" مسند الإِمام الشافعي" مسند معروف متداول بين أهل الحديث والفقه، وهو كتاب لم يؤلفه الإِمام الشافعي ﵀، وإنما التقط من رواية أبي العباس الاسم عن الربيع بن سليمان المرادي عن الشافعي من كتاب الأم وغيره فهو ينسب إلى الشافعي باعتبار أنه مجموع من رواياته الحديثية إلا أنه لم يستوعب جميع روايات الشافعي في كتبه.
وقد أشار إلى ذلك الإِمام الرافعي في مقدمة شرحه هذا وعزا هذا الجمع والإخراج إلى الإِمام أبي العباس مُحَمَّد بن يعقوب بن يوسف الاسم، وقال ابن حجر في "تعجيل المنفعة": إن الشافعي لم يعمل هذا المسند وإنما التقطه بعض النيسابوريين من "الأم" وغيرها من مسموعات أبي العباس الأصم التي كان انفرد بروايتها عن الربيع وبقي من حديث الشافعي شيء كثير لم يقع في هذا المسند، ويكفي في الدلالة على مالك قول إمام الأئمة أبي بكر ابن خزيمة: إنه يعرف عن النبي - ﷺ - سنة لم يودعها الشافعي كتابه أ. هـ، وكم من سنة وردت عنه - ﷺ - لا توجد في هذا المسند أهـ. (١)
وقال الروداني في "صلة الخلف": مسند الإِمام الشافعي ﵀ وهو الأحاديث التي أسند الشافعي مرفوعها وموقوفها ووقعت في مسموع أبي العباس الأصم عن الربيع بن سليمان من كتاب "الأم" والمبسوط إلا أربعة أحاديث رواها الربيع عن البويطي عن الشافعي التقطها مُحَمَّد بن
_________________
(١) ١/ ٢٣٨ - ٢٣٩.
[ ١ / ٢٢ ]
مطر النيسابوري من الأبواب لأبي العباس الأصم وقيل: بل جردها الأصم لنفسه (١).
قلت: ومع صغر حجم هذا المسند وقلة أحاديثه بالنسبة لمرويات الإِمام الشافعي ﵀ إلا أنه التقط كيف اتفق فجاء غير مرتب وكثير التكرار، حتى إن الإِمام الرافعي في شرحه كثيرًا ما يعلق على ذلك فيقول: ولا أدري لِمَ ذكره أبو العباس هنا ثانية وهو معاد بلا فائدة.
وقال الحافظ ابن حجر في "تعجيل المنفعة": ولم يرتب الذي جمع أحاديث الشافعي أحاديثه المذكورة لا على المسانيد ولا على الأبواب وهو قصور شديد فإنه التقى بالتقاطها من كتب "الأم" وغيرها كيف اتفق؟ ولذلك وقع فيه تكرار في كثير من المواضع. أهـ. (٢)
وقال الروداني في "صلة الخلف": ولم يرتبها -يعني المجرِّد لها- ولذلك وقع فيه تكرار في غير ما موضع. أهـ (٣)
قلت: قد تبين لي من خلال كلام أهل العلم مع طول صحبتي للمسند من خلال عملي في شرح الإِمام الرافعي له بعض المعالم التي تتعلق بمنهج استخراج هذا المسند وترتيبه أُجْمِلها فيما يلي:
١ - أن أحاديث المسند مسرودة فيه على غير ترتيب ولا نسق وإنما هي مخرجة من أماكنها في كتب الشافعي ولا تكاد أحاديثها تنتظم ولا يتبع بعضها بعضًا ولا يفهم كل حديث منها لِمَ أخرجه الشافعي إلا بعد نظر وتَدَبُّر ورجوع إلى كتب الشافعي، ولعل الشافعي يكون قد أخرج ذلك الحديث لمعنى ويشتمل الحديث على غيره من المعاني فيظن أنه
_________________
(١) ص ٤١.
(٢) ١/ ٢٣٩.
(٣) ص ٤١.
[ ١ / ٢٣ ]
إنما أخرجه لمعنى غير المعنى الذي أخرجه من أجله.
٢ - ومنها أن كثيرًا من الأحاديث قد جاء في المسند في غير موضعه من أحكام الفقه التي ذكر فيها كما في كتاب "الرسالة" وكتاب "اختلاف الأحاديث" وكتاب "اختلاف الشافعي ومالك" وغيرها، وكل واحد من هذه الأحاديث المودعة في هذه الكتب المذكورة هو دليل على حكم فقهي هو أول المواضع به؛ وإنما أورده الشافعي في هذه الكتب لبيان ما تضمنه اسم الكتاب المودع فيه من الفقه.
٣ - وأيضًا فإنه قد قرن بين بعض الكتب الفقهية والتي من الأولى أن تفرد كـ "كتاب الأشربة وفضائل قريش" وهو قد أفرد كتاب "الأشربة" من بعد.
٤ - وأيضًا فإن بعض الأبواب الفقهية قد اشتملت على أحاديث لا تتعلق بها.
٥ - وأيضًا فإن من الأحاديث ما قد تكرر أحيانا لفائدة كأن يروى مرسلًا ثم موصولًا، وأحيانا على الشك ثم بدونه، وإما بغير فائدة تتضح حتى للإمام الرافعي وهو يشرح الكتاب كما تقدم تصريحه بذلك.
٦ - وأيضًا فأحاديث المسند غير مرتبة على ترتيب أبواب الفقه المعتادة ولذا فقد يبذل الباحث جهدًا في الوصول إلى الحديث في مظنته.
٧ - كما أن الإِمام الأصمّ قد ذكر بعض أقوال الشافعي الفقهية عقب الأحاديث وقد عابه على إيرادها الإِمام الرافعي وهذا قليل نادر.
٨ - أخطأ الإِمام الأصم على الشافعي في بعض الأحاديث، وقد أوضح ذلك الإِمام البيهقي - ﵀ - في كتابه "بيان خطأ من أخطأ على الشافعي". كذا بيَّن والإمام الرافعي في "شرحه" هذا وغيرهما.
[ ١ / ٢٤ ]
٩ - بعض الأحاديث لم يروها الربيع عن الشافعي مباشرة وإنما رواها عن البويطي عن الشافعي استثباتًا منه، وأحيانًا يرويها مرة أخرى عن الشافعي بدون واسطة وهذا قليل جدًّا.
١٠ - هناك بعض الأحاديث لم يصرح الربيع بسماعها من الشافعي وفيها يقول: قال الشافعي.
هذه بعض المعالم الرئيسية التي ظهرت لي في منهج جمع وتخريج مسند الشافعي والله ﷾ أعلم.
[ ١ / ٢٥ ]