصل" بمقدار نصف وجه.
(٦) رواه مسلم (٣٥٧/ ٩٤).
(٧) بياض في "الأصل" والمثبت من "الصحيح".
[ ١ / ١٤٠ ]
أبي هريرة (١) وعائشة (٢) أن النبي - ﷺ -[قال] (٣): "الوضوء مما مست النار" ويروى: وتوضأ.
ورواه الشافعي منسوخًا لوجهين:
أحدهما: أن صحبة ابن عباس متأخرة فإن رسول الله - ﷺ - توفي وهو ابن أربع عشرة، وقيل: ابن عشر، وقد روي عنه أنه قال: رأيت النبي - ﷺ - يأكل من كتف شاة (٤). فيشبه أن يكون ما رواه ناسخًا.
والثاني: أنه روي عن جابر أنه قال: آخر [الأمرين] (٥) من رسول الله - ﷺ - ترك الوضوء مما مست النار (٦).
وبتقدير أن لا يكون منسوخًا فقد حمل الوضوء على غسل اليد والفم، لما روي عن عكراش بن ذؤيب أنه أكل مع رسول الله - ﷺ - قصعة من ثريد ثم أتي بماء فغسل يده وفمه ومسح بوجهه وقال: "يا عكراش هكذا الوضوء مما مست النار" (٧).
وقوله: "مما مسَّت النار" والمراد منه بالاتفاق: ما أثرت النار فيه بالطبخ أو الشيّ، وذلك يدل على أن لفظ "المس" يصح إطلاقه وإن كان
_________________
(١) رواه مسلم (٣٥٢).
(٢) رواه مسلم (٣٥٣).
(٣) بياض في "الأصل". والمثبت من "صحيح مسلم".
(٤) سبق تخريجه قريبًا.
(٥) في "الأصل": الأمر. والمثبت من التخريج.
(٦) رواه أبو داود (١٩٢)، والنسائي (١/ ١٠٨)، وابن الجارود (٢٤)، وابن خزيمة (٤٣)، وابن حبان (١١٣٤)، وصححه الألباني في التعليق على "السنن".
(٧) رواه الترمذي (١٨٤٨)، وابن ماجه (٣٢٧٤) من طريق العلاء بن الفضل، عن عبيد الله بن عكراش، عن أبيه. قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث العلاء بن الفضل، وقد تفرد به. وضعفه الألباني في "الضعيفة" (٥٠٩٨)، و"ضعيف ابن ماجه" (٧٠٦).
[ ١ / ١٤١ ]
هناك حائل، والمراد: من أكل ما مسّت النار بالاتفاق.
الأصل
[٣٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "إنما أنا لكم مثل الوالد، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بغائط ولا بول، وليستنج (١/ ق ١٨ - ب) بثلاثة أحجار"، ونهى عن الرّوث والرّمة، وأن يستنجي الرجل بيمينه (١).
[٣٨] أنبأنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، أخبرني هشام بن عروة قال: أخبرني أبو وجزة، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن أبيه؛ أن النبي - ﷺ - قال في الاستنجاء بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع (٢).
_________________
(١) "المسند" ص (١٣). والحديث رواه مسلم (٢٦٥/ ٦٠)، وأبو داود (٨)، والنسائي (١/ ٣٨)، وابن ماجه (٣١٣)، وابن خزيمة (٨٠)، وابن حبان (١٤٣١، ١٤٤٠) جميعًا من طريق القعقاع ابن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. ولفظ مسلم: "إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها". قال البيهقي في "المعرفة" (١/ ٢٣٣): قال الشافعي في "القديم": حديث ثابت وبه نقول.
(٢) "المسند" ص (١٣). والحديث رواه أبو داود (٤١)، وابن ماجه (٣١٥) وأحمد (٥/ ٢١٣)، والحميدي (٤٣٢) من طريق هشام، عن أبي خزيمة، عن عمارة بن خزيمة، عنه. وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" (٣١). ورواه مسلم من حديث سلمان (٢٦٢/ ٥٧) قال: قيل له: قد علمكم نبيكم - ﷺ - كل شيء حتى الخراءة قال: فقال أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم.
[ ١ / ١٤٢ ]
الشرح
ابن عجلان: هو أبو عبد الله محمَّد بن عجلان المدني القرشي، مولى فاطمة بنت عتبة بن الوليد بن عتبة بن ربيعة.
سمع: أباه، وهشام بن عروة، وبكير بن الأشج، ورجاء بن حيوة، والأعرج، وسعد بن إبراهيم، والقعقاع بن حكيم.
روى عنه: الليث بن سعد، ويحيى القطان، وابن عيينة، وخالد ابن الحارث، وغيرهم.
وكان له قدر ومنزلة تامة عند أهل المدينة، وذكر أنه بقي في بطن أمه أربع سنين (١).
والقعقاع بن حكيم الكناني من أهل المدينة، تابعي.
سمع: جابر بن عبد الله، وروى عن: أبي صالح السمان، و[أبي] (٢) يونس مولى عائشة.
وروى عنه: عمرو بن دينار، وسهيل، وزيد بن أسلم، ويعقوب ابن عبد الله بن الأشج (٣).
وأبو صالح: هو ذكوان [أبو] (٤) صالح المدني، سكن الكوفة وكان يجلب إليها الزيت والسمن فيقال له: الزّيات والسّمان.
سمع: أبا هريرة، وأبا سعيد، وجابرًا.
_________________
(١) انظر "التاريخ الكبير" (١/ ترجمة ٦٠٣)، و"الجرح والتعديل" (٨/ ترجمة ٢٢٨)، و"التهذيب" (٢٦/ ترجمته ٥٠٤٦٢).
(٢) سقط من "الأصل". والمثبت التخريج.
(٣) انظر "التاريخ الكبير" (١/ ترجمة ٨٣٥)، و"الجرح والتعديل" (٣٧/ ترجمة ٧٦٤)، و"التهذيب" (٢٣/ ترجمة ٤٨٨٨).
(٤) في "الأصل": ابن. خطأ، والمثبت من التخريج.
[ ١ / ١٤٣ ]
وروى عنه: ابنه سهيل، وعبد الله بن دينار، والأعمش، وطلحة ابن مصرف، ويحيى بن سعيد الأنصاري. مات سنة إحدى ومائة (١).
وأبو وجزة ليس بالسعدي المشهور بهذه الكنية المسمى بيزيد بن عبيد وإن كان قد يروي عنه هشام بن عروة، لكن ذكر علي بن المديني وغيره من الحفاظ أن سفيان سهى في هذِه الكنية، والرجل الذي روى هشام عنه هذا الحديث إنما هو أبو خزيمة، كذلك رواه عن هشام: وكيع وأبو أسامة وأبو معاوية وغيرهم (٢).
وأبو خزيمة هذا: هو عمرو بن خزيمة المزني.
قال محمَّد بن إسماعيل البخاري: وحديثه في أهل المدينة (٣).
وعمارة: هو ابن خزيمة بن ثابت الأنصاري المديني.
روى عن: أبيه، وعمه.
وسمع منه: الزهري، وأبو جعفر الخطمي (٤).
وأبوه خزيمة (٥) بن ثابت بن عمارة بن الفاكه بن ثعلبة بن ساعدة ابن عامر بن عِنان، وقيل: عَنَان، وقيل: غيان بن عامر بن خطمة الأنصاري الأوسي الخطمي، أبو عمارة من أصحاب النبي - ﷺ -.
_________________
(١) انظر "التاريخ الكبير" (٣/ ترجمة ٨٩٥)، و"الجرح والتعديل" (٣/ ترجمة ٢٠٣٩)، و"التهذيب" (٨/ ترجمة ١٨١٤).
(٢) وكذا هو في رواية أبي داود وابن ماجه وأحمد والحميدي كما سبق.
(٣) انظر "التاريخ الكبير" (٦/ ترجمة ٢٥٤١)، و"الجرح والتعديل" (٦/ ترجمة ٢٢٩)، والتهذيب" (٢١/ ترجمة ٤٣٥٩).
(٤) انظر "التاريخ الكبير" (٦/ ترجمة ٣١٠٣)، و"الجرح والتعديل" (٦/ ترجمة ٢٠١١)، و"التهذيب" (٢١/ ترجمة ٤١٨٢).
(٥) انظر "المعرفة" (٢/ ترجمة ٧٩٤)، و"الإصابة" (٢/ ترجمته ٢٢٥٣).
[ ١ / ١٤٤ ]
روى عنه: جابر بن عبد الله، وابناه [] (١).
وعن الروث والرمة برواية رويفع بن ثابت، وعن الاستنجاء باليمين برواية أبي قتادة.
والغائط: الموضع المنخفض من الأرض ومنه سمي الحدث غائطًا؛ لأنهم كانوا يأتونه إذا أرادوا قضاء الحاجة، والاستنجاء: غسل موضع النجوى ومسحه، والنجو: ما يخرج من البطن، يقال منه: أنجى إذا أحدث، ونجي الغائط نفسه، وذكر أن الاستنجاء مأخوذ من النّجو: وهو القشرُ والإزالة، يقال: نجوت الجلد إذا سلخته، وقيل: من النَّجوة: وهي المرتفع من الأرض للاستتار به حينئذ، وقيل: للارتفاع والتجاف حينئذ، ويمكن أن يؤخذ من قولهم: "استنجيتُ النخلة إذا التقطتُ رطبها أو من قولهم "استنجى القوس" أي: مدها، لما فيه من المبالغة في الإزالة.
والرّمة والرميم: العظام البالية، يقال: رمّ العظم وأرمّ: إذا بلي.
والرجيع: الروث، وكذلك العذرة، قال أبو عبيد: سمي رجيعًا؛ لأنه رجع عن حاله الأولى وهي كونه علفًا أو طعامًا، ورجيع السّبع ورجْعه: نجوه.
وقوله: "إنما أنا لكم مثل الوالد" أي: في العطف والشفقة وتعليم ما لا بُدَّ للولد منه وبه تمام التربية، وجعل الكلمة مقدمة تدرج بها إلى بيان أحكام الاستنجاء التي لا غنى عن معرفتها، وذكر جملًا أقربها النهي عن استقبال القبلة واستدبارها وهما يحرمان في الصحراء على ما يشعر به ظاهر النهي إذا لم يستتر بشيء، وفهم بعضهم من قوله: "إذا
_________________
(١) بياض في "الأصل" بمقدار ثلث وجه.
[ ١ / ١٤٥ ]
ذهب أحدكم إلى الغائط" واختصاص الحديث بما إذا كان في الصحراء، فإن كان الأمر على ما ذكروا فذاك، وإلا فقد حمل الشافعي الحديث عليه وإن كان مطلقًا؛ لما روي (١/ ق ١٩ - ب) في "الصحيح" عن ابن عمر أنه قال: إن ناسًا يقولون: إذا قعدت لحاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس، وقد ارتقيت على ظهر بيت لنا فرأيت رسول الله - ﷺ - على لبنتين مستقبل بيت المقدس لحاجته (١).
ومن استقبل بيت المقدس بالمدينة كان مستدبرًا للكعبة، ويجوز أن يحمل النهي على أصل المنع الذي يشترك فيه للتحريم والتبرئة، وذلك يعمّ الصحراء والبنيان فإن الاستقبال والاستدبار وان لم يحرما في الأبنية فالأدب تركهما.
وقوله: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة لغائط ولا ببول" يجوز أن يحمل الأول على المكان المنخفض، والثاني على ما يخرج، ويجوز أن يجعلا جميعًا بالمعنى الثاني.
والثانية: الأمر بثلاثة أحجار وظاهره يقتضي وجوب رعاية العدد، واحتج بعضهم بقوله: "وليستنج بثلاثة أحجار" على أن الأحجار تتعين، وعلى أنه لا يجوز أن يتمسح بثلاثة أحرف من حجر واحد، لكن روي أنه - ﷺ - قال: "إذا قضى أحدكم حاجته فليستنج بثلاثة أحجار أو ثلاثة أعواد" (٢) وأيضًا فإن النبي - ﷺ - قال لابن مسعود "ائتني بثلاثة أحجار" فأتاه بحجرين وروثة؛ فأخذ الحجرين وألقى الروثة
_________________
(١) رواه البخاري (١٤٥)، ومسلم (٢٦٦/ ٦١، ٦٢).
(٢) رواه الدارقطني (١/ ٥٧ رقم ١٢)، والبيهقي (١/ ١١١)، وضعفه الألباني في "ضعيف الجامع" (٢٧٧).
[ ١ / ١٤٦ ]
[وقال] (١) "فإنها ركس" (٢).
فلولا أنهم عرفوا أن عين الحجر تقوم مقام الحجر لما أتاه بغير الحجر ولأشبه أن [.. (٣) ..] عن أخذ الروثة، وأيضًا فالمقصود إزالة النجاسة وذلك كما يحصل بالحجر يحصل بغيره، وكما يحصل بأعداد من الحجر يحصل بأحرف الحجر الواحد، وسبب تخصيص الحجر بالذكر غلبته وسبب تخصيص العدد بالذكر أن الغالب التمسح بالعدد دون أحرف الواحد.
والثالثة: النهي عن الاستنجاء بالرَّوث، وذلك لأنه نجس والنجس لا يزيل النجاسة.
والرابعة: النهي عن الاستنجاء بالرّمة، والاستنجاء بالعظم ممنوع عنه مطلقًا؛ لما ورد أنه طعام الجن (٤)، وأيضًا فقد ذكر الخطابي أن الرخو منه يؤكل والصلب يدق في عام المجاعة فيؤكل، وقد ورد في بعض الروايات النهي عن الرّمة والعظام، ويجوز أن يكون تخصيص الرّمة بالذكر لأن فيها معنى آخر وهو أنها تتفتت فتختلط بالنجاسة.
والخامسة: النهي عن الاستنجاء باليمين والتحرز عنه أدب عند عامة العلماء.
وقوله في الحديث الثاني قال: "في الاستنجاء بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع، أي: ذكر ذلك في باب الاستنجاء في أحكام أو ما أشبه ذلك، وفي قوله: "بثلاثة أحجار (١/ ق ٢٠ - أ) ليس فيها رجيع" ما يشير إلى غير الأحجار من الجامدات كالأحجار كأنه قال: "بثلاثة أحجار أو نحوها ليس فيها رجيع".
_________________
(١) من "صحيح البخاري".
(٢) رواه البخاري (١٥٦) من طريق عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عنه.
(٣) حاشية بمقدار كلمتين مطموسة.
(٤) رواه مسلم في "صحيحه" (٤٥٠/ ١٥٢) ضمن حديث ابن مسعود -﵁ - في ليلة الجن.
[ ١ / ١٤٧ ]
الأصل
[٣٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أَمّتي لَأَمَرْتُهُمْ بِتَأَخِيرِ العِشَاءِ وَالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ" (١).
[٤٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن محمَّد بن إسحاق، عن ابن أبي عتيق، عن عائشة أن النبي - ﷺ - قال: "السِّوَاكَ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِّ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ" (٢).
الشرح
محمَّد بن إسحاق بن يسار القرشي، مولى قيس بن مخرمة، وقيل: مخرمة بن نوفل بن عبد مناف بن زهرة، أبو بكر أو أبو عبد الله.
سمع: يزيد بن أبي حبيب، ويحيى بن سعيد، ونافعًا.
وروى [عنه] (٣): عبدة بن سليمان، وإبراهيم بن سعد، والثوري، وابن عيينة، والحمادان.
وعن أبي معاوية أنه قال: كان ابن إسحاق من أحفظ الناس وكان الرجل يأتيه وعنده أحاديث فيستودعها إياه ويقول: احفظها عليَّ فإن نسيتها ذكرتنيها.
توفي ببغداد سنة خمسين ومائة أو إحدى وخمسين أو اثنتين أو ثلاث (٤).
_________________
(١) "المسند" ص (١٣).
(٢) "المسند" ص (١٣).
(٣) سقط من "الأصل".
(٤) انظر "التاريخ الكبير" (١/ ترجمة ٦١)، و"الجرح والتعديل" (٧/ ترجمة ١٠٨٧)، و"التهذيب" (٢٤/ ترجمة ٥٠٥٧).
[ ١ / ١٤٨ ]
وابن أبي عتيق: هو عبد الله بن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، يكنى أبوه بأبي عتيق.
سمع: عمة أبيه عائشة (١).
ورواه عن أبي الزناد مالك كما رواه سفيان (٢)، وعن أبي هريرة: حميد بن عبد الرحمن، وأبو سلمة.
والحديث الثاني (٣) رواه عن عائشة: عبيد بن عمير وغيره، وأخرجه ابن خزيمة في "مختصر الصحيح" (٤).
وفي الباب عن أبي بكر، وعلي، وابن عمر، وابن عباس، وحذيفة، وزيد بن خالد الجهني، وعبد الله بن عمرو، وأبي موسى، وأبي أمامة، وأبي أيوب، وواثلة، وعائشة، وأم سلمة، وأم حبيبة -﵃ -.
وقوله: "لولا أن أشق على أمتي" أي: أثقل عليهم، يقول: شققت عليه إذا أدخلت عليه المشقة، أشق شقًّا بالفتح، والشقّ المشقة، قال
_________________
(١) انظر "التاريخ الكبير" (٥/ ترجمة ٥٧٧)، و"الجرح والتعديل" (٥/ ترجمة ٧٠٧)، و"التهذيب" (١٦/ ترجمته ٣٥٣٩).
(٢) ومن طريق مالك أخرجه النسائي (١/ ١٢)، وابن الجارود (٦٣)، وابن خزيمة (١٤٠)، وابن حبان (١٠٦٨) من طريقه، وليس عندهم جميعًا ذكر العشاء. وصححه الألباني في "الإرواء" (٧٠). ومن رواية سفيان بن عيينة: أخرجه أبو داود (٤٦)، والنسائي (١/ ٢٦٦)، وابن ماجه (٢٨٧، ٦٩٠) وابن خزيمة (١٣٩)، وعندهم ذكر تأخير العشاء. ومن روايته أيضًا أخرجه البخاري ومسلم وليس عندهم ذكر تأخير العشاء: رواه البخاري (٨٨٧)، ومسلم (٢٥٢/ ٤٢).
(٣) رواه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم (باب السواك الرطب ) والنسائي (١/ ١٠)، وابن حبان (١٠٦٧)، وصححه المنذري في الترغيب (رقم ٣٢٢)، والألباني في "الإرواء" (١/ ١٠٥).
(٤) "صحيح ابن خزيمة" (١٣٥).
[ ١ / ١٤٩ ]
تعالى: ﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ (١).
والسواك فيما حكي عن ابن دريد من قولهم: "سُكتُ الشيء" إذا دلكته سوكًا، وذكر أنه يقال: ساك فاه؛ فإذا قلت: استاك، لم تذكر الفم، وعن الخليل أنه من قولهم: "تساوكت الإبل" أي: اضطربت أعناقها من الهُزال، وذلك لأن اليد تضطرب عند السواك.
قال: والسّواك: العود نفسه، و[السَّوْكُ] (٢) استعماله.
وعن أبي حنيفة الدينوري أنه يقال: سِوَاكٌ (١/ ق ٢٠ - ب) ومِسْوَاكٌ، ويجمع مَسَاوِيْكٌ وسُوُكًا (٣)، كذا رأيته مقيدًّا بخط أحمد بن فارس صاحب "المجمل" (٤).
وقوله: "مطهرة للفم مرضاة للرب" أي: مظنة الطهارة والرضا، وهو كقوله: الولد مبخلة مجبنة، كما يقال: الصوم مقطعة للنكاح، والمطهرة في غير هذا: الإناء الذي يتطهر منه، ويقال: إن الإناء: المطهرة بكسر الميم، والِمطهرة: المكان كالمدبغة (٥).
وليس قوله: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم" لنفي مطلق الأمر، كما تقول: لولا أن فلانًا منعني لزرتك وتريد أني لم أزُرك لمنعه إياي بالمعنى لأمرتهم أمر إيجاب لكثرة ما فيها من الفضيلة، ولذلك احتج بالحديث لاستحباب تأخير العشاء في أحد القولين، ولاستحباب
_________________
(١) النحل: ٧.
(٢) في "الأصل": السواك. والمثبت من "لسان العرب" وغيره (مادة: سوك). وهو الصواب إن شاء الله.
(٣) نقله السيوطي عن المصنف برمته في "تنوير الحوالك" (١/ ٦٥).
(٤) "مجمل اللغة" ٢/ ٤٧٩ مادة (سوك).
(٥) قال الجوهري في "صحاحه": المَطْهَرةُ والمِطْهَرةُ: الإداوة، والفتح أعلى، والمِطْهَرةُ: البيت الذي يُتَطهّرُ فيه.
[ ١ / ١٥٠ ]
السواك عند كل صلاة.
وروي أن زيد بن خالد الجهني -وهو ممن روى الحديث- كان سواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب لا يقوم إلى الصلاة إلا أستنَّ ثم يرده إلى موضعه (١).
وقوله: "لأمرتهم بتأخير العشاء" ليس في الرواية تعرّض لغاية التأخير، وورد في غير هذِه الرواية نصف الليل (٢).
واحتج الشافعي بالحديث على أن السواك ليس بواجب، وقال: لو كان واجبًا لأمرهم شقّ أو لم يشق (٣).
وفيه ما يدل على أن كلمة "عند" لا يختص استعمالها بحالة المقاربة بل تكفي له المقاربة.
الأصل
[٤١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: "إِذَا أسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نِوْمِهِ فَلَيْغَسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلْهَا في وَضُوئِهِ، فَإِنَّ أَحَدُكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٧)، والترمذي (٢٣). قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" (٣٧).
(٢) قلت: روى الترمذي (١٦٧)، وابن ماجه (٦٩١)، وابن حبان (١٥٣٨، ١٥٣٩)، والحاكم (١/ ٢٤٥) من طريق عبيد الله بن عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه" واللفظ للترمذي، وعند بعضهم زيادة "السواك" وعند بعضهم "نصف الليل" فقط. قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح على شرطهما. وصححه الألباني في "المشكاة" (٦١٣).
(٣) "الأم" (١/ ٢٣).
[ ١ / ١٥١ ]
يَدُهُ" (١).
[٤٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إِذَا اسْتَيِقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلا يَغْمِسْ يَدَهُ في الإنَاءِ حَتّى يَغْسِلْهَا ثَلاثًا، فَإِنّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ".
قال أبو العباس: إنما أخرجت حديث مالك على حدة وسفيان على حدة؛ لأن الشافعي ﵀ قبل ذلك ذكره عنهما جميعًا على لفظ حديث مالك (٢).
الشرح
الحديث مرويّ من قبل من رواية سفيان بن عيينة عن الزهري عن أبي سلمة على لفظ رواية سفيان ها هنا، ومن رواية مالك وسفيان عن أبي الزناد على لفظ رواية مالك ها هنا (٣)، وبيّن أبو العباس أنه إنما أعاد الحديث لأن هناك رواه الشافعي عن مالك وسفيان على لفظ حديث مالك ها هنا، وها هنا رواه عن (١/ ق ٢١ - أ) سفيان بخلاف ذلك اللفظ، وذكر الحفاظ أن الأصح أن رواية سفيان عن أبي الزناد كرواية مالك عنه، لا كرواية سفيان عن الزهري.
واعلم أن الشافعي أورد الحديث في "الأم" (٤) مرتين وذكر مرة أن الحديث يشير إلى أن القائم من النوم يتوضأ، وفهم ذلك من قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ (٥) قال الشافعي: [سمعت] (٦)
_________________
(١) "المسند" ص (١٤).
(٢) "المسند" ص (١٤).
(٣) مرّا برقم (٢٣، ٢٤).
(٤) "الأم" (١/ ١٢).
(٥) المائدة: ٦.
(٦) في "الأصل": سمعته. والمثبت من "الأم".
[ ١ / ١٥٢ ]
من أرضى بعلمه بالقرآن يزعم أنها نزلت في القائمين من النوم (١).
فبيّن أنه كيف يفعل حين يتوضأ بعد الاستيقاظ من النوم، واحتج به مرة على استحباب غسل اليدين في أول الوضوء (٢).
الأصل
[٤٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا يحيى بن حسان، عن حماد بن زيد وابن علية، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عمرو بن وهب الثقفي، عن المغيرة بن شعبة؛ أن النبي - ﷺ - توضأ فمسح بناصيته وعلى عمامته وخفيه (٣).
[٤٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء؛ أن رسول الله - ﷺ - توضأ فحسر العمامة ومسح على مقدم رأسه أو قال: ناصيته [بالماء] (٤) (٥).
[٤٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد، عن علي بن يحيى، عن ابن سيرين، عن المغيرة بن شعبة؛ أن النبي - ﷺ - مسح بناصيته أو قال: مقدّم رأسه [بالماء] (٦) (٧).
الشرح
يحيى: هو ابن حسان، أبو زكريا التنيسي.
سمع: سليمان بن بلال، ومعاوية بن سلام، ووهيبًا، وعبد الواحد بن زياد.
_________________
(١) "الأم" (١/ ١٢).
(٢) "الأم" (١/ ٢٤).
(٣) "المسند" ص (١٤).
(٤) من "المسند".
(٥) "المسند" ص (١٤).
(٦) من "المسند".
(٧) "المسند" ص (١٤).
[ ١ / ١٥٣ ]
روى عنه: الحسن بن عبد العزيز، ومحمد بن سهل التميمي، وعبد الله بن دينار، والشافعي.
ذكر أنه مات سنة ثمان ومائتين (١).
وحماد: هو ابن زيد بن درهم الأزرق البصري الأزدي، أبو إسماعيل إمام من أئمة الحديث مشهور.
سمع: ثابتًا، وأيوب، وعمرو بن دينار، والجمّ الغفير.
وروى عنه: قتيبة، وسليمان بن حرب، وغير واحد. مات سنة تسع وسبعين ومائة (٢).
وعمرو بن وهب ثقفي يعرف برواية هذا الحديث عن المغيرة، ورواية ابن سيرين عنه (٣).
والمغيرة: هو ابن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب، ويقال: معتب بن مالك بن عمرو بن سعد بن عوف الثقفي الكوفي، من أصحاب النبي - ﷺ -[المعروفين] (٤)، ومن دهاة العرب.
روى عنه: مسروق، وزياد بن علاقة، وقيس بن أبي حازم، وورّاد كاتبه.
_________________
(١) انظر "التاريخ الكبير" (٨/ ترجمة ٢٩٦١)، و"الجرح والتعديل" (٨/ ترجمة ٥٥٨)، و"التهذيب" (٣١/ ترجمة ٦٨٠٩).
(٢) انظر "التاريخ الكبير" (٣/ ترجمة ١٠٠)، و"الجرح والتعديل" (٣/ ترجمة ٦١٧)، و"التهذيب" (٧/ ترجمة ١٤٨١).
(٣) انظر "التاريخ الكبير" (٦/ ترجمة ٢٦٩١)، و"الجرح والتعديل" (٦/ ترجمة ١٤٦٨)، و"التهذيب" (٢٢/ ترجمة ٤٤٧١).
(٤) في "الأصل": المعرفين. والمثبت الصواب إن شاء الله.
[ ١ / ١٥٤ ]
توفي سنة خمسين (١).
ومسلم: هو ابن خالد الزنجي، أبو خالد مولى عبد الله بن سفيان ابن عبد الأسد، من فقهاء المدينة.
روى (١/ ق ٢١ - ب) عن: ابن جريج، وهشام بن عروة.
وروى عنه: الشافعي، وغيره. وتكلم فيه بعض أهل الحديث (٢).
وابن جريج: هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أبو خالد أو أبو الوليد المكيّ، مولى أمية بن خالد.
سمع: الزهري، وعطاء بن أبي رباح.
وروى عنه: أبو عاصم النبيل، وعبد الله بن وهب، وعبد الرزاق، ويحيى القطان.
توفي سنة خمسين ومائة، وقيل: تسع وأربعين (٣).
وعطاء بن أبي رباح بن أسلم، مولى بني جُمح، وقيل: بني فهر، أبو محمَّد المكي.
سمع: أبا هريرة، وجابرًا، وابن عباس، وعروة بن الزبير.
وروى عنه: عمرو بن دينار، والزهري، وغير واحد.
مات سنة خمس عشرة ومائة (٤).
_________________
(١) انظر "معرفة الصحابة" (٥/ ترجمة ٢٧٥٧)، و"الإصابة" (٦/ ترجمة ٨١٨٥).
(٢) انظر "التاريخ الكبير" (٧/ ترجمة ١٠٩٧)، و"الجرح والتعديل" (٨/ ترجمة ٨٠٠)، و"التهذيب" (٢٧/ ترجمة ٥٩٢٥). قال البخاري: منكر الحديث، وكذا أبو حاتم. وقال ابن المديني: متروك.
(٣) انظر "التاريخ الكبير" (٥/ ترجمة ١٣٧٣)، و"الجرح والتعديل" (٥/ ترجمة ١٦٨٧)، و"التهذيب" (١٨/ ترجمة ٣٥٣٩).
(٤) "سنن الدارقطني" (١/ ١٩٢ رقم ١).
[ ١ / ١٥٥ ]
وعلي بن يحيى لا أتحقق من هو، وفي المتقدمين من الرواة علي ابن يحيى بن خلاد الزرقي الأنصاري، سمع أباه، وآخر يقال له: علي ابن يحيى روى عن عمرو بن شعيب وروى عنه: سعيد بن أبي هلال، ويمكن أن يكون أحدهما (١).
والحديث الأول أخرجه الدارقطني في "السنن" (٢) من رواية الشافعي، ورواه عن ابن سيرين كما رواه أيوب: قتادة، ويونس بن عبيد، وهشام بن حسان، ورواه أبو الربيع الزهراني عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن رجل، عن عمرو بن وهب.
وحديث عطاء مرسل وكذلك رواية ابن سيرين عن المغيرة بن شعبة في الحديث الثالث مرسلة، ولكن مقصود الحديث موصول مخرج في "الصحيح" (٣) من رواية بكر بن عبد الله المزني، عن عروة بن المغيرة ابن شعبة، عن أبيه، وبروايات أخر، وله قصة مروية في "المسند" من فعله.
ويقال: مسح به ومسح عليه ومسحه بلا صلة، واشتملت
_________________
(١) انظر "التاريخ الكبير" (٦/ ترجمة ٢٩٩٩)، و"الجرح والتعديل" (٦/ ترجمة ١٨٣٩)، و"التهذيب" (٢٠/ ترجمة ٣٩٣٣).
(٢) ١/ ١٩٢.
(٣) رواه مسلم (٢٧٤/ ٨١، ٨٢). والصحيح أنه من رواية بكر عن حمزة بن المغيرة وليس عروة. قال النووي في "شرح مسلم": قال القاضي عياض: حمزة بن المغيرة هو الصحيح عندهم في هذا الحديث، وإنما عروة بن المغيرة في الأحاديث الأخر، وحمزة وعروة ابنان للمغيرة والحديث مروي عنهما جميعًا، لكن رواية بكر بن عبد الله إنما هي عن حمزة بن المغيرة، وعن ابن المغيرة غير مسمى، ومن قال عروة عنه فقد وهم. قلت: وقد جعل المزي الحديث في "التحفة" في مسند حمزة عن أبيه (رقم ١١٤٩٤).
[ ١ / ١٥٦ ]
الأحاديث المذكورة على هذِه اللغات جميعًا.
وقوله: "فحسر العمامة" أي: أزالها فكشف موضعها من الرأس.
واحتج الشافعي بالحديث على أنه لا يجب استيعاب الرأس بالمسح (١)، وفيه دليل على جواز المسح على شعر الرأس، فإن الناصية شعر مقدم الرأس، وعلى أنه يستحب المسح على العمامة إذا اقتصر على مسح بعض الرأس، وعلى أن المسح على الخفين جائز.
وقوله: "فمسح بناصيته وعلى عمامته وخفيه" يحتمل من جهة اللفظ أن يكون جميع ذلك في وضوء واحد، ويحتمل أنه أراد فعل ذلك في وضوئه على الجملة، وقصة الحديث تدل على المراد الأول.
وقوله: "بالماء" فيه فائدة قطع احتمال إمرار (١/ ق ٢٢ - أ) اليد بالبدن فإن ذلك يسمى مسحًا، ألا ترى إلى ما ورد في الخبر: "من مسح برأس يتيم فله كذا" (٢) أي: أمرَّ يده على رأسه شفقة عليه.
الأصل
[٤٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه أنه قال لعبد الله بن زيد الأنصاري: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله - ﷺ - يتوضأ؟
فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوَضوء فأفرغ على يديه، فغسل يديه مرتين، ومضمض واستنشق ثلاثًا، ثم غسل وجهه
_________________
(١) "الأم" ١/ ٢٢.
(٢) رواه أحمد (٥/ ٢٥٠، ٢٦٥)، والطبراني (٨/ ٢٠٢)، جميعًا عن القاسم، عن طريق علي بن زيد، عن أبي أمامة. قال: قال رسول - ﷺ -: "من مسح برأس يتيم، فإن له بكل شعره مرت يداه عليه حسنة ". قال الهيثمي (٨/ ١٦٠): فيه علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف.
[ ١ / ١٥٧ ]
ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدءًا بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى الموضع الذي بدأ به ثم غسل رجليه (١).
الشرح
عمرو: ابن يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني الأنصاري المديني.
سمع: أباه، وعباد بن تميم، وعباس بن سهل، ومحمد بن يحيى بن حبان، ومحمد بن عمرو بن عطاء.
وروى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، و[وهيب] (٢) بن خالد، والثوري، وابن عيينة، وابن جريج، ومالك (٣).
وأبوه يحيى سمع: أبا سعيد الخدري، وعبد الله بن زيد.
وروى عنه: عمارة بن غزية، ومحمد بن يحيى بن حبان (٤).
وعبد الله بن زيد الأنصاري: هو المازني المذكور من قبل، وليس بعبد الله بن زيد صاحب الأذان.
وروى بعض الحديث: سفيان بن عيينة، عن عمرو بن يحيى عن أبيه، عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي أدى النداء ولم يساعد عليه.
وروى الحديث عن مالك: عبد الله بن يوسف ومن روايته أخرجه
_________________
(١) "المسند" ص (١٤ - ١٥).
(٢) انظر "التاريخ الكبير" (٦/ ترجمة ٢٧٠٥)، و"الجرح والتعديل" (٦/ ترجمة ١٤٨٥)، و"التهذيب" (٢٢/ ترجمة ٤٤٧٥).
(٣) في "الأصل": وهب. تحريف، والمثبت من التخريج.
(٤) انظر "التاريخ الكبير" (٨/ ترجمة ٣٠٥٨)، و"الجرح والتعديل" (٩/ ترجمة ٧٢٥)، و"التهذيب" (٣١/ ترجمة ٦٨٨٩).
[ ١ / ١٥٨ ]
البخاري في "الصحيح" (١) واللفظ عن عمرو بن يحيى عن أبيه؛ أن رجلًا قال لعبد الله بن زيد وهو جد عمرو بن يحيى: أتستطيع أن تريني؟
وقال: فدعا بماء ورواه مسلم (٢) عن إسحاق بن موسى الأنصاري عن معن عن مالك، وأبو داود في "السنن" (٣) عن القعنبي عن مالك، وابن ماجه (٤) عن الربيع، وحرملة عن الشافعي، عن مالك.
وإفراغ الماء: صبه، وفي الحديث أن النبي - ﷺ - كان يغسل يديه [] (٥) ويتمضمض ويستنشق قبل غسل الوجه، والمستحب في الابتداء الغسل إلى الكوعين، فإطلاق اللفظ يدل على وقوع اسم اليد على ذلك القدر، وفي غسل اليد بعد الوجه عقبه بقوله: إلى المرفقين وفيه بيان كيفية مسح الرأس، وأنه كان يمسح باليد والمستحب دون أن يمسح بخرقة ونحوها، والمعنى في الإقبال والإدبار أن شعر الرأس مختلف النبات فمنه ما وجهه إلى مقدم الرأس ومنه ما وجهه إلا مؤخره وبالردّ ينعكس الأمر، وذلك كله مسحة واحدة، والهيئة المذكورة إنما تستحب لمن على رأسه شعر يتقلب بالذهاب باليد وردّها، فإن لم يكن عليه شعر أو كان لا ينقلب لضفر وغيره فلا فائدة في الردّ.
قال الأصحاب: ولا يحسب الرد والحالة هذِه مرة أخرى لصيرورة البلل مستعملًا بالذهاب باليد إلى القفا، وفيه أنه كان يرتب الأعضاء، وفيه أنه غسل بعض الأعضاء مرتين وبعضها ثلاثًا.
واختلف الحال في وضوء رسول الله - ﷺ - ففي رواية ابن عباس أنه توضأ مرة مرة (٦).
_________________
(١) "صحيح البخاري" (١٨٥).
(٢) "صحيح مسلم" (٢٣٥/ ١٨).
(٣) "سنن أبي داود" (١١٨).
(٤) "سنن ابن ماجه" (٤٣٤).
(٥) كلمة غير مقروءة في "الأصل".
(٦) رواه البخاري (١٥٧).
[ ١ / ١٥٩ ]
وفي رواية أبي هريرة أنه توضأ مرتين مرتين (١) وعن علي وعائشة أنه توضأ ثلاثًا ثلاثًا (٢) وعن جابر "أنه - ﷺ - توضأ مرّة مرّة ومرتين مرتين وثلاثًا ثلاثًا" (٣) وفي هذا الحديث ثلاث في بعض الأعضاء، واقتصر على مرتين في بعض، كان المقصود بيان أن كلًاّ سائغ.
الأصل
[٤٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا يحيى بن سليم، أخبرني أبو هاشم إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه قال: كنت وفد بني المنتفق أو في وفد بني المنتفق، فأتيناه - ﷺ - فلم نصادفه وصادفنا عائشة، فأتينا بقناعٍ فيه تمر -والقناع: الطبق [فأكلنا] وأمرت لنا بخزيرة صنعت ثم أكلنا فلم نلبث أن جاء النبي - ﵇ - فقال: "هل أكلتم شيئًا؟ هل أمر لكم بشيء؟ " قلنا: نعم، فلم نلبث أن وضع الراعي غنمه فإذا سخلة تيعِر، فقال: "هِيهٍ يَا فُلان مَا وَلّدْتَ؟ " قال: بهمة.
قال: "فَاذْبَحْ لَنَا مَكَانَهَا شَاةً" ثم انحرف إليَّ فقال: "لَا تَحْسَبَنَّ، ولم يقل: لَا تَحْسِبَنَّ- أَنّا مِنْ أَجْلِكَ ذَبَحْنَاهَا، لَنَا غنمٌ مِائَةٍ لَا نُرِيْدُ أَنْ تَزَيْدَ فَإِذَا أَوْلَدَ الرَّاعِي بَهْمَةً ذَبَحْنَا مَكَانَها شَاةً" (٤).
قلت: يا رسول الله إن لي امرأة في لسانها شيء -يعني: البذاء- قال: "طَلِّقْهَا".
_________________
(١) رواه أبو داود (١٣٦)، والترمذي (٤٣). ورواه البخاري من حديث عبد الله بن زيد (١٥٨).
(٢) رواه أبو داود (١١٦)، والترمذي (٤٤)، والنسائي (١/ ٦٨) من حديث علي. ورواه البخاري ومسلم من حديث عثمان: البخاري (١٥٩)، ومسلم (٢٢٦/ ٣).
(٣) رواه الترمذي (٤٥)، وابن ماجه (٤١٠). وضعفه الألباني في "المشكاة" (٤٢٢).
(٤) من "المسند".
[ ١ / ١٦٠ ]
قلت: إن لي منها ولدًا ولها صحبة.
قال: "فَمُرْهَا" يقول: "عِظْهَا فَإِنْ يَكُ فِيْهَا خيرٌ فَسَتَقْبَلْ، وَلَا تَضْرِبَنّ ظَعِينْتَكَ ضَرْبَكَ أُمَيَّتِكَ".
قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء.
قال: "أَسْبغْ الوُضُوءَ وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابعِ وَبَالِغْ في الاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا" (١).
الشرح
يحيى بن سليم: هو الطائفي القرشي الحذاء، أبو محمَّد، وقيل: أبو زكريا.
سمع: إسماعيل بن كثير، وعبد الله بن عثمان بن خثيم، والثوري.
وروى عنه: بشر بن مرحوم (١/ ق ٢٣ - أ) وابن أبي عمر. مات سنة خمس وتسعين ومائة (٢).
وإسماعيل بن كثير أبو هاشم مكي.
روى عن: مجاهد. وسمع منه: الثوري، وابن جريج (٣).
وعاصم (٤): هو ابن لقيط بن صبرة العقيلي من أهل الحجاز.
سمع: أباه.
_________________
(١) "المسند" ص (١٥).
(٢) انظر "التاريخ الكبير" (٨/ ترجمة ٢٩٩٥)، و"الجرح والتعديل" (٩/ ترجمة ٦٤٧)، و"التهذيب" (٣١/ ترجمة ٦٨٤١).
(٣) انظر "التاريخ الكبير" (١/ ترجمة ١١٧٣)، و"الجرح والتعديل" (٢/ ترجمة ٦٥٦)، و"التهذيب" (٣/ ترجمته ٤٧٣).
(٤) انظر "التاريخ الكبير" (٦/ ترجمة ٣٠٨٧)، و"الجرح والتعديل" (٦/ ترجمة ١٩٣٠)، و"التهذيب" (١٣/ ترجمة ٣٠٢٥).
[ ١ / ١٦١ ]
يروي عنه: إسماعيل بن كثير، وهو عاصم بن أبي رزين هكذا ذكر البخاري، وذكر (١) أن لقيطًا: ابن عامر، ويقال: لقيط بن صبرة بن المنتفق أبو رزين العقيلي، ولم يذكر في الصحابة من يسمى لقيطًا غيره، وذلك يشعر إشعارًا بينًا بأن لقيطًا أبا رزين هو والد عاصم، وأنه لقيط ابن صبرة أو لقيط بن عامر.
وقال أبو عبد الله بن منده: لقيط بن عامر بن المنتفق بن عامر بن عقيل أبو رزين العقيلي له صحبة، ويقال: ابن صبرة.
روى عنه: عبد الله بن عمرو، وابنه، وعمرو بن أوس، ووكيع بن عُدس ابن أخي أبي رزين، وذكر من روايته الحديث (٢) الذي نحن فيه وهذا كالصريح في أنهما رجلان (٣).
_________________
(١) "التاريخ الكبير" (٧/ ترجمة ١٠٥٨).
(٢) حاشية: أحاديث ثم لقيط بن صبرة أبو عاصم روى عنه: ابنه عاصم عداده في أهل الحجاز وقال بعضهم: ابن المنتفق. ولا أعلم موضعها. والله أعلم.
(٣) قال ابن حجر في "الإصابة" (٥/ ترجمة ٧٥٦١ - لقيط بن عامر بن المنتفق أبو رزين): ذهب علي بن المديني، وخليفة بن خياط، وابن أبي خيثمة، ومحمد بن سعد، ومسلم، والبغوي والدارمي، وابن قانع، وغيرهم إلى لقيط بن صبرة المذكور قبله (أي: وهو لقيط بن صبرة بن عبد الله بن المنتفق: ترجمة ٧٥٦٠). وقال ابن معين: إنهما واحد، وأن من قال: لقيط بن عامر نسبه لجده؛ وإنما هو لقيط بن صبرة، والذي في "جامع الأصول": لقيط بن عامر بن صبرة وضبطه قتيبة ونسبه من بني عامر، وحكاه الأثرم عن أحمد، ومال إليه البخاري، وجزم به ابن حبان وابن السكن. قال: وتناقض المزي فيه فجزم في "الأطراف" بأنهما اثنان وفي "التهذيب" بأنهما واحد، والراجح في نظري أنهما اثنان اهـ.
[ ١ / ١٦٢ ]
وروى الحديث عن يحيى بن سليم كما رواه الشافعي: قتيبة وآخرون ومن روايتهم أخرجه أبو داود في "السنن" (١)، ورواه سفيان عن أبي هاشم كما رواه يحيى بن سليم.
وقوله: "كنت وفد بني المنتفق أو في وفدهم" الوفد: جمع وافد، كزائر وزور، وهم القوم يأتون الملوك ركبانًا، وقد وفدوا وفدًا ووفادةً، ثم سمي القوم بالفعل، وفي بعض الروايات: "كنت وافد بني المنتفق".
والقناع مفسر في الخبر، قال الخطابي: سمي الطبق قناعًا؛ لأنه أقنعت أطرافه إلى داخل، أي: عطفت.
والخزيرة: طعام يتخذ من دقيق ولحم يقطع اللحم قطعًا صغارًا فإذا نضج ذُرَّ عليه الدقيق، وقيل: هي مرقة تصفى من بُلالة النخالة ثم تطبخ، وقيل: هي حُساء من دقيق فيه دسم، والحريرة: ما يتخذ من لبن.
فقوله: "فلم نلبث أن وضع الراعي غنمه" وفي رواية أبي داود وغيره "أن دفع الراعي غنمه إلى المراح" كأنه كان قد سرحها إلى منحدر من مرتفع وغيره فلما ردّها إلى المراح صعد بها.
وقوله: "تيعر" يقال: يعرت الشاة تيعر يُعارًا وهو صوت الشاة، وقيل: صوت المعز، فعلى هذا فاللفظة مستعارة لأن السخلة الصغيرة من ولد الضأن حين تولد، واللفظة تقع على الذكر والأنثى ولا تجمع سخل.
_________________
(١) "سنن أبي داود" (١٤٢). ورواه الترمذي (٣٨، ٧٨٨)، والنسائي (١/ ٦٦)، وابن ماجه (٤٤٨)، وابن حبان (١٠٥٤، ٤٥١٠)، والحاكم (١/ ٢٤٧ - ٢٤٨). قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح ولم يخرجاه. وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (٩٢٧).
[ ١ / ١٦٣ ]
وقوله: "هيهٍ" كلمة (١/ ق ٢٣ - ب) استزادة واستنطاق وهي مبدلة من "إيهٍ" أو مُقامة مقامها، و"إيهٍ" تنون ولا تنون، وقيل: "إيهٍ" استزادة من حديث لا تعرفه، و"إيه" بلا تنوين استزادة من حديث تعرفه.
وعن ابن السكيت: إنك تقول للرجل إذا استزدته من حديث أو عمل: "إيه" فإن وصلت نونت فقلت: "إيهٍ" حدثنا.
وقوله: "ما ولّدت" مشدد مخاطبة للراعي، يقال: ولَّدت الشَّاة: إذا حضرت ولادها وعالجتها، والمولِّد للمواشي كالقابلة للنساء، وذكر أن بعضهم غلط فروى وَلدَتْ يعني: الشاة، والبهمة: ولد الشاة أول ما يولد.
وقوله: "فقال: لا تحسَبَن" ولم يقل لا تحسِبن، يقال من الحساب حسَبَ يحسُبُ بضم السين، ومن الحسبان وهو الظن: حَسِبَ يحسَبُ، والكسر ينسب إلى لغة النبي - ﷺ - وقراءته كما ضبطه راوي الحديث.
والبَذاء: الإفحاش في القول، يقال: بَذُؤَت المرأةُ تبذُؤُ بَذاءً.
وقوله: "لا تضربن ظعينتك" أي: امرأتك، والظعينة في الأصل: الهودج تكون فيه المرأة، ثم سميت المرأة بها إذا كانت راكبة، ثم عَمَّ الاستعمال فقيل لكل امرأة: ظعينة، ويقال: سميت ظعينة؛ لأنه يظعن بها.
وأُميَّة: تصغير أمة.
ثم في الحديث فوائد، منها:
أن من غاب عن منزله فورده واردون أو جاء أضياف، يحسُن لمن خلفه من أهله أن يقوم بأمرهم ويقدّم إليهم ما تيسر، ويحسن من صاحب المنزل أن يأمر من خلفه من أهله بذلك، وفي قوله - ﷺ -: "هل أكلتم شيئًا، هل أمر لكم بشيء" ما هو كالإشارة إليه.
[ ١ / ١٦٤ ]
ومنها: أنه لم يرد الإكثار من المال والزيادة فيه.
ومنها: التحرز عن التصنع والتكلف وإراءة الشيء على خلاف ما هو عليه، حيث قال: لا تحسبن أنا من أجلك ذبحناها ولكن عادتنا أن نذبح واحدة إذا وُلدت واحدة.
ومنها: أنه لا بأس بالطلاق لبذاءة المرأة.
ومنها: أنه إذا كان منها ولد ولها صحبة فينبغي للزوج أن يمسكها ويحتمل بذاءتها.
ومنها: أن الزوج يستحب له أن يعظ المرأة وينصحها ويقيها النار، كما قال تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (١).
وقوله: "فمرها" أي: بالخير والمعروف، وكذلك فسر الراوي: يعظها.
ومنها: النهي (١/ ق ٢٤ - أ) عن ضرب المرأة، وقد ذكر الشافعي في الجمع بينه وبين ما ورد تجويز الضرب كقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ في الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (٢). احتمالين:
أحدهما: نسخه بالآية.
والثاني: حمل النهي على الكراهية، أو على أن الأولى تركه ما أمكن والاقتصار على الوعظ، ويجوز أن يقال: إنه ليس نهيًا عن مطلق الضرب بل عن ضرب كضرب الأمة، والحرة لا تضرب كضرب الأمة بل ضربها أخف لشرفها، ولأن الحاجة إلى تأديب الأمة أكثر لخستها.
ومنها: الأمر بإسباغ الوضوء وهو بإتمام الأعمال، والمحافظة على الأدب، والأمر بتخليل الأصابع.
_________________
(١) التحريم: ٦.
(٢) النساء: ٣٤.
[ ١ / ١٦٥ ]
قال الشافعي: ولا يُجزئه ترك التخليل إلا أن يعلم أن الماء قد أتى جميع ما بين الأصابع (١).
ومنها: الأمر بالمبالغة في الاستنشاق واستثناء حالة الصوم، والاقتصار على ذكر هذِه الخصال مع أن السائل سأل عن الوضوء يجوز أن يكون من جهة الراوي، وقد بين النبي - ﷺ - كيفية الوضوء بتمامها وسبب اقتصاره عليها حاجته إلا بيانها عند الرواية، ويجوز أن يكون من النبي - ﷺ - وقد عرف أن مقصد السائل البحث عنها وإن أطلق لفظه في السؤال إما بقرينة حال أو بوحي وإلهام، والله أعلم.
آخر الجزء ويتلوه في الذي يليه:
أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس حديث: "نبع الماء من تحت أصابعه".
الحمد لله حق حمده.
_________________
(١) "الأم" (١/ ٢٧).
[ ١ / ١٦٦ ]
-[الجزء الثالث من مسند إمام أئمة المسلمين وابن عم رسول رب العالمين أبي عبد الله محمَّد بن إدريس الشافعي -﵁ - بشرح الإِمام الكبير السعيد العلامة خاتم المجتهدين حجة الإِسلام أبي القاسم الرافعي شكر الله سعيه ونور ضريحه وفيه:]-
نبع الماء من تحت أصابعه (أنس)، توضأ ابن عمر فغسل وجهه، وصف ابن عباس وضوء رسول الله، من توضأ نحو وضوئي هذا، دخل رسول الله - ﷺ - وبلال، تبرز قبل الغائط في غزوة تبوك، قلت: يا رسول الله أتمسح [على] (١) الخفين، أرخص للمسافر أن يمسح على الخفين، أمرنا إذا كنا مسافرين، هل على المرأة من غسل، صلى عمر بعدما احتلم، غسل الجمعة، صفة الغسل، إني امرأة أشد ضفر رأسي، صفة الغسل، خذي فرصة من المسك، أمر جنبًا أن يتيمم، أقبل ابن عمر من الجرف، تيمم فمسح وجهه، الأرض كلها مسجد، بول الأعرابي في المسجد، المشرك يبيت في المسجد، مراح الغنم، دخل الكعبة ومعه بلال، كان يصلي وهو حامل أمامة، لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد، لعنت الواصلة، أيصلي أحدنا في القميص الواحد، كنت أفرك المنيّ، بينما الناس في صلاة الصبح بقباء، صلوا في الخوف رجالًا وركبانًا، كان يصلي على راحلته في السفر، رأيته يصلي على راحلته النوافل.
الرواة سوى المذكورين من قبل:
_________________
(١) سقط من "الأصل".
[ ١ / ١٦٢ ]
عبد العزيز الدراوردي، عطاء بن يسار، حمران، عثمان، داود بن قيس، أسامة، بلال، عبد المجيد بن عبد العزيز، عباد بن زياد، عروة ابن المغيرة، عبد الرحمن بن عوف، سهيل بن محمَّد بن سعد بن أبي وقاص، حمزة بن المغيرة، حصين السلمي، زكريا بن أبي زائدة، يونس السبيعي، الشعبي، عبد الوهاب الثقفي، المهاجر أبو مخلد، عبد الرحمن بن أبي بكرة، أبوه، عاصم بن بهدلة، زر، صفوان، زينب بنت أبي سلمة، أم سليم، أبو طلحة، زيد بن الصلت، عمر، عمر بن راشد، أيوب بن موسى، عبد الله بن رافع، جعفر الصادق، أبوه، منصور الحجبي، صفية بنت شيبة، عباد بن منصور، أبو رجاء، عمران ابن الحصين، أبو سعيد الخدري، يحيى بن سعيد الأنصاري، سعيد بن المسيب، عثمان بن أبي سليمان، جبير بن مطعم، عبيد الله بن طلحة، عبد الله بن مغفل، عثمان بن طلحة، عامر بن عبد الله بن الزبير، عمرو ابن سليم، أمامة بنت أبي العاص، عطاء، وابن خالد، وموسى بن إبراهيم، وسلمة بن الأكوع، عمرو بن أبي سلمة، الأوزاعي، عبد الله ابن دينار، سعيد بن يسار، أبو الزبير، عثمان بن عبد الله بن سراقة.
[ ١ / ١٦٨ ]
(١/ق ٢٥ - أ) بسم الله الرحمن الرحيم
الأصل
[٤٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: رأيت رسول الله - ﷺ - وحانت صلاة العصر والتمس الناس الوضوء فلم [يجدوه] (١) فأتي رسول الله - ﷺ - بوضوء فوضع في ذلك الإناء يده وأمر الناس أن يتوضئوا منه.
قال: فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه فتوضأ الناس حتى توضأ من عند آخرهم (٢).
الشرح
هذا حديث أخرجه البخاري (٣) ومسلم (٤) في الكتابين من رواية مالك.
وقوله: "وحانت" أي: آنت ودخل حينها، والواو في: "وحانت" واو الحال.
وقوله: "والتمس الناس الوضوء فلم يجدوه" يجوز أن يريد: فلم يجدوا وضوءًا عامًّا، ويجوز أن يريد: لم يجد كل واحد وضوءًا، وأتي رسول الله - ﷺ - بوضوءٍ واحدٍ أو بإناء يسع وضوءه.
والشافعي أورد الحديث محتجًّا به على أن ماء الوضوء لا يتقدر، فإنهم كانوا يأخذون ويتوضئون حسب ما تيسر لهم، وما يأخذه الجمع
_________________
(١) في "الأصل": ياجدوه. تحريف. والمثبت من "المسند".
(٢) "المسند" ص (١٥ - ١٦) وفيه: "حتى توضئوا من " بدل: "حتى توضأ ".
(٣) "صحيح البخاري" (١٦٩).
(٤) "صحيح مسلم" (٢٢٧٩/ ٥).
[ ١ / ١٦٩ ]
من الإناء الواحد يتفاوت قطعًا وظاهرًا، واستحب أن لا ينقص ما يتوضأ به عن مُدٍّ وما يغتسل به عن صاع؛ لما روي في "الصحيحين" عن أنس، أن النبي - ﷺ - كان يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد وكان يتوضأ بالمدّ (١).
وفي الحديث دليل على أن اغتراف المحدث من الماء لا يوجب استعماله، وفيه معجزة ظاهرة للنبي - ﷺ -.
الأصل
[٤٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنه توضأ بالسوق، فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ثم دُعي لجنازة فدخل المسجد ليصلي عليها؛ فمسح على خفيه ثم صلى عليها (٢).
الشرح
قال الشافعي في "الأم": وأحب أن يُتابع الوضوء ولا يفرقه؛ لأن رسول الله - ﷺ - جاء به متتابعًا، وإن قطع فلا يبين لي أن يكون عليه استئناف وضوء؛ لأن الله تعالى قال: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٣) وهو مغتسل وإن قطع، والوضوء في ذلك كالغسل، ثم استأنس بفعل ابن عمر، وقال: إن تركه موضع الوضوء وانتقاله إلى المسجد أخذ في غير عمل الوضوء وقطع له، وقد يجفُّ العضو في أقل ما بين المسجد والسوق (٤).
وفيه أنه لا بأس بالوضوء في السوق، وأنه (١/ ق ٢٥ - أ) صلى على الجنازة في المسجد، وأنه مسح على الخفّ، ثم يحتمل أنه كان على
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٢٠١)، و"صحيح مسلم" (٣٢٥/ ٥١).
(٢) "المسند" ص (١٦).
(٣) النساء: ٤٣.
(٤) "الأم" (١/ ٣٠ - ٣١).
[ ١ / ١٧٠ ]
عزم المسح على الخف أولًا، ويحتمل أنه لما دخل المسجد مسح سعيًا في تعجيل دفن الميت أو صيانة للمسجد عن صبّ الماء المستعمل فيه فهو الأدب، على أن بعضهم نقل أنه غسل رجليه في المسجد، ونقل طهارة الرجل إلى المسجد يجوز أن يكون الغرض منه أن يثقوا بحضوره فينتظروا، ويجوز أن يكون لنفاد الماء أو غيره من الأعذار.
الأصل
[٥٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد العزيز بن محمَّد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس قال: توضأ رسول الله - ﷺ - فأدخل يده في الإناء واستنشق ومضمض مرَّة واحدة، ثم أدخل يده وصبّ على وجهه مرة [واحدة] (١) وصب على يديه مرة واحدة، ومسح على رأسه وأذنيه مرَّة واحدة (٢).
[٥١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حمران، أن عثمان - ﵁ - توضأ بالمقاعد ثلاثًا ثلاثًا، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هذا خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ" (٣).
[٥٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد؛ أن رسول الله - ﷺ - توضأ فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه مرّتين مرتين، ومسح رأسه بيديه أقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردَّهما إلى المكان الذي بدأ، ثم غسل رجليه (٤).
_________________
(١) من "المسند".
(٢) "المسند" ص (١٦).
(٣) "المسند" ص (١٦).
(٤) "المسند" ص (١٦).
[ ١ / ١٧١ ]
الشرح
عبد العزيز: هو [ابن] (١) محمَّد بن أبي عبيد، أبو محمَّد الدراوردي، ودراورد قيل: إنه موضع بفارس، ويقال: إنه دارا بجرد، وقيل: قرية بخراسان كان جده منها.
سمع: عمرو بن يحيى، ويزيد بن الهاد، والعلاء بن عبد الرحمن، وزيد بن أسلم، وهشام بن عروة.
روى عنه: أحمد بن عبدة، ويحيى بن يحيى، وقتيبة، وابن أبي [عمر] (٢)، والقعنبي.
توفي سنة ست وثمانين ومائة (٣).
وعطاء بن يسار: هو أبو محمَّد الهلالي مولى ميمونة بنت الحارث.
سمع: الزيدين: ابن ثابت وابن خالد، وعبدَي الله ابن عباس، وابن عمرو بن العاص، وأبا سعيد، وأبا هريرة.
وروى عنه: صفوان بن سليم، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وزيد ابن أسلم.
مات سنة ثلاث ومائة (٤).
وحمران: هو ابن أبان مولى عثمان بن عفان. سمع: عثمان،
_________________
(١) سقط من "الأصل". والمثبت من التخريج.
(٢) في "الأصل": عمرو. خطأ، وهو محمَّد بن يحيى بن أبي عمر العدني.
(٣) انظر "التاريخ الكبير" (٦/ ترجمة ١٥٦٩)، و"الجرح والتعديل" (٥/ ترجمة ١٨٣٣)، و"التهذيب" (١٨/ ترجمة ٣٤٧٠).
(٤) انظر "التاريخ الكبير" (٦/ ترجمة ٢٩٩٣)، و"الجرح والتعديل" (٦/ ترجمة ١٨٦٧)، و"التهذيب" (٢٠/ ترجمته ٣٩٤٦).
[ ١ / ١٧٢ ]
ومعاوية. وروى عنه: الوليد بن مسلم ومعاذ (١/ ق ٢٦ - أ) بن عبد الرحمن، ومحمد بن المنكدر، وغيرهم (١).
وعثمان أمير المؤمنين أبو عبد الله أو أبو عمرو بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، شهد له النبي - ﷺ - بالجنة، وكان ختنه على ابنتيه رُقية وأمِّ كلثوم.
روى عنه: زيد بن خالد الجهني، ومن التابعين جماعة.
قتل يوم الجمعة في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، ويقال غيره، وكانت خلافته قريبًا من اثنتي عشرة سنة، وعن ابن شهاب أنه حج فيها جميعًا إلا في سنتين (٢).
وحديث عطاء عن ابن عباس: أخرجه البخاري (٣) من رواية سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم، وذكر في آخره غسل الرجلين.
قال الحافظ أبو بكر البيهقي: إنما لم يسق الشافعي متنه بالتمام؛ لأن رواية عبد العزيز [] (٤) تخالف رواية الحفاظ الأثبات، فروي عن عبد العزيز: "ثم أخذ ملء كفه ماءً فرش على قدمه وهو منتعل" وروى هشام بن سعد قريبًا من ذلك، وتعلق به من قال: الواجب في الرجل المسح، لكن محمَّد بن عجلان وورقاء بن عمر ومحمد بن جعفر بن أبي كثير رووا عن زيد الغسل كما رواه سليمان بن بلال، وقد ترك الشافعي ما خالف فيه عبد العزيز الثقات، ثم يحتمل أنه رشّ الماء عليهما وهو
_________________
(١) انظر "التاريخ الكبير" (٣/ ترجمة ٢٨٧)، و"الجرح والتعديل" (٣/ ترجمة ١١٨٢)، و"التهذيب" (٧/ ترجمته ١٤٩٦).
(٢) انظر "معرفة الصحابة" (١/ ٣، ٢٠١٣)، و"الإصابة" (٤/ ترجمة ٥٤٥٢).
(٣) "صحيح البخاري" (١٤٠).
(٤) كلمة غير واضحة في "الأصل".
[ ١ / ١٧٣ ]
منتعل ترفق بهما حتى انغسلتا في النعلين؛ يدل عليه أن البخاري روى: "ثم أخذ غرفة من ماء فرشّ على رجله اليمنى [حتى غسلها] (١) ".
وحديث حمران مخرج في "الصحيحين" (٢) من رواية ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن حمران؛ ورواية أحمد بن حنبل (٣) والحميدي (٤) وابن أبي عمر (٥) عن سفيان في ثواب الوضوء، ثم رواية مالك (٦)، وأبي أسامة (٧)، ووكيع (٨) عن هشام تخالف ما رواه الشافعي فإنهم قالوا: "ما من رجل يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلي إلا غفر الله له ما بينه وبين الصلاة الأخرى" وربما روى سفيان مرة الثواب الذي رواه الشافعي، ويدل عليه أن معنى ذلك الثواب رواية محمَّد بن المنكدر عن حمران، وأخرجه مسلم في "الصحيح" (٩).
والمقاعد: موضع عند باب المسجد، وقيل: هي مصاطب حوله، وقيل: دكاكين كانت عند دار عثمان -﵁ -.
وأما حديث عبد الله بن زيد فهو الذي مرَّ إسنادًا ومتنًا (١٠)، وقد ذكره الشافعي في "الأم" (١١) مرة لبيان الاختيار في مسح الرأس وأن الرجلين تغسلان، ثم أعاده مع الحديثين (١/ ق ٢٦ - ب) المرويين في الفصل لبيان عدد الوضوء وبيَّن بها [أنه] (١٢) - ﷺ - ربما توضأ مرة مرة،
_________________
(١) طمس في "الأصل". والمثبت من "البخاري".
(٢) "صحيح البخاري" (١٥٩)، و"صحيح مسلم" (٢٢٦/ ٣، ٤).
(٣) "المسند" (١/ ٦٨).
(٤) "مسند الحميدي" (٣٥).
(٥) أخرجه مسلم (٢٢٧/ ٥) من طريقه.
(٦) "الموطأ" (١/ ٣٠ رقم ٥٩).
(٧) أخرجه مسلم (٢٢٧/ ٥) من طريقه.
(٨) أخرجه مسلم (٢٢٧/ ٥) من طريقه.
(٩) "صحيح مسلم" (٢٤٥/ ٣٣) من طريقه.
(١٠) مرّ ب (٤٦).
(١١) "الأم" (١/ ٢٦).
(١٢) تحرف في "الأصل".
[ ١ / ١٧٤ ]
وربما توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وربما غسل بعض الأعضاء مرتين وبعضها ثلاثًا، وفي حديث حمران دليل على أن للتثليث مدخلًا في مسح الرأس كما في غسل سائر الأعضاء.
الأصل
[٥٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد الله بن نافع، عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أسامة بن زيد قال: دخل رسول الله - ﷺ - وبلال فذهب لحاجته ثم خرجا.
قال أسامة: فسألت بلالًا ماذا صنع رسول الله - ﷺ -؟
فقال بلال: ذهب لحاجته، ثم توضأ فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ومسح على الخفين (١).
الشرح
داود بن قيس: هو أبو سليمان الفراء الدباغ المديني مولى لقريش.
سمع: إبراهيم بن عبد الله بن حنين، وموسى بن يسار، وعبيد الله بن مقسم، وزيد بن أسلم.
وروى عنه: أبو عامر [العقدي] (٢) وإسماعيل بن جعفر، والقعنبي، وعبد الله بن وهب، وغيرهم (٣).
وأسامة: هو ابن زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن يزيد أبو زيد، ويقال: أبو محمَّد الكلبي حِبُّ رسول الله - ﷺ - ومولاه، يقال: إنه كان من كلب اليمن، قُبض النبي - ﷺ - وهو ابن عشرين سنة،
_________________
(١) "المسند" ص (١٦).
(٢) في "الأصل": العبدي. تحريف. والمثبت من التخريج.
(٣) انظر "التاريخ الكبير" (٣/ ترجمة ٨٢١)، و"الجرح والتعديل" (٣/ ترجمة ١٩٢٤)، و"التهذيب" (٨/ ترجمة ١٧٨١).
[ ١ / ١٧٥ ]
وأُمُّه أمُّ أيمن حاضنة النبي - ﷺ -.
روى عنه: ابن عباس، وأبو عثمان النهدي، وعروة بن الزبير، وإبراهيم بن سعد بن أبي وقاص.
توفي في آخر خلافة معاوية (١).
وبلال: هو ابن رباح التيمي، مولى أبي بكر الصديق، أبو عبد الله أو أبو عبد الكريم أو أبو عمرو. ذهب إلى الشام بعد وفاة النبي - ﷺ - وسكنها وتوفي بها سنة عشرين، ويقال: إن قبره بدمشق.
روى عنه: عبد الله بن عمر، وكعب بن عُجرةَ، والصّنابحي (٢).
والحديث مخرج في "فوائد محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم" بروايته (٣) عن عبد الله بن نافع بإسناده لكن قال: دخل رسول الله - ﷺ - الأسواف فذهب لحاجته ثم خرج. قال أسامة: فسألت بلالًا إلى آخره، ورواه أبو نعيم عن داود بن قيس كذلك فقال: دخل النبي - ﷺ - الأسواف فذهب لحاجته ومعه بلال ثم خرجا إلى آخره، وسقط (١/ ق ٢٧ - أ) من رواية الشافعي في "الأم" (٤) وغيره ذكر الأسواف.
_________________
(١) انظر "معرفة الصحابة" (١/ ترجمة ٨٤)، و"الإصابة" (١/ ترجمة ٨٩).
(٢) انظر "معرفة الصحابة" (١/ ترجمة ٢٧١)، و"الإصابة" (١/ ترجمة ٧٣٦).
(٣) ومن طريق محمَّد بن عبد الله أخرجه ابن خزيمة (١٨٥)، والبيهقي (١/ ٢٧٤). ورواه النسائي (١/ ٨١)، وابن حبان (١٣٢٣)، والحاكم (١/ ٢٥٢) عن عبد الله بن نافع. قال ابن عبد البر في "التمهيد" (١١/ ١٤٤): قال محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم: حديث صحيح في المسح بالحضر. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وقال الزيلعي (١/ ١٦٥): قال البيهقي في "المعرفة": حديث صحيح. وقال الألباني في تعليقه على "السنن": حسن الإسناد.
(٤) "الأم" (١/ ٣٢).
[ ١ / ١٧٦ ]
والأسواف: موضع بالمدينة. عن ابن عيينة.
وقوله: "فذهب لحاجته" إشارة إلى أنه حاول البعد عن الناس كما هو الأدب والسنة، واستصحاب بلال يشبه أن يكون لحمله الماء معه، وقد نقل ذلك عن غير بلال (١)، وفيه دليل على أنه يجوز لمن يريد قضاء الحاجة أن يستصحب من يحمل الماء معه، فإذا أراد أن يقعد تنحى عنه حامل الماء واستدبره، وفي سؤال أسامة بلالًا دليل على أنهم كانوا يتفحصون عن أفعال رسول الله - ﷺ - ويضبطونها كما كانوا يحفظون أقواله.
والحديث أصل في المسح على الخفين، وقد ثبت ذلك عن رسول الله - ﷺ - قولًا وفعلًا، ورواه جماعة من أعلام الصحابة منهم: عمر، وعلي، وحذيفة، والمغيرة، وبلال، وأبو أيوب، وسلمان، وعمرو بن أمية، وبُريدة، وأنس، وسهل بن سعد، ويعلى بن مرة، وعبادة بن الصامت، وأبو أمامة، وجابر، والأسامتان ابن زيد وابن شريك -﵄- (٢).
قال الشافعي: وفي حديث بلال دليل على أن رسول الله - ﷺ - مسح على الخفين في الحضر؛ لأن بئر جمل في الحضر (٣).
وبئر جمل موضع بالمدينة كأنه والأسواف متجاوران أو أحدهما داخل في الآخر.
_________________
(١) سيأتي في الحديث الذي يليه من فعل المغيرة بن شعبة.
(٢) قال ابن المنذر في "الأوسط" (١/ ٤٣٠): وروينا عن الحسن أنه قال: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله - ﷺ - أنه مسح على الخفين. قلت: وقد اتفق البخاري ومسلم في إخراج حديث جرير، والمغيرة، وقد أخرج البخاري حديث سعد بن أبي وقاص وعمرو بن أمية دون مسلم، وأخرج مسلم حديث حذيفة وبلال وبريدة وعلي دون البخاري.
(٣) "الأم" (١/ ٣٣)، وقال أيضًا: فيمسح المسافر والمقيم معًا.
[ ١ / ١٧٧ ]
الأصل
[٥٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم وعبد المجيد، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن عباد بن زياد أن عروة بن المغيرة بن شعبة أخبره أن المغيرة بن شعبة أخبره أنه غزا مع رسول الله - ﷺ - غزوة تبوك قال: فتبرز رسول الله - ﷺ - قبل الغائط، فحملت معه إداوة قبل الفجر، فلما رجع رسول الله - ﷺ - أخذت أهريق على يديه من الإداوة وهو يغسل يديه ثلاث مرات، ثم غسل وجهه، ثم ذهب يحسُر جبَّته عن ذراعيه فضاق كمّا جبته، فأدخل يده في الجبة حتى أخرج ذراعيه من أسفل الجبة وغسل ذراعيه إلى المرفقين، ثم توضأ ومسح على خفيه، ثم أقبل.
قال المغيرة: فأقبلت معه حتى نجد الناس قد قدموا عبد الرحمن بن عوف يصلي بهم، فأدرك النبي - ﷺ - إحدى الركعتين معه وصلى مع الناس الركعة (١/ ق ٢٧ - ب) الأخيرة، ولما سلم عبد الرحمن قام رسول الله - ﷺ - فأتم صلاته، فأفزع ذلك المسلمين وأكثروا التسبيح، فلما قضى النبي - ﷺ - صلاته أقبل عليهم ثم قال: "أَحْسَنْتُمْ" أو قال: "أَصَبْتُمْ" يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها.
قال ابن شهاب: وحدثني إسماعيل بن محمَّد بن سعد بن أبي وقاص، عن حمزة بن المغيرة بنحو حديث عباد.
قال المغيرة: فأردت تأخير عبد الرحمن، فقال لي النبي - ﷺ - "دَعْهُ" (١).
الشرح
عبد المجيد: هو ابن عبد العزيز بن أبي روَّاد ميمون، أبو عبد
_________________
(١) "المسند" ص (١٧).
[ ١ / ١٧٨ ]
الحميد المكي الأزدي.
روى عن: أبيه، وابن جريج، وعدَّ في أفراد مسلم (١).
وعباد بن زياد: عن الشافعي أنه مولى المغيرة بن شعبة.
روى عنه: الزهري (٢).
وذكر أن مالكًا روى الحديث فقال: عن الزهري، عن عباد بن زياد من ولد المغيرة بن شعبة (٣).
وعن الشافعي وغيره أنه وهم من مالك.
وعروة: هو ابن المغيرة بن شعبة الثقفي، كان أميرًا على الكوفة، وهو أخو حمزة ويعقوب وعقار بني المغيرة.
وعن الشعبي: أن عروة كان خير أهل بيته.
سمع: أباه.
وروى عنه: الشعبي، ونافع بن جبير، وبكر بن عبد الله، وعباد بن زياد (٤).
وعبد الرحمن بن عوف المذكور في متن الحديث: أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وهو ابن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب، أبو محمَّد الزهري القرشي كان اسمه عبد عمرو فسماه النبي - ﷺ - عبد الرحمن.
_________________
(١) انظر "التاريخ الكبير" (٦/ ترجمة ١٨٧٥)، و"الجرح والتعديل" (٦/ ترجمة ٣٤٠)، و"التهذيب" (١٨/ ترجمة ٣٥١٠).
(٢) انظر "التاريخ الكبير" (٦/ ترجمة ١٥٩٣)، و"الجرح والتعديل" (٦/ ترجمة ٤٠٩)، و"التهذيب" (١٤/ ترجمته ٣٠٧٨).
(٣) "الموطأ" (١/ ٣٥ رقم ٧١).
(٤) انظر "التاريخ الكبير" (٧/ ترجمة ١٣٩)، و"التهذيب" (٢٠/ ترجمة ٣٩١٣).
[ ١ / ١٧٩ ]
روى عنه: إبراهيم ابنه، وأنس، وابن عباس.
مات سنة اثنتين وثلاثين (١).
وإسماعيل بن محمَّد بن سعد بن أبي وقاص قرشي زهري مديني.
سمع: أباه، وعامر بن سعد، وحميد بن عبد الرحمن.
وسمع منه: الزهري، ومالك، وابن عيينة، وصالح بن كيسان.
مات سنة أربع وثلاثين ومائة (٢).
وحمزة بن المغيرة بن شعبة الثقفي.
سمع: أباه.
وروى عنه: إسماعيل، وبكر بن عبد الله المزني (٣).
والحديث صحيح مُدوَّن في "مسند عبد الرزاق الصنعاني" (٤) بروايته عن ابن جريج، وأخرجه مسلم (٥) عن محمَّد بن رافع والحسن الحلواني عن عبد الرزاق، وأبو داود (٦) السجستاني من رواية يونس بن يزيد عن ابن شهاب.
وتبوك من أرض الشام، قيل: سميت بذلك (١/ ق ٢٨ - أ) لأن النبي - ﷺ - وجدهم يبوكون حسيتها (٧) بإدخال القدح فيه وتحريكه ليخرج الماء
_________________
(١) انظر "معرفة الصحابة" (١/ ترجمة ٧، ٤/ ترجمة ١٨٠٨)، و"الإصابة" (٤/ ترجمة ٥١٨٣).
(٢) انظر "التاريخ الكبير" (١/ ترجمة ١١٧٤)، و"الجرح والتعديل" (٢/ ترجمة ٦٥٨)، و"التهذيب" (٣/ ترجمة ٤٧٨).
(٣) انظر "التاريخ الكبير" (٣/ ترجمة ١٧٦)، و"الجرح والتعديل" (٣/ ترجمة ٩٤١)، و"التهذيب" (٧/ ترجمة ١٥١٤).
(٤) "المصنف" (٧٤٨).
(٥) "صحيح مسلم" (٤٢١/ ١٠٥).
(٦) "سنن أبي داود" (١٤٩).
(٧) الحسي: حفيرة قريبة القعر. الغريب للخطابي (١/ ٤٨٣).
[ ١ / ١٨٠ ]
فقال: "ما زلتم تبوكونها"، ويقال: باك الحمار الأتان إذا نزا عليها.
والتبرزُ: كناية عن قضاء الحاجة مأخوذ من البراز وهو المتسع من الأرض؛ لأنهم كانوا يأتونه لقضاء الحاجة.
وقوله: "أُهريق على يديه" بفتح الهاء، يقال: هراق الماء يُهريقه هراقة، والهاء مبدلة من الهمزة ولم يقولوا أأريقه لاستثقال الهمزتين، ويجوز أهريقه بإسكان الهاء من قوله: أهراق يُهريقُ إهرياقًا فهو مهريقٌ، والشيء مُهراق، وفي الكلمة لغة ثالثة وهي: أهرقه يُهرقُه إهراقًا.
وأورد الشافعي الحديث مستدلًّا به على جواز المسح على الخفين، وفيه أنه مكّن غيره من حمل الماء معه، ومن إعانته في الوضوء، وأن اليدين تغسلان ثلاثًا قبل الوجه، وأنه لا بأس بلبس ما ضاق كمُّه من الثياب، وإخراج اليد من الذيل عند الحاجة.
وقوله: "ثم توضأ" يعني: أتم الوضوء.
وقوله: "أقبل" يعني: على الناس فلحقهم، ويروى أنهم كانوا في السَّير حينئذ.
وفيه أن المسبوق يدخل مع الإِمام في صلاته ثم [يتدارك] (١) ما بقي بعد سلام الإِمام، وأن الإِمام الراتب إذا غاب فلا بأس بأن يقدم القوم أحدهم إذا لم يكرهه الإِمام الراتب؛ لئلا تفوت فضيلة التعجيل، وأن عبد الرحمن كان من المقدمين المنظورين.
وقوله: "فأفزع ذلك المسلمين" أي: أفزعهم أن يسبقوا النبي - ﷺ - بالصلاة، أو أن يؤمّ بعضهم بحضرته، وخافوا أن يكونوا تاركين لتعظيمه، فسكنهم النبي - ﷺ - واستحسن منهم رعاية التعجيل، ويروى أن
_________________
(١) تحرف في "الأصل".
[ ١ / ١٨١ ]
عبد الرحمن لما أحس بلحوق النبي - ﷺ - أراد أن يتأخر فأومأ إليه بالمضي.
وقوله: "أن صلّوا الصلاة لوقتها" أي: لأول وقتها.
الأصل
[٥٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان بن عيينة، عن حصين وزكريا ويونس، عن الشعبي، عن عروة بن المغيرة، عن المغيرة بن شعبة قال: قلت: يا رسول الله: أتمسح على الخفين؟ قال: "نَعَمْ، إِنْ أَدْخَلْتُهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَان" (١).
الشرح
حصين: هو ابن عبد الرحمن السلمي أبو الهذيل الكوفي.
سمع: سعيد بن جبير، وعمارة بن رويبة، وزيد بن وهب، وعمرو بن ميمون، ومسلم بن أبي الجعد (١/ ق ٢٨ - ب) والشعبي.
وسمع منه: هشيم، وأبو عوانة، والثوري، وابن عيينة.
ومات سنة ثلاث وستين ومائة (٢).
وزكريا: هو ابن أبي زائدة بن ميمون بن فيروز، أبو يحيى الكوفي الهمداني الأعمي، واسم أبي زائدة: خالد، ويقال: هبيرة.
سمع: الشعبي، وسعد بن إبراهيم.
وروى عنه: أبو أسامة، وأبو نعيم، وابن المبارك.
_________________
(١) "المسند" ص (١٧).
(٢) انظر "التاريخ الكبير" (٣/ ترجمة ٢٥)، و"الجرح والتعديل" (٣/ ترجمة ٨٣٧)، و"التهذيب" (٦/ ترجمة ١٣٥٨). وفي "التهذيب" وملحقاته: أنه مات سنة ١٣٦ هـ، قال ابن حجر في "تهذيب التهذيب": والصواب في وفاته سنة ١٣٦ هـ.
[ ١ / ١٨٢ ]
مات سنة ثمان أو تسع وأربعين ومائة (١).
ويونس: كأنه أبو إسرائيل بن أبي إسحاق عمرو السبيعي، فقد روى الحديث عيسى بن يونس، عن أبيه، عن الشعبي (٢).
والشعبي: هو عامر بن شراحيل، أبو عمرو الكوفي.
سمع: جابر بن عبد الله، والنعمان بن بشير.
وروى عنه: منصور، وإسماعيل بن أبي خالد.
وكانوا يقولون: العلماء ثلاثة: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والثوري في زمانه.
مات سنة ست ومائة (٣).
والحديث صحيح أخرجه البخاري (٤) ومسلم (٥) من رواية زكريا، عن الشعبي، وهو من بقية القصة التي قصها المغيرة في غزوة تبوك، فروي أنه قال بعد ذكر الجُبّة وغسله الذراعين: ثم أهويت إلى الخفين لأنزعهما فقال: "دع الخفين فإني أدخلتُ القدمين وهما طاهرتان".
وفيه دلالة ظاهرة على أن إدخال القدم في الخف على الطهارة يجوز المسح، وأنه لا يجوز المسح لو فقد هذا المعنى، وهو في المثال كما نقول: أتزرع أرض فلان؟
فيقول: نعم، إن: تملكتها منه.
_________________
(١) انظر "التاريخ الكبير" (٣/ ترجمة ١٣٩٦)، و"الجرح والتعديل" (٣/ ترجمة ٢٦٨٥)، و"التهذيب" (٩/ ترجمته ١٩٩٢).
(٢) انظر "التاريخ الكبير" (٨/ ترجمة ٣٥٠٦)، و"الجرح والتعديل" (٩/ ترجمة ١٠٢٤)، و"التهذيب" (٣٢/ ترجمته ٧١٧٠).
(٣) انظر "التاريخ الكبير" (٦/ ترجمة ٢٩٦١)، و"الجرح والتعديل" (٦/ ترجمة ١٨٠٢)، و"التهذيب" (١٤/ ترجمته ٣٠٤٢).
(٤) "صحيح البخاري" (٢٠٦).
(٥) "صحيح مسلم" (٢٧٤/ ٧٩).
[ ١ / ١٨٣ ]
الأصل
[٥٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد الوهاب الثقفي، حدثني المهاجر أبو مخلد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن رسول الله - ﷺ - أنه أرخص للمسافر أن يمسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة (١).
الشرح
عبد الوهاب: هو ابن عبد المجيد بن الصلت بن عبيد الله الثقفي البصري، أبو محمَّد.
سمع: أيوب السختياني، ويحيى بن سعيد، وخالد الحذاء، وعبيد الله بن عمر.
وروى عنه: إسحاق الحنظلي، والشافعي، وأبو موسى (٢)، وبندار، وإبراهيم بن محمَّد بن عرعرة.
ولد سنة عشر ومائة، ومات سنة أربع وتسعين ومائة (٣).
والمهاجر أبو مخلد: هو مهاجر بن مخلد البصري.
سمع: أبا العالية، وعبد الرحمن بن أبي بكرة.
وروى عنه: عبد الوهاب، وبشر بن المفضل (٤).
وعبد الرحمن بن أبي بكرة أحد بني أبي بكرة الثقفي، وهو أول
_________________
(١) "المسند" ص (١٧).
(٢) هو: محمَّد بن المثنى.
(٣) انظر "التاريخ الكبير" (٦/ ترجمة ١٨٢٢)، و"الجرح والتعديل" (٦/ ترجمة ٣٦١)، و"التهذيب" (١٨/ ترجمة ٣٦٠٤).
(٤) انظر "التاريخ الكبير" (٧/ ترجمة ١٦٤٨)، و"الجرح والتعديل" (٨/ ترجمة ١١٩١)، و"التهذيب" (٢٨/ ترجمة ٦٢١٦).
[ ١ / ١٨٤ ]
مولود ولد في الإِسلام بالبصرة، ومات بها سنة اثنتين وخمسين أو إحدى وخمسين أو تسع (١/ ق ٢٩ - أ) وأربعين.
وروى عنه: الأحنف، وحميد بن عبد الرحمن، والحسن البصري (١).
والحديث ثابت مشهور (٢)، قال أبو عيسى الترمذي في "العلل" (٣): سألت محمدًا -يعني: البخاري- عنه فقال: إنه حسن.
ورواه عن عبد الوهاب: بندار، وبشر بن معاذ، ومحمد بن أبان، ولم يقولوا في أوله: "أن يمسح على الخفين" وقالوا في آخره: "إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما".
وعن الربيع أنه جعل هذِه الزيادة من قول الشافعي، وغلَّطوه فيه.
وروى الحديث عن الشافعي: المزني وحرملة كما رواه سائر رواة عبد الوهاب، وهو أصل في توقيت المسح للمسافر والمقيم، وقد ثبت التوقيت عن النبي - ﷺ - من رواية جماعة من الصحابة منهم: علي (٤)، وصفوان بن عسَّال، وحديث صفوان مذكور على الأثر وقد يروى: "وللمقيم يوم وليلة" بالرفع وعلى هذا فهو مقطوع عن أرخص، والمعنى: وللمقيم يوم وليلة يمسح فيهما.
_________________
(١) انظر "التاريخ الكبير" (٥/ ترجمة ٨٣٨)، و"التهذيب" (١٧/ ترجمة ٣٧٧١).
(٢) رواه ابن ماجه (٥٥٦) وابن الجارود (٨٧)، وابن خزيمة (١٩٢)، وابن حبان (١٣٢٤)، والدارقطني (١/ ٢٠٤ رقم ٣)، والبيهقي (١/ ٢٨١) من طريق عبد الوهاب الثقفي. قال ابن حجر في "التلخيص" (١/ ١٥٧ رقم ٢١٥): وصححه الخطابي، ونقل البيهقي أن الشافعي صححه في "سنن حرملة". وحسنه الألباني في "المشكاة" (٥١٩).
(٣) "العلل" (ص ٥٥ رقم ٦٧).
(٤) رواه مسلم (٢٧٦/ ٨٥).
[ ١ / ١٨٥ ]
الأصل
[٥٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش قال: أتيت صفوان بن عسال المرادي فقال: ما جاء بك؟ قلت: ابتغاء العلم.
قال: إن الملائكة تضعُ أجنحتها لطالب العلم رضي بما يطلب.
قلت: إنه حاك في نفسي المسح على الخفين بعد الغائط والبول، وكنت امرءًا من أصحاب النبي - ﷺ - فأتيتك أسألك: هل سمعت من رسول الله - ﷺ - في ذلك شيئًا؟
قال: نعم، كان رسول الله - ﷺ - يأمرنا إذا كنا سفرًا أو مسافرين لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم (١).
الشرح
عاصم بن بهدلة: هو عاصم بن أبي النجود، أبو بكر الأسدي الكوفي من القراء المعروفين.
سمع: زرًّا.
وروى عنه: الثوري، وابن عيينة، وشعبة، والحمادان. مات سنة ثمان وعشرين ومائة (٢).
وزر: هو ابن حبيش بن حباشة بن أوس الأسدي الكوفي، أبو مريم أو أبو مطرف، أدرك الجاهلية.
وسمع: عمر، وعليًّا، وابن مسعود، وأبيًّا.
_________________
(١) "المسند" ص (١٧ - ١٨).
(٢) انظر "التاريخ الكبير" (٦/ ترجمة ٣٠٦٢)، و"الجرح والتعديل" (٦/ ترجمة ١٨٨٧)، و"التهذيب" (١٣/ ترجمة ٣٠٠٢).
[ ١ / ١٨٦ ]
وروى عنه: عبدة بن أبي لبابة، وأبو إسحاق الشيباني، وعدي بن ثابت.
مات سنة اثنتين وثمانين، وكان من القراء العباد المعمرين.
ذكر أنه عاش مائة وعشرين سنة، وأن ابن مسعود كان يسأله عن العربية لتبحره فيها (١).
وصفوان بن عسال المرادي من بني زاهر بن (١/ ق ٢٩ - ب) مراد، صاحب النبي - ﷺ -، يقال: إنه غزا معه اثنتي عشرة غزوة، نزل الكوفة.
وروى عنه: عبد الله بن مسعود، وأبو الغريف عبيد الله بن خليفة، وزر، وأبو سلمة بن عبد الرحمن (٢).
والحديث أصح ما روي في توقيت المسح عند البخاري، كذلك حكاه عنه أبو عيسى الترمذي (٣).
وقول صفوان: "إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم" ورد برواية أبي الدرداء (٤)، وفسر وضعها الأجنحة بأنها تتواضع له وتعظمه، ويدل عليه ما في بعض الروايات: "تخفض أجنحتها" وهو كقوله
_________________
(١) انظر "التاريخ الكبير" (٣/ ترجمة ١٤٩٥)، و"الجرح والتعديل" (٣/ ترجمة ٢٨١٧)، و"التهذيب" (٩/ ترجمة ١٩٧٦).
(٢) انظر "معرفة الصحابة" (٣/ ترجمة ١٤٥٤)، و"الإصابة" (٣/ ترجمة ٢٠٨٤).
(٣) "العلل" (ص ٥٤ رقم ٦٦). والحديث رواه الترمذي (٩٦، ٣٥٣٥)، والنسائي (١/ ١٢٦)، وابن ماجه (٤٧٨)، وابن خزيمة (١٧، ١٩٦)، وابن حبان (١١٠٠، ١٣٢٠) من طريق سفيان بن عيينة. قال الترمذي: حسن صحيح، وحسنه الألباني في "الإرواء" (١/ ١٤٠).
(٤) أخرجه أبو داود (٣٦٤١)، وابن ماجه (٢٢٣)، وابن حبان (٨٨) من طريق عاصم بن رجاء، عن داود بن جميل، عن كثير بن قيس، عنه. ورواه الترمذي (٢٦٨٢) من طريق رجاء، عن قيس بن كثير عنه وقال: إنه ليس بمتصل، وصحح الطريق الأول. وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (٦٢٩٧).
[ ١ / ١٨٧ ]
تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ (١) وأيضًا بأنها تفرش له الأجنحة لتكون وطاءً له، ويدل عليه ما في بعض الروايات: "فرشت له الملائكة أكنافها" (٢) وأيضًا بأنها تنزل في مجالس أهل العلم كما روي: "ما من قوم يذكرون الله تعالى إلا حفَّت بهم الملائكة" (٣).
وأيضًا فإنها تضع الأجنحة بعضها بجنب بعض إظلالًا له، كما روي: "تظلهم بأجنحتها" وروى أحمد بن فارس في بعض "أماليه" عن مالك أن معناه: تبسط أجنحتها بالدعاء لطالب العلم بدلًا عن الأيدي.
وقوله: "حاك" في بعض الروايات: "حك" والمعنى: وقع في نفسي منه ريبة وشك، يقال: حاك يحيك إذا تحرك، وحاك في مشيته: إذا تبختر واضطرب منكباه من تبختره، وحاك فيه السيف وأحاك: أثر.
والسَّفرُ: المسافرون، كأن بعض الرواة تردد في اللفظين.
وقوله: "لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام" يعني: بل نمسح عليها؛ لأنه جعله جوابًا عن سؤاله عن المسح على الخفين.
وقوله: "كان يأمرنا" أي: يرخصُ لنا فيه ويجوزُ.
وفي الحديث تجويز المسح على الخفين والتوقيت بالمدة المذكورة، وأن الغائط والبول والنوم أحداث، وأنه إذا أجنب لم يجز المسح، وأن الطالب إذا شك في الشيء فحقه أن يراجع أهل العلم.
ويتعلق بالمسح على الخفّ تخفيفات وهي: إبدال الرجل بالخف والغسل بالمسح والكل بالبعض، وفي التوقيت زيادة التخفيف، وفرق بين المسافر والمقيم في المدة لتفاوتهما في حاجة الاستدامة، وما روي
_________________
(١) الإسراء: ٢٤.
(٢) رواه البيهقي في "الشعب" (١٦٩٩) من حديث أبي الدرداء.
(٣) رواه مسلم (٢٦٩٩/ ٣٨) من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ١٨٨ ]
من ترك التوقيت من الأخبار والآثار وقد ذهب إليها الشافعي في "القديم": فمنها ما ضعف أهل الحديث أسانيدها، ومنها ما لم يروها في القوة كأحاديث التوقيت.
الأصل
[٥٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك (١/ ٣٠ - أ) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: جاءت أمُّ سليم امرأة أبي طلحة إلى النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟
قال: "نَعَمْ إَذَا رَأَتِ المَاءَ" (١).
الشرح
زينب: هي بنت أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي ربيبة النبي - ﷺ -، كانت تسمى برّة، فسماها النبي - ﷺ - زينب.
سمعت: النبي - ﷺ -، وأمها أم سلمة، وعائشة، وأم حبيبة، وزينب بنت جحش.
روى عنها: عروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وغيرهما (٢).
وأم سليم: هي الرميصاء بنت ملحان الأنصارية، أم أنس بن مالك.
روى عنها: أنس، وعائشة، وأم سلمة، وخولة بنت حكيم (٣).
_________________
(١) "المسند" ص (١٨).
(٢) انظر "معرفة الصحابة" (٦/ ترجمة ٣٨٨٤)، و"الإصابة" (٧/ ترجمة ١١٢٣٥).
(٣) انظر "معرفة الصحابة" (٦/ ترجمة ٤٠٩٣)، و"الإصابة" (٨/ ترجمة ١٢٠٧٣).
[ ١ / ١٨٩ ]
وزوجها أبو طلحة: هو زيد بن سهل الأنصاري الخزرجي شهد بدرًا.
روى عنه: ابن عباس، وأنس، وكان فارس رسول الله - ﷺ -.
مات سنة أربع وثلاثين (١).
والحديث صحيح أخرجه البخاري (٢) عن عبد الله بن يوسف وغيره عن مالك، ومسلم (٣) من أوجه عن هشام بن عروة، ورواه ابن شهاب عن عروة عن عائشة (٤).
وقوله: "إن الله لا يستحيي من الحق" أي: لا يتركه، فإن من يستحيي من الشيء يتركه، والمعنى: أن الحياء لا ينبغي أن يمنع عن طلب الحق ومعرفته، وفيه بيان التسوية بين الرجل والمرأة في الغسل بالاحتلام، وبيان أن للمرأة ماءً.
وفي رواية عائشة: أن أم سليم لما سألت ذلك: أقبلتُ عليها وقلتُ: أفٍّ لك وهل ترى ذلك المرأة، فأقبل علي رسول الله - ﷺ - فقال: "تربت يمينك يا عائشة، ومن أين يكون الشبه".
وقوله: "إذا رأت الماء" يبين أن الغسل يتعلق بوجدان الماء لا بما يرى في المنام، وفي رواية القاسم، عن عائشة قالت: سئل رسول الله - ﷺ - عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلامًا؟
قال: "يغتسل".
وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولا يجد البلل؟
قال: "لا غسل عليه".
_________________
(١) انظر "معرفة الصحابة" (٣/ ترجمة ١٠٠٧)، و"الإصابة" (٢/ ترجمة ٢٩٠٧).
(٢) "صحيح البخاري" (٢٨٢).
(٣) "صحيح مسلم" (٣١٣/ ٣٢).
(٤) أخرجه مسلم (٣١٤) من طريقه.
[ ١ / ١٩٠ ]
فقالت أم سليم: المرأة ترى ذلك أعليها الغسل؟
قال: "نعم، إنما النساء شقائق الرجال" (١).
أي: نظائرهم وأمثالهم في الخلق، ولا يخفى أن المراد من الماء والبلل اللذين أطلقهما: "المنيّ".
الأصل
[٥٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن هشام، عن أبيه، عن زييد بن الصلت أنه قال: خرجت مع عمر بن (١/ ق ٣٠ - ب) الخطاب -﵁ - إلى الجُرْف، فنظر فإذا هو قد احتلم وصلى ولم يغتسل، فقال: والله ما أراني إلا قد احتلمت [و] (٢) ما شعرت، وصليت وما اغتسلت.
قال: فاغتسل وغسل ما رأى على ثوبه، ونضح ما لم ير وأذن وأقام، ثم صلى بعد ارتفاع الضحى متمكنًا (٣).
الشرح
زييد -بياءين- هو ابن الصلت الكندي المديني من التابعين.
روى عن: عمر بن الخطاب.
وروى عنه: عروة بن الزبير وهو أخو كثير بن الصلت الكندي ولأبيه الصلت بن زييد رواية، ويشتبه بزبيد (٤).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٣٦)، والترمذي (١١٣)، وابن ماجه (٦١٢). وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" (٢٣٤).
(٢) من "المسند".
(٣) "المسند" ص (١٨). ورواه مالك في "الموطأ" (١/ ٤٩ رقم ١١١)، وابن أبي شيبة (١/ ٨٢).
(٤) انظر "الطبقات الكبرى" (٥/ ١٣)، و"تالي تلخيص المتشابه" (١/ ٣٣٨)، و"الإكمال" (٤/ ١٧١).
[ ١ / ١٩١ ]
وعمر -﵁ -: ابن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي القرشي العدوي، أبو حفص أمير المؤمنين والذي أعز الله به الدين.
روى عنه: ابناه عبد الله، وعاصم، وابن عباس، وابن الزبير، وغيرهم استخلف سنة ثلاث عشرة، وقتله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة سنة ثلاث وعشرين، وفضائله مشهورة (١).
والجُرف: على ثلاثة [أميال] (٢) من المدينة من جانب الشام وكان بها مال لعمر -﵁-.
ويقال: شعر به يشعر شعرًا، وعن سيبويه: إن أصله شِعرة كالفطنة.
وقوله: "فنظر فإذا هو قد احتلم" يعني: فنظر في ثوبه فرأى فيه أثر الاحتلام، ولذلك استدل الشافعي بالأثر في "الأم" (٣) على أنه إذا رأى في ثوبه ماءً دافقًا وكان لا يلبس الثوب غيره فعليه الغسل، ويعيد الصلاة التي صلاها بعد أحدثِ نومٍ نامه.
وقوله: "وغسل ما رأى في ثوبه" هذا الغسل يحتمل أنه كان لأنه [استنجى] (٤) بالحجر ويحتمل أنه كان تنظفًّا، ولذلك نضحَ ما لم ير فيه شيئًا مبالغة في التنظف.
وقوله: "وأذن وأقام" يدل على أن الفائتة يؤذن لها.
_________________
(١) انظر "معرفة الصحابة" (١/ ترجمة ٢، ٤/ ترجمة ١٩٩٦)، و"الإصابة" (٤/ ترجمة ٥٧٤٠).
(٢) تصحف في "الأصل" إلى أمثال، وستأتي على الصواب في كلام المؤلف ص ٢٠٥.
(٣) "الأم" (١/ ٣٧).
(٤) في "الأصل": استنجنى. تحريف.
[ ١ / ١٩٢ ]
وقوله: "ثم صلى بعد ارتفاع الضحى متمكنًا" يعني: أنه لم يبادر إلى القضاء بل تأنى فيه، وفيه ما يشعر بأن الصلاة التي صلاها قبل الاغتسال كانت صلاة الصبح.
الأصل
[٦٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم قال: دخل رجل من أصحاب النبي - ﷺ - المسجد يوم الجمعة وعمر بن الخطاب يخطب فقال عمر: أيّة ساعةٍ هذه؟
فقال: يا أمير المؤمنين انقلبت من السوق فسمعت النداء فما زدت على أن توضأت.
فقال عمر: الوضوء أيضًا، وقد علمت أن رسول الله - ﷺ - كان (١/ ق ٣١ - أ) يأمر (١) بالغسل (٢).
[٦٠/ ١] أبنا الثقة، عن معمر، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب بمثله، وسمى الداخل عثمان (٣).
الشرح
معمر: هو ابن راشد، أبو عروة سكن اليمن.
وسمع: الزهري، وهمام بن منبه، وهشام بن عروة.
فروى عنه: عبد الرزاق، وابن عيينة، ويزيد بن زريع، وغيرهم.
مات سنة ثلاث وخمسين ومائة (٤).
_________________
(١) في حاشية "الأصل": يأمرنا. وكتب عليها: نسخ.
(٢) "المسند" ص (١٨).
(٣) "المسند" ص (٢٣٨).
(٤) انظر "التاريخ الكبير" (٧/ ترجمة ١٦٣١)، و"الجرح والتعديل" (٨/ ١١٦٥)، و"التهذيب" (٢٨/ ترجمة ٦١٠٤).
[ ١ / ١٩٣ ]
والحديث من الرواية الأولى مرسل وكذلك أرسله مالك في "الموطأ" (١) ورواه روح بن عبادة، وعبد الله بن محمَّد بن أسماء، عن جويرية [بن] (٢) أسماء، عن مالك، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، عن عمر موصولًا.
وأخرجه البخاري في "الصحيح" (٣) عن عبد الله بن محمَّد كذلك، ومسلم (٤) من حديث يونس بن يزيد عن الزهري موصولًا، وأخرجاه (٥) من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة عن عمر أيضًا.
والحديث أصل في غسل الجمعة، وفيه بيان استحباب التبكير إليها فإن عمر -﵁- عاتب الداخل على التأخير حيث قال: آية ساعة هذه.
وفيه أنه يجوز معاتبة من يترك السنة وتوبيخه سيما إذا كان من المرموقين، وأنه لا بأس بإظهار المعاتبة والتوبيخ للناس، وأنه لا بأس بكلام الخطيب في خلال الخطبة، وأنهم كانوا يقيمون السوق يوم الجمعة إلى وقت النداء، ويستدل الشافعي بالقصة على أن غسل يوم الجمعة مستحب لا واجب؛ فإن عثمان لم يخرج له ولم يغتسل ولا أمره عمر به ولا أحد من الحاضرين، وبه تبين أنه كان يأمر بالغسل أمر الاستحباب.
وقوله: "وقد علمت أن رسول الله - ﷺ - كان يأمر بالغسل" يريد أنك إذا علمته فحقك أن تعمل به.
_________________
(١) "الموطأ" (١/ ١٠١ رقم ٢٢٩).
(٢) في "الأصل": بنت. وهو تحريف بيِّن، وجويرية هو ابن أسماء الضبعي عم عبد الله بن محمَّد بن أسماء وهو يروي عن الإِمام مالك ترجمته في "تهذيب الكمال" (٥/ ١٧٢).
(٣) "صحيح البخاري" (٨٧٨).
(٤) "صحيح مسلم" (٨٤٥/ ٣).
(٥) رواه البخاري (٨٨٢)، ومسلم (٨٤٥/ ٤).
[ ١ / ١٩٤ ]
الأصل
[٦١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة؛ أن رسول الله - ﷺ - كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله (١).
الشرح
هذا حديث صحيح، رواه عبد الرزاق في "المسند" (٢) عن ابن جريج، عن هشام، وأخرجه البخاري (٣) عن عبد الله بن يوسف عن مالك، وأخرجاه في "الصحيحين" (٤) من وجوه عن هشام بن (١/ ق ٣١ - ب) عروة.
وفيه بالابتداء (٥) بغسل اليدين كما في الوضوء وذلك احتياط للماء في الإناء وللماء المأخوذ بأن اليد هي آلة الأخذ والاستعمال، وفيه الوضوء كالوضوء للصلاة في ابتداء الغسل، فإن كان الرَّجل محدثًا جنبًا فللأصحاب وجه: أنه يلزمه الوضوء مع الغسل، وحينئذ فيمكن أن يقال: يتوضأ مرتين مرة الوضوء الواجب عن الحدث، ومرة لكونه من سنة الغسل، وظاهر اللفظ يدل على تقديم غسل الرجلين على الغسل وهو الأظهر من قولي الشافعي -﵁-، وعن رواية ميمونة (٦) تأخير غسلهما
_________________
(١) "المسند" ص (١٩).
(٢) "المصنف" (٩٩٩).
(٣) "صحيح البخاري" (٢٤٨).
(٤) رواه البخاري (٢٦٢، ٢٧٢)، ومسلم (٣١٦/ ٣٥، ٣٦).
(٥) كذا! والأليق: الابتداء.
(٦) رواه البخاري (٢٤٩)، ومسلم (٣١٧/ ٣٧، ٣٨).
[ ١ / ١٩٥ ]
إلى آخر الغسل وهو قوله الثاني، وتخليل أصول الشعر فائدته الوثوق بوصول الماء إليها والتحرز عن الإكثار من صب الماء.
وقوله: "ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات" فيه الابتداء بالرأس والتثليث.
وقوله: "ثم يفيض الماء على جلده" يعني: سائر بدنه، وقد يكنى بالجلد عن البدن، وورد في بعض الروايات: ثم يفيض الماء على سائر جسده.
الأصل
[٦٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة قالت: سألت رسول الله - ﷺ - فقلت: يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟
فقال: "لَا، إِنَّما يَكْفِيَكِ أَنْ تُحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلاثَ حَثَيَاتٍ ثُم تُفِيْضِيْنَ عَلَيْكِ الماءَ فَتَطْهُريِنَ"، أو قال: "فَإِذَا أَنْتِ قَدْ طَهُرْتِ" (١).
الشرح
أيوب: هو ابن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص المكي القرشي، أبو موسى.
سمع: حميد بن نافع، وسعيد المقبري، ومكحولًا.
وروى عنه: السفيانان، وشعبة، وغيرهم (٢).
_________________
(١) "المسند" ص (١٩).
(٢) انظر "التاريخ الكبير" (١/ ترجمة ١٣٥٦)، و"الجرح والتعديل" (٢/ ترجمة ٩٢٠)، و"التهذيب" (٣/ ترجمته ٦٢٦).
[ ١ / ١٩٦ ]
وعبد الله بن رافع: هو أبو رافع، مولى أم سلمة.
روى عنها، وعن: أبي هريرة.
روى عنه: سعيد المقبري، وأفلح بن حميد (١)، وأيوب بن خالد (٢).
والحديث صحيح أخرجه مسلم (٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره، عن ابن عيينة.
وقولها: "أشد ضفر رأسي" أي: أحكمه وأبالغ فيه، والضفر: فتل الشعر على طاقات.
وفيه أنه ليس على المرأة نقض ضفيرتها، وهو محمول على ما إذا كان يصل الماء إليها من غير نقض، وليس المعنى أنهم كانوا يكتفون بإفاضة الماء على ظاهرها، يدل عليه ما روي عن عائشة أنها (١/ ق ٣٢ - أ) قالت في صفة الغسل: كان رسول الله - ﷺ - يفيض على رأسه ثلاث مرات ونحن نفيض على رءوسنا خمسًا من أجل الضفر (٤).
وفي بعض روايات حديث أم سلمة: "إنما يكفيك أن تحفني على رأسك ثلاث حفنات واغمزي قرونك عند كل حفنة" (٥).
_________________
(١) كذا في الأصل! وفي مصادر التخريج وغيرها: أفلح بن سعيد ولم أجد في ترجمة أفلح بن حميد أنه روى عن عبد الله بن رافع، والله أعلم. وأفلح بن سعيد هو الأنصاري مولاهم أبو محمَّد المدني.
(٢) انظر "التاريخ الكبير" (٥/ ترجمة ٢٤٥)، و"الجرح والتعديل" (٥/ ترجمة ٢٤٧)، و"التهذيب" (١٤/ ترجمة ٣٢٥٥).
(٣) "صحيح مسلم" (٣٣٠/ ٥٨).
(٤) أخرجه أبو داود (٢٤١)، وابن ماجه (٥٧٤). وضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود" (٣٣).
(٥) أخرجه أبو داود (٢٥٢). وحسنه الألباني في "صحيح أبي داود".
[ ١ / ١٩٧ ]
وقوله: "أن تحثي" يقال: حتى يحثي ويحثو، واللفظة في التراب ونحوه أكثر استعمالًا.
وقوله: "تفيضين عليك الماء" يعني: على سائر الجسد، ويستحب الابتداء بالميامن.
الأصل
[٦٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد أن يغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه قبل أن يدخلهما الإناء، ثم يغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يشرِّب شعره الماء، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات (١).
[٦٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر، أن النبي - ﷺ - كان يغرف على رأسه ثلاثًا وهو جنب (٢).
الشرح
جعفر: هو الصادق أبو عبد الله، من سادات أهل المدينة وأهل البيت.
سمع: أباه، ومحمد بن المنكدر، وعطاء بن أبي رباح.
وروى عنه: عبد الوهاب الثقفي، والثوري، والدراوردي، ومالك، وغيرهم.
توفي سنة ثمان وأربعين ومائة وهو ابن أربع وأربعين سنة (٣).
_________________
(١) "المسند" ص (١٩).
(٢) انظر "التاريخ الكبير" (٢/ ترجمة ٢١٨٣)، و"الجرح والتعديل" (٢/ ترجمة ١٩٨٧)، و"التهذيب" (٥/ ترجمة ٩٥٠).
(٣) "المسند" ص (١٩).
[ ١ / ١٩٨ ]
وأبوه: محمَّد بن علي بن [الحسين] (١) بن علي بن أبي طالب الباقر المدني.
سمع: جابرًا، وسعيد بن المسيب، وعبيد الله بن أبي رافع.
وروى عنه: الأوزاعي، وعمرو بن دينار.
مات سنة أربع عشرة ومائة وهو ابن ثمان وخمسين سنة (٢).
والحديثان صحيحان: أما الأول فأخرجاه في "الصحيحين" (٣) من وجوه عن هشام بن عروة؛ وأما الثاني فأخرجه مسلم (٤) من رواية جعفر بن محمَّد، والحديث الأول قريب من رواية مالك عن هشام في صفة غسل رسول الله - ﷺ - من الجنابة، وزاد ها هنا غسل الفرج وذلك لإزالة القذر، وبتقدير فرض النجاسة بناءً على أن رطوبة فرج المرأة نجسة أو لغيره فلا بد له من إزالتها أولًا وإيقاع الغسل بعده.
وقوله: "ثم يشرب شعره الماء" يقال: شرب القربة إذا جعل فيها طينًا وماءً وهي جديدة ليُطيب طعمها، وشرَّب مالي وأكَّله أي: أطعمه الناس، ويجوز: "ثم (١/ ق ٣٢ - ب) يُشربُ" يقول: أشربت الإبل حتى شربت، وأشربتني ما لم أشرب أي: ادعيت عليّ ما لم أفعل، والإشراب: خلط لون بلون، يقال: أُشرب فلان حمرة، وبالجملة فقوله: "ثم يشرِّب شعره" في هذِه الرواية كقوله: "فخلل أصول شعره" في رواية مالك.
_________________
(١) في "الأصل": الحسن. خطأ، والمثبت من التخريج.
(٢) انظر "التاريخ الكبير" (١/ ترجمة ٥٦٤)، و"الجرح والتعديل" (٨/ ترجمة ١١٧)، و"التهذيب" (٢٦/ ترجمة ٥٤٧٨).
(٣) "صحيح البخاري" (٢٤٨، ٢٦٢، ٢٧٢)، و"صحيح مسلم" (٣١٦/ ٣٥، ٣٦).
(٤) "صحيح مسلم" (٣٢٩/ ٥٧).
[ ١ / ١٩٩ ]
وقوله: "كان يغرف على رأسه ثلاثًا وهو جنب" أي: إذا اغتسل لرفع الجنابة.
الأصل
[٦٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن منصور بن عبد الرحمن الحجبي، عن أمه صفية بنت شيبة، عن عائشة قالت: جاءت امرأة إلى النبي - ﷺ - تسأله عن الغسل من الحيض؟
فقال: "خُذِي فِرصَةً مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّري بَهَا"
فقالت: كيف أتطهر بها؟
قال: "تَطَهَّرِي بِهَا".
قالت: كيف أتطهر بها؟
فقال النبي - ﷺ -: "سُبْحَانَ اللهِ سُبْحَانَ اللهِ وَاسْتَتَرَ بِثَوْبِهِ، تَطَهَّرِي بِهَا! " فاجتبذتُها وعرفت الذي أراد، فقلت: تتبعي بها آثار الدم يعني: الفرج (١).
الشرح
منصور: هو ابن عبد الرحمن بن طلحة الحجبي.
سمع: أمه، و[مسافع] (٢) بن شيبة خاله.
وروى عنه: الثوري، وابن عيينة، وابن جريج، وفضيل بن سليمان.
_________________
(١) "المسند" ص (١٩).
(٢) في "الأصل": شافع. خطأ، والمثبت من التخريج.
[ ١ / ٢٠٠ ]
ويقال: إن ابن عيينة قال في روايته عنه: ثنا منصور التقي النقي (١).
وأمه صفية بنت شيبة بن عثمان الحجبية القرشية.
سمعت: عائشة، وأسماء بنتي أبي بكر.
وروى عنها: الحسن بن مسلم، ومنصور بن شيبة، وغيرهما (٢).
والحديث صحيح أخرجه البخاري (٣) عن يحيى بن جعفر البيكندي، ومسلم (٤) عن عمرو الناقد وغيره، عن سفيان.
والفِرصَة: القطعة من القطن والصوف، يقال: فرصت الشيء أي: قطعته بالمفراص وهو حديدة يقطع بها، وذكر اللفظة بعضهم: "قَرْضة" بالقاف المفتوحة وبالضاد: وهي القطعة أيضًا، ويقال: فرصة من مسك بفتح الميم أي: من جلد عليه صوف له شعر، والمسك: هو الذي رواه الشافعي وغيره، ويدل عليه ما في بعض الروايات: "فإن لم تجدي فطيبًا، فإن لم يكن فالماء كاف" (٥) ويروى "فِرصَة ممسَّكة" وقيل في معناه إنه مأخوذ من المسك، وقيل: من التمسك باليد أي: محتملة تحتملينهما معك، يقال: مسكت بكذا وأمسكت وتمسكت، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ (٦) أي: يتمسكون به.
وقولها: "فاجتبذتها" يقال: اجتذب واجتبذ، وجذب وجبذ، وهو من المقلوب.
_________________
(١) انظر "التاريخ الكبير" (٧/ ترجمة ١٤٨٧)، و"الجرح والتعديل" (٨/ ترجمة ٧٧١)، و"التهذيب" (٢٨/ ترجمة ٦١٩٧).
(٢) انظر "معرفة الصحابة" (٦/ ترجمة ٣٩٣٦)، و"الإصابة" (٧/ ١١٤٠٤).
(٣) "صحيح البخاري" (٣١٤).
(٤) "صحيح مسلم" (٣٣٢/ ٦٠).
(٥) لم أجدها. والله أعلم.
(٦) الأعراف: ١٧٠.
[ ١ / ٢٠١ ]
وفي (١/ ق ٣٣ - أ) الحديث بيان أنه يستحب للحائض أن تتبع أثر الدم بما يقطع رائحته الكريهة، وبيان شدة حياء النبي - ﷺ -، وأنه يحسن استعمال كلمة التسبيح عند التعجب، وأنه ينبغي لمن استفتى وأجابه المفتي فلم يفهم أن يستقصي ويكرر، وأنه لا بأس بتكرر اللفظ الواحدة للتفهيم، وأنه يحسن إن حضرهما أن يُفهم المستفتي إذا شاء فهمه إعانة له وللمفتي بالتخفيف عنه.
وقولها: "وعرفت الذي أراد" قد سبق إلى الفهم منه أنها عرفت هذا الأدب حينئذ، فإن كان كذلك ففيه دليل على أنه لا بأس للزوج بأن لا يعلم زوجته الأدب الذي تحتاج إليه أو يؤخر التعليم، وقد يقال: إن المرأة سألته عن الغسل من المحيض فكيف قال في الجواب: "خذي فرصة" وليس هذا كيفية الغسل بل هو أدب من آدابه؟
والجواب: أنه يحتمل أن يكون المراد أنها سألت عن أدب الغسل من المحيض فحذف المضاف، ويحتمل أنه بين لها الغسل بأركانه وآدابه لكن الراوي اقتصر في الحديث على ذكر هذا الأدب للحاجة إليه عند الرواية.
الأصل
[٦٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد، عن عباد بن منصور، عن أبي رجاء العطاردي، عن عمران بن الحصين؛ أن النبي - ﷺ - أمر رجلًا كان جنبًا أن يتيمم ثم يصلي، فإذا وجد الماء اغتسل يعني: وذكر حديث أبي ذر: "إِذَا وَجَدْتَ المَاءَ فِمِسَّه جِلْدَكَ" (١).
_________________
(١) "المسند" ص (٢٠).
[ ١ / ٢٠٢ ]
الشرح
عباد بن منصور: هو أبو سلمة البصري.
روى عن: أيوب، وعكرمة.
وروى عنه: وكيع، وغيره (١).
وأبو رجاء العطاردي (٢): هو عمران بن ملحان، وقيل: عمران بن تيم، وقيل: ابن عبد الله البصري، أدرك زمان النبي - ﷺ - ولم يره وأسلم بعد فتح مكة وسمع: عمران بن الحصين، وسمرة بن جندب، وابن عباس.
وروى عنه: سلم بن زرير، وجرير بن حازم، وعوف الأعرابي، وسعيد بن أبي عروبة، ويقال: إن أبا رجاء بلغ عمره مائة وثلاثين.
وعمران: هو ابن الحصين بن عبيد بن خلف بن (تميم) (٣) بن سالم بن غاضرة الخزاعي أبو نجيد.
سمع النبي - ﷺ - ونزل بعده البصرة وتوفي سنة اثنين وخمسين (٤).
والحديث صحيح وهو مختصر ما رواه عوف الأعرابي، عن أبي رجاء، عن عمران قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - في (١/ ق ٣٣ - ب) سفر، فدعا بماء فتوضأ ثم صلى بالناس، فلما انفتل إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، فقال: "يا فلان ما منعك أن تصلي مع القوم"؟
_________________
(١) انظر "التاريخ الكبير" (٦/ ترجمة ١٦٢٢)، و"الجرح والتعديل" (٦/ ترجمة ٤٣٨)، و"التهذيب" (١٤/ ترجمته ٣٠٩٣).
(٢) انظر "التاريخ الكبير" (٦/ ترجمة ٢٨١١)، و"الجرح والتعديل" (٦/ ترجمة ١٦٨٧)، و"التهذيب" (٢٢/ ترجمة ٤٥٠٥).
(٣) ضبب عليها في "الأصل" والذي في مصادر ترجمته "والتهذيب"، و"طبقات بن سعد"، و"الاستيعاب": عبدنهم.
(٤) انظر "معرفة الصحابة" (٤/ ترجمة ٢٢٠٤)، و"الإصابة" (٤/ ترجمة ٦٠١٤).
[ ١ / ٢٠٣ ]
قال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء.
قال: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك" (١).
وقوله: "وذكر حديث أبي ذر" يريد أن الربيع قال: وذكر الشافعي حديث أبي ذر أيضًا في الاحتجاج على أن الجنب يتيمم كما أن المحدث يتيمم، وحديث أبي ذر هو ما رواه أبو قلابة عن عمرو بن بجدان قال: سمعت أبا ذر يقول: اجتمعت عند رسول الله - ﷺ - غنم من غنم الصدقة فقال: "أُبْدُ فيها يا أبا ذر" فبدوتُ فيها إلى الرَّبذة فكان يأتي علي الخمس والست وأنا جنب فوجدت في نفسي، فأتيت النبي - ﷺ - في ذلك فقال: "إن الصعيد الطيب وضوء المسلم".
ويروى: "طهور المسلم -وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجده فليمسه بشرته" (٢).
الأصل
[٦٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنه أقبل من الجُرف حتى إذا كان بالمرْبد تيمم، فمسح وجهه ويديه، وصلى العصر، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد الصلاة.
قال الشافعي: والجرف قريب من المدينة (٣).
_________________
(١) رواه البخاري (٣٤٤)، ومسلم (٦٨٢/ ١٣).
(٢) رواه أبو داود (٣٣٢)، والترمذي (١٢٤)، والنسائي (١/ ١٧١)، وابن خزيمة (٢٢٩٢) وابن حبان (١٣١٢)، والحاكم (١/ ٢٣٨). قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح ولم يخرجاه. وصححه الألباني في "الإرواء" (١/ ١٨١).
(٣) "المسند" ص (٢٠).
[ ١ / ٢٠٤ ]
الشرح
روى الأثر مالك عن نافع واللفظ أنه أقبل يعني: نافعًا وعبد الله بن عمر من الجرف حتى إذا كانوا بالمربد نزل عبد الله فتيمم صعيدًا، فمسح بوجهه ويديه إلى المرفقين ثم صلى (١).
وقد مرّ مرة أن الجرف على ثلاثة أميال من المدينة، والمربد: كل موضع تحبس فيه الإبل، وقد يسمى الموضع الذي يجفف فيه التمر مربدًا أيضًا، وهو من قولهم: ربد بالمكان إذا أقام، والمربد المذكور في الأثر: موضع بقرب المدينة على ميلين، ويقال له: مربد النعم، والمربد أيضًا: موضع خارج البصرة فيه سوق الإبل.
وفي الأثر أن التيمم لا يختص بالسفر الطويل، وأنه تجوز الصلاة بالتيمم وإن كان يظهر الوصول إلى الماء في الوقت، وأن المسافر إذا صلى بالتيمم ثم أقام في الوقت لا يعيد.
الأصل
[٦٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد، عن أبي الحويرث (٢) عبد الرحمن، عن الأعرج، عن ابن الصمة؛ أن رسول الله (١/ ق ٣٤ - أ) - ﷺ - تيمم فمسح وجهه وذراعيه (٣).
الشرح
هذا الحديث بهذا الإسناد قد سبق بزيادة قصة سلام ابن الصمة
_________________
(١) "الموطأ" (١/ ٥٦ رقم ١٢١).
(٢) زاد في "الأصل": ابن. خطأ، وأبو الحويرث: هو عبد الرحمن بن معاوية بن الحويرث، وقد مرّ الحديث ب (٣٠).
(٣) "المسند" ص (٢٠).
[ ١ / ٢٠٥ ]
على النبي - ﷺوهو يبول فلم يرد عليه حتى تيمم، وذكرنا هناك ما يحتاج إلى معرفته في إسناد الحديث ومتنه (١).
الأصل
[٦٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - قال: "الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إَلَّا المَقْبَرَةُ وَالحمّامُ".
قال الشافعي: وجدت هذا الحديث في كتابي في موضعين: أحدهما منقطع، والآخر عن أبي سعيد الخدري عن النبي - ﷺ - (٢).
الشرح
أبو سعيد الخدري: هو سعد بن مالك بن سنان، وقيل: ابن مالك بن الشهيد بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن خدرة بن عوف، وخدرة وخدارة بطنان من الأنصار، مشهور مكثر من الصحابة.
روى عنه: جابر بن عبد الله، وأبو سلمة، وعطاء بن يسار، والجم الغفير.
توفي سنة أربع وسبعين (٣).
_________________
(١) مرّ ب (٣٠).
(٢) "المسند" ص (٢٠). والحديث رواه أبو داود (٤٩٢)، والترمذي (٣١٧)، وابن ماجه (٧٤٥)، وابن خزيمة (٧٩١)، وابن حبان (٢٣٢١)، والحاكم (١/ ٣٨٠، ٣٨١). وصححه الألباني في "الإرواء" (١/ ٣٢٠) وقال: وقد أشار إلى صحته البخاري في جزء القراءة ص (٤).
(٣) انظر "معرفة الصحابة" (٣/ ترجمة ١١١٠)، و"الإصابة" (٣/ ترجمة ٣١٩٨).
[ ١ / ٢٠٦ ]
وأبواب التيمم في "الأم" (١) معقبة بباب مترجم بـ "جماع ما يصلى عليه ولا يصلى من الأرض" والباب مصدر بهذا الحديث فراعى أبو العباس الأصم ترتيب "الأم" وبين الشافعي أن الحديث روي مرة منقطعًا وأخرى موصولًا، ولا يضرُّ الانقطاع إذا ثبت الوصل في بعض الروايات.
وقوله: "الأرض كلها مسجد" أي: موضع للسجود والصلاة، ومثله ما روي عن عائشة أنها ربما كانت حائضًا وهي مفترشة بحذاء مسجد رسول الله - ﷺ - يصلي (٢). والمقصود: موضع صلاته.
وهذا الخبر كما روي روي عن أبي هريرة وجابر أن النبي - ﷺ - قال: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي"، وفيه: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" وهو مخرج في "الصحيح" (٣) من روايتهما.
وقوله: "إلا المقبرة والحمام" المقبرة إن كانت نجسة لاختلاطها بصديد الموتى وما يخرج منهم فلا تجوز الصلاة فيها، وكذلك الحمام إن اشتمل على البول والدم والأنجاس، وإن كانا طاهرين فتجوز الصلاة مع كراهة، روي أنه - ﷺ - قال: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" (٤) واحتج بعض الأصحاب بالخبر على أنه (١/ ق ٣٤ - ب) إذا قال: جعلت هذا الأرض مسجدًا لا يصير وقفًا ومسجدًا لمجرد هذا اللفظ.
_________________
(١) "الأم" (١/ ٩٢).
(٢) لم أجده من حديثها، ورواه البخاري من حديث ميمونة (٣٣٣).
(٣) أما حديث جابر فرواه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١/ ٣)، وأما حديث أبي هريرة فرواه مسلم (٥٢٣/ ٥، ٦).
(٤) رواه مسلم (٩٧٢/ ٩٧، ٩٨) من حديث أبي مرثد الغنوي.
[ ١ / ٢٠٧ ]
الأصل
[٧٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا [[بن] (١) عيينة، عن يحيى بن سعيد قال: سمعت أنس بن مالك يقول: بال أعرابي في المسجد فعجل الناس إليه، فنهاهم - ﷺ - وقال: "صبُّوا عليه دلوًّا من ماء" (٢).
[٧١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: دخل أعرابي المسجد فقال: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا.
فقال رسول الله - ﷺ -: "لَقْدَ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا".
قال: فما لبث أن بال في ناحية المسجد فكأنهم عجلوا عليه، فنهاهم النبي - ﷺ -، ثم أمر بذنوب من ماء أو سجل ماء فأهريق عليه، ثم قال النبي - ﷺ -: "عَلِّمُوا وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا" (٣).
الشرح
يحيى: هو ابن سعيد بن قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة الأنصاري من بني النجار، أبو سعيد.
سمع: أنس بن مالك، وأبا سلمة بن عبد الرحمن.
وروى عنه: سليمان بن بلال، ومالك، وابن عيينة.
مات سنة ثلاث وأربعين ومائة، وقيل: سنة ست وأربعين (٤).
وسعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ
_________________
(١) سقط من "الأصل". والمثبت من "المسند".
(٢) "المسند" ص (٢٠).
(٣) "المسند" ص (٢٠).
(٤) انظر "التاريخ الكبير" (٨/ ترجمة ٢٩٨٠)، و"الجرح والتعديل" (٩/ ترجمة ٦٢٠)، و"التهذيب" (٣١/ ترجمته ٦٨٣٦).
[ ١ / ٢٠٨ ]
القرشي المخزومي، أبو محمَّد من كبار علماء التابعين.
سمع: عثمان، وعليًّا، وأباه المسيب، وأبا هريرة، وابن عمر، وحكيم بن حزام، والعدد الجم من الصحابة.
وروى عنه: الزهري، وعمرو بن مرة، وقتادة، وداود بن أبي هند، وغيرهم.
مات سنة ثلاث وتسعين، وقيل: سنة أربع، وقيل: سنة خمس (١).
وحديث أنس: أخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣) في "الصحيح" من رواية يحيى بن سعيد الأنصاري، والحديث الثاني رواه عن سفيان كما رواه الشافعي: علي بن المديني، والحميدي، وغيرهما.
ورواه شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة، ومن ذلك الوجه أخرجه البخاري (٤).
وقوله: "فعجل الناس" أراد أنهم صاحوا به وعنفوه، وأرادوا أن يقيموه ويقطعوا عليه.
وقوله: "تحجرت واسعًا" أي: ضيقت ما وسعه الله تعالى، قال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٥).
والذنوب: الدلو المملوءة من الماء، وعن ابن السكيت (٦): أنه إذا كان فيها ماء يقرب من الامتلاء فهي ذنوب أيضًا (١/ ق ٣٥ - أ)، والجمع أذنبة وذنانب، ولفظ الذنوب يذكر ويؤنث.
_________________
(١) انظر "التاريخ الكبير" (٣/ ترجمة ١٦٩٨)، و"الجرح والتعديل" (٤/ ترجمة ٢٦٢)، و"التهذيب" (١١/ ترجمة ٢٣٥٨).
(٢) "صحيح البخاري" (٢٢١).
(٣) "صحيح مسلم" (٢٨٤، ٢٨٥) من رواية يحيى، وغيره.
(٤) "صحيح البخاري" (٦٠١٠).
(٥) الأعراف: ١٥٦.
(٦) انظر "مختار الصحاح" مادة: ذنب وقال: ولا يقال لها وهي فارغة ذنوب.
[ ١ / ٢٠٩ ]
والسجل: الدلو المملوءة أيضًا ولا يقال وهي فارغة سجل.
ونهي النبي - ﷺ - عن تعنيفه سببه أنه كان جاهلًا بتحريم تلويث المسجد، وكأنه كان قريب العهد بالإِسلام فأمرهم بأن يعلموه، ويروى أنه - ﷺ - قال: "إن هذا المكان لا يبال فيه، إنما هي للصلاة ".
وفي الخبر أن الأرض إذا أصابها بول تطهر بالماء ولا حاجة إلى حفر التراب ونقله، والمعتبر أن تصير النجاسة مغلوبة والماء غالبًا عليها بكثرته ولذلك تعرض للذنوب أو السجل؛ لأن التطهير مقدر بالذنوب، وعن بعض الأصحاب وجه ضعيف: أنه يشترط أن يصب على بول الواحد ذنوب وعلى بول الاثنين ذنوبان وعلى هذا أبدًا (١)؛ ووجه آخر: أنه يشترط أن يكون الماء سبعة أضعاف البول الذي أصاب الموضع.
الأصل
[٧٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد، عن عثمان بن أبي سليمان، أن مشركي قريش حين أتوا المدينة في فداء أسراهم كانوا يبيتون في المسجد، منهم جبير بن مطعم.
قال جبير: فكنت أسمع قراءة النبي - ﷺ - (٢).
الشرح
عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم.
روى عن: عامر بن عبد الله بن الزبير، وابن أبي مليكة.
وروى عنه: ابن عيينة، وإسماعيل بن أمية، وابن جريج (٣).
_________________
(١) "المهذب" ١/ ٩١.
(٢) "المسند" ص (٢١).
(٣) انظر "التاريخ الكبير" (٦/ ترجمة ٢٢٣٣)، و"الجرح والتعديل" (٦/ ترجمة ٨٣١)، و"التهذيب" (١٩/ ترجمته ٣٨١٩).
[ ١ / ٢١٠ ]
وجبير: هو ابن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي أبو محمَّد، ويقال: أبو عدي القرشي المديني، أسلم قبل الفتح.
وروى عنه: ابناه محمَّد ونافع، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن ورد.
مات بالمدينة سنة ثمان وخمسين (١).
ومن فوائد الحديث: أن الأسرى يفادون كما قال تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (٢) ويجوز أن يبيت الكافر في المسجد.
قال الشافعي: ويستثنى المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٣) قال: وإذا جاز للمشرك أن يبيت في المسجد فالمسلم أولى بذلك (٤).
ويروى أن ابن عمر كان يبيت في المسجد زمان النبي - ﷺوهو عزب (٥)، وأن سعيد بن المسيب سئل عن النوم في المسجد فقال: فأين كان أهل الصفة (٦).
وفيه أنه - ﷺ - كان يرفع الصوت في قراءته، وأنه لا بأس بإسماع الكافر القرآن والذكر، ويعرف من الحديث أن جبيرًا متأخر الإِسلام عن الهجرة بمدة.
الأصل
[٧٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد، عن عبيد الله (١/ ق ٣٥ - ب) بن طلحة بن كريز، عن الحسن، عن عبد الله
_________________
(١) انظر "معرفة الصحابة" (٢/ ترجمة ٤٣٦)، و"الإصابة" (١/ ترجمة ١٠٩٣).
(٢) محمَّد: ٤.
(٣) التوبة: ٢٨.
(٤) "الأم" (١/ ٥٤).
(٥) رواه البخاري (١١٢١).
(٦) رواه عبد الرزاق (١٦٤٨)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٢٨)، والبيهقي (٢/ ٤٤٥).
[ ١ / ٢١١ ]
بن معقل أو مغفل، عن النبي - ﷺ - قال: "إذا أدركتكم الصلاة وأنتم في مراح الغنم فصلوا فيها، فإنها سكينة وبركة، وإذا أدركتكم الصلاة وأنتم في أعطان الإبل فأخرجوا منها فصلوا، فإنها جن من جن خلقت ألا ترونها إذا نفرت كيف تشمخ بأنفها" (١).
الشرح
عبيد الله: هو ابن طلحة بن كريز -بفتح الكاف- الخزاعي، أبو مطرف.
سمع: الزهري، والحسن.
وسمع منه: حبان الكلابي أبو رويحة، ومحمد بن إسحاق (٢).
والحسن: هو ابن أبي الحسن يسار البصري، مولى زيد بن ثابت، أبو سعيد من أئمة التابعين المشهورين.
سمع: جندب بن عبد الله، وأنس بن مالك، وأبا بكرة، وعبد الرحمن بن سمرة.
وروى عنه: يونس بن عبيد، وأيوب السختياني، وقتادة، ومن لا يحصون. مات سنة عشر ومائة (٣).
_________________
(١) "المسند" ص (٢١). قال الألباني في "الضعيفة" (٥/ ٢٣٧): ضعيف جدًّا. ولكنه صحح ما رواه أحمد وابن حبان وابن ماجه من طريق الحسن عنه مختصرًا: "صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل، فإنها خلقت من الشياطين" وبين وجهه.
(٢) انظر "التاريخ الكبير" (٥/ ترجمة ١٢٣٧)، و"الجرح والتعديل" (٥/ ترجمة ١٥١٦)، و"التهذيب" (١٩/ ترجمة ٣٦٤٥).
(٣) انظر "التاريخ الكبير" (٢/ ترجمة ٢٥٠٣)، و"الجرح والتعديل" (٣/ ترجمة ١٧٧)، و"التهذيب" (٦/ ترجمته ١٢١٦).
[ ١ / ٢١٢ ]
وابن معقل أو مغفل نسب الشك فيه إلى الربيع.
قال الأئمة: وهو مغفل بلا شك: وهو عبد الله بن مغفل بن عبدنهم بن غضيف بن أسيحم بن ربيعة بن عدي المزني، من أصحاب النبي - ﷺ - الذين نزلوا البصرة وكنيته أبو زياد، وقيل: أبو سعيد، وقيل: أبو عبد الرحمن.
روى عنه: عبد الله بن بريدة، ومعاوية بن قرة، وسعيد بن جبير.
توفي بالبصرة سنة تسع وخمسين، وقيل: سنة إحدى وستين (١).
ولفظ الحديث في بعض نسخ الكتاب والروايات: إذا أدركتكم الصلاة، وإذا أدركتم وهما صحيحان.
ومراح الغنم: مأواها ليلًا، وأعطان الإبل فسرها الشافعي بالموضع القريبة من الحوض التي تنحى إليها من الإبل التي شربت ليشرب غيرها فإذا اجتمعت استبقت، وليس النهي عن الصلاة فيها لمكان النجاسة فإنه رخص في الصلاة في المراح وحال النجاسة لا يختلف، ولكن سبب الكراهة شيئان بينهما الشافعي:
أحدهما: أنها خلقت من جنٍّ والصلاة تكره في مأوى الجنِّ والشياطين ولذلك قال - ﷺ -: "اخرجوا من هذا الوادي فإن فيه شيطانًا" (٢).
والثاني: أنه يخاف من نفارها وذلك يبطل الخشوع، ولو صُور في الغنم مثل أعطان الإبل لم تكن فيه كراهة، لانتفاء المعنيين ومأوى الإبل ليلًا كأعطانها لوجود المعنيين فيه لا كمراح الغنم، وكل واحد من
_________________
(١) انظر "معرفة الصحابة" (٤/ ترجمة ١٧٥٦)، و"الإصابة" (٤/ ترجمة ١٩٧٥).
(٢) رواه مسلم (٦٨٠/ ٣٠٩، ٣١٠) من حديث أبي هريرة وفيه قوله لبلال: "اكلأ لنا الليل".
[ ١ / ٢١٣ ]
المراح والعطن إذا كان نجسًا بالأبوال والأبعار (١/ ق ٣٦ - أ) لا تجوز الصلاة فيه، فإن بسط على الموضع ثوب طاهر صحت ويفترقان في الكراهة.
وقوله: "جنٌّ من جنٍّ" أي: خلقت من جن، وكذلك وردت في بعض الروايات والمقصود: أنها تشبه الجن عند نفارها.
وقوله: "إذا نفرت" يقال: نفرت الدابة نفارًا، ونفر الحاج نفرًا ونَفَرانًا، ونفر القوم إلى الغزو نفورًا، والمستقبل في الكل: يَنْفِرُ.
وقوله: "تشمخ بأنفها" أي: ترفعه، والأصل في الكلمة: الارتفاع، يقال: جبل شامخ، ثم قيل للمتكبر يشمخ بأنفه.
الأصل
[٧٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - دخل الكعبة ومعه بلال وأسامة وعثمان بن [طلحة] (١).
قال ابن عمر: فسألت بلالًا ما صنع رسول الله - ﷺ -؟
قال: جعل عمودًا عن يساره، وعمودًا عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، ثم صلى وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة (٢).
الشرح
عثمان: هو [ابن] (٣) طلحة بن أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي الحجبي القرشي هاجر إلى النبي - ﷺ - في
_________________
(١) في "الأصل": أبي طلحة خطأ، والمثبت من "المسند". وأما عثمان بن أبي طلحة فهو عم عثمان بن طلحة هذا.
(٢) "المسند" ص (٢١).
(٣) في "الأصل": أبو. والمثبت من التخريج، وقد سبق الكلام عليه.
[ ١ / ٢١٤ ]
الهدنة ودفع إليه مفتاح الكعبة وقال: "خذوها يا بني أبي طلحة خالدة تالدة" (١).
روى عنه: ابن عمر، وعروة بن الزبير (٢).
والحديث صحيح رواه البخاري (٣) عن عبد الله بن يوسف عن مالك، ومسلم (٤) عن يحيى بن يحيى عن مالك وقال: "عمودين عن يساره" وكذلك رواه الشافعي في موضع آخر، ورواه يحيى بن بكير وغيره عن مالك فقال: "عمودين عن يمينه" (٥) ويقال: إنه الصحيح (٦).
وفي الباب عن عمر، وابن عمر.
وفي الحديث بيان أنه لا بأس بالصلاة في الكعبة خلافًا لقول بعضهم إنه لا تصح الصلاة في الكعبة، ويروى عن أسامة بن زيد أن النبي - ﷺ - لما دخل البيت دعا في نواحيها كلها ولم يصل فيه حتى خرج (٧) فرجح الشافعي رواية بلال فإنه أثبت وأسامة نفى ومعرفة الثبوت أسهل من معرفة الانتفاء، ولذلك جازت الشهادة على الإثبات دون النفي، وما روي أنه - ﷺ - نهى عن أن يصلى في سبعة مواطن، وذكر في آخرها: "فوق ظهر بيت الله" (٨) قد يشعر باختصاص النهي بالظهر
_________________
(١) رواه الطبراني في "الكبير" (١١/ رقم ١١٢٣٤).
(٢) انظر "معرفة الصحابة" (٤/ ترجمة ٢٠١٧)، و"الإصابة" (٤/ ترجمة ٥٤٤٤).
(٣) "صحيح البخاري" (٥٠٥).
(٤) "صحيح مسلم" (١٣٢٩/ ٣٨٨).
(٥) رواه البخاري (٥٠٥) عن إسماعيل بن أبي أويس.
(٦) كذا قال البيهقي (٥/ ١٥٧).
(٧) رواه مسلم (١٣٣٠/ ٣٩٥).
(٨) رواه الترمذي (٣٤٦)، وابن ماجه (٧٤٦). قال الترمذي: إسناده ليس بذاك القوي، وضعفه أبو حاتم في "العلل" (٤١٢)، وأيضًا الألباني في "الإرواء" (١/ ٣١٨).
[ ١ / ٢١٥ ]
والمصلي في جوفها يستقبل ما شاء من جدرانها.
وقوله: "وثلاثة أعمدة وراءه" هذِه الكلمة قد ترد بمعنى: خلف، وبمعنى: قدام، والمراد ها هنا الأولى؛ لما روي أنه كان بينه وبين الجدار قدر ثلاثة أذرع (١).
الأصل
[٧٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن عامر بن عبد الله، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن أبي قتادة أن النبي - ﷺ - كان يصلي وهو حامل أمامة بنت أبي العاص.
قال الشافعي: وثوب أمامة ثوب صبي (٢).
الشرح
عامر: هو ابن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي المديني أبو الحارث.
سمع: أباه، وعمرو بن سليم.
وروى عنه: مالك، وجامع بن شداد، وابن عجلان (٣).
وعمرو: هو ابن سليم بن خلدة الزرقي الأنصاري المديني.
سمع: أبا زيد، وأبا قتادة، وأبا سعيد الخدري.
وروى عنه: أبو بكر [بن] (٤) محمَّد بن عمرو بن حزم، وسعيد
_________________
(١) رواه البخاري (٥٠٦) من حديث ابن عمر.
(٢) "المسند" ص (٢١).
(٣) انظر "التاريخ الكبير" (٦/ ترجمة ٢٩٥١)، و"الجرح والتعديل" (٦/ ترجمة ١٨١٠)، و"التهذيب" (١٤/ ترجمة ٣٠٤٩).
(٤) سقط من "الأصل" والمثبت من التخريج.
[ ١ / ٢١٦ ]
المقبري (١).
وأمامة بنت زينب بنت رسول الله - ﷺ - وهي بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس، واسمه القاسم، ويقال: مقسم وتزوج زينب وهو مشرك، وردها رسول الله - ﷺ - بعد إسلامه بالنكاح الأول أو بنكاح جديد فيه اختلاف رواية، وتزوج أمامة علي بعد فاطمة -﵃- ونكحت بعد علي المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وتوفيت عنده (٢).
والحديث صحيح أخرجاه في "الصحيحين" (٣) من حديث مالك، وأخرجه أبو داود (٤) عن القعنبي عنه ولفظ أبي قتادة: رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي بالناس وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه.
وقول الشافعي: "وثوب أمامة ثوب صبي" يريد أن ثياب الصبيان تغلب فيها النجاسة ومع ذلك حملها بثوبها، فدل على أن الأخذ بأصل الطهارة جائز حتى يستيقن خلافه.
ومن فوائد الحديث أن حمل الحيوان في الصلاة جائز ولا يمنع منه بما في باطنه، وأن الفعل القليل لا يمنع صحة الصلاة، وقد ثبت في الخبر أنه كان إذا سجد وضعها وإذا قام رفعها وأنه لا بأس بإخراج الصغائر وإحضارهن عند الناس، وأن الصبي قد يحضر المسجد، وكأن
_________________
(١) انظر "التاريخ الكبير" (٦/ ترجمة ٢٥٥٩)، و"الجرح والتعديل" (٦/ ترجمة ١٣٠٥)، و"التهذيب" (٢٢/ ترجمة ٤٣٧٩).
(٢) انظر "معرفة الصحابة" (٦/ ٣٧٨٧)، و"الإصابة" (٧/ ترجمة ١٠٨٢).
(٣) "صحيح البخاري" (٥١٦)، و"صحيح مسلم" (٥٤٣/ ٤١).
(٤) "سنن أبي داود" (٥١٧).
[ ١ / ٢١٧ ]
المراد من قوله - ﷺ -: "جنّبوا مساجدكم صبيانكم" (١) إذا لم يكن معهم من يتعهدهم.
وقال أبو سليمان الخطابي: يشبه أن يكون ما جرى من حملها لا عن قصدٍ وتعمد، ولعلها من طول ما أَلِفته كانت تتعلق به فلا يدفعها؛ وذلك لأن تعمده يشغل عن الصلاة، وفيه (١/ ق ٣٧ - أ) بيان حسن خلقه ورفقه بالصبيان - ﷺ -.
الأصل
[٧٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: "لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء" (٢).
الشرح
هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (٣) عن أبي عاصم عن مالك، ومسلم (٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن ابن عيينة عن أبي الزناد، وأبو داود (٥) عن مسدد عن سفيان.
وهو محمول عند العلماء على ما إذا كان الثوب واسعًا بالاختيار أن يأتزر به ويرفع طرفيه ويخالف بينهما ويجعلهما على عاتقيه، فيكون
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٧٥٠)، والبيهقي (١٠/ ١٠٣) من حديث واثلة بن الأسقع. قال ابن الجوزي في "العلل" (٦٧٧): لا يصح، وقال ابن الملقن في "الخلاصة" (٢٨٥٦): إسناده ضعيف. وقال الألباني في "الإرواء" (٧/ ٣٦١): ضعيف جدًّا.
(٢) "المسند" ص (٢١ - ٢٢).
(٣) "صحيح البخاري" (٣٥٩).
(٤) "صحيح مسلم" (٥١٦/ ٢٧٧).
(٥) "سنن أبي داود" (٦٢٦).
[ ١ / ٢١٨ ]
ذلك كالإزار والرداء معًا، وقد روي أنه - ﷺ - قال: "إذا صلى أحدكم في ثوب فليخالف بطرفيه على عاتقيه، فإن كان ضيقًا ائتزر به" (١).
وفيه بيان أن الصلاة تصح في الثوب الواحد خلافًا لما روي عن بعض السلف: أنه لا بد وأن يكون على المصلي ثوبان.
الأصل
[٧٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن هشام، عن فاطمة، عن أسماء قالت: أتت امرأة النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله إن ابنة لي أصابتها الحصبة فتمرق شعرها أَفأَصِلُ فيه؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "لعنت الواصلةُ والموصولةُ" (٢).
الشرح
هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (٣) عن الحميدي عن ابن عيينة، وأخرجه (٤) هو ومسلم (٥) من أوجه عن هشام.
والحصبة: علة تهيج بالإنسان يبدو منها في الجلد بثرات، ويقال لها: الحصِبَة أيضًا والتمرق كالتمرط، ويقال: مرقت الجلد أي: نتفت عن الجلد المعطون صوفه (٦).
والحديث أصل في المنع من الوصل، ووجه من جهة المعنى بأن الشعر إن كان شعر آدمي فيحرم ابتذاله واستعماله، وإلا فإن كان نجسًا لم يجز استصحابه، وإلا فإن كانت المرأة خلية فقد عرضت نفسها
_________________
(١) رواه البخاري (٣٦٠)، وأبو داود (٦٢٧) بنحوه.
(٢) "المسند" ص (٢٢).
(٣) "صحيح البخاري" (٥٩٤١).
(٤) "صحيح البخاري" (٥٩٣٦).
(٥) "صحيح مسلم" (٢١٢٢/ ١١٥).
(٦) انظر: "لسان العرب" مادة مرق.
[ ١ / ٢١٩ ]
للتهمة وإن كانت متزوجة فقد لبّست عليه، فإن أذن ففيه اختلاف للأصحاب.
الأصل
[٧٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عطاف بن خالد الدراوردي، عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة، عن سلمة بن الأكوع قال: قلت: يا رسول الله إنا نكون في الصيد أفيصلي أحدنا في القميص الواحد؟
قال: "نعم، وليزرّه ولو لم يجد إلا أن يخله (١/ ق ٣٧ - ب) بشوك" (١).
الشرح
عطاف: هو ابن خالد بن عبد الله أبو [صفوان] (٢) المخزومي القرشي.
سمع: نافعًا، وسمع منه: مالك بن إسماعيل (٣).
وموسى بالنسب المذكور مخزومي.
روى عن: سلمة بن الأكوع، وعن أبيه، وعكرمة (٤).
وسلمة بن الأكوع ويقال: ابن عمرو بن الأكوع، واسم الأكوع: سنان بن عبد الله بن بشير بن خزيمة الأسلمي أبو عامر ويقال: أبو
_________________
(١) "المسند" ص (٢٢).
(٢) تصحف في "الأصل" إلى صبوان.
(٣) انظر "التاريخ الكبير" (٧/ ترجمة ٤١٢)، و"الجرح والتعديل" (٧/ ترجمة ١٧٥)، و"التهذيب" (٢٠/ ترجمته ٣٩٥٣).
(٤) انظر "التاريخ الكبير" (٧/ ترجمة ١١٨٤)، و"الجرح والتعديل" (٨/ ترجمة ٦٠٣)، و"التهذيب" (٢٩/ ترجمته ٦٢٣٣).
[ ١ / ٢٢٠ ]
إياس، ويقال أبو مسلم، من شجعان أصحاب النبي - ﷺ -، سكن الربذة.
وروى عنه: ابنه إياس، ومولاه يزيد بن أبي عبيد، والحسن بن محمَّد بن الحنفية. مات سنة أربع وسبعين (١).
والحديث مشهور من روايته (٢)، ورواه بعضهم عن موسى بن إبراهيم عن أبيه عن سلمة.
ويقال: زرَرْت القميص أزره أي: شددت أزراره عليه، وزررت الرجل: شددت على قميصه أزراره، ويقال: خلّ الثوب بالخلال يخله خلًّا.
وقوله: "ولو لم يجد إلا أن يخله بشوكٍ" يجوز أن يريد فليفعل فحذف، ويجوز أن يكون متعلقًا بقوله: "وليزره" لأن الخل بالشوك يقوم مقام الزّر.
وفي الحديث ما يدل على جواز الاصطياد، وعلى أنه إذا خفف ملبوسه لشغل يقتضي التخفيف ثم حانت الصلاة؛ فيعذر في أن يصلي كذلك ولا يلبس أحسن ثيابه وأكملها، وأنه لا بأس بالتردد في القميص الواحد وإن كان يبدو للمتردد فيه من أطراف العورة شيء، واحتج به على أن الصلاة في القميص الواسع الأزرار لا تجوز، وعلى أنه لا يؤمر بالستر من الأسفل.
_________________
(١) انظر "معرفة الصحابة" (٣/ ترجمة ١٢١٩)، و"الإصابة" (٣/ ترجمة ٣٣٩١).
(٢) رواه أبو داود (٦٣٢)، والنسائي (٢/ ٧٠)، وابن خزيمة (٧٧٧)، وابن حبان (٢٢٩٤)، والحاكم (١/ ٣٧٩)، والبخاري معلقًا (باب وجوب الصلاة في الثياب ). قال البخاري: وفي إسناده نظر، وقال الحاكم: صحيح.
[ ١ / ٢٢١ ]
الأصل
[٧٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عمرو بن أبي سلمة، عن الأوزاعي، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة قالت: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله - ﷺ - (١).
الشرح
عمرو بن أبي سلمة: هو أبو حفص التنيسي.
سمع: الأوزاعي.
وروى عنه: الشافعي، بروايته عنه يعرف (٢).
والأوزاعي: هو عبد الرحمن بن عمرو إمام أهل الشام، والأوزاع بطن من حمير، ويقال: قرية بدمشق على باب الفراديس.
سمع: الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري.
روى عنه: ابن المبارك، والوليد بن سلمة، والثوري، ومالك.
مات سنة سبع وخمسين ومائة (٣).
والحديث صحيح (٤) وتمامه ما رواه علقمة والأسود، عن عائشة قالت: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله - ﷺ - ثم يصلي فيه.
ورواه همام بن الحارث عن عائشة مع قصةٍ وهي (١/ ق ٣٨ - أ) أن ضيفًا ضاف عائشة فأرسلت إليه تدعوه فقالوا لها: إنه أصابته جنابة
_________________
(١) "المسند" ص (٢٢).
(٢) انظر "التاريخ الكبير" (٦/ ترجمة ٢٥٧٤)، و"الجرح والتعديل" (٦/الترجمة ١٣٠٤)، و"التهذيب" (٢٢/ ترجمة ٤٣٧٨).
(٣) انظر "التاريخ الكبير" (٥/ ترجمة ١٠٣٤)، و"الجرح والتعديل" (٥/ ترجمة ١٢٥٧)، و"التهذيب" (١٧/ ترجمة ٣٩١٨).
(٤) رواه مسلم (٢٨٨/ ١٠٥، ١٠٦)، وأبو داود (٣٧٢).
[ ١ / ٢٢٢ ]
فذهب يغسل ثوبه.
فقالت عائشة: ولمَ غسله كنت أفرك المني من ثوب رسول الله - ﷺ - (١).
وعن محارب بن دثار عن عائشة أنها كانت تحت المني من ثياب رسول الله - ﷺوهو في الصلاة (٢).
ودلالة الحديث على طهارة المني ظاهرة، واحتج به أيضًا على طهارة رطوبة فرج المرأة؛ لأن مني رسول الله - ﷺ - على ثوبه كان من الجماع؛ لأن النبي - ﷺ - كان لا يحتلم (٣).
وقد روي القول بطهارة المني عن جماعة من الصحابة (وعن) (٤) يعني ابن عباس أنه قال في المني يصيب الثوب: أمطه عنك بعود أو إذخرة، فإنما هو بمنزلة البصاق أو المخاط (٥)، وعن سعد بن أبي وقاص أنه كان إذا أصاب ثوبه المني مسحه إن كان رطبًا، وإن كان يابسًا حتّه ثم صلى فيه (٦).
_________________
(١) رواه مسلم (٢٨٨/ ١٠٧)، والترمذي (١١٦).
(٢) أخرجه ابن خزيمة (٢٩٠).
(٣) قال في "الفتح": كان لا يحتلم إذ الاحتلام من الشيطان وهو معصوم منه.
(٤) كتب في الأصل: يعني. وكتب فوقها: لعله: وعن.
(٥) رواه ابن أبي شيبة (١/ ٨٣)، والشافعي ص (٣٤٥)، والبيهقي (٢/ ٤١٨). قال البيهقي: هذا حديث صحيح عن ابن عباس من قوله، وقد روي مرفوعًا ولا يصح رفعه. وقال الألباني في "الضعيفة" (٢/ ٣٦٠): منكر مرفوعًا.
(٦) رواه الشافعي ص (٣٤٥)، والبيهقي (٢/ ٤١٨).
[ ١ / ٢٢٣ ]