ومنها قول أبى جهل لعنه الله تعالى لـ[أبي] (١٠٦) صفوان (متى يراك الناس قد تخلفت، وأنت سيد أهل الوادي، تخلفوا معك). (١٠٧)
قلت: تضمن هذا الكلام ثبوت ألف "يراك" بعد "متى" الشرطية. وكان حقها أن تحذف فيقال: متى يرك، كما قال الله تعالى ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾. (١٠٨) وفي ثبوتها أربعة أوجه:
أحدها (١٠٩) - أن يكون مضارع "راء" بمعنى "رأى" (١١٠) كقول الشاعر. (١١١)
١٩ - إذا راءنى أبدى بشاشة واصل ويألف شنآني إذا كنت غائبا
ومضارعه "يراءُ" فجزم فصار "يَرَأ"، ثم ابدلت همزته ألفًا، فثبتت موضع الجزم، كما ثبتت الهمزة التي هي بدل منها. ومثله ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ﴾ (١١٢) في وقف (١١٣)، حمزة وهشام. (١١٤)
الثاني- أن تكون "متى" شبهت بـ "إذا" فأهملت، كما شبهت "إذا" بـ "متى"
فأعملت، كقول النبي - ﷺ - لعليّ وفاطمة ﵄ (إذا أخذتما مضاجعكما تكبرا
_________________
(١) زيادة من صحيح البخاري ٥/ ٩١ تصلح النص.
(٢) في متن البخاري ٥/ ٩١ "متى يراك" وقال ابن حجر في "فتح الباري" ٨/ ٢٨٦ (قوله: إنك متى يراك الناس، في رواية الكشمهينى وحده، متى ما يراك الناس بزيادة ما).
(٣) الكهف ١٨/ ٣٩.
(٤) احدها: ساقط من ج.
(٥) في نوادر أبي زيد ص٤٠ (وقال أبو الفضل الرياشي وقوم من العرب يؤخرون الهمزة في رأى ونأى فيقولون راءَ وناءَ يا هذا).
(٦) لم أقف على قائل البيت.
(٧) النجم ٥٣/ ٣٦.
(٨) ج: قراءة. تحريف.
(٩) ينظر "وقف حمزة وهشام على الهمزة" في التيسير في القراءات السبع ص ٣٧ وما بعدها.
[ ٧١ ]
أربعًا وثلاثين، وتسبحّا ثلاثًا وثلاثين، وتَحْمدا ثلاثًا وثلاثين). (١١٥)
وهو في النثر نادر، وفي الشعر [٤ و] كثير، [كقوله: (١١٦)
٢٠ - وإذا تصبك خصاصة فارجُ الغنَى
وإلى الذي يعطي الرغائب فارغب] (١١٧)
ومن تشبيه "متى" بـ "إذا" وإهمالها قول عائشة ﵂ (إن أبا بكر رجلٌ أسيف، وإنه (١١٨) متى يقومُ مقامك لا يُسمعُ الناس) (١١٩)
* * * * *
ونظير حمل "متى" على "إذا" وحمل "إذا" على "متى" حملُهم "إنْ" على "لو" في رفع الفعل بعدها، وحملُهم "لو" على "إن" في الجزم بها.
فمن رفع الفعل بعد "إن" حملًا على "لو" قراءة طلحة ﴿فإمَّا تَرَيْنَ مِنَ البشر أحدًا﴾ (١٢٠) بسكون الياء وتخفيف النون، فأثبت نون الرفع في فعل الشرط بعد "إن" مؤكدة بـ "ما" حملًا لها على "لو".
ومن الجزم بـ "لو" حملًا على "إنْ" قول الشاعر (١٢١):
٢١ - لوتعذ حين فَر قومك بي
كنت من الأمن في أعز مكان
ومثله (١٢٢):
٢٢ - لو يشأ طار به ذو مَيعةٍ
ْلاحقُ الآطالِ نهدٌ ذو خُصل
_________________
(١) صحيح البخاري ٥/ ٢٤. وفي نسخة (فكبرا وسبحا واحمدا ) وفي أخرى (فكبرا وتسبحان وتحمدان).
(٢) للنمر بن تولب. شعره ص ٤٤ والجنى الداني ص ٣٦٠.
(٣) ما بين المعكوفتين زيادة من ج د.
(٤) وانه: ساقط من ب.
(٥) صحيح البخاري ١/ ١٧٣. وفي نسخة "وإنه متى ما يقم "
(٦) مريم ١٩/ ٢٦.
(٧) لم أقف على الشاهد في كتاب.
(٨) البيت لعلقمة الفحل، ينظر: ديوانه ص ١٣٤ والأمالي الشجرية ١/ ٣٣٣ ومعجم شواهد العربية ١/ ٢٦٠.
[ ٧٢ ]
ومثله قول الآخر (١٢٣):
٢٣ - تامت فؤادك لو يحزنك ما صنعت إحدى نساء بني ذُهل بن شيبانا
الوجه الثالث- أن يكون أجرى المعتل مجرى الصحيح، فأثبت الألف واكتفى بتقدير حذف الضمة التي كان ثبوتها منويا في الرفع. ونظيره قول الشاعر (١٢٤).
٢٤ - وتضحكُ مني شيخة عبشمية كأن لم ترى قبلي أسيرًا يمانيا
ومثله قول الراجز: (١٢٥)
٢٥ - إذا العجوزُ غضبت فطلّق ولا ترضاها ولا تملّق (١٢٦)
ومن هذا على الأظهر قول النبي - ﷺ - "من أكل من هذه الشجرة فلا يغشانا) (١٢٧)
وجعلً الكلام خبرًا بمعنى النهى جائز.
وأكثر ما يجرَى المعتل مجرى الصحيح فيما آخره ياءٌ أو واو. فمن ذلك قراءة قنبل ﴿إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ (١٢٨) وكذا قول الشاعر: (١٢٩)
٢٦ - ألم يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت لبون بني زياد
ومنه قول عائشة ﵂ (إن يقم مقامك بيكي). (١٣٠) وقول رسول الله
_________________
(١) هو لقيط بن زرارة. ينظر: الجنى الداني ص ٢٩٧ ومعجم شواهد العربية ١/ ٣٨٢.
(٢) هو عبد يغوث بن وقاص الحارثي. ينظر: سرّ صناعة الإعراب ١/ ٨٨ ومعجم شواهد العربية ١/ ٤٢٣.
(٣) هو رؤية. ملحقات ديوانه ص ١٧٩ وسر صناعة الإعراب ١/ ٨٩ ومعجم شواهد العربية ١/ ٤٢٣.
(٤) ج: "فطلقي تملقي". تحريف.
(٥) صحيح البخاري ١/ ٢٠٥.
(٦) يونس ١٢/ ٩٠. وشظر: إتحاف فضلاء البشر ص ١٥ أو ٢٦٧ والبحر المحيط ٥/ ٣٤٢.
(٧) هو قيس بن زهير. الكتاب ٣/ ٣١٦ ومعجم شواهد العربية ١/ ١٢٣.
(٨) صحيح البخاري ١/ ١٧٢. وفي نسخة "يبكِ".
[ ٧٣ ]
- ﷺ - في، إحدى الروايتين (مُروا أبا بكر فليصلي بالناس). (١٣١)
ومن مجيئه فيما آخره واو قول الشاعر: (١٣٢)
٢٧ - هجوت زبّان ثم جئت معتذرًا من هجو زبّان لم تهجو ولم تدع
الوجه الرابع- أن يكون من باب الإشباع، فتكون الألف متولدة عن إشباع حركة الراء بعد سقوط الألف الأصلية جزمًا.
وهى لغة معروفة، أعني إشباع الحركات الثلاث وتوليد الأحرف الثلاثة بعدها. (١٣٣)
فمن ذلك قراءة أبي جعفر ﴿سواءٌ عليهم آستغفرت لهم﴾ (١٣٤) بمد الهمزة، والأصل "استغفرت" بهمزة وصل. ثم دخلت همزة الاستفهام فصار: "أاستغفرت، بالقطع والفتح والقصر (١٣٥) مثل ﴿أصطفى البناتِ على البنين﴾ (١٣٦) وسقطت همزة الوصل سقوطًا لا تقدير معه، كما يفعل بها بعد واو العطف وفائه، وأشبعت فتحة همزة الاستفهام فتولدت بعدها ألف، كما قالوا: بينا زيد قائم جاء عمرو، يريدون: (١٣٧) بين أوقات قيام زيد جاء عمرو، فأشبعت فتحة النون وتولدت الألف. وحكى الفراء عن بعض العرب (أكلت [٤ظ] لحما شاة). (١٣٨) يريد: لحم شاة، فأشبع فتحة الميم وتولدت الألف.
ومن إشباع الفتحة قول الفرزدق (١٣٩):
_________________
(١) روى الحديث فى صحيح البخاري ١/ ١٦٠ و١٦٣ و١٦٤ و١٧٢ بلفظين: الأول- فليصل، بأسكان اللام الأولى وحذف الياء. والثاني- فلِيصليَ، بكسر اللام الأولى وإثبات الياء مفتوحة. أما إثبات الياء ساكنة فهو مما لم أقف عليه عند غير ابن مالك. ولعل في الحديث لفظًا ثالثًا خرجه هو. وينظر أيضًا: فح الباري ٢/ ٣٤٥.
(٢) قائل البيت مجهول. ينظر: شرح المفصل ١٠/ ١٠٤ - ١٠٥ ومعجم شواهد العربية ١/ ٢٣٠.
(٣) تفصيل الكلام على "الاشباع" في سر الصناعة ١/ ٢٧ وما بعدها
(٤) المنافقون ٦٣/ ٦ وينظر المحتسب ٢/ ٣٢٢. ولأبي جعفر قراءة أخرى في هذه الآية ستذكر فى البحث المرقم ٢٨.
(٥) ج: بالقطع والقصر وبالفتح والقصر.
(٦) الصافات ٣٧/ ١٥٣.
(٧) ج: وتريدون. تحريف
(٨) ينظر: المحتسب، لابن جني ١/ ٢٥٨.
(٩) ديوانه ٢/ ٧٧١.
[ ٧٤ ]
٢٨ - فظلا يخيطان (١٤٠) الورَاق عليهم بأيديهما من أكل شر طعام ومثلة: (١٤١)
٢٩ - فأنت من الغوال حين تُرمَى ومن ذمّ الرجال بمنتزاح ومثلة: (١٤٢)
٣٠ - أقول إذ خرت على الكلكال (١٤٣) يا ناقتا ما جلت من مجال ومثل ذلك في الياء رواية أحمد بن صالح عن ورش ﴿مالكي يوم الدين﴾. (١٤٤) ومنه قول الشاعر: (١٤٥)
٣١ - تنفي يداها الحصى في كل هاجرة نفي الدراهيم (١٤٦) تنقاد الصياريف
ومثل ذلك في الواو قراءة الحسن ﵁ ﴿سأَوريكم دارَ الفاسقين﴾ (١٤٧) بإشباع ضمة الهمزة ومثله رواية أحمد بن صالح عن ورش (١٤٨) ﴿إياك نعبدو وإياك نستعين﴾ (١٤٩) بإشباع ضمة الدال. ومنه قول الشاعر: (١٥٠)
_________________
(١) ج: يخصان. تحريف.
(٢) البيت لإبراهيم بن هرمة. ديوانه ص ٨٧ وسرّ صناعة الإعراب ١/ ٢٩ ومعجم شواهد العربية ١/ ٨٨.
(٣) البيت مجهول القائل: ينظر: الإنصاف ١/ ٢٥ ومعجم شواهد العربية ٢/ ٥٢٧.
(٤) الكلكل والكلكال: الصدر من كل شىء.
(٥) الفاتحة ١/ ٤. وينظرْ البحر المحيط ١/ ٢٠.
(٦) هو الفرزدق. ديوانه ٢/ ٥٧٠ والكتاب ١/ ٢٨ ومعجم شواهد العربية ١/ ٢٤٠.
(٧) ب: الدراهم. تحريف.
(٨) الأعراف ٧/ ١٤٥. وينظر: المحتسب ١/ ٢٥٨.
(٩) عن ورش: سقط من أ.
(١٠) الفاتحة١/ ٥. والقراءة المشهورة "إياك نعبد ".
(١١) هو إبراهيم بن هرمة. ديوانه ص ١١٨ وسرّ صناعة الإعراب ١/ ٣٠ ومعجم شواهد العربية ١/ ١٦٥.
[ ٧٥ ]
٣٢ - وأنتي حوثما يُشري الهوَى بصري من حوثما سلكوا أثني (١٥١) فأنظُورُو
[هكذا رواه ابن الأعراب "يشري" معجمة. أي: يقلق ويحرك]. (١٥٢) ومثله: (١٥٣)
٣٣ - عيطاءُ جماءُ العظام عُطبولْ كأن في أنيابها القَرنفُولْ (١٥٤)
_________________
(١) د: ادنو، وهي رواية في البيت.
(٢) ما بين المعقوفتين ورد في أفقط. وينظر: المحتسب ١/ ٢٥٩.
(٣) البيت مجهول القائل، ينظر: المحتسب ١/ ٢٥٩ ومعجم شواهد العربية ٢/ ٥١٨.
(٤) امرأة عيطاء: طويلة العنق جماء العظام: كثيرة اللحم. عُطبول: جميلة فتية ممتلئة.
[ ٧٦ ]