مالك إمام دار الهجرة، أبو عبد الله بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني، انتهى العلم إليه بالحرمين وانتشرت كتبه وأصحابه ومذهبه، وعن الشافعي -﵁- أنه قال في تصنيفه "الموطأ": ما بعد
_________________
(١) "المسند" ص (٧). والحديث رواه أبو داود (٨٤)، والترمذي (٦٩)، والنسائي (١/ ٥٠، ٧/ ٢٠٧)، وابن ماجه (٣٨٦، ٣٢٤٦)، وابن الجارود (٤٣)، وابن خزيمة (١١١)، وابن حبان (٢٤٣)، والحاكم (١/ ٢٣٧) جميعًا من طريق مالك. قال الترمذي: حسن صحيح. ونقل الترمذي في "العلل" ص (٤١) عن البخاري أنه قال: هو حديث صحيح. وقال ابن حجر في "التلخيص" (١/ ٨ رقم ١): ورجح ابن مندة صحته، وصححه أيضًا ابن المنذر وأبو مُحَمَّد البغوي. قلت: وصححه الشيخ الألباني في "الإرواء" (٩).
[ ١ / ٧٥ ]
كتاب الله كتاب هو أكثر صوابًا من موطأ مالك، وهمَّ هارون الرشيد بأن يعلقه في الكعبة ويحمل الناس على ما فيه؛ فمنعه مالك لورعه، وقال: إن أصحاب رسول الله - ﷺ - تفرقوا في الأمصار واختلفوا، ولكلٍّ اجتهاد فاترك الناس وما أخذوا منهم، ويذكر أنه إذا جلس مجلسه لم ينطق بشيء حتى يقول: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العلم الحكيم.
ولد سنة ثلاث أو أربع أو خمس وتسعين، ومات سنة تسع وسبعين ومائة، ودفن بالبقيع (١).
وصفوان بن سليم أبو الحارث، ويقال: أبو عبد الله، مولى حميد ابن عبد الرحمن بن عوف، سمع: عطاء بن يسار، وحميد بن عبد الرحمن.
روى عنه: مالك، وسفيان بن عيينة، والدراوردي، وغيرهم، مات سنة أربع وعشرين ومائة.
وعن ابن عيينة أنه قال: كنت إذا رأيته علمت أنه يخشى الله تعالى (٢).
وسعيد بن سلمة يقال له: المخزومي، من آل [[بن] (٣) الأزرق، وعكس بعض الرواة الاسمين، فقال: سلمة بن سعيد، وبدل بعضهم فقال: عبد الله بن سعيد.
_________________
(١) انظر "التاريخ الكبير" (٧/ ترجمة ١٣٢٣)، و"الجرح والتعديل" (٨/ ترجمة ٩٠٢)، و"التهذيب" (٢٧/ ترجمته ٥٧٢٨).
(٢) انظر "التاريخ الكبير" (٤/ الترجمة ١٣٢٣)، و"الجرح والتعديل" (٤/الترجمة ١٨٥٨)، و"التهذيب" (١٣/ ترجمة ٢٢٨٢).
(٣) المثبت من مصادر التخريج.
[ ١ / ٧٦ ]
روى عن سعيد: صفوان، وعمرو بن الحارث، وغيرهما (١).
والمغيرة بن أبي بردة من بني عبد الدار، روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، وروى عن: أبي هريرة وغيره.
ووهم بعضهم فقال: المغيرة بن أبي بر (٢)، وجعل بعضهم مكانه في الإسناد عبد الله بن المغيرة، والأول أثبت (٣).
وأبو هريرة (٤) الدوسي من مشهوري الصحابة، اسمه في الإِسلام: عبد الرحمن أو عبد الله، وفي الجاهلية: عبد شمس، أو عبد غنم، أو عبد نهم، أو سكتتين، أو عامر، كلُّ قيل، وقيل غيرها، نزل المدينة وكان قدومه على رسول الله - ﷺ - وإسلامه عام خيبر، توفي [] (٥) سنة
_________________
(١) انظر "التاريخ الكبير" (٣/الترجمة ١٥٩٩)، و"الجرح والتعديل" (٤/الترجمة ١١٥)، و"التهذيب" (١٠/ ترجمة ٢٢٨٩).
(٢) كذا في "الأصل".
(٣) انظر "التاريخ الكبير" (٧/ ترجمة ١٣٨٩)، و"الجرح والتعديل" (٨/ ترجمة ٩٨٣)، و"التهذيب" (٢٨/ ترجمة ٦١٢٣).
(٤) انظر "معرفة الصحابة" (٤/ ١٨٤٦، ١٨٨٥)، وفيه: توفي بالعقيق، وقيل: بالمدينة سنة سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع وخمسين في أيام معاوية ﵄.
(٥) انتقل المخطوط من (١/ ق ٣ - أ) إلى (١/ ق ٣ - ب) إلى شرح حديث أسماء ﵂ في دم الحيضة يصيب الثوب، وبذلك يكون قد سقط الحديث رقم ٢ - ٦ والشرح أيضًا، ورأيت من الفائدة أن أذكرهم من "المسند" "وأعلق عليهم باختصار: الحديث [٢]: أنبأنا الثقة، عن الوليد بن كثير، عن مُحَمَّد بن عباد، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسًا أو خبثًا". رواه أبو داود (٦٤)، والترمذي (٦٧)، والنسائي (١/ ٤٦)، وابن ماجه (٥١٧)، وابن الجارود (٤٤، ٩٢)، وابن خزيمة (٩٢)، وابن حبان (١٢٤٩، ١٢٥٣)، والحاكم (١/ ٢٢٤) جميعًا من طريق عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وقال ابن الملقن في "الخلاصة" (١/ ٨ رقم ٣): =
[ ١ / ٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وصححه ابن منده، والطحاوي، والبيهقي، والخطابي. قلت: وصححه الشيخ الألباني في "الإرواء" (١/ ٦٠ رقم ٢٣) وقال: وإعلال بعضهم إياه بالاضطراب مردود كما بينته في "صحيح أبي داود" (٥٦ - ٥٨). والثقة: هو حماد بن أسامة بن زيد القرشي، أبو أسامة الكوفي مولى بني هاشم، وقيل غيره كما جزم به الحاكم في المستدرك -روى عن: الثوري، وشعبة، والأعمش، وغيرهم. ووثقه أحمد وابن معين، ومات سنة إحدى ومائتين. انظر ترجمته في "التاريخ الكبير" (٣/ ترجمة ١١٣)، و"الجرح والتعديل" (٣/ ترجمة ٦٠٠)، و"التهذيب" (٧/ ترجمة ١٤٧١). والوليد بن كثير: هو القرشي المخزومي، مولاهم أبو مُحَمَّد المدني، سكن الكوفة. روى عن: سعيد المقبري، والزهري، ونافع مولى ابن عمر. وثقه ابن معين وأبو داود وابن حبان. انظر ترجمته في "الجرح والتعديل" (٩/ ترجمة ٦٢)، و"التهذيب" (٣١/ ترجمة ٦٧٣٣). ومحمد بن عباد: هو ابن جعفر بن رفاعة بن أمية بن عائذ القرشي المخزومي المكي. روى عن: جابر بن عبد الله، وابن عباس، وابن عمر. وثقه ابن معين وأبو زرعة وابن حبان. انظر ترجمته في "التاريخ الكبير" (١/ ترجمة ٥٢٨)، و"الجرح والتعديل" (٨/ ترجمة ٥٦)، و"التهذيب" (٢٥/ ترجمة ٥٣٢٠). وعبد الله بن عبد الله: هو ابن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، أبو عبد الرحمن المدني، روى عن: أبيه ابن عمر، وأبي هريرة. وثقه وكيع وأبو زرعة والنسائي. انظر ترجمته في "التاريخ الكبير" (٥ ترجمة ٣٦٨)، و""الجرح والتعديل" (٥/ ترجمة ٤١١)، و"التهذيب" (١٥/ ترجمة ٣٣٦٦). وأبوه: هو عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، أبو عبد الرحمن المكي ثم المدني الصحابي الجليل، قيل: مات سنة ثلاث وسبعين، وقيل: سنة أربع وسبعين. انظر ترجمته في "معرفة الصحابة" (٣/الترجمة ١٦٩٥)، و"الإصابة" (٤/ ترجمة ٤٨٣٧). الحديث [٣] أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا شرب الكلب من إناء أحدكم فليغسله سبع مرات". =
[ ١ / ٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الحديث [٤] أخبرنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات". أبو الزناد: هو عبد الله بن ذكوان القرشي، أبو عبد الرحمن المدني، روى عن: أبان بن عثمان، وابن المسيب، والشعبي. وروى عنه: الثوري، وابن عيينة، والأعمش. وثقه ابن معين، وأحمد وأبو حاتم. انظر ترجمته في "التاريخ الكبير" (٥/ ترجمة ٢٢٨)، و"الجرح والتعديل" (٥/ ترجمة ٢٢٧)، "التهذيب" (١٤/ ترجمته ٣٢٥٣). والأعرج: هو عبد الرحمن بن هرمز، أبو داود المدني، روى عن: ابن عباس وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة. وثقه ابن سعد وأبو زرعة، وابن المديني. وسفيان بن عيينة: هو ابن أبي عمران، أبو مُحَمَّد الكوفي. انظر ترجمته في "التاريخ الكبير" (٤/ ترجمة ١٠٨٢)، و"الجرح والتعديل" (٤/ ترجمة ٩٧٣)، و"التهذيب" (١١/ ترجمة ٢٤١٣). والحديث صحيح متفق عليه: رواه البخاري (١٧٢) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم (٢٧٩/ ٩٠) عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك. الحديث [٥] أنبأنا ابن عيينة، عن أيوب بن أبي تميمة، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات أولاهن بالتراب أو أخراهن بالتراب". أيوب ابن أبي تميمة: هو السختياني أبو بكر البصري رأى أنس بن مالك، وثقه ابن معين وابن سعد والنسائي. انظر ترجمته في "التاريخ الكبير" (٤/ ترجمة ١٣٠٧)، و"الجرح والتعديل" (١/ ترجمة ٤)، و"التهذيب" (٣/ ٤٥٧). وابن سيرين: هو مُحَمَّد بن سيرين الأنصاري، أبو بكر بن أبي عمرة الأنصاري، وثقه أحمد وابن معين وابن سعد. انظر ترجمته في "التاريخ الكبير" (١/ ترجمة ٢٥١)، و"الجرح والتعديل" (٧/ ترجمة ١٥١٨)، و"التهذيب" (٢٥/ ٣٤٤). والحديث رواه مسلم (٢٧٩/ ٩١) عن زهير بن حرب، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين. =
[ ١ / ٧٩ ]
(١/ ق ٣ - ب) ثلاث وسبعين وقد بلغت مائة سنين لم يسقط لها سن ولم
_________________
(١) = قال النووي في "شرح مسلم": وفيه دلالة ظاهرة لمذهب الشافعي وغيره -﵁- ممن يقول بنجاسة الكلب؛ لأن الطهارة تكون عن حدث أو نجس وليس هنا حدث فتعين النجس، فإن قيل: المراد الطهارة اللغوية؛ فالجواب أن حمل اللفظ على حقيقته الشرعية مقدم على اللغوية وفيه أيضًا نجاسة ما ولغ فيه وأنه إن كان طعامًا مائعًا حرم أكله؛ لأن إراقته إضاعة له، فلو كان طاهرًا لم يأمرنا بإراقته بل قد نهينا عن إضاعة المال، وهذا مذهبنا ومذهب الجماهير أنه ينجس ما ولغ فيه، وفي مذهب مالك أربعة أقوال. الحديث [٦] أخبرنا سفيان بن عيينة، عن هشام، عن فاطمة، عن أسماء قالت: سألت النبي - ﷺ - عن دم الحيضة يصيب الثوب؟ فقال: "حتيه ثم اقرصيه بالماء ثم رشيه وصلي فيه". أخبرنا الربيع عن الشافعي في أول الكتاب. الحديث [٧] حدثنا سفيان بن عيينة، أخبرنا هشام بن عروة، أنه سمع امرأته فاطمة بنت المنذر تقول: سمعت جدتي أسماء ابنة أبي بكر تقول: سألت النبي - ﷺ - عن دم الحيضة، فذكر مثله. الحديث [٨] أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء ابنة أبي بكر قالت: سألت امرأة رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة كيف تصنع به؟ فقال النبي - ﷺ -: إذا أصاب ثوب إحداكن من الحيضة فلتقرصه ثم لتنضحه بالماء ثم تصل فيه". هشام: هو ابن عروة بن الزبير بن العوام القرشي، وثقه ابن سعد وأبو حاتم، انظر "التاريخ الكبير" (٨/ ترجمة ٢٦٧٣)، و"الجرح والتعديل" (٩/ ترجمة ٢٤٩)، و"التهذيب" (٣٠/ ٢٣٢). وفاطمة: هي بنت المنذر بن الزبير بن العوام القرشية الأسدية زوجة هشام بن عروة. انظر "التهذيب" (٣٥/ ترجمة ٧٩٠٦). وأسماء: هي بنت أبي بكر الصديق زوجة الزبير بن العوام. روت عن النبي - ﷺ - وكانت تسمى ذات النطاقين. انظر: "معرفة الصحابة" (٦/الترجمة ٣٧٦٩)، و"الإصابة" (٧/ ترجمة ١٠٧٩٨) وبدأ نهاية السقط بترجمتها ﵂.
[ ١ / ٨٠ ]
ينكر من عقلها شيء.
وعن نوفل بن أبي عقرب أن الحجاج دخل عليها بعد ما قتل ابنها عبد الله بن الزبير فكان فيما قال لها: كيف رأيت صنعتي بعدو الله ابن الزبير؟ فقالت: رأيت أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك، ولقد بلغني أنك كنت تعيره بابن ذات النطاقين، وأما نطاق فكنت أحمل فيه الطعام لأبي ولرسول الله - ﷺ - وهما في الغار، وأما النطاق الآخر فلا بد لي من نطاق، ثم ذكرت -أحسبه عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "يكون في ثقيف مبير وكذاب، أما الكذاب فقد رأيناه؛ وأما المبير فلا إخاله إلا أنت فخرج من عندها متغيرًا وجهه" (١).
وروى الحديث (٢) عن سفيان كما رواه الشافعي: الحميدي (٣)، وابن أبي عمر، ومن روايته أخرجه الترمذي (٤)، وعن مالك كما رواه الشافعي: عبد الله بن يوسف وأخرجه البخاري في "الصحيح" (٥) من روايته، وعبد الله بن [مسلمة] (٦) ومن روايته أخرجه أبو داود (٧). ورواه عن هشام كما رواه ابن عيينة: مالك، وحماد بن سلمة، ويحيى بن سعيد، وابن نمير، ووكيع (٨)، وأبو خالد الأحمر. ورواه عن فاطمة كما رواه هشام: مُحَمَّد بن إسحاق.
_________________
(١) رواه مسلم بنحوه -باب ذكر كذاب ثقيف ومبيرها - (٢٥٤٥/ ٢٢٩).
(٢) هو حديث أسماء المذكور في حاشية الصفحة السابقة برقم [٨].
(٣) "مسند الحميدي" (٣٢٠).
(٤) "جامع الترمذي" (١٣٨).
(٥) "صحيح البخاري" (٣٠٦).
(٦) في "الأصل": سلمة خطأ. والمثبت من "السنن". وعبد الله بن مسلمة: هو القعنبي.
(٧) "سنن أبي داود" (٣٦٥).
(٨) ومن روايته أخرجه مسلم (٢٩١/ ١١٠) عن أبي بكر بن أبي شيبة.
[ ١ / ٨١ ]
وفي الباب عن أبي هريرة، وأم قيس بنت محصن.
والحتُّ: الحكُّ بطرف عود ونحوه، والقرصُ: الدلكُ الشديد والقلعُ بالظفر ونحوه، يقال منه: قَرَصَ يَقْرُصُ، وأراد بالقرص بالماء أن يستعين به ليلين ما على الثوب ويَنْمَاع فيه ويزول معه، وقيل: اقرصيه بالماء أي: اغسليه به بأطراف أصابعك، والرشُّ: صب الماء مفرقًا، ومنه قيل للمطر القليل: رش.
وقوله: "أخبرني الربيع في أول الكتاب" يريد كتاب الطهارة، والرواية الثانية كالأولى إسنادًا ومتنًا؛ لكن في المرة الثانية تعرض لبعض نسب سفيان وهشام وفاطمة وأسماء، وأن فاطمة امرأة هشام، وأن أسماء جدة فاطمة فاشتمل إيرادها على فوائد، ثم في رواية سفيان أن أسماء قالت: "سألت رسول الله - ﷺ -"، وفي رواية مالك: أنها قالت: "سألت امرأة رسول الله" يمكن أن تعني في الرواية الثانية نفسها، ويمكن أنها سألت عنه وسأل غيرها أيضًا، ورجع كل رواية في سؤال، وذكر البيهقي أن الصحيح: "أن امرأة سألت".
وقولها: "عن دم الحيضة" يجوز فيه الكسرُ وهي الحالة التي عليها المرأة، ويجوز الفتح وهي المرة (١/ ق ٤ - أ) من الحيض، وهذا أظهر؛ لقوله في الرواية الأول: "عن دم الحيض".
وقوله: "فَلْتَقْرِصْهُ" [يقرأ] (١) بالتخفيف ويوافقه قوله في الرواية الأولى: "اقرصيه" ويقرأ فلتقرِّصه بالتشديد.
وقوله: "ولِتَنْضَحْهُ بالماءِ" فسره الشافعي - ﵁ - وإنه بالغسل، والنضح: الصبُّ والرش والغسل، وعلى الغسل حمل بما روي في بعض
_________________
(١) غير واضحة بـ "الأصل". والمثبت أشبه بالرسم.
[ ١ / ٨٢ ]
الحديث: "وَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ" (١) أي: ليستنج بالماء، وقد يروى في الخبر: "حُتِّيهِ ثُم اقْرُصِيهِ ثُم اغْسِليهِ بالماءِ" (٢).
واحتج الشافعي بالخبر في المسألتين (٣):
إحديهما: أن مسَّ الشيء النجس لا يوجب الوضوء؛ لأنه أمر بحتِّ دم الحيض، والحتُّ يقع بالظفر ورءوس الأصابع غالبًا، ولم يأمر بالوضوء له.
والثانية: أنه لا يجب في غسل النجاسة عدد معين، فإنه أطلق النضح بالماء وأذن في الصلاة فيه بعد.
وقد يستدل به لأمور أخر:
منها: أنه لا فرق بين قدر الدرهم من الدم وبين ما فوقه.
ومنها: أنه لا فرق بين ما يدركه الطرف منه وما لا يدركه.
ومنها: العفو عن أثر الدم الباقي بعد القرص والنضح؛ فإنه أطلق الصلاة فيه بعدهما.
ومنها: ظاهر الأمر بالحتِّ والقرصِ يقتضي وجوبهما وأشعر به مشعرون، والأكثرون اقتصروا على الاستحباب، وقد يعطف الواجب على المستحب؛ لأن الترغيب يشملهما.
_________________
(١) رواه البخاري (١٣٢)، ومسلم (٣٠٣/ ١٧ - ١٩) من حديث علي قال: "كنت رجلًا مذاءً ". ورواه أبو داود (٢٠٩)، والنسائي (١/ ٦٧)، وابن ماجه (٥٠٥) من حديث المقداد في قصة المذي أيضًا، وسيأتي في الكتب إن شاء الله.
(٢) قال ابن حجر في "التلخيص" (١/ ٥٥ رقم ٢٦): وأما بلفظ "ثم اغسليه بالماء" فذكره الشيخ تقي الدين في "الإلمام" من رواية مُحَمَّد بن إسحاق بن يسار، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء.
(٣) "الأم": ١/ ٥٨.
[ ١ / ٨٣ ]
ومنها: استدل بعضهم بقوله: "ثُم اقْرُصِيهِ بالماءِ" وقوله: "فَلْتَنْضَحْهُ بالماءِ" على أنه لابدّ من استعمال الماء.
ومنها: أنه لا بأس للمرأة بمراجعة المفتي فيما تبتلى به من الحيض وما يتعلق به، وأن سؤالها عنه لا يخل بالحياء المحمود؛ وإلا لأشبه أن يرشد النبي - ﷺ - السائلة إلى خلاف ما صنعت.