أن ما ذكرته من قيمة الكتاب وما سجلته من محاسنه لا يعفينىِ بن بيان بعض الهفوات التي وقع فيها ابن مالك خلال التأليف وبدت في منهج البحث، وهاك ملخصًا بأهمها:
١ - لم يقم المؤلف كتابه على منهج واضح، ولم تتبين الطريقة السوية فى البحث على الرغم من أهمية الموضوع الذي تصدى لمعالجته ودقة المعلومات فيه فلا هو درس المسائل على حسب الموضوعات النحوية، ولا هو اقتفى أثر البخاري في
_________________
(١) يراجع على سبيل المثال: عمدة القاري، للعيني ١/ ٢٤ وفتح الباري لابن حجر ١/ ٩، ٢/ ٣٦ و٨٥ و٣٤٥ و٣٤٦ و٣/ ٦ و٣٢٧ و٤٢٨ و٧/ ٥٣ و١٢/ ٣٦٦ أو ١٣/ ٩٧. وكتاب زهر الربى "شرح سنن النسائى" للسيوطي ٤٤/ ١ و٩٨ و٣/ ٧٢ و١١٣.
(٢) منهم: طه. الراوي في "نظرات في اللغة والنحو" ١٢١. والدكتور مهدي المخزومي في "مدرسة الكوفة" ص ٦٠. والدكتور صبحي الصالح في "دراسات في فقه اللغة" ص ١٢٥ وعباس حسن في "اللغة والنحو بين القديم والحديث" ص ٩٦ و١٠٤. وعبد الجبار علوان في "الشواهد والاستشهاد في النحو" ص ٣٢٢ وما بعدها.
[ ٣٥ ]
تبويب "الجامع الصحيح".
وبسبب غياب المنهج الواضح فقد توزعت مسائل الموضوع الواحد على أكثر من باب، وكان بامكانه أن يلم شعث ما تشابه إلى نظائره في بحوث موحدة.
٢ - اعتمد المؤلف في مواضع كثيرة عند نقل الحديث، مشكلًا كان أم شاهدًا على مخطوطات "الجامع الصحيح" ورواياتها المتعددة، ويبدو أنه تعدى الاستفادة من النسخة "اليونينية" المقابلة على مخطوطات معتمدة إلى نسخ اخرى قد يكون ما فيها من خلاف هو من باب التحريف أو التصحيف في النقل والنسخ. ثم عدّ ما نقله حجة دعم بها قاعدة نحوية، حتى إني لم أجد بعض الروايات مشتملةً على موطن الشاهد لا في النسخة اليونينية ولا في شروح البخاري المطبوعة. (١٠٤)
٣ - ويشبه هذا تصرف ابن مالك في مجموعة من الأحاديث المشكلة المنقولة من "الجامع الصحيح" وعدم اثبات الفاظها بدقة. فقد رأيته عند النقل يحذف بعض الكلمات أو يزيد، أو يغير النصَ، أو يقدم أو يؤخر في العبارة، أويلفق بين روايتين للحديث، أو ينسبه إلى غير قائله سهوًا. (١٠٥) وربما يورد في المشكلة أحاديث ليست فى الجامع الصحيح. (١٠٦)
٤ - تقدم أن ابن مالك امتاز على غيره بكثرة الشواهد والنصوص الشعرية التي احتج بها. وعلى ما اتسم به هذا المنهج من محاسن إلا أن اغفاله نسبتها إلى الصادر أو إلى قائليها أو رواتها قد يشير حولها شبهة يجب أن يبرأ منها المؤلف. وهذه الشواهد الجديدة من الكثرة بحيث لا يمكن اهمال أمرها، حتى إني لم أجد قائلًا لثلاثين منها ولا مصدرًا ذكرها، على الرغم من النقيب عنها في الكتب المتنوعة.
ومثل هذا اعتماد المؤلف روايات يتيمة لبعض النصوص وأتخاذها حجة على ما ذهب إليه، مع كون النص يخالف المشهور المروي في كتب اللغة والأداب.
_________________
(١) سجلت في تعليقاتي على المتن الملاحظات. وينظر على سبيل المثال البحوث المرقمة ٩ و١٧ و٢٩ و٤٤ و٤٦.
(٢) سجلت فى الحواشي الملاحظات المتعلقة بهذا الشأن. وينظر البحوث المرقمة ٢ و٤ و١٣ و١٦ و٢١ و٢٤ و٣٢ و٣٥ و٤٩ ..
(٣) ينظر على سبيل المثال البحثان ٥٢ و٦٩.
[ ٣٦ ]
وعلى سبيل المثال احتج بقول عدي بن زيد:
بيد أن الله قد فضلكم فوقِ من أحكأ صلبا بازار
على استعمال "بيد" متلوة بـ "أن" المشددة. (١٠٧) ولم اقف على ما ذكره أبن مالك واحتج به. والرواية في جميع المصادر التي ذكرت البيت هي: "أجلَ أن". (١٠٨)
إن هذه الهنات تتلاشى تجاه المحاسن إلتى انطوى عليها "شواهد التوضيح" وهي لا تحط من قيمته، ولا تنقص من قدره. وحسب صاحبه أن يكون قد قدم للناس أثرًا نفيسًا فيه من الجديد شيء كثير، وأنه سيبقى مصدرًا لكل من يهمه أمر الحديث الشريف ودرسه من الوجهة اللغوية والنحوية.