ومنها قول النبي - ﷺ - (نعم المنيحة اللقحةُ الصفي منيحةً) (٧٥٩).
وقول امرأة عبد الله بن عمروتعنيه (نعم الرجل من رجل، لم يطأ لنا فراشًا، ولم يفتش لنا كلنفًا منذ أتيناه) (٧٦٠).
وقول الملك (ونعم المجيء جاء) (٧٦١)
قلت: تضمن الحديث الأول والثاني (٧٦٢) وقوع التمييز بعد فاعل "نعم" ظاهرًا. وهو مما منعه سيبويه، فانه لا يجيز أن يقع التمييز بعد فاعل "نعم" و"بئس" إلا إذا أضمر الفاعل (٧٦٣) كقوله تعالى ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ (٧٦٤)، وكقول بعض الطائيين (٧٦٥):
١٢٤ - لنعم امرءًا أوس ذا أزمة عرت ويمم للمعروف ذوكان عوًدا
وأجاز المبرد وقوعه بعد الفاعل الظاهر (٧٦٦) وهو الصحيح.
ومن منع وقوعه بعد الفاعل الظاهر يقول: إن التمييز فائدة المجيء به رفع الابهام، ولا ابهام إلا بعد إلاضمار. فتعين تركه مع الاظهار.
وهذا الكلام تلفيق عار من التحقيق، فإن التمييز بعد الفاعل الظاهر، وإن لم
_________________
(١) في صحيح البخاري ٣/ ٢٠٥: الصفئ منحةْ. وينظر أيضًا ٧/ ١٤١.
(٢) صحيح البخاري ٦/ ٢٤٢. ويفتش: يطلب ويبحث.
(٣) صحيح البخاري ٤/ ١٣٤. وينظر ٤/ ١٣٣ و٥/ ٦٧ - ٦٨.
(٤) ب: تضمن هاذان الحديثان. د: تضمن هذا الحديث الأول والثاني تحريف.
(٥) في الكتاب ٢/ ١٧٩) (واعلم أنك لا تظهر علامة المضمرين في نعم، لا تقول: نعموا رجالًا. يكتفون بالذي يفسره كما قالوا: مررت بكل).
(٦) الكهف ١٨/ ٥٠.
(٧) لم أقف على الشاهد في كتاب.
(٨) المقتضب ٢/ ١٥٠.
[ ١٦٧ ]
يرفع ابهامًا، فإن التوكيد به حاصل، فيسوغُ (٧٦٧) استعماله (٧٦٨)، كما ساغ استعمال الحال مؤكدة، نحو ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ (٧٦٩) و﴿َيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ (٧٧٠)، مع أن الأصل فيها أن يبين بها كيفية مجهولة.
فكذا التمييز، أصله أن يرفع به ابهام، نحو: له عشرون درهمًا. ثم جاء به بعد ارتفاع الابهام قصدا للتوكيد، نحو: عنده (٧٧١) من الدراهم (٧٧٢) عشرون درهمًا. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ (٧٧٣). ومنه قول أبي طالب (٧٧٤)
١٢٥ - ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا
فلو لم ينقل التوكيد بالتمِييز بعد إظهار فاعل "نعم" و"بئس" لساغ استعماله قياسًا على التوكيد به مع غيرها. فكيف؟ وقد صح نقله، وقرر فرعه وأصله.
ومن شواهده (٧٧٥) الموافقة للحديثين المذكورين قول جرير يمدح عمر بن عبد العزيز ﵁ (٧٧٦):
١٢٦ - تزود مثل زادِ أبيك فينا فنعم الزادُ زادُ أبيك زادا
فما كعب بنُ مامة وابن سُعدى بأجود منك يا عمرُ الجوادا
_________________
(١) د: فيسرع. تحريف.
(٢) أج: استعمالا.
(٣) النمل ٢٧/ ١٠ والقصص ٢٨/ ٣١.
(٤) مريم ١٩/ ٣٣.
(٥) ج: عند هم. تحريف.
(٦) ب: اللرهم.
(٧) التوبة ٩/ ٣٦.
(٨) شرح ابن الناظم ص ١٨٣ وسجم شواهد العربية ١/ ٣٨٨.
(٩) أج: شواهد.
(١٠) ديوان جرير ص ١٣٥ والخصائص ١/ ٨٣ ومعجم شواهد العربية ١/ ٩٦.
[ ١٦٨ ]
ومن شواهد ذلك أيضا قول جرير يهجو الأخطل (٧٧٧):
١٢٧ - والتًغلبيونَ بئس الفحلُ فحلُهم فحلا وأُمهم زلاء منطيق
ومن شواهد ذلك أيضا قول الآخر (٧٧٨):
١٢٨ - نعم الفتاة فتاة هندُ لو بذلت رد (٧٧٩) التحية نطقًا أو بايماء
وفي قول الملك - ﷺ - "نعم المجيء جاء" شاهد على الاستغناء بالصلة عن الموصول، أو بالصفة عن الموصوف [١٧ظ]، في باب" نعم".
لأنها تحتاجُ إلى فاعل هو "المجيء" وإلى مخصوص (٧٨٠) بمعناه (٧٨١) وهو مبتدأ مخبر عنه ب "نعم " وفاعلها، وهو في هذا الكلام وشبهه موصول أوموصوف ب "جاء".
والتقدير: "ونعم المجيء الذي جاء، أو"نعم المجيء مجىء جاء".
وكونه موصولًا أجود؛ لأنه غير عنه، وكون المخبر عنه معرفة أولى من كونه نكرة.
_________________
(١) ديوان جريرص ٣٥٩ والمقرب ١/ ٦٨ ومعجم شواهد العربية ١/ ٢٤٨.
(٢) قائل البيت مجهول. ينظر: شرح الألفية، للمرادي ٣/ ٩٤ ومعجم شواهد العربية ١/ ٢٤.
(٣) أج: ود.
(٤) د: المخصوص. تحريف.
(٥) أب: بمعناها.
[ ١٦٩ ]