حديث جابر صحيح، أخرجه مسلم (٢) وأبو داود (٣) وابن ماجه (٤) في كتبهم من رواية حاتم بن إسماعيل عن جعفر، وهو حديث طويل يشتمل على صفة حجة رسول الله - ﷺ - بتمامها، وكذلك في "المسند" عن جابر في حجة الإِسلام، وأورد الشافعي في هذا الموضع ما احتاج إليه منه، وذكر أن أبا عبد الرحمن النسائي أخرجه مفرقًا في قريب من ثلاثين موضعًا، ورواه عبد الوهاب الثقفي، وسليمان بن بلال عن جعفر عن أبيه عن النبي - ﷺ - مرسلًا.
والحِجّة -بالكسر- المرة الواحدة، قال صاحب "الصحاح" وغيره: وهو شاذ والقياس: الفتح، كالقتلة والضربة (٥)، ويقال: إن الحجَّة -بالفتح- الاسم من الحج، وعلى هذا فقوله: "في حجَّةِ الإسْلام" يجوز فيه الفتح والكسر.
وقوله: "فراح إلى الموقف" ينبغي أن نعرف أن الحديث اشتمل علي ذكر توجه النبي - ﷺ - يوم التروية من مكة إلى منى وإقامته بها إلى أن طلعت الشمس يوم عرفة، وفيه أنه سار بعد ذلك حتى نزل بنمرة في قبة ضربت له بها، ثم لما زاغت الشمس أتى بطن الوادي فخطب الناس ثم
_________________
(١) "المسند" ص ٣٢.
(٢) "صحيح مسلم" (١٢١٨/ ٤٧).
(٣) "سنن أبي داود" (١٩٠٥).
(٤) "سنن ابن ماجه" (٣٠٧٤).
(٥) "الصحاح" (مادة: حجج).
[ ١ / ٢٨١ ]
ركب حتى أتى الموقف، وإذا عرف ذلك فقوله: "فراح إلى الموقف" يجوز أن يريد من نمرة إلى الموضع الذي خطب فيه وصلى وهو مسجد إبراهيم - ﵇ -، وصدره من وادي عُرنة ومؤخره من عرفات، وليست عرنة من عرفات؛ ويجوز أن يريد أنه راح من منى على صوب عرفات لغرض الوقوف، ولا بأس بإطلاق الرواح علي هذا التقدير وإن كان ذلك المسير في صدر النهار، كما قال - ﷺ - في حديث الجمعة: "من راح في الساعة الأولى، ومن راح في الثانية" (١).
وقوله: "إلى الموقف بعرفة" عرفة كلها موقف، ويشبه أن يكون المراد منه ومما في الرواية الأخرى: أنه ركب حتى أتى الموقف موقف رسول الله - ﷺ - من عرفات، وهو عند جبل الرحمة في وسط عرصةِ عرفات.
وفي الحديث دليل على أنه يخطب الإِمام في هذا اليوم خطبتين، وعلى أن الأذان مؤخر عن الخطبة الأولى خلافًا لما قال أبو حنيفة: أنه يقدم عليها كما في الجمعة، وعلى (١/ ق ٥٤ - أ) أن الفراغ من الخطبة ينبغي أن يكون مع الفراغ من الأذان وبه قال أكثر الأصحاب، خلافًا لما قال بعضهم: أنه يفرغ من الخطبة مع فراغ المؤذن من الإقامة، وقد يشعر لفظ الحديث بتوسيط الأذان بين الخطبتين؛ لأنه قال: "ثم أذن بلال ثم أخذ النبي - ﷺ - في الخطبة الثانية" لكن المشهور والمذكور في المذهب: أنه يأخذ الإِمام في الخطبة الثانية والمؤذن في الأذان وحملوا "ثم" في قوله: "ثم أخذ" على الواو.
وقوله: "ففرغ من الخطبة وبلال من الأذان" على أن الفراغين وقعا
_________________
(١) رواه البخاري (٨٧٧)، ومسلم (٨٥٠/ ١٠) من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ٢٨٢ ]
معًا، واحتج الشافعي بالحديث على أن من جمع بين الصلاتين في وقت الأولى منهما يؤذن للأولى ويقيم ولا يؤذن للثانية، بل يقتصر على الإقامة؛ لأنه ذكر الأذان والإقامة للظهر ولم يذكر للعصر إلا الإقامة، وهذا ظاهر المذهب وعن بعض الأصحاب وجه: أنه يؤذن لكل واحدة منهما.
وأما الحديث الثاني: فقد ذكر الأئمة أن الجمع بين الظهر والعصر بعرفات ليس من حديث ابن أبي ذئب عن ابن شهاب، لكن حديثه: ما رواه المزني، عن الشافعي، عن عبد الله بن نافع، عن ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه؛ أن رسول الله - ﷺ - صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعًا لم يناد في واحدة منهما إلا بإقامة (١).
وكذلك رواه ابن وهب، ووكيع، ويزيد بن هارون، وآدم بن أبي إياس، عن ابن أبي ذئب، ومن رواية آدم أخرجه البخاري في "الصحيح" (٢) وأراد الشافعي في "الأم" أن يروي هذا الحديث ثم قطعه وكذلك أورد أبو العباس.
وقوله: "يعني بذلك" إن أراد أنه روي بهذِه الرواية مثل حديث جابر فهو غير مساعد عليه، ويمكن أن ينزل على القدر المشترك بين الحديثين وهو أنه لم يؤذن لما بعد الأولى ولم يأمر به النبي - ﷺ -، وأخذ
_________________
(١) قال البيهقي في "بيان خطأ من أخطأ على الشافعي" (١/ ١٥١ - ١٥٢): وأخبرنا أبو زكريا، ثنا أبو العباس عن سالم عن أبيه [فساق إسناده] انقطع الحديث من "الأصل" فظن أبو العباس ﵀ أنه إسناد آخر للحديث الأول [يعني حديث جابر الذي قبله] فقال فيه: "يعني بذلك"، وليس كذلك؛ وإنما أراد حديث الجمع بمزدلفة بإقامة واحدة والذي يدل عليه رواية المزني فساق الحديث الذي ساقه المصنف.
(٢) "صحيح البخاري" (١٦٧٣).
[ ١ / ٢٨٣ ]
الشافعي في "الأم" (١) بهذا الحديث وقال: إذا جمع بين الصلاتين بالتأخير لا يؤذن لواحدة منهما، واستحب في "القديم" الأذان للأولى منهما؛ لأن في حديث جابر في صفة حجة رسول الله - ﷺ - أنه جمع بالمزدلفة بأذان وإقامتين، قال الحافظ أبو بكر البيهقي: وهذا أصح، والرواية عن ابن عمر مختلفة، فقد روي عنه مثل ما رواه جابر ﵄.