استند ابن مالك إلى الذكر الحكيم في الاحتجاج للمسائل التي عرض لها، وتوجيه مشكل النصوص التي اختارها. وكان يهرع إليه ما وجد إلى ذلك سبيلًا، حتى بلغت شواهده وأمثلته مئة واثنتين وعشرين آية، منها خمس عشرة آية مكررة.
وهو يأخذ بظاهرها، ولا يؤثر التأويل والتقدير.
ومن أمثلة ذلك تجويزه استعمال "من" في ابتداء غاية الزمان، قال (وهو ما خفي على كثر النحويين فمنعوه تقليدًا لسيبويه في قوله: وأما "من" فتكون لابتداء الغاية في الأماكن). (٣٨)
واستدل بقوله تعالى ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾. (٣٩) وهو مذهب الكوفيين، وتأول البصريون "من أول يوم" على تقدير: من تأسيس أول يوم. (٤٠)
واهتمامه بالقراءات جعله يعتمد عليها بكثرة، إذ بلغ احتجاجه بها في خمسة وأربعين موضعًا، صرح بأسماء أصحابها في أربعين موضعًا.
ومن ذلك أنه أيد بقراءة حمزة من السبعة ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (٤١) بجر لفظ "الأرحام" جواز العطف على ضمير الجر بغير إعادة الجار، وهو مما منَعه البصريون ورفضوا شواهده. (٤٢)
ونظير هذا تجويزه نصب المضارع بعد الفاء في جواب "لعل". وهو مما لم يجوزه البصريون. (٤٣) وحجته في ذلك قراءة عاصم ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ
_________________
(١) شواهد التوضيح: الورقة "٢٠ و". وينظر كتاب سيبويه ٢/ ٢٢٤.
(٢) التوبة ٩/ ١٠٨.
(٣) ينظر المسألة ٥٤ من الانصاف لابن الأنباري ١/ ٣٧٠.
(٤) النساء ٤/ ١. وينظر: شواهد التوضيح، البحث رقم ١٢.
(٥) ينظر المسألة ٦٥ من الانصات ٢/ ٣٦٢.
(٦) البحر المحيط لأبى حيان ١/ ٩٩ و٧/ ٤٦٥ والجنى الدانى، للمرادى في ص ١٢٩.
[ ٢٢ ]
الذِّكْرَى﴾. (٤٤) وقراءة حفص (﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ (٤٥)
ولم يعتمد المؤلف على السبعة فحسب، بل أخذ بقراءة غيرهم، أمثال طلحة بن مُصرف وأبي العالية وابن محيصن وأبي رجاء العطاردى. وربما أورد القراءة وهي شاذة محتجا لما ذهب إليه ومدعيا القياس عليها.
ومن ذلك تاييده بقراءة الأعمشى ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرَ﴾ (٤٦) بالنصب جواز النصب على اضمار "أنْ". (٤٧) وتجويزه حذف همزة الاستفهام في غير الشعر إذا كان معنى ما حذفت منه لا يستقيم إلا بتقديرها خلافًا لسيبويه. (٤٨) وأستدل على ذلك بنصوص، منها قراءة ابن محيصن ﴿سواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم﴾. (٤٩) بهمزة واحدة.
إن ما ذكرته كان فى معرض التمثيل ليس غير، لبيان أنه كان يحتج بالقراءات حتى ولو خالفت المشهور من آراء العلماء من غير تأويل في الغالب.
وعلى كثرة ما أورد منها لا نجده يضعفها أو يرد شيئًا منها كما هو مذهب أهل البصرة،،وانما أخذ بها، سواء منها ما كان صادرًا من القراء السبعة أم العشرة أم كان من الشواذ، فهي مصدر من مصادر الشواهد النحوية، يسشهد بها في تأييد مذهبه ويقيس عليها، باستثناء موضعين. (٥٠) ولم يتردد في اتباع ما يقضي به المنطق المعقول (من التعويل على اللفظة الواحدة تاتى في القرآن ظاهرها جواز ما يمنعه النحاة، فيعول عليها في الجواز ومخالفة الأئمة. وربما رجح ذلك بأبيات مشهورة). (٥١)