[ ٦ / ٢١ ]
حدثنا سويد بن سعيد وأحمد بن ثابت الجحدري قالا: حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال: "كان رسول الله -ﷺ- إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، كأنه منذر جيش يقول: صبحكم مساكم، ويقول: «بعثت أنا والساعة كهاتين» ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى، ثم يقول: «أما بعد: فإن خير الأمور كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» وكان يقول: «من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دينًا أو ضياعًا فعلي وإلي».
حدثنا محمد بن عبيد بن ميمون المدني أبو عبيد قال: حدثنا أبي عن محمد بن جعفر بن أبي كثير عن موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله -ﷺ- قال: «إنما هما اثنتان الكلام والهدي، فأحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد، ألا وإياكم ومحدثات الأمور، فإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ألا لا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم، ألا إن ما هو آتٍ قريب، وإنما البعيد ما ليس بآتٍ، ألا إنما الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره، ألا إن قتال المؤمن كفر، وسبابه فسوق، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، ألا وإياكم والكذب فإن الكذب لا يصلح بالجد ولا بالهزل، ولا يعد الرجل صبيه ثم لا يفي له، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإنه يقال للصادق: صدق وبر، ويقال للكاذب: كذب وفجر، ألا وإن العبد يكذب حتى يكتب عند الله كذابًا».
[ ٦ / ٢٢ ]
حدثنا محمد بن خالد بن خداش قال: حدثنا إسماعيل بن علية قال: حدثنا أيوب ح وحدثنا أحمد بن ثابت الجحدري ويحيى بن حكيم قالا: حدثنا عبد الوهاب قال: حدثنا أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة قالت: "تلا رسول الله -ﷺ- هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [(٧) سورة آل عمران] إلى قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾ [(٧) سورة آل عمران] فقال: «يا عائشة إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عناهم الله فاحذروهم».
حدثنا علي بن المنذر قال: حدثنا محمد بن فضيل ح وحدثنا حوثرة بن محمد قال: حدثنا محمد بن بشر قالا: حدثنا حجاج بن دينار عن أبي غالب عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل» ثم تلا هذه الآية: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [(٥٨) سورة الزخرف].
حدثنا داود بن سليمان العسكري قال: حدثنا محمد بن علي أبو هاشم بن أبي خداش الموصلي قال: حدثنا محمد بن محصن عن إبراهيم بن أبي عبلة عن عبد الله بن الديلمي عن حذيفة قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لا يقبل الله لصاحب بدعة صومًا ولا صلاة ولا صدقة ولا حجًا ولا عمرة ولا جهادًا ولا صرفًا ولا عدلًا، يخرج من الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين».
حدثنا عبد الله بن سعيد قال: حدثنا بشر بن منصور الخياط عن أبي زيد عن أبي المغيرة عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته».
حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي وهارون بن إسحاق قالا: حدثنا ابن أبي فديك عن سلمة بن وردان عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من ترك الكذب وهو باطل بني له قصر في ربض الجنة، ومن ترك المراء وهو محق بني له في وسطها، ومن حسن خلقه بني له في أعلاها».
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
باب: اجتناب البدع والجدل
[ ٦ / ٢٣ ]
لما بين السنة المأثورة عن النبي -﵊- وعن صحابته من الخلفاء الراشدين، ذكر ما يخالف ذلك ويضاده، فذكر البدع والمحدثات والجدل الذي هو معارض للانقياد والتسليم، والمقصود به الجدل بالباطل ولنصر الباطل، وأما الجدل للوصول إلى الحق وللدعوة إليه فهذا مطلوب، ومأمور به ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [(١٢٥) سورة النحل] أما إذا كان الجدال للانتصار للنفس والرأي، أو لنصر الباطل فإن هذا محرم لا يجوز، وهو المنهي عنه.
قال: "حدثنا سويد بن سعيد وأحمد بن ثابت الجحدري قالا: حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن جعفر بن محمد عن أبيه" جعفر بن محمد الصادق "عن أبيه" محمد بن علي الباقر "عن جابر بن عبد الله -﵄- قال: كان رسول الله -ﷺ- إذا خطب" في أي مناسبة، كخطبة الجمعة مثلًا، "احمرت عيناه" لأنه كان -﵊- يتحمس في الخطب، وتحمر عيناه، ويعلو صوته، ويشتد غضبه، لما أمر به من تبليغ الدين، فهو يريد أن يؤخذ عنه، وليلفت أنظار السامعين، ويحملهم على سماع هذه الخطبة بهذه المؤثرات "احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه" غيرة لله ولدينه ولمحارمه، وحرصًا على نفع الأمة "واشتد غضبه كأنه منذر جيش، يقول: صبحكم مساكم" صبحكم يعني جاءكم العدو صباحًا، ومساكم جاءكم العدو في المساء "ويقول -﵊-: «بعثت أنا والساعة كهاتين» " بعثت أنا والساعةَ فالواو هذه للمعية، والساعة مفعول معه «كهاتين» عطف النسق هنا ممكن وإلا غير ممكن؟ هل يمكن أن أقول: بعثت أنا والساعةُ كهاتين، الفعل يمكن تسليطه على الأمرين؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
يعني يكون معطوف على الضمير المتصل فيكون مرفوعًا، وهل الساعة تبعث؟ الفعل يصح تسليطه على الاثنين وإلا على واحد منهما؟ الساعة تبعث وإلا لا؟ يعني لو قلنا: بعثت أنا والساعةُ لصارت الساعة مبعوثة كبعثته -﵊-، فهذا يضعف النسق
. . . . . . . . . والنصب مختارٌ لدى ضعف النسق
يعني لدى ضعف العطف.
[ ٦ / ٢٤ ]
" «كهاتين» ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى" كهاتين، فيكون الباقي من عمر الدنيا بعد بعثته إلى قيام الساعة هو الفرق بينهما، الفرق بينهما كم؟ كم نسبته؟ هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
إيه لكن الفرق بقدر نصف السانتي هذا اللي هو الزيادة في الوسطى، أو يقال -كما استروح ومال إليه بعض الشراح- أنه قال بإصبعيه هكذا، فجعلهما ملتصقتين، يعني أن الساعة تأتي مباشرة بعد بعثته -﵊-، أما من يقول بأن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة، فيمكن أن يكون الفرق بينهما مثل القدر الزائد من الوسطى على السبابة، والذي يقول: إن عمر الدنيا ألوف مؤلفة من السنين بل ملايين يقول: إن بعثته وإن تأخرت الساعة فإن الساعة حينئذٍ وإن تأخرت إلا أنها في حكم الملاصقة لطول المدة.
"ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى ثم يقول: «أما بعد» " وعرفنا أن الإتيان بـ (أما) بعد في الخطب والرسائل والمكاتبات سنة نبوية ثبتت عن أكثر من صحابيًا عنه -﵊-، وتكون بهذه الصيغة (أما بعد) بـ (أما) وضم بعد لأن المضاف إليه محذوف مع نيته، وأما شرط، وبعد قائم مقام الشرط، و«فإن خير الحديث» هذا جواب الشرط، وأما إبدال (أما) بالواو فهذا لا يتم به الامتثال، ولا تتأدى به السنية، بل لا بد أن يؤتى باللفظ النبوي، وإن كثر استعمال (وبعد) وذكرنا في مناسبات كثيرة أننا لسنا بحاجة إلى الإتيان بـ (ثم) في أول موضع، بل نقتصر على قولنا: (أما بعد) كما كان يفعله -﵊- وإن احتجنا (أما بعد) مرة ثانية قلنا: ثم، للعطف على الأولى إذا انتقلنا من أسلوب إلى آخر، ثم إلى ثالث وهكذا.
«أما بعد: فإن خير الأمور كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -ﷺ-» وسيأتي في الحديث الذي يليه: «إنما هما اثنان الكلام والهدي، فأحسن الكلام كلام الله» فالمراد بالأمور خير الأمور يعني المراد به الكلام، خير الكلام وخير الأمور كتاب الله، خير ما يتمسك به، ويعتصم به كتاب الله، وخير الهدي والطريقة هدي محمد -ﷺ-، وضبطت في بعض الروايات: «خير الهدى هدى محمد -ﷺ-» خير الهدى يعني هدايته للخلق ودلالته وإرشاده إليه.
[ ٦ / ٢٥ ]
«هدي محمد -ﷺ-، وشر الأمور محدثاتها» يعني ما يحدث في الدين هو شر أشر من جميع الشرور؛ لأن شر هذه أفعل تفضيل، شر جميع الأمور المحدثات في الدين «وكل بدعة ضلالة» وهذا سبق الحديث فيه.
"وكان يقول -﵊-: «من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دينًا أو ضياعًا فعلي وإلي» " وهذا الحديث صحيح، وهو في مسلم.
«من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دينًا أو ضياعًا فعلي وإلي» الذي يتركه من المال يكون لأهله، يقسم بين ورثته، ومن ترك ضيعًا مالًا أو ضياعًا ما يخشى عليه أن يضيع فعلي وإلي، فالدين يسدد من قبل بيت المال، وكذلك ما يخشى ضياعه يرعى من بيت المال، وهذا قاله النبي -﵊- في آخر الأمر لما وسع الله عليه، وكان قبل ذلك الدين يثبت في ذمة الميت إلى أن يضمن عنه، ويترك النبي -﵊- الصلاة على المدين حتى ضمن.
قال بعد ذلك: "حدثنا محمد بن عبيد بن ميمون" المدني أبو عبيد "قال: حدثنا أبي" يعني عبيد بن ميمون المدني، وهذا قال عنه أبو حاتم: مجهول، والمجاهيل عند أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل لابنه يزيدون على ألف وخمسمائة، فمنهم من يقول أبو حاتم: مجهول ويسكت، ومنهم من يقول: لا أعرفه، ومنهم من يقول فيه: مجهول أي لا أعرفه، فالجهالة عند أبي حاتم تساوي عدم المعرفة، وكون أبي حاتم لا يعرفه لا يلزم من حاله ألا يعرفه غيره، وعلى هذا هل الجهالة جرح ملازم وقدح في الراوي، أو هي عدم علم بحاله أو هي عدم علم بحال الراوي؟ فلا تكون حينئذٍ جرح، وينبني على ذلك إذا قلنا: إنها جرح مطلقًا قلنا: إن الحديث يضعف بالراوي المجهول، وإذا قلنا: إنها عدم علم بحاله يتوقف في حكمه حتى تعلم حاله.
العلماء في مراتب الجرح والتعديل يجعلون المجهول في مراتب الجرح، فمقتضى ذلك أن يضعف الخبر إذا وجد فيه من قيل فيه: مجهول، والذي يقول: إن الجهالة ليست بجرح، وإنما هي عدم علم بحال الراوي لا يجزم بضعفه، حتى يجد كلامًا في هذا الراوي الذي جهلت حاله.
[ ٦ / ٢٦ ]
ومما يؤيد كون الجهالة جرح في الراوي من غير نظر آخر قول أهل العلم في طبقات المجروحين وفي مراتب الجرح: مجهول أو مستور الحال، أو مستور، أو مجهول العين، أو مجهول الحال ظاهرًا وباطنًا، أو ظاهرًا فقط أو باطنًا فقط، على تفاصيل عندهم في كتب المصطلح، فعلى هذا إذا وجدنا في الرواة من هو مجهول يضعف مباشرة لأن الجهالة جرح في الراوي، والذي يقول: إن الجهالة عدم علم بحال الراوي يقول: لا يحكم بعض الحديث مباشرة حتى يوجد ما يقدح في رواته، ومنهم هذا الذي لم يطلع على حاله، وكأن عبارة الحافظ ابن حجر في النخبة تؤيد هذا.
قال: "من المهم معرفة أحوال الرواة جرحًا أو تعديلًا أو جهالة" فجعل الجهالة قسيم للجرح والتعديل، ولم يجعلها قسمًا من الجرح، كما فعلوا في مراتب الجرح.
لعلكم تعذروني عن المتابعة، الصوت لا يساعد، والزكام بدايته ظهرت.
جزاكم الله خير.
[ ٦ / ٢٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم